ط: "الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَوَاضِعُ غَلَطٍ أُنَبِّهُ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَشْيَاءٌ اضْطَرَبَ فِيهَا كَلَامُهُ فَأَجَازَ فِي مَوْضِعٍ مَا مَنَعَ فِي آخَرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَشْيَاءٌ جَعَلَهَا مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ وَخَطَئِهِمْ وَعَوَّلَ فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَأَجَازَهَا غَيْرُ الْأَصْمَعِيِّ كَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ (^١) وَيُونُسَ (^٢) وَأَبِي زَيْدٍ (^٣) وَغَيْرِهِمْ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ الْمَخْتَارُ أَوِ الْأَفَصَحُ أوْ: قَوْلُ فَلَانٍ، وَلَا يَحْجُرُ شَيْئًا جَائِزًا مِنْ أَجْلِ إنْكَارِ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ.
وَالرَّابِعُ: مَوَاضِعُ وَقَعَتْ غَلَطًا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْنَا فَلَا أَعْلَمُ أَهِيَ غَلَطٌ مِنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَمْ غَلَطٌ مِنَ النَّاقِلِينَ عَنْهُ" (^٤).
ع: قوله: "عَلَى مَا بَيَّنْتُ لَكَ فِي بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ" (^٥) هَذَا
_________________
(١) إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء، أبو عمرو، لغوي أديب من رمادة الكوفة، سكن بغداد ومات بها سنة (٢٠٦ هـ). له تصانيف تاريخ بغداد: ٦/ ٣٢٩؛ نزهة الألباء: ٩٣؛ الوفيات: ١/ ٦٥؛ بغية الوعاة: ١/ ٤٣٩؛ الأعلام: ١/ ٢٩٦.
(٢) يونس بن حبيب الضبي بالولاء، أبو عبد الرحمن يعرف بالنحوي، علامة بالأدب إمام نحاة البصرة أعجمي الأصل، توفي سنة (١٨٢ هـ) له: معاني القرآن، اللغات، النوادر والأمثال. نزهة الألباء: ٤٩؛ معجم الأدباء: ٧/ ٣١٠؛ الوفيات: ٢/ ٤١٦؛ الأعلام: ٨/ ٢٦١.
(٣) أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، راوية عالم بالشعر، صنف "جمهرة أشعار العرب"، توفي سنة (١٧٠ هـ). الأعلام: ٦/ ١١٤.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٥.
(٥) أدب الكتاب: ٢١.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الْبَابُ فِي كِتَابِ "الْمُشْكَلِ" (^١) لَا فِي "الْأَدَبِ".
ع: الْحُمَةُ (^٢): جَمْعُهَا حُمَاتٌ وَحُمَّى وَهِيَ السُّمُّ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ حَمِيَ الشَّيْءُ فِي النَّارِ: إِذَا الْتَهَبَ. وَكَذَلِكَ حَمِي الرَّجُلُ: إِذَا غَضِبَ، كَأَنَّهُ حَمِيَ مِزَاجُهُ أَي الْتَهَبَ.
وَحَكَى الْمُطَرِّزُ فِي كِتَابِ "الْيَوَاقِيتِ" فِي الْحُمَةِ التَّخْفِيفَ وَالتَّثْقِيلَ.
وَالضَّرُّ بِالْفَتْح، ضِدُّ النَّفْعِ، وَبِالضَّمِّ: الْبُؤْسُ. وَقَالَ أَبُو عَلِي: يُقَالُ: الْتِّرْيَاقُ، وَالدِّرْيَاقُ أَفْصَحُ، وَحُكِي الطَّرْيَاقُ وَالدِّرَاقُ وَلَيْسَا بِشَيْءٍ.
قوله: "وَمِنْهُ قَوْلُهُ" (^٣): يَعْنِي "ابْنَ سِيرِينَ".
قال في "غريب الحديث": "هَذَا يَرْوِيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (^٤) عَنْ مَعْمَرٍ (^٥) عَنْ أَيُّوبٍ (^٦) " (^٧).
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ (^٨): (عَلِّمِي
_________________
(١) تأويل مشكل القرآن: ٧٥.
(٢) أدب الكتاب: ٢١.
(٣) أدب الكتاب: ٢٢، والحديث مرفوع إلى النبي ﷺ وهو قوله: (لا رقية إلا من نملة أو حمة أو نفس) وهو في: صحيح مسلم: ٧/ ١٨؛ غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٦٢٠؛ الفائق ٤/ ٢٦؛ النهاية: ٥/ ٩٦.
(٤) لم نقف على ترجمته.
(٥) معمر بن راشد الأزدي الحداني، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن وشهد جنازة الحسن البصري، توفي سنة (١٥٢ هـ). تهذيب التهذيب: ١٠/ ٢٤٣.
(٦) أيوب بن بشير بن سعد بن النعمان الأنصاري، أبو سليمان المدني، ولد في عهد النبي ﷺ وأرسل عنه، توفي سنة (١١٦ هـ). تهذيب التهذيب: ١/ ٣٩٧.
(٧) الحديث: أن رسول الله نهى عن الرقى إلا في ثلاث: رقية النملة والحمة والنفس، وهو في: غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٦٢٠؛ النهاية: ٥/ ٩٦ - ١٢٠؛ الفائق: ٤/ ٢٦.
(٨) الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن شداد العدوية، أسلمت قبل الهجرة وبايعت النبي ﷺ، وكانت من عقلاء النساء. طبقات ابن سعد: ٣/ ٢٩٠؛ أسد الغابة: ٦/ ١٦٢؛ الإصابة: ٨/ ١٢٠.
[ ٢ / ١٣٦ ]
حَفْصَةَ (^١) رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ) (^٢).
قوله: "وَالْحُمَةُ: كُلُّ هَامَّةٍ ذَاتُ سُمِّ" (^٣).
كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ: لِكُلِّ هَامَّةٍ بِزِيَادَةِ اللَّام عَلَى هَذَا اللفظ أَصْلَحَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَدْ يَخْرُجُ كَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَلَى أَنْ يُرِيدَ بِالْحُمَةِ ذَاتَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَأَجْسَامَهَا لَا نَفْسَ الْمِزَاجِ السُّمِّيِّ.
قوله: (طويل)
وَلَا عَيْبَ فِينَا (^٤)
ط: "هَذَا الْبَيْتُ لَا أَعْلَمُ قَائِلَهُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: "نَخُطُّ" بِالْخَاءِ مُعْجَمَةَ وَ"نَحُطُّ" بِالْحَاءِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَرَادَ بِالنَّمْلِ الْقُرُوحَ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ كَانَ أَخْوَالُهُ مَجُوسًا. كَذَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابٍ "الْمَعَانِي" وَأَنْشَدَهُ:
وَلا عَيْبَ إِلَّا نَزْعُ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ (^٥)
وَمَنْ رَوَى "نَحُطُّ" فَيَكُونُ مَعْنَاهُ كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَطَطْتُ الْأَدِيمَ إِذَا دَلَكْتَهُ وَنَقَشْتَهُ" (^٦).
وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: نَحْفِرُ بُيُوتَ النَّمْلِ وَنَسْتَخْرِجُ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ مَهَانَةً
_________________
(١) حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجة النبي ﷺ وأم المؤمنين، روت عن رسول الله ﷺ، توفيت سنة (٤٥ هـ). الإصابة: ٤/ ٢٧٣؛ طبقات ابن سعد: ٨/ ٥٦؛ صفة الصفوة: ٢/ ١٩؛ الأعلام: ٢/ ٢٦٤.
(٢) الحديث رواه أبو داود: طب ١٨ (ح ٣٨٨٧) ٤/ ١١؛ و٤/ ٣٧٢.
(٣) أدب الكتاب: ٢٢ لكل.
(٤) أدب الكتاب: ٢٢ وتمامه: غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ … كِرَامٍ وَأَنَّا لَا نَخُطُّ عَلَى النَّمْلِ والبيت في: المعاني الكبيرة: ٥٦٣؛ المحكم: ١٢/ ١٧٣؛ غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٦٢٠؛ الصحاح ول (نمل).
(٥) سبق تخريجه في الإحالة ٤.
(٦) الاقتضاب: ١/ ١٣.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَخَسَاسَةً مِنْ قَوْلِهِمْ: حَطَّتِ النَّاقَّةُ فِي سَيْرِهَا حَطُّا، إِذَا ضَرَبَتْ بِقَوَائِمِهَا الْأَرْضَ فَحَفَرَتْهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نَحُطُّ رِحَالَنَا عَلَى جِحَرَةِ النَّمْلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَنْكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: "يَقُولُ نَحْنُ كِرَامٌ فَلَا نَأْتِي بُيُوتَ النَّمْلِ فِي الْجَدْبِ لِنَحْفِرَ عَلَى مَا جُمِعَ فِيهَا فَتَأْكُلَهُ".
ع: قَوْلُهُ: نَخُطُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ نَكْتُبُ عَلَيْهَا شَكْلَ خَوَاتِمِ سُلَيْمَانَ ﵇.
وَالْعِرْقُ (^١): الْأَصْلُ شُبِّة بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ.
