لقد عني الموحدون بالمجال الفكري عناية شديدة، وكان الخلفاء أسوة في ذلك؛ فقد عملوا على تقريب المفكرين والأدباء والعلماء منهم، فقد اتسم أبو يعقوب يوسف بالعلم والأدب، وأفاضت الروايات في التنويه بمواهبه العلمية والأدبية، وقد اجتمع حوله ثلاثة من أعظم روّاد التفكير الإسلامي
[ ١ / ٣٦ ]
وهم: طبيبه الخاص الفيلسوف العلّامة أبو بكر بن طفيل، وتلميذه أبو الوليد بن رشد، والطبيب العبقري أبو بكر بن زهر.
وقد ازدهرت بذلك المجالس العلمية التي كان فيها الأساتذة الشيوخ يلقنون العلم لطلبتهم بطرق الأخذ المعروفة فانتشرت المدارس والمعاهد في الأندلس، وكان الخليفة يشرف بنفسه على إحضار التلاميذ وامتحانهم (^١).
وانتشر الفقه والتصوف وعلم الكلام علاوة على العلوم الشرعية التي أسلفنا الحديث عنها في المجال الديني.
وقد ازدهرت الحركة الأدبية ازدهارًا في كافة فروعها، وخاصة تراث الرسائل التي كان عبد المؤمن وابنه أبو يعقوب يقومان بالإشراف عليها؛ لأنها كانت من صميم العمل السياسي لتضمنها الأوامر والنواهي للعمال، وقد كانت ذات قيمة تاريخية إذ تخلد الأحداث، وذات قيمة أدبية رفيعة لما عرفت به من أسلوب عال ومتين، وألفاظ قوية ومتخيرة يناسب فيها المقال المقام، وقد كلف لهذه المهمة كتاب الخلفاء الذين أحسنوا وأجادوا.
"وقد قامت للأدب نهضة كبرى ظهرت عظمتها في كثير من المقامات منها: الندوة الأدبية التي أقامها عبد المؤمن على جبل الفتح بين الأدباء المغاربة والأندلسيين، واستقبال يعقوب المنصور للشعراء بعد غزوة الأرك" (^٢)؛ وذلك حين وفدت الوفود من المغرب والأندلس مهنئة على البيعة السعيدة: "فدخل وفد بعد وفد، وخطبوا وأطنبوا، وأطعموا الطعام، وأنيلوا المنزل الرحب والأنعام، وأنشد الشعراء أشعارهم، وقضوا فيما وفدوا به أوطارهم، وحبا السيد الأعلى جميعهم بالأعطيات والبركات والكسوات على أتم
_________________
(١) فاختاروا لها من أبناء الجماعة النبهاء القصاة الفرسان الأنجاد من أهل الأديان الشيخ الحافظ أبي عبد الله ابن الشيخ، واتفقوا على ولايته عليها. . . وعقد له الأمير رايتين من الحفاظ من أبناء أهل الخمسين من الموحدين أعزّهم الله. المن: ٢٧.
(٢) نفح الطيب: ٢/ ٤٣٠؛ العلوم والآداب على عهد الموحدين ١٣٦؛ الأدب الأندلسي في عصر الموحدين: ٢٤.
[ ١ / ٣٧ ]
الخيرات، ودامت الإقامة في الجبل مدة خمسة عشر يومًا في مسرة خاصة ومبرة مشتملة" (^١).
وكانت الدولة تغدق على الأدباء والشعراء والمؤرخين من أموالها، وتخصص لهم من الهبات الجزلة ما يذكي حماسهم، ويقوّي نشاطهم، ويحفزهم على الزيادة من إبداعهم. وقد زاد في ارتقاء مكانتهم في المجتمع تقريب الخلفاء لهم، ومشاركتهم في النقد والتوجيه: "وأذن للشعراء في الإنشاد بذلك المجلس العالي الشريف العماد. . . ولما أنشد المنشد هذه القصيدة بين يدي أمير المؤمنين أنكر أمير المؤمنين هذا البدء في قول الشاعر: "غمض عن الشمس"، وقال له على مسمع من الناس: غمض غمض! منكرًا لها؛ لأنه كان يحب الفأل الحسن، لكنه أمر له بعشرة دنانير كما أمر لكل شاعر، وأمر بعشرين مثقالًا لكل من وفد إليه من قاصد لرؤيته أو زائر" (^٢).
وقد حفلت هذه الفترة بجانب مهم من الأدب المنثور، وهو قمة مواقف العقيدة المهدوية من الشعر المتين، وأكثره من الشعر الرسمي الذي يوافق أغراض المدح والشعر السياسي وإن كان فيه قليل من التغزل والتشوق والهجاء، وقد تجنّب في كثير منه البدء بالتشبيب؛ وذلك تماشيًا مع عقيدة الموحدين الدينية، وقد أتى متأثرًا بالأسلوب والوزن المعروفين على عهد أبي تمام والمتنبي فجلّه من بحر الكامل والطويل والبسيط. كما نظم أيضًا على أوزان قصيرة من بحر الوافر المتقارب والخفيف. وكَثُرَ الارتجال والإجازة الشعرية حتى أن الأمراء كانوا أنفسهم ممن يرتجل الشعر ويجيز الشعراء (^٣).
