لقد أوضح كتاب "الانتخاب" أن الجذامي كان ملمًا بجميع الأخبار والأحداث وأيام العرب في الجاهلية والإسلام، وأنه متوفر على قدر مهمّ من المعلومات في ميدان التاريخ والأخبار، وقد استفاد من هذه المعلومات لإغناء الشرح بما يفيد وبما ييسر الفهم، وذلك بذكر هذه الأحداث والوقوف طويلًا عندها، لشرح ما أشار إليه ابن قتيبة، أو لإضافة توضيحات أخرى كانت الفرصة سانحة للإطالة فيها، فكتاب "الانتخاب" زاخر بأحداث تاريخية ووقائع تطلبها مقام الشرح مثال: خبر بدء التأريخ على عهد عمر بن الخطاب ﵁ (^١). وأخبار خالد بن عبد الله القسري وجزءًا من خبر محنته (^٢). وخبر بني أسد مع عمرو بن هند لما سموا عبيد العصا (^٣). وخبر خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود ندماني المنذر حين قتلهما (^٤). وخبر الزباء مع قصير اللخمي. وخبر عمرو بن عدي حين قتل (^٥). وخبر حاجب بن زرارة وابنه أسعد بن المنذر وتحريقه لبني دارم (^٦). وغيرها من الأمثلة كثير.
كما أنه أشار إلى بعض أيام العرب وشرح أسبابها التي عرفت بها، مثل: يوم الفجار، يوم القصيبة يوم أوراة، يوم النسار، ويوم الجفار، وغيرها. وهذا مما يدل على سعة اطلاعه ومعرفته بهذه الأيام.
كما أنه أبان عن معرفة بأنساب العرب، منها إيراده لنسب قبيلة قضاعة والشعر الذي قيل فيه، ونسب قبيلة "مراد"، ونسب "جعفر أنف الناقة"، وغيرها.
_________________
(١) الانتخاب: ٣٩٨.
(٢) الانتخاب: ٥٤٨.
(٣) الانتخاب: ٩٩.
(٤) الانتخاب: ١٠٧.
(٥) الانتخاب: ٥٥٧.
(٦) الانتخاب: ١٠٠.
[ ١ / ٥٧ ]
كما أن معرفته بأنساب الأعلام وتحقيقها جعلته يدقق في الأسماء ويوردها على النحو الصحيح، كقوله: "كُلُّ فُرَافِصَةَ فِي الْأَسْمَاءِ بِالصَّمِّ، إِلَّا فَرَافِصَةَ أَبَا نَائِلَةَ زَوْجِ عُثْمَانِ بْنِ عَفَّانِ فَإِنَّهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ" (^١)، وقوله في النمر بن تولب بأنه بسكون الميم لا غير (^٢).
كذلك معرفته باشتقاق الأسماء كاشتقاق اسم الحوفزان، واسم امرئ القيس، واسم مراد، وغيرهم، وأسباب أسماء الشعراء كلقب ذي الرمة، وجران العود، والأعشى، وغيرهم واشتقاق أسماء القبائل، واشتقاق أسماء البلدان: كذي طوى، وسرو حمير، وواسط، وغيرها.
كما أشار إلى بعض الأخبار وصححها مثل: خبر ضرب عيسى بن عمر بأن الضارب له لم يكن إبراهيم بن هبيرة (^٣). كما إن أورد أخبار الأمثال التي ذكرها والظروف التي أحاطت بها كمثل: "إن الشقي وافد البراجم" (^٤). وخبر مثل: "أهون من قعيس على عمته" (^٥)، و"كل الصيد في جوف الفراء"، وغيرها. وهذا كله مما يدل على سعة ثقافة الجذامي التاريخية والأخبارية.