ط: "وَمَنْ نَصَبَ "غَيْرَ" جَعَلَهُ مَرْدُودًا عَلَى مَوْضِعِ الاسْمِ الْمَنْصُوبِ بِالتَّبْرِيَةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: مَا فِي فُلَانٍ عَيْبٌ إِلَّا السَّخَاءُ، وَالْمَعْنَى: لَا عَيْبَ فِيهِ الْبَتَّةَ.
وَأَصْحَابُ الْمَعَانِي وَالنَّقْدِ يَجْعَلُونَ هَذَا الْاسْتِثْنَاءِ مِنْ مَحَاسِنِ الشِّعْرِ وَبَدِيعِهِ كَالطَّبَاقِ وَالتَّجْنِيسِ وَالتَّصْدِيرِ وَالتَّرْصِيعِ وَنَحْوِهَا، وَالْأَصْلُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ هَذَا الاسْتِثْنَاءَ أَنَّ اللَّئْيِمَ الطَّبْعِ يَعْتَقِدُ السَّخَاءَ تَبْذِيرًا وَالشَّجَاعَةَ هَوَجًا وَالْحِلْمَ ذُلًّا فَيَرى الصَّوَابَ فِي أَضْدَادِهَا.
وَحَرْفُ الْجَرِّ في آخِرِ الْبَيْتِ مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَخُطُّ" وَهُوَ ظَاهِرٌ فَلَا مَوْضِعَ لَهُ وَ"فِي" أَوَّلِ الْبَيْتِ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ التَّبْرِيَةِ الْمُقَدَّرِ فَلَهُ مَوْضِعٌ لِتَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ. وَمَنْ رَفَعَ "غَيْرَ" جَازَ أَنْ يَرْفَعَهُ عَلَى خَبَرِ التَّبْرِيَةِ وَتَكُونُ "فِينَا" فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ"عَيْبٍ". وَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ صِفَةَ لِـ"عَيْبٍ" عَلَى الْمَوْضِع أوْ بَدَلًا وَيَكُونَ خَبَرُ التَّبْرِيَةِ فِي الْمَجْرُورِ.
وقوله: "وَأَنَّا لَا نَخُطُّ": جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: "عِرْقٍ"، كَأَنَّهُ قَالَ: "غَيْرُ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ كِرَامٍ وَامْتِنَاعٍ مِنَ الْخَطِّ عَلَى النَّمْلِ، وَيَجُوزُ
_________________
(١) أدب الكتاب: ٢٢.
[ ٢ / ١٣٨ ]
أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: غَيْرَ عِرْقٍ فَمَعْنَاهُ: إِلَّا عِرْقًا.
وَمَنْ رَفَعَ "غَيْرُ" أَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "غَيْرُ عِرْقٍ" فَرَفَعَ غَيْرَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا عِرْقٌ" (^١).
وقوله: "يُرِيدُ أَنَّا لَسْنَا بِمَجُوسٍ" (^٢).
يُقَالُ: إِنَّ وَلَدَ الرَّجُل مِنْ أُخْتِهِ إِذَا خَطَّ عَلَى النَّمْلَةِ بَرَأَ صَاحِبُهَا.
ع: وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ بْنِ قُتَيْبَةَ: "بِمَجُوسَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ بِالصَّرْفِ، وَمَجُوسُ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الْقَبِيلَةِ مُؤَنَّثٌ لَا يَنْصَرِفُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِاجْتِمَاع التَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ وَكَذَلِكَ يَهُودُ، وَقَدْ يَأْتِيَانِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَاَ جَمْعًا لِيَهُودِيِّ وَمَجُوسِيِّ فَيَكُونَانِ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ يَاءُ النَّسَبِ كقولك: زِنْجِيٌّ وَزِنْجٌ، فَيَكُونَانِ مَصْرُوفَيْنِ وَهُمَا نَكِرَتَانِ تَدْخُلُهُمَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
وَالْهَامَّةُ: بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَةُ الْهَوَامِ، مِنْ هَمَّ: إِذَا دَبَّ. وَبِالتَّخْفِيفِ: الرَّأْسُ وَالطَّائِرُ، وَجَمْعُهَا: هَامَاتٌ وَهَامٌ وأَنشد: (رمل)
وَأَرَانِي طَرِبُا (^٣) البيت
ط: "هُوَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ (^٤) وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: اسْمُهُ حَيَّانُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَعْدَةَ وَيُكْنَى أَبَا لَيْلَى،
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ١٣.
(٢) أدب الكتاب: ٢٢.
(٣) أدب الكتاب ٢٣، وتمامه: وأراني طربا في إثرهم … طرب الواله أو كالمختبل في ديوان الجعدي: ٩٣؛ أمالي ابن الشجري: ٣/ ٢٢٧؛ ل والتاج: (خبل) (طرب).
(٤) قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري، أبو ليلى، شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، توفي نحو سنة (٥٠ هـ)، وله ديوان شعر. طبقات فحول الشعراء: ٤٠؛ معجم الشعراء: ١٩٥؛ السمط: ٢٤٧؛ الأعلام: ٥/ ٢٠٧.
[ ٢ / ١٣٩ ]
يَقُولُهُ فِي شِعْرٍ يَذْكُرُ فِيهِ مَقْتَلَ عُثْمَانُ ﵁ (^١) وَيَوْمَ الْجَمَلِ (^٢) وَيَوْمَ صِفِّينَ (^٣)، وَأَنْشَدَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الطَّرَبِ يَكُونُ فِي الْجَزَعِ كَمَا يَكُونُ فِي السُّرُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "طَرَبَ الْوَالِهِ"، وَالْوَالِهُ: الذَّاهِبُ العَقْلِ لِفَقْدِ حَبِيبٍ، وَالْمُخْتَبَلُ: الَّذِي قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ.
قَالَ يَعْقُوبُ: "يُقَالُ: بَنُو فُلانٍ يُطَالِبُونَ بَنِي فَلَانٍ بِدِمَاءٍ وَخَبُولٍ أَي بِقَطْعِ أَيْدٍ وَأَرْجُلٍ" (^٤).
وَقَدْ يَكُونُ الْمُخْتَبَلُ الْفَاسِدَ الْعَقْلِ وَهُوَ نَحْوٌ مِنَ الْوَالِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَقَبْلَ الْبَيْتِ:
سَأَلَتْنِي جَارَتِي عَنْ أُمَّتِي … وَإِذَا مَا عَيَّ ذُو اللُّبِّ سَأَلْ
سَأَلَتْنِي عَنْ أُنَاسٍ هَلَكُوا … شَرِبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ وَأَكَلْ (^٥)
وقوله: "أَرَاني" (^٦).
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعِلْمِ فَيَكُونُ "طَربًا" مَعْقُولًا ثَابِتًا.
وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، فَيَكُونُ حَالًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُرَى بِالْقَلْبِ وَالْعَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ لِقَوْلِهِ: أَرَانِي، فَعَدَّى فِعْلَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَهُنَا جَمِيعًا لِلْمُتَكَلِّمِ.
_________________
(١) كان مقتله في ١٨ ذي الحجة سنة (٣٥ هـ) وهو ابن ٨٣ سنة، انظر: حادث مقتله في الكامل لابن الأثير: ٢/ ٩٠؛ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٧٦.
(٢) حدث سنة (٣٦ هـ)، وكان بوقوف عائشة ﵂ وطلحة والزبير ضد علي إذ سخطوا على إمارته ودعوا الناس إلى الإصلاح، سميت بالجمل الذي كانت تركبه عائشة ﵂. انظر: الكامل لابن الأثير: ٣/ ١٤١.
(٣) هي الوقعة الشهيرة بين علي ومعاوية في أيام ذي الحجة من أواخر سنة (٣٦ هـ) إلى سنة (٣٧ هـ)، وقد تحاكما إلى القرآن وانتهت بخلع علي وتنصيب معاوية بخديعة. انظر: الكامل لابن الأثير: ٣/ ١٤١.
(٤) تهذيب الألفاظ: ٧٢٨.
(٥) ديوانه: ٩٣؛ أمالي ابن الشجري: ٣/ ٢٢٧؛ الحماسة البصرية: ٢/ ٢٠١.
(٦) أدب الكتاب: ٢٣.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وَلَا يُجِيزُ سِيبَوَيْهُ وَأَصْحَابُهُ تَعَدِّي فِعْلِ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: ظَنَنتُني خَارِجًا، وَحَسِبْتُكَ مُنْطَلِقًا، وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَقُولُ: ضَرَبْتُنِي، إِنَّمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ نَفْسِي، وَلَا تَقُولُ لِلْمُخَاطَب: ضَرَبْتَكَ، إِنَّمَا تَقُولُ: ضَرَبْتَ نَفْسَكَ (^١).
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ، قَالُوا: فَقَدْتُنِي، وَعَدِمْتُنِي، وَرَأَيْتُنِي، قَالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ (^٢): (طويل)
نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي فَقَدْتُنِي … كَمَا يَنْدَمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ (^٣)
وقال عَنْتَرَةُ: (كامل والقافية من المتدارك)
فَرَأَيْتُنَا مَا بَيْنَنَا مِنْ حَاجِزٍ … إِلَّا الْمِجَنُّ وَنَصْلُ أَبْيَضَ مِقْصَلِ (^٤)
وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ: (متقارب)
يَرَى حَدُّهُ غَامِضَاتِ الْقُلُوبِ … إِذَا كُنْتُ فِي هَبْوَةٍ لَا أَرَانِي (^٥)
وَقَوْلُهُ: "طَرَبَ الْوَالِهِ".
مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ، أَرَادَ مِثْلَ طَرَبٍ الْوَالِهِ فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَأَقَامَ صِفَتَهُ مَقَامَهُ ثُمَّ حَذَفَ الصِّفَةَ وَأَنَابَ الْمُضَافَ إِلَيْهَا مَنَابَهَا وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ الْأَمِيرِ اللِّصَّ.
_________________
(١) الكتاب: ٢/ ٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة الكناني، شاعر من العشاق المتيمين من شعراء العصر الأموي، اشتهر بلبنى بنت الحباب الكعبية، توفي سنة (٦٨ هـ). الشعر والشعراء: ٦٢٨؛ الأغاني: ٨/ ١٠٧؛ فوات الوفيات: ٣/ ٢٠٤؛ النجوم الزاهرة: ١/ ١٨٢؛ الأعلام: ٥/ ٢٠٥.
(٣) البيت مختلف في نسبته وهو في ديوان قيس بن ذريح: ١١٢؛ الأغاني: ٩/ ٢٠٦ روايته: نَدَامَةً … كَمَا نَدِمَ الحماسة المغربية: ٩٢٨.
(٤) ديوانه: ١٢٢.
(٥) ديوانه: ٤/ ١٩١؛ شرح ديوان المتنبي للبرقوقي: ٢/ ٤٣٤؛ الاقتضاب: ٣/ ١٦.
[ ٢ / ١٤١ ]
وَ"الْوَالِهُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالطَّرَبِ، كَأَنَّهُ قَالَ: "كَمَا يَطْرَبُ الْوَالِهِ" (^١).
ع: يُقَالُ: طَرَبَ الرَّجُلُ إِذَا خَفَّ لِفَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ، وَطَرَبَتِ الْإِبِلُ لِلْحُدَاءِ. وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِشَاهِدٍ فِي الطَّرَبِ بِمَعْنَى الْخِفَّةِ فِي الْفَرَحِ. وَأَنْشَدَ فِيهِ ابْنُ الْأَنْبَارِي فِي "الزَّاهِرِ" لِابْنِ الدُّمَيْنَةِ (^٢): (طويل)
فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِذَا أَنْتَ لَمْ تَزُرْ … حَبِيبًا وَلَمْ يَطْرَبْ إِلَيْكَ حَبِيبُ (^٣)
أَيْ لَمْ يَخِفَّ، وَأَنْشَدَ: (وافر)
يَقُلْنَ لَقَدْ بَكَيْتَ (^٤) البيت
ط: "يُرْوَى لِبَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ (^٥) وَيُرْوَى لِعُرْوَةَ بْن أُذَيْنَةَ الْفَقِيهِ (^٦)، وَرَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: "يَقُلْنَ"، وَالصَّوَابُ: "فَقُلْنَ" لِأَنَّ قَبْلَهُ: (وافر)
كَتَمْتُ عَوَاذِلِي مَا فِي فُؤَادِي … وَقُلْتُ لَهُنَّ لَيْتَهُمُ بَعِيدُ
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ١٦.
(٢) أدب الكتاب: عبد الله بن عبيد الله بن أحمد التيمي الخثعمي، أبو السري، والدمينة أمه، من شعراء العصر الأموي، توفي نحو (١٣٠ هـ). الشعر والشعراء: ٧٥١؛ الأغاني: ١٥/ ١٤٤؛ معاهد التنصيص: ١/ ١٦٠؛ الأعلام: ٤/ ١٠٢.
(٣) ديوانه: ١١٨؛ الأغاني: ١٥/ ١٤٤؛ السمط: ١٣٦؛ الأمالي: ٢/ ٤٠ نسبه لرجل من بني عبس؛ الزاهر: ١/ ١٦٥.
(٤) أدب الكتاب: ٢٣ تمام البيت: وَقُلْتُ كَلَّا … وَهَلْ يَبْكِي مِنَ الطَّرَبِ الْجَلِيدُ والبيت ينسب لبشار بن برد في ديوانه: ٧٣، وينسب لعروة بن أذينة وهو في شعره: ٤١٥؛ الأغاني: ٤/ ٣٠.
(٥) بشار بن برد العقيلي بالولاء، أبو معاذ، أشعر المولدين مخضرم الدولتين الأموية والعباسية، توفي سنة (١٦٧ هـ). الشعر والشعراء: ٧٥٧؛ الأغاني: ٣/ ١٣٥؛ الكامل: ٢/ ٣؛ تاريخ بغداد: ٧/ ١١٢؛ الوفيات: ١/ ٨٨؛ الأعلام: ٢/ ٥٢.
(٦) عروة بن يحيى بن مالك بن الحارث الليثي، شاعر غزل مقدم من أهل المدينة، وفقيه ومحدث له ديوان شعر جمعه يحيى الجبوري. توفي نحو (١٣٠ هـ). الشعر والشعراء: ٥٧٩؛ الأغاني: ١٠٥٢١؛ الموشح: ٢٧١؛ فوات الوفيات: ٢/ ٤٥١؛ الأعلام: ٤/ ٢٢٧.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فَجَالَتْ عَبْرَةٌ أَشْفَقْتُ مِنْهَا … تَسِيلُ كَأَنَّ وَابِلَهَا فَرِيدُ (^١) " (^٢)
وَأَنْشَدَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي "النوادِرِ": "فَقَالُوا" بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى "الْعَوَاذِلِ" وَالْمُرَادُ بِهِنَّ النِّسَاءُ لِأَنَّ "فَوَاعِلَ" جَمْعُ فَاعِلَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْعَوَاذِلِ الْعُذَّلَ ضَرُورَةً كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: (كامل)
وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ … خُضَعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَبْصَارِ (^٣)
فَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: "وَقُلْتُ لَهُنَّ" يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدِي عَلَى أَنْ يَكُونَ انْصَرَفَ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُؤَنَّثِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُذَكَّرِ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: (وافر)
فَقَالُوا مَا لِدَمْعِهِمَا سَوَاءٌ … أَكِلْتَيْ مُقْلَتَيْكَ أَصَابَ عُودُ (^٤)
فَهَذَا الضَّمِيرُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِلَّا التَّذْكِيرُ عَلى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ رُوِيَ: "فَقُلْنَ نَرَى دُمُوعَهُمَا سَوَاءٍ" لَكَانَ أَجْوَدَ وَأَبْعَدَ مِنَ الْمُجازِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ رِوَايَةً ثانِيَةً غَيْرَ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ.
وَ"كَلَّا" هُنَا كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الزَّجْرُ وَالرَّدْعُ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا النَّفْيُ، أَيْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَا مَوْضِعَ "لِمَنْ" مِنَ الْإِعْرَابِ لِتَعَلُّقِهَا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ: "يَبْكِي".
أبُو عَلِيِّ: كَلَّا زَجْرٌ وَرَدْعٌ، وهَكَذَا قَالَ أَشْيَاخُنَا قَوْلَهُ: "مِنْ ذَلِكَ الْحِشْقَةُ" (^٥) الكلام.
_________________
(١) البيتين في: ديوان بشار: ٧٣ وفي شعر عروة بن أذينة: ٤١٤؛ وفي الأغاني: ٤/ ٣٠؛ الأمالي: ١/ ٤٩؛ الأشباه للخالديين: ٢/ ٦٨.
(٢) الاقتضاب: ٣/ ٧.
(٣) ديوانه: ٢٦٦ والبيت من الشواهد النحوية وهو في: الكتاب: ٢/ ٢٠٧؛ المقتضب: ١/ ١٢١؛ شرح المفصل: ٥/ ٥٦؛ الكامل: ٤/ ١٨٩؛ الخزانة: ١/ ٩٩؛ الأغاني: ٢١/ ٣٦٩ روايته: خُضُعَ، الحماسة البصرية: ١/ ٤٧٠.
(٤) ديوانه: ٧٤ روايته: لدمعتها … أكلتا وفي الأغاني: ٤/ ٣٠. روايته: فقلنفما … سواء.
(٥) أدب الكتاب: ٢٣.
