لقد عرفت فترة حكم الموحدين نوعًا من الازدهار الاجتماعي، وخاصة في ظل الخلفاء الثلاثة وهم: عبد المؤمن، وأبو يوسف، ويعقوب المنصور، إذ بلغت الدولة أوجّ قوتها وعظمتها وقد تمثل ذلك في مظاهر الغنى الذي ساد قصور الحكام، والغنى الذي عرفه الشعب؛ قال ابن الخطيب عن يوسف بن عبد المؤمن: آية الموحدين في الإعطاء والمواساة، وفي أيامه ساد الرخاء، واستغنى الناس، وكثرت في أيديهم الأموال" (^١).
وقد كانت الاحتفالات التي أقامها الخلفاء في مناسبات عديدة مظهرًا من مظاهر الحياة المترفة مثل: استقبال أبو يعقوب يوسف أخاه أبا حفص في مراكش سنة (٥٦١ هـ): "واحتفل الأمير الإمام أبو يعقوب ﵁ بالبروز واللقاء إليه بنفسه بحضرة مراكش، وكسا العبيد بالثياب المصنعة الألوان، وصفف الفرسان الكمل المدرعين من الموحدين وغيرهم، والرجال بالدرق والرماح صفوفًا، والطبالين مع خاصة أصحابه وهو راكب على جواده. . . وكان من البروز الحافل ما أبهت الناظرين لغاية الإجماع. وفي اليوم الثاني من هذا الوصول السعيد صنع للموحدين الواصلين والعرب ولجميع المقيمين من جميع الأصناف الأطعمة الدارة والأشربة الحلال المحارة على المسار السارة مدة خمسة عشر يومًا في نعيم وسرور مقيم. ثم أنعم عليهم بالكسوة التامة. . . وأدرت عليهم البركة الحافلة من الذهب والدراهم، لكل فارس عشرون دينارًا، والأعيان الموحدين وأشياخهم لكل واحد مائة دينار. . . فاجتمع لجميع الناس السرور والمال الحاضر الموفور، وعادت الطبول بالنقر فيه مدة خمسة عشر يومًا. . ." (^٢).
وكذلك حفل تولية أبي يعقوب يوسف في جبل الفتح، حيث جاءه الشعراء مهنئين (^٣).
_________________
(١) الإحاطة: ٤/ ٣٥٥.
(٢) المن بالإمامة: ٢١٥.
(٣) نفسه: ١٧١.
[ ١ / ٣٥ ]
كما جرت عادات الموحدين في إقامة الضيافات الخليفية الفخمة خلال تنصيب العمال الجدد أو استعراض القبائل المسمى بـ: التمييز أو التشريفات في استقبال الضيوف، وكان العوام ينالون من ذلك نصيبًا من الأعطيات. ولكي تعم الفرحة سائر الشعب يتم الإفراج عن جلّ المعتقلين والمخالفين.
وإن أهم ما يعطي فكرة عن الرخاء الذي كان يعم البلاد ما قرأناه من البركة التي نفح بها الجنود من أنها كانت باهظة؛ وذلك لأن العملة كانت الدينار الذهبي والدرهم الفضي العالي القيمة.
وقد أسلفنا ذكر المصحف العثماني وما احتواه من جوهر نفيس، وهذا دليل على هذا الترف.
وقد كانت القواعد الحربية الكبرى كقاعدة المعمورة مثلًا تتوفر على جميع ما يمكن أن تحتاج إليه الأساطيل، بل إن المواد الغذائية المخزونة فيها قد تفي دون الحاجة إليها، فتحقق الأمن من الجوع، وكان ذلك من مظاهر هذا الرخاء.
وضمن الناس المسكن الكريم بما شيّد من مدن، وضمن الطعام بما قامت به الدولة من مجهودات في الغراسة، وتسريب المياه وجلبها من الأماكن البعيدة. وكانت البركة التي يتقاضاها الجنود سببًا مباشرًا في فاعليتهم في نشر الأمن والسلم في البلاد إلى جانب فاعلية القضاء الذي كان عادلًا في الضرب على أيدي المسيئين والمجرمين، فتحقق الأمن من الخوف.