وقد كَثُر النظم في المسائل اللغوية بما عرف بالشعر التعليمي تسهيلًا على الطلاب، إذ كان النظم أكثر ضبطًا وأيسر حفظًا.
وأما اللغة العربية وعلومها فعرفت ازدهارًا كبيرًا، واعتني بكتب الأدب
_________________
(١) المن بالإمامة: ١٨٢.
(٢) نفسه: ١٠٢.
(٣) نفح الطيب: ١/ ١٧٦؛ المطرب: ٢٠٠؛ المغرب: ١/ ٩٨ - ٣٨٧.
[ ١ / ٣٨ ]
العربي وجلبها إلى الأندلس؛ وذلك لأنهم يعتبرون اللغة وعلومها مفتاحًا لمعرفة أسرار كتاب الله تعالى.
وقد عنوا عناية كبيرة بالنحو خاصة، وحرصوا على الإجادة فيه وحفظ مذاهبه، وكان العالم به يعتبر في أعلى الطبقات، "وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنًا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء" (^١).
وانتشرت الخزانات العلمية، وكَثُر اقتناء الكتب وانتساخها، سواء في خزانات الدولة أو الخزانات خاصة. وقد ارتفع النشاط التعليمي والتدريسي المعتمد على الرواية والتلقين والحفظ الذي دعمه وجود الكتاب المشرقي، وكذا تحفيز الأندلسيين على التأليف.
كما لم يخل المجال الفكري من علوم عملية مما كثرت إليه الحاجة في تسيير دواليب الدولة بما فيها علوم الهندسة والطب وصناعة الدواء، وقد رأينا بلاء المهندسين المعماريين في بناء المدن، والمهندسين في بناء القطع والسفن الحربية، والصناع الذين عملوا على توفير السلاح للجنود والعساكر، وكذلك الأطباء والصيادلة، وقد رأينا كيف نالوا القرب من الخلفاء ومنهم: ابن زهر وابن طفيل.
ونبغ علماء في فروع كثيرة من العلوم كعبد الملك بن زهر الإشبيلي (ت ٥٦٤ هـ) الذي نبغ في الطب، وابن البيطار المالقي (ت ٦٤٦ هـ) الذي نبغ في التاريخ الطبيعي، وابن جبير (ت ٦١٤ هـ) الذي نبغ في التاريخ، وابن طفيل وابن رشد اللذان نبغا في الفلسفة، وغيرهم كثير.
وكانت ثقافة هؤلاء العلماء وغيرهم من أبناء عصرهم ثقافة موسوعية، فقد نجد منهم من اجتمع لديه أكثر من علم؛ فهذا ابن زهر الذي عرف بالطب نجده مهندسًا قد وُكّل إليه الإشراف على بناء جامع إشبيلية (^٢).
_________________
(١) المغرب: ٢/ ١٢٩؛ نفح الطيب: ٦/ ٣٥؛ تاريخ الفكر الأندلسي: ١٨٦.
(٢) المن: ٣٩٢.
[ ١ / ٣٩ ]
وقد كان الفقهاء رجال دين وعمل؛ إذ منهم من يشرف على الفلاحة والمساحة: "وأمر أمير المؤمنين أبا القاسم أحمد بن محمد القاضي، وأبا بكر محمد بن يحيى بن الحذاء الإمام بمسجد الموثق لأمانتهما ودياتهما ومعرفتهما بالمساحة والتكسير والفلاحة أن يختطا له ما يتصل بهذه القصور والمباني من الأرض البيضاء" (^١).
كما كَثُر الاهتمام بالتنجيم وعلم الهيئة والفلك، وقد استعين بها في جميع أحوال الناس وفي معرفة الأزمنة، وأمر الخليفة ببناء أول مرصد بمسجد إشبيلية استجابة للخصاص في هذا المجال.
هكذا كانت العلوم والفنون مزدهرة على عهد الموحدين، قال المقري: "وأما حال الأندلسيين في الفنون والعلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز" (^٢). "ولمع في النحو في هذا العصر نحاة مشهورون منهم: أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المراكشي صاحب المقدمة الجزولية، وظهرت في هذا العصر مدارس نحوية هنا وهناك تفرّدت بآراء خاصة في بعض مسائل الإعراب وغيره؛ فهذه مدرسة فاس التي سيختلف أهلها مع مدرسة تلمسان في مسألة صرف أبي هريرة، وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم النكرة المقصودة إذا نوّنت اضطرارًا، وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة نحوية إلى مدرسة إشبيلية، وأخيرًا هذه مدرسة المغرب بعامة التي لا تسمي لولا شرطًا ولا لو إلا إذا كانت بمعنى إن" (^٣).
_________________
(١) نفسه: ٣٧٤.
(٢) نفح الطيب: ٥/ ٣٧.
(٣) النبوغ المغربي: ١/ ١٢٦.
[ ١ / ٤٠ ]