[ ٢ / ١٤٣ ]
ط: "هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورَ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْحِشْمَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الْاسْتِحْيَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ": "الْحِشْمَةُ: الْانْقِبَاضُ عَنْ أَخِيكَ فِي الْمَعْظِم وَطَلَبِ الْحَاجَةِ" (^١)، تَقُولُ: احْتَشَمْتَ عَنِّي، وَمَا الَّذِي حَشَمَكَ وَأَحْشَمَكَ، وَقَدْ رَوَى فِي شِعْرٍ عَنْتَرَةَ: (كامل)
وَأَرَى مَغَانِمَ لَوْ أَشَاءُ حَوَيْتُهَا … فَيَصُدُّنِي عَنْهَا كَثِيرُ تَحَشُّمِي (^٢)
وَقَالَ كُثَيِّرُ: (بسيط)
إِنِّي إِذَا لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُمَا عِنْدِي … بِمَا قَدْ فَعَلْتُ أَحْتَشِمُ (^٣)
وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ:
وَرَأَيْتُ الشَّرِيفَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ … وَضِيعًا وَقَلَّ مِنْهُ احْتِشَامِي (^٤)
وَقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ فَلَا تَكُونُ فِيهَا حُجَّةٌ فَيَكُونَ "تَحَشُّمِي" فِي قَوْلِ عَنْتَرَةَ: أَنَفَتِي وَحَمِيَّتِي لِأَنَّ هِمَّتِي فِي الْمَسْلُوبِ لَا فِي السَّلَبِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: (بسيط)
إِنَّ الْأُسُوَدَ أُسُودَ الْغَابِ هِمَّتُهَا … يَوْمَ الْكَرِيهَةِ فِي الْمَسْلُوبِ لَا السَّلَبِ (^٥)
وَيَكُونُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:"أَحْتَشِمُ" أَيْ أَغْضَبُ وَآنَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَيَّ أَلَّا أُجَازِيهِمَا عَلَيْهِ وَيَكُونَ "قَلَّ مِنْهُ احْتِشَامِي" بِمَعْنَى قَلَّ مِنْهُ غَضَبِي وَأَنَفَتِي لأنَّ الشَّرِيفَ يَأْنَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَاجِعًا لِلْخَسِيسِ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ: (بسيط)
وَأَعْرِضْ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (^٦)
_________________
(١) العين (حشم): ٣/ ٩٩.
(٢) ديوانه: ١٦٠ روايته: فأرى، الحماسة البصرية: ١/ ٧٩.
(٣) ديوانه: ٢٧٣ روايته: إني متى لا يكن نوالهما، وهو في: الخصائص: ٣/ ١٤٩، ل (حشم).
(٤) البيت ليس للطرماح بل للكميت في هاشمياته: ٣٠ وفي ديوانه: ١/ ٣٥.
(٥) ديوانه: ١/ ٦٦ روايته: أُسُودَ الْغِيلِ، وهو في الحماسة المغربية: ٣٢٤، الأغاني: ١٦/ ٣٠٢، الخزانة ١/ ٣٥٦.
(٦) البيت لحاتم الطائي وصدره: =
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ لَا يَرَى الطِّرِمَّاحَ حُجَّةً (^١).
وَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الاِحْتِشَامَ بَمَعْنَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَذَلِكَ أَحَدُ مَا رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ: (بسيط)
ضَيْفٌ أَلَمْ بِرَأْسِي غَيْرَ مُحْتَشِمٍ … وَالسَّيْفُ أَحْسَنُ فِعْلًا مِنْهُ بِاللَّمَمِ (^٢) " (^٣)
ع: حَكَى أَبو عَلِيٍّ أَنَّ الْحِشْمَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الْحَيَاءِ وَأَنْشَدَ خِلافًا لابْنِ قُتَيْبَةَ: (مجزوء البسيط)
فِيَّ انْقِبَاضٌ وَحِشْمَةٌ فَإِذَا … لاقَيْتُ أَهْلَ الْوَفَاءِ وَالْكَرَم
أَرْسَلْتُ نَفْسِي عَلَى سَجِيَّتِهَا … وَقُلْتُ مَا شِئْتُ غَيْرَ مُحْتَشِمِ (^٤)
وَيُقَالُ: حَشِمَ، يَحْشَمُ إِذَا غَضِبَ، وَحَشَمْتُهُ وَأَحْشَمْتُهُ: إِذَا أَغْضَبْتَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سُمِّيَ حَشَمُ الرَّجُلِ حَشَمُا، وَهُمْ عِمَالُهُ وَقَرَابَتُهُ، مِنَ الْحَشَمِ وَهُوَ الْغَضَبُ لِأَنَّهُ يَغْضَبُ لَهُمْ وَيَحْرَبُ مِنْ دُونِهِمْ أَنْ يُنَالُوا بِمَكْرُوهٍ، وَيُقَالُ: حَشَمٌ وَأَحْشَامٌ فِي الْجَمِيعِ.
وقوله: "يَذْهَبُونَ فِيهِ إِلَى مَعْنَى ظَنَنْتُ" (^٥).
ط: "حَكَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: زَكِنْتُ مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي زَكِنْتَ مِنِّي، قَالَ: وَهُوَ الظَّنُّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَكَ كَالْيَقِينِ" (^٦).
_________________
(١) = وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الْكَرِيم اصْطِنَاعَهُ … وَأَصْفَحُ ديوانه: ٢٢٤؛ الكتاب: ١/ ١٨٤، الخزانة: ١/ ٤٩٢، المقتضب: ٢/ ٣٤٨ روايته: ادخاره، شرح المفصل: ٢/ ٥٤، الحماسة البصرية: ٢/ ٢٤٧، مختارات ابن الشجري: ٥٠.
(٢) قال: الطرماح لا يوثق به في هذا لأنه مولد، انظر: البارع: ٤٩٩، وفعلت وأفعلت للسجستاني: ١٥٧، والمزهر: ٢/ ٤٠٧.
(٣) ديوانه: ٤/ ١٥٠.
(٤) الاقتضاب: ٢/ ١١ - ١٣.
(٥) البيتان لابن كناسة في: الأغاني: ٤/ ١٨؛ البيان والتبيين: ١/ ٣٠٧؛ نهاية الأرب: ٢/ ٤٤؛ محاضرات الأدباء: ١/ ٣٣٧.
(٦) أدب الكتاب: ٢٣.
(٧) الاقتضاب: ٢/ ١٤.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَحَكَى صَاحِبُ "الْعَيْنِ" نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ (^١).
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ تَرْجِعُ فِي النَّظَرِ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الظَّنَّ إِذَا قَوِيَ فِي النَّفْسِ وَكَثُرَتْ دَلَائِلُهُ عَلَى الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ صَارَ كَالْعِلْمِ، وَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ الظَّنَّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (^٢).
وَقَالَ دُرَيْدٌ (^٣): (طويل)
فَقُلْتُ لَهُمْ ظَنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ (^٤)
وَلَا يُسْتَعْمَلُ الظَّنُّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ إِلَّا فِي الْأَشْيَاءِ الْغَائِبَةِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْحَوَاسِّ لَهَا، لَا يُقَالُ: ظَنَنْتُ الْحَائِطَ مَبْنِيًا وَأَنْتَ تُشَاهِدُهُ. وَأَنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (بسيط)
وَلَنْ يُرَاجِعَ قَلْبِي (^٥)
وَهُوَ لِقَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (^٦) يَقُولُهُ فِي أَنَاسٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ كَانُوا يُنَاصِبُونَهُ بِالْعَدَاوَةِ، وقبله: (بسيط)
_________________
(١) العين (زكن): ٧/ ٣٢٢.
(٢) سورة الكهف (١٨): الآية ٥٢.
(٣) دريد بن الصمة الجشمي البكري، سيد هوازن، من الأبطال الشجعان المعمرين، توفي سنة (٨ هـ). الأغاني: ١٠/ ٣؛ المحبر: ٢٩٨؛ الأعلام: ٢/ ٣٣٩.
(٤) عجزه: سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ في ديوانه: ٦٠ روايته: عَلَانِيَةً ظُنُّوا، وهو في جمهرة أشعار العرب ٤٦٧؛ الأغاني: ١٠/ ٤؛ الخزانة: ٤/ ٥١٣؛ الحماسة للمرزوقي: ٢/ ٨١٢؛ شرح المفصل: ٧/ ٨١.
(٥) تمامه: أبدًا … زَكِنْتُ مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي زَكِنُوا في مختارات ابن الشجري: ٢٧؛ فصيح ثعلب: ٧؛ الأمالي: ١/ ١٢٢؛ الكتاب: ١/ ١١، نوادر أبي زيد: ٤٤؛ الخزانة: ١/ ١٥٠.
(٦) قعنب بن ضمرة، من بني عبد الله بن غطفان، من شعراء العصر الأموي، اشتهر بأمه، وتوفي نحو سنة (٩٥ هـ). سمط اللآلئ: ٣٦٢؛ شرح الحماسة للتبريزي: ٤/ ١٢؛ الأعلام: ٥/ ٢٠٢.
[ ٢ / ١٤٦ ]
مَهْلًا أَعَاذِلَ قَدْ جَرَّبْتُ مِنْ خُلُقِي … أَنِّي أَجُودُ لِأَقْوَامٍ وَإِنْ ضَنِنُوا (^١)
وَبَعْدَهُ:
كُلٌّ يُدَاجِي عَلَى الْبَغْضَاءِ صَاحِبَهُ … وَلَنْ أُعَالِنَهُمْ إِلَّا كَمَا عَلَنُوا
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ … وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا (^٢)
وَيَجُوزُ فِي "وُدِّهِمُ" الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ لأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ فِعْلُ الْاِثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَمَنْ رَاجَعَكَ فَقَدْ رَاجَعْتَهُ. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرَ بْنِ قُتَيْبَةَ. البيتَ:
زَكِنْتُ مِنْهُم عَلَى مِثْلِ الَّذِي زَكِنُوا (^٣)
وقوله: "إِنَّمَا الْقَافِلَةُ: الرَّاجِعَةُ" (^٤).
ع: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ (^٥): "لَمْ يَذْكُرْ مَا يُقَالُ لِلذَّاهِبَةِ، وَأَخْبَرَنِي نِفْطَوَيْهُ (^٦) عَنْ ثَعْلَبٍ (^٧) أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّاهِبَةِ: صَائِبَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّفَوُّلِ لَهَا.
_________________
(١) البيت في: ضرورة الشعر للسيرافي: ٥٨؛ الخصائص: ١/ ١٦٠.
(٢) البيتين في: ديوان الحماسة؛ ٢/ ١٤٥٠؛ أمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٣٣؛ الأمالي: ١/ ١٢٢؛ مختارات ابن الشجري: ٢٧؛ الأصول في النحو: ٣/ ٤٤١.
(٣) سبق تخريجه الهامش ٥ ص ١٤٦.
(٤) أدب الكتاب: ٢٤.
(٥) عبد الرحمن بن إسحاق النهاوندي الزجاجي، أبو القاسم، شيخ العربية في عصره، ولد في نهاوند ونشأ في بغداد وسكن في دمشق وتوفي في طبرية سنة (٣٣٧ هـ). نزهة الألباء: ٣٠٦؛ إنباه الرواة: ٢/ ١٦٠؛ الوفيات: ١/ ٢٧٨؛ بغية الوعاة؛ ٢/ ٧٧؛ الأعلام: ٣/ ٢٩٩.
(٦) إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة العتكي، أبو عبد الله الملقب بنفطويه، إمام في النحو وفقيه ورأس في مذهب داود، ولد سنة (٢٤٤ هـ)، وتوفي سنة (٣٢٣ هـ). الفهرست: ١٢٧؛ نزهة الألباء: ٢٦٠؛ إنباه الرواة: ١/ ٤٧؛ الأعلام: ١/ ٦١.
(٧) يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، توفي سنة (٢٩١ هـ). نزهة الألباء: ٢٩٣؛ تذكرة الحفاظ: ٢/ ٢١٤؛ بغية الوعاة: ١٧٢؛ الأعلام: ١/ ٢٦٧.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ لِلرُّفْقَةِ الْمُنْصَرِفَةِ: قَافِلَةٌ، وَيُقَالُ لِلسَّائِرَةِ: مُزْمِعَةٌ وَمُسْتَقِلَةٌ وَظَاعِنَةٌ وَمُقَوِّضَةٌ وصَائِبَةٌ أَي قَاصِدَةٌ، وَصَابَ: قَصَدَ، ويقال لَهَا: سَيَّارَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، ويُقَالُ: رُفْقَةٌ وَرِفْقَةٌ.
وقوله: "يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (^١).
ط: "حَكَى كُرَاعٌ (^٢) وَابْنُ الْأَنْبَارِي عَنِ الطُّوسِيِّ (^٣) أَنَّ الْمَأتَمَ يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ أَيْضًا وَأَنْشَدَ: (رجز)
كَمَا تَرَى حَوْلَ الْأَمِيرِ الْمَأْتَمَا (^٤) " (^٥)
ع: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ الْحَرْبِيُّ (^٦): الْمَأْتَمُ كُلُّ مُجْتَمَعٍ لِلنِّسَاءِ مِنْ فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى خَصُّوا بِهِ الْحُزْنَ.
وَقَالَ التَّوَّزِيُّ وَالطُّوسِيُّ: يُقَالُ لِكُلِّ مُجْتَمِعٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ مَأْتَمٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ" نَحْوَهُ (^٧)، قال العَجَّاجُ (^٨): (رجز)
_________________
(١) أدب الكتاب: ٢٤.
(٢) علي بن الحسن الهنائي الأزدي، أبو الحسن عالم بالعربية، لقب كراع النمل لقصره وتوفي بعد سنة (٣٠٩ هـ). معجم الأدباء: ٥/ ١١٢؛ بغية الوعاة: ٢/ ١٥٨؛ مفتاح السعادة: ٩٩؛ الأعلام: ٤/ ٢٧٢.
(٣) أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان الطوسي، أخد عن ابن الأعرابي. الفهرست: ١١٢؛ معجم الأدباء: ١٣/ ٢٦٨؛ إنباه الرواة: ٢/ ٢٨٥.
(٤) صدره: تراهن لديه قيمًا، وهو للعجاج ولم نجده في ديوانه.
(٥) الاقتضاب: ٢/ ١٥.
(٦) إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق، من أعلام المحدثين، أصله من مرو واشتهر ببغداد وتوفي بها سنة (٢٨٥ هـ). تاريخ بغداد: ٦/ ٢٧؛ نزهة الألباء: ٢٧؛ صفة الصفوة: ٢/ ٢٢٨؛ معجم الأدباء: ١/ ٣٧؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٤؛ الأعلام: ١/ ٣٢.
(٧) العين، (مأتم): ٨/ ١٤١؛ الزاهر: ١/ ١٦٣؛ الأضداد لابن الأنباري: ١٠٣؛ الفاخر: ٢٤٤؛ أضداد قطرب: ٢٧٠.
(٨) عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي التميمي، أبو الشعثاء العجاج، راجز مجيد مخضرم توفي نحو (٩٠ هـ) وله ديوان. الشعر والشعراء: ٥٩١؛ شرح شواهد المغني: ١٨؛ الأعلام: ٤/ ٨٧.
[ ٢ / ١٤٨ ]
حَتَّى تَرَاهُنَّ لَدَيْهِ قُيَّمًا … كَمَا تَرَى حَوْلَ الْأَمِيرِ الْمَأْتَمَا (^١)
ع: الْمَأْتَمُ مَفْعَلٌ مِنَ الْأُتُومِ، يُقَالُ: أَتَمَ بِالْمَكَانِ أُتُومًا إِذَا أَقَامَ، وَالنِّسَاءُ: جَمْعُ نِسْوَةٍ وَكَذَلِكَ النِّسْوَانُ.
وقوله: (طويل)
"عَشِيَّةَ قَامَ النَّائِحَاتُ (^٢) "
ط: "هُوَ أَبُو عَطَاءٍ السِّنْدِيُّ (^٣) وَاسْمُهُ مَرْزُوقٌ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ حَبِيبٍ (^٤) " (^٥).
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "اسْمُهُ أَفَلَحُ، يَرْثِي بِهَذَا الشِّعْرِ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ" وَقَبْلَهُ: (طويل)
أَلا إِنَّ عَيْنُا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ … عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ (^٦)
فَنَصَبَ عَشِيَّةً عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: "يَوْمَ وَاسِطٍ"، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ قَامَ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَضَافَ "الْعَشِيَّةَ" إِلَيْهَا، وَالْعَامِلُ فِيهِ "لَمْ تَجُدْ"، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لَمْ تَجُدْ" وَقَدْ حَالَ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ
_________________
(١) لم نجده في ديوانه. ينظر في اللسان: أتم؛ تاج العروس: ١/ ٧٥٩٩.
(٢) أدب الكتاب: ٢٤ وتمامه: وَشُقِّقَتْ … جُيُوبٌ بِأَيْدِي مَأْتَمٍ وَخُدُودُ شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١/ ٧٩٩.
(٣) أفلح بن يسار السندي، أبو عطاء، شاعر أسود فحل من موالي بني أسد، نشأ بالكوفة وتوفي بعد ١٨٠ هـ. فوات الوفيات: ١/ ٢٠١؛ سمط اللآلئ: ٦٠٢؛ الخزانة: ٩/ ٥٤٥؛ الأعلام ٢/ ٥.
(٤) محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو، أبو جعفر، من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب، روى كتب ابن الأعرابي وابن الكلبي وقطرب، له كتاب المحبر، توفي بسامراء سنة (٢٤٥ هـ). الفهرست: ١٦١؛ معجم الأدباء: ١٨/ ١١٢.
(٥) الاقتضاب: ٣/ ١٨.
(٦) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١/ ٧٩٩؛ الخزانة: ٩/ ٥٤٠؛ الحماسة المغربية؛ ٨٢٨؛ السمط: ٦٠٢. ويوم واسط كان يوم مقتل يزيد بن عمر بن هبيرة على يد المنصور سنة ١٣٢؛ الكامل لابن الأثير: ٤/ ٢٣٥.
[ ٢ / ١٤٩ ]
"لَجَمُودُ" بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ فِيهِ. وَلَوْ قُلْتَ إِنَّ الضَّارِبَ أَخُوكَ زَيْدًا أَوْ: إِنَّ خَارِجًا غَيْرُ مُصِيبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ الضَّارِبَ زَيْدًا أَخُوكَ، وَإِنْ خَارِجًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ مُصِيبٍ، فَالْجَوابُ أَنَّ الْعَشِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ يَوْمٍ، وَالْمُبْدَلُ يُقَدَّرُ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى وَيُقَدَّرُ مَعَهُ إِعَادَةُ الْعَامِلِ بِدَلِيلِ ظُهُورِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (^١) جَازَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَجَازَ النَّحْوِيُونَ تَأْخِيرَ الصِّفَةِ بَعْدَ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ زَيْدًا خَارِجٌ الْكَرِيمَ، وَالصِّفَةُ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِالْمَوْصُوفِ مِنَ الْبَدَلِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي الْمَعْطُوفِ كَقَوْلِكَ: "إِنَّ زَيْدًا خَارِجٌ وَعَمْروًا وَعَمْرٌو، عَلَى اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَوْضِعِ"، وَإِذَا جَازَ فِي الصِّفَةِ كَانَ فِي الْبَدَلِ أَجْوَزَ. وَأَنْشَدَ: (طويل)
رَمَتْهُ أَنَاةٌ البيت (^٢)
وَهُوَ لِأَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ (^٣)، وَاسْمُهُ الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ.
وَمَعْنَى رَمَتْهُ: أَي قَتَلَتْهُ بِمَحَايِنهَا وَصَادَتْهُ بِعَيْنَيْهَا، فَكَأَنَّهَا رَمَتْهُ مِنْ أَلْحَاظِهَا بِسَهمٍ قَتَلَهُ، وَالشُّعَرَاءُ يُشَبِّهُونَ الْعُيُونَ بِالسِّهَامِ وَالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.
وَالْأَناةُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي فِيهَا فُتُورٌ عِنْدَ الْقِيَام لِثِقَلِ أَرْدَافِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَنَى وَهُوَ الْفُتُورُ.
وَالْهَمْزَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَأَكْثَرُ مَا تُبْدَلُ مِنْهَا الْهَمْزَةُ
_________________
(١) سورة الأعراف (٧): الآية ٧٤.
(٢) تمامه: رَمَتْهُ أَنَاةٌ مِنْ رَبِيعَةِ عَامِرٍ … نَؤُومِ الضُّحَى فِي مَأْتَمٍ أَيِّ مَأْتَمٍ ديوانه: ٧٥؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ١٨٥؛ شرح الحماسة للمرزوقي: ٨/ ١٣؛ شرح المفصل: ١٠/ ١٤.
(٣) في الأصل (خ): "مية"، والصواب ما أثبتناه. وهو الهيثم بن الربيع بن زرارة من بني نمير بن عامر، أبو حية، شاعر مجيد فصيح من أهل البصرة، توفي نحو سنة (١٨٣ هـ). الشعر والشعراء: ٧٧٤؛ الأغاني: ١٦/ ٣٠٧؛ الخزانة: ١٠/ ٢١٧؛ التاج: ١٠/ ١٠٧؛ الأعلام: ٨/ ١٠٣.
[ ٢ / ١٥٠ ]
الْمَضْمُومَةُ وَالْمَكْسُورَةُ وَبَدَلُهَا مِنَ الْمَضْمُومَةِ أَكْثَرُ.
وَقَوْلُهُ: "مِنْ رَبِيعَةِ عَامِرٍ" (^١).
فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الصِّفَةِ لِأَنَاةٍ، أَيْ كَائِنَةٌ مِنْ رَبِيعَةِ عَامِرٍ.
وقوله: "فِي مَأْتَمٍ".
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأَنَاةِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْهَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا وُصِفَتْ قَرُبَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ فَجَازَتِ الْحالُ مَعَها وَحَسُنَتْ. وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل)
فَجَاءَتْ كَخُوطِ الْبَانِ لَا مُتَتَابِع … وَلَكِنْ بِسِيمَا ذِي وَقَارٍ وَمِيسَمِ
فَقُلْنَ لَهَا سِرًّا فَدَيْنَاكِ لَا يَرُحْ … سَلِمًا وَإِنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَأَلْمِمِ
فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ … بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ (^٢)
ع: نَؤُمٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِأَنَاةٍ، وَبِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "رَبِيعَةٍ"، وَبِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ "أَعْنِي".
د: بَدَلُ نَؤُومٍ مِنْ رَبِيعَةٍ بَعِيدٌ، وَبَدَلُ الْهَمْزَةِ مِنَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ شَاذٌّ.
وقوله: "وَذَلِكَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ: فُلَانٌ يَسْأَلُ" (^٣).
ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الأَصْمِعَيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وَقَدْ حَكَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِي وَذَكَرَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ (^٤) عَنْ أَنَّهُ يُقَالُ: تَصَدَّقَ
_________________
(١) أدب الكتاب: ٢٤.
(٢) ديوانه: ٧٦ وروايتها: وَجَاءَ .. لَا مُتَترِّعًا … وَلَكِنْ بِخَلْقَيْهِ وَقَارُ وَقُلَنَ، وَقَيْنَاكِ .. … صَحِيْحًا .. فَجَاءَ كَخُوطِ شرح الجواليقي: ١٢٥.
(٣) أدب الكتاب: ٢٥.
(٤) قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني القرطبي محدث الأندلس، توفي بقرطبة سنة (٣٤٠ هـ)؛ تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨٥٣؛ سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٤٧٢؛ بغية الوعاة: ٢/ ٢٥١.
[ ٢ / ١٥١ ]
إِذَا سَأَلَ، وَحَكَى نَحْوَ ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي وَأَنْشَدَ:
وَلَوْ أَنَّهُمْ رُزِقُوا عَلَى أَقْدَارِهِمْ … أَلْفَيْتَ أَكْثَرَ مَنْ تَرَى يَتَصَدَّقُ (^١)
وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ "الْأَضْدَادِ" أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يَكُونُ الْمُعْطِي وَيَكُونُ السَّائِلَ. وَحَكَى نَحْوَ ذَلِكَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ". وَالْاشْتِقَاقُ يُوجِبُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؛ لأنَّ الْعَرَب تَسْتَعْمِلُ "تَفَعَّلْتُ" فِي الشَّيْءِ الَّذِي يُؤْخَذُ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ فَيَقُولُونَ: تَحَسَّيْتُ الْمَرَقَ، وَتَجَرَّعْتُ الْمَاءَ، فَيَكُونُ مَعْنَى تَصَدَّقْتُ الْتَمَسْتُ الصَّدَقَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ" (^٢).
وقوله: "وَمِنْ ذلِكَ الْحَمَامُ" (^٣) إلى آخر الفصل.
ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَالْكَسَائِيِّ صَحِيحٌ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْيَمَامِ حَمَامٌ أَيْضًا.
حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ (^٤) فِي "الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ" عَنِ الْأَصْمَعِي أَنَّهُ قَالَ: الْيَمَامُ ضَرْبٌ مِنَ الْحَمَامِ بَرِّيٌّ.
وَحَكَى أَبو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ فِي كِتَابِ "الطَّيْرِ الْكَبِيرِ": الْيَمَامُ الْوَاحِدَةُ يَمَامَةٌ: الْحَمَامُ الْبَرِيُّ، وَحَمَامُ مَكَّةَ يَمَامٌ أَجْمَعُ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمَامِ الَّذِي عِنْدَنَا وَالْيَمَامُ أَنَّ أَسْفَلَ ذَنَبِ الْحَمَامِ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهَا إِلَى الْبَيَاضِ، وَكَذَلِكَ حَمَامُ الْأَمْصَارِ وَأَسْفَلَ ذَنَبِ اليَمَامَةِ لا بَيَاضَ فِيهِ (^٥) " (^٦).
ع: قَالَ أَبُو عَلِي: الَّتِي تَأْلَفُ الْبُيُوتَ مِنْ هَذِهِ الطَّيْرِ يُقَالُ لَهَا: الْخُضْرُ وَإِنْ
_________________
(١) البيت في الأضداد لابن الأنباري: ١٥٤، ل (صدق).
(٢) الأضداد لابن الأنباري: ١٥٤؛ العين: (صدق)؛ الاقتضاب: ٢/ ١٦.
(٣) أدب الكتاب: ٢٥.
(٤) في الأصل (خ): "أبو عبيدة"، والصواب: "أبو عبيد".
(٥) الخزانة: ١٠/ ٢٥٦.
(٦) الاقتضاب: ٢/ ١٦.
[ ٢ / ١٥٢ ]
كَانَ فِيهَا بَيَاضٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَلْوَانِ، نَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ عَنِ الْأَئِمَّةِ. وَيُقَالُ: دَجَنَ، يَدْجُنُ دُجُونًا: إِذَا أَقَامَ، وَمِنْهُ الدَّوَاجِنُ وَاحِدَتُهَا دَاجِنَةٌ؛ أَي الْمُقِيمَةُ في الْبُيُوتِ مِنَ الطَّيْرِ وَالنِّسَاءِ. وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرَ: الدَّوَاجِنُ فِي الْبُيُوتِ. وَالْفَوَاخِتُ: جَمْعُ فَاخِتَةٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَفْخَتُ بِكَلامِهَا أَيْ تَقْلِبُهُ فَتَقُولُ فِي هَدِيلِهَا: "طَابَ الرُّطَبُ" فِي وَقْتٍ لَا رُطَبَ فِيهِ، أَنْشَدَ أبُو حَاتِمٍ: (مجزوء الرجز)
أَكْذَبُ مِنْ فَاخِتَهْ … تَقُولُ بَيْنَ الكَرَبْ
والطَّلْعُ مَلْآنُ بِهِ … هَذَا أَوَانُ الرُّطَبْ (^١)
وَالْقَمَارِيُّ: جَمْعُ قُمْرِيٍّ، نُسِبَ إِلَى الْبَيَاضِ الَّذِي فِي طَوْقِهِ، وَالْأَقْمَرُ: الْأَبْيَضُ، وَلَيْلَةٌ قَمْرَاءُ مِنْهُ.
وأَنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (طويل)
وَمَا هَاجَ هَذَا الشَّوْقَ (^٢) البيت
ط: "هُوَ لِحُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ الْهِلَالِيِّ (^٣)، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. ع: كُنْيَتُهُ أبُو لاحِقٍ" (^٤).
قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: "وَهُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ " (^٥).
_________________
(١) البيتان بدون نسبة في ل (وسط) روايتهما: وسط .. والطلع لم يبد لها. مجمع الأمثال: ١/ ٢٧١.
(٢) وتمامه: . . . . . . . . . . . . إِلَّا حَمَامَةٌ … دَعَتْ سَاقَ حُرٍّ تَرْحَةً وَتَرَنُّمَا ديوانه: ٢٤؛ أدب الكتاب: ٢٥؛ الحيوان: ٣/ ٦١؛ السمط: ١/ ٣٨٢؛ الكامل: ٥٠٣.
(٣) حميد بن ثور بن حزن الهلالي العامري، أبو المثنى، شاعر مخضرم، له ديوانه شعر، توفي نحو (٣٠ هـ). طبقات فحول الشعراء: ٥٨٣؛ الشعر والشعراء: ٣٩٠؛ الأغاني: ٤/ ٣٥٦؛ الإصابة (ت ١٨٣٠)؛ الأعلام: ٢٨٣.
(٤) الاقتضاب: ٣/ ٢٠.
(٥) الاشتقاق لابن دريد: ٢٩٣.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ط: "وَإِنَّمَا قَالَ: فَالْحَمَامَةُ هَاهُنَا قُمْرِيٌّ لأَنَّ "سَاقَ حُرٍّ" اسْمٌ لِذَكَرِ الْقَمَارِيِّ وَسُمِّيَ بِهِ لِحِكَايَةِ صَوْتِهِ. وَالتَّرْحَةُ: الشَّوْقُ، وَالتَّرَنُّمُ: الْغِنَاءُ وَهُمَا مَصْدَرَانِ وَاقِعَانِ مَوْقِعَ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي "دَعَتْ".
وقوله: "دعَتْ سَاقَ حُرٍّ" (^١).
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِحَمَامَةٍ، وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل)
إِذَا شِئْتُ غَنِّتْنِي بِأَجْزَاعِ بِيشَةٍ … أَوِ النَّخْلِ مِنْ تَثْلِيثَ أَوْ مِنْ يَنَمْنَمَا
مُحَلَّاةُ طَوْقٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَمِيمَةٍ … وَلَا ضَرْبِ صَوَّاغٍ بِكَفَّيْهِ دِرْهَمَا
فَلَمْ أَرَ مِثْلِي شَاقَهُ صَوْتُ مِثْلِهَا … وَلَا عَرَبِيًّا شَاقَهُ صَوْتُ أَعْجَمَا (^٢) " (^٣)
وَبَيْتُ النَّابِغَةِ بَعْدَهُ لَيْسَ فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَمَامِ الْقَطَا مِثْلَ مَا فِي بَيْتِ حُمَيْدٍ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَمَامَةِ الْقُمْرِيَّةَ، وَإِنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ زَرْقَاءِ الْيَمَامَةِ (^٤) أَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى قَطَا فَقَالَتْ: (مجزوء الرجز)
لَيْتَ الْحَمامَ لِيَهْ
إِلَى حَمَامَتِيَهْ
ونِصْفَهُ قَدِيَهْ
تَمَّ الْحَمَامُ مِيَهْ (^٥)
_________________
(١) أدب الكتاب: ٢٥.
(٢) ديوانه: ٢٥، ٢٧ وروايتها: يَبَنْبَما. . . تطَوَّقَ طَوْقًا عَنْ تَمِيمَةٍ … فَلَمْ أَرَ مَحْزُونًا لَهُ مِثْلَ صَوْتَهَا الأغاني: ٤/ ٣٥٧؛ المخصص: ١٤/ ١٦؛ الحماسة البصرية؛ ٢/ ٦١، ويبنبم: موضع قرب تبالة، وبيشة قرية باليمن. وتثليت: موضع بالحجاز. معجم البلدان: ١/ ٥٢٩، ٢/ ١٥، ٥/ ٤٢٧.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٢٠ - ٢١.
(٤) وتسمى أيضًا زرقاء جو، من بني جديس من أهل اليمامة، مضرب المثل في حدة النظر وجودة البصر. الخزانة؛ ١٠/ ٦١؛ الأعلام: ٣/ ٤٤.
(٥) الرجز في: الأغاني: ١١/ ٣١، ل (حمم)؛ حاشية ديوان النابغة: ٢٧.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وقوله: "احْكُمْ" (^١).
أَيْ أَصِبْ فِي أَمْرِي كَمَا أَصَابَتْ هَذِهِ الْفَتَاةُ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْحِكْمَةُ لَا مِنَ الْحُكْمِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْقَضَاءُ، قال الله ﷿: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ (^٢) أَيْ حِكْمَةً، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: حَكَمَ الرَّجُلُ، يَحْكُمُ إِذَا صَارَ حَكِيمًا، قَالَ النَّمْرُ بْنُ تَوْلَبٍ: (متقارب)
إذَا أَنْتَ حَاوَلْتَ أَنْ تَحْكُمَا (^٣)
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَرْوِي: شِرَاعٍ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، يُرِيدُ الَّتِي شَرَعَتْ فِي الْمَاءِ، وَرَوَى غَيْرُهُ: سِرَاعٍ بِالسِّينِ غَيْرُ الْمُعْجَمَةِ. وَالثَّمَدُ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ.
وَوَصَفَ "حمَامًا" وَهِيَ نَكِرَةٌ "بِوَارِدٍ" وَقَدْ أَضَافَهُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّ إِضَافَتَهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَدَ مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظِ، وَالْكَافُ الجَارَّةُ مِنْ قَوْلِهِ "كَحُكْمِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مَوْضِعِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: احْكُمْ حُكْمًا كَحُكْمِ.
ع: أبو علي يَرْوِيهِ: "شِرَاعٍ، وَسِرَاعٍ".
وقوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الرَّبِيعُ" (^٤).
ط: "مَذْهَبُ الْعَامَّةِ فِي الرَّبِيعِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ حُلُولُ الشَّمْسِ بِرَأْسِ الْحَمَلِ أَوَّلَ الزَّمَانِ وَشَبَابَهُ. وَأَمَّا الْعَرَبُ فَجَعَلُوهُ حُلُولَ الشَّمْسِ بِرَأْسِ
_________________
(١) تمامه: احْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ … إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ أدب الكتاب: ٢٥ وهو في ديوان النابغة: ١٤.
(٢) سورة يوسف (١٢): الآية ٢٢.
(٣) صدره: وَأَبَغِضْ بَغِيضَكَ بَغْضًا رُوَيْدًا سبق تخريج البيت: ١٢٩.
(٤) أدب الكتاب: ٢٦.
[ ٢ / ١٥٥ ]
الْمِيزَانِ، وَجَعَلُوهُ أَوَّلَ فُصُولِ السَّنَةِ وَسَمُّوهُ رَبِيعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ حُلُولَ الشَّمْسِ بِرَأْسِ الْحَمَلِ رَبِيعًا ثَانِيًا، فَيَكُونُ فِي السَّنَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ رَبِيعَانِ، وَفِي مَذْهَبِ الآخَرِينَ رَبِيعٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا الرَّبِيعَانِ مِنَ الشَّهُورِ فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا" (^١).
وقوله: "وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ" (^٢).
ع: قال: قال لَنَا ابْنُ كَيْسَانَ (^٣): "هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ".
ع: الْقَيْظُ: شِدَّةُ الْحَرِّ. وَأَصْلُ الْفَصْلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ هَذَا فَضْلًا لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ زَمَانٍ وَزَمَانٍ آخَرَ، وَالشِّتَاءُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الشِّدَّهُ لأَنَّ الشِّدَّةَ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِيهِ.
وقوله: "وَمِنْ ذَلِكَ: الظِّلُّ وَالْفَيْءُ" الكلام (^٤).
قَالَ أَبُو عَلِي: "كَانَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ (^٥) يَقُولُ: الظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، وَكَانَ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ (^٦) فَصِيحًا، فَبَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ فِي ظِلِّ قَصْرِ أَوْسٍ غُدْوَةً. قَالَ رَجُلٌ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الْفَيْءَ. فَقَالَ بَكْرٌ: لَيْسَ هَذَا بِفَيْءٍ إِنَّمَا الْفَيْءُ بِالْعَشِيِّ.
_________________
(١) الاقتضاب: ٢/ ١٨.
(٢) أدب الكتاب: ٢٦.
(٣) محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف بابن كيسان، عالم بالعربية نحوًا ولغةً، أخذ عن المبرد وثعلب، توفي سنة (٢٩٥ هـ). طبقات النحويين واللغويين: ١٧٠؛ نزهة الألباء: ٢٣٥؛ معجم الأدباء: ٦/ ٢٨٠؛ إنباء الرواة: ٣/ ٥٧؛ بغية الوعاة: ١/ ١٨؛ شذرات الذهب: ٢/ ٢٣٢؛ الأعلام: ٥/ ٣٠٨.
(٤) أدب الكتاب: ٢٦.
(٥) رؤبة بن العجاج بن رؤبة التميمي السعدي، أبو الجحاف. راجز من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، توفي سنة (١٤٥ هـ). الشعر والشعراء: ٥٩٤؛ الوفيات: ١/ ١٨٧؛ البداية والنهاية: ١٠/ ٩٦؛ الخزانة: ١/ ٨٩؛ الأعلام: ٣/ ٣٤.
(٦) بكر بن حبيب السهمي والد عبد الله المحدث، كان عالمًا بالعربية في طبقة أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر من سهم باهلة، إنباه الرواة: ١/ ٢٧٩؛ بغية الوعاة: ٢٠٢؛ طبقات الزبيدي: ٢٣؛ معجم الأدباء: ٧/ ٨٦.
[ ٢ / ١٥٦ ]
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: (طويل)
فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ … وَلَا الْفَيْءُ مِنْ بَرْدِ الْعَشِيِّ تَذُوقُ (^١)
وَفِي "الجَمْهَرَةِ": "الْفَيْءُ يَكُونُ آخِرَ النَّهَارِ، وَالظِّلُّ في أَوَّلِهِ لِأَنَّ الْفَيْءَ مَا فَاءَ فَنَسَخَ الشَّمْسَ" (^٢).
وقال يَعْقُوبُ: "الفَيْءُ مَا نَسَخَ الشَّمْسَ، وَالظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ" (^٣).
وَجَمْعُ الْفَيْءِ أَفْيَاءٌ وَفُيُوءٌ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْفَيْءَ وَالظِّلَّ وَاحِدٌ.
وقوله: (بسيط)
"قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ" (^٤)
ط: "اسْمُ ذِي الرُّمَّةِ: غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ نُهَيْسٍ، وَيُكْنَى أَبَا الْحَارِثِ وَلُقِّبَ ذَا الرُّمَّةِ لِقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْوَتِدِ: (رجز)
أَشْعَثُ بَاقِي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ (^٥)
وَالرُّمَّةُ: الْحَبْلُ الْبَالِي، وَقِيلَ: بَلْ لَقَّبَتْهُ بِذَلِكَ "مَيَّةٌ" لأَنَّهُ مَرَّ بِخِبَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَنْسُبَ بِهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَأَحَبَّ الْكَلَامَ مَعَهَا فَخَرَّقَ دَلْوَهُ وَقَالَ: يَا فَتَاةُ، اخْرُزِي هَذِهِ الدَّلْوَ، فَقَالَتْ: إِنِّي خَرْقَاءُ، وَالْخَرْقَاءُ: الَّتِي لَا تُحْسِنُ الْعَمَلَ، فَخَجِلَ وَوَضَعَ دَلْوَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهِيَ مَشْدُودَةٌ بِحَبْلٍ بَالٍ وَوَلَّى، فَقَالَتْ: يَا ذَا الرُّمَّةِ
_________________
(١) ديوانه: ٤٠، وروايته: فَلَا الظَّلَ مِنْهَا بِالضُّحَى. . . . . . . . … . . . . . . . . مِنْهَا بِالْعَشِيِّ. . وهو في: الأغاني: ٤/ ٣٥٩، ل (فيأ)، المفضليات: ١٨٧.
(٢) الجمهرة، (ظلل): ١/ ١١٠.
(٣) إصلاح المنطق: ٢/ ٣٢١.
(٤) وتمامه: . . . . . . . . . . . المُجْهُولَ مَعْسِفُهُ … فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ ديوانه: ١/ ٤٠٣؛ أدب الكتاب: ٢٧؛ الاقتضاب: ٣/ ٢٤.
(٥) ديوانه: ١/ ٣٣٠.
[ ٢ / ١٥٧ ]
انْصَرِفْ إِنْ كُنْتُ خَرْقَاءَ فَأَمَتِي صَنَاعٌ، ثُمَّ دَعَتْ خَادِمَهَا فَخَرَزَتْهَا. فَكَانَ ذُو الرُّمَّةِ يُسَمِّي مَيَّةَ "خَرْقَاءَ" لِذَلِكَ.
وَالْعَسْفُ وَالاعْتِسَافُ: رُكُوبُ الْفَلَاةِ بِلَا دَلِيلٍ، وَالنَّازِحُ: الْقَفْرُ الْبَعِيدُ.
وقوله: "فِي ظِلِّ أَخْضَرَ" (^١).
يَعْنِي لَيْلًا مُظْلِمًا.
وَيَدْعُو هَامَةُ الْبُومُ لأَنَّهُ قَفْرٌ مُوحِشٌ، وَالْهَامُ وَالْبُومُ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ. يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِقَطْعِ الْفَلَاةِ عَلَى غَيْرِ هِدَايَةٍ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ لِأَخْضَرَ، وَفِي الْكَلَامِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ مِنْ صِفَتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: دَاعٍ هَامَهُ الْبُومُ فِيهِ، وَالْهَاءُ فِي هَامِهِ لِلْبُومِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّازِحِ، وَفِي الْكَلَامِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ يَرْجِعُ إِلَى النَّازِحِ وَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَيُرْوَى: "فِي ظِلِّ أَغْضَفَ". وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: (بسيط)
بِالصُّهْبِ نَاصِبَةَ الْأَعْنَاقِ قَدْ خَشَعَتْ … مِنْ طُولِ مَا وَجَفَتْ أَشْرَافُهَا الْكُومُ (^٢)
أَشْرَافُهَا: أَسْنِمَتُهَا، وَخَشَعَتْ: انْخَفَضَتْ وَتَطَأْطَأَتْ مِنْ الْهُزَالِ" (^٣).
وَأَنْشَدَ: (طويل)
تَيَمَّمْتُ العِينَ (^٤) البيت
ط: "هُوَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ (^٥) فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ النَّسَّابِينَ وَاسْمُهُ
_________________
(١) أدب الكتاب: ٢٧.
(٢) ديوانه: ١/ ٤٠٣؛ الاقتضاب: ٣/ ٢٤؛ الأساس (خشع).
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٢٤ - ٢٥.
(٤) أدب الكتاب: ٢٨، وتمام البيت: الَّتِي عِندَ ضَارجٍ … يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي ديوانه ٤٧٥؛ الشعر والشعراء: ٥٩، ل (ضرج - عرمض).
(٥) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار، أشعر شعراء العرب، يماني الأصل ونجدي المولد، توفي سنة (٨٠ ق. هـ). الشعر والشعراء: ١٠٥؛ الأغاني: ٩/ ٧٧؛ جمهرة أشعار العرب: ٦٧٣؛ تهذيب ابن عساكر: ٣/ ١٠٤؛ =
[ ٢ / ١٥٨ ]
حُنْدُجُ، وَامْرُؤُ الْقَيْسِ لَقَبٌ لَهُ وَمَعْنَاهُ: رَجُلُ الشِّدَّةِ، وَالْقَيْسِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الشِّدَّةُ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ (^١) وَأَنْشَدَ: (طويل)
وَأَنْتَ عَلَى الْأَعْدَاءِ قَيْسٌ وَنَجْدَةٌ … وَلِلطَّارِقِ الْعَافِي هِشَامٌ وَنَوْفَلُ (^٢)
وَيُكْنَى أَبَا وَهْبٍ وَأَبَا الْحَارِثِ، وَقِيلَ: قَيْسٌ اسْمُ صَنَمٍ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: امْرَأَ الْقَيْسِ وَكَانَ يَرْوِي: (طويل)
عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ اللهِ فَانْزِلِ (^٣)
وَقَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل)
وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا … وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِ (^٤)
الشَّرِيعَةُ: الْمَوْرِدُ، وَالْهَمُّ هَاهُنَا: الْمُرَادُ، وَالْمَطْلَبُ الَّذِي تَهْتَمُّ بِهِ، وَالْفَرَائِصُ: جَمْعُ فَرِيصَةٍ وَهِيَ بَضْعَةٌ فِي مَرْجِعِ الْكَتِفِ، وَتَيَمَّمت: قَصَدْتُ، وَضَارجٌ (^٥): مَوْضِعٌ فِي بِلَادِ بَنِي عَبْسٍ (^٦) فِيهِ مَاءٌ.
وَالْعَرْمَضُ وَالطُّحْلُبُ وَالْغَلْفَقُ سَوَاءٌ، وَطَامٍ: مُرْتَفِعٌ، يُرِيدُ أَنَّهُ مَاءٌ لَا يَرِدُهُ أَحَدٌ.
قِيلَ: يَصِفُ حَمِيرَ وَحْشٍ عَاطِشَةً تَخَافُ الصَّائِدَ عَلَى الْمَاءِ
_________________
(١) = الخزانة: ١/ ٣٢٩؛ الأعلام: ٢/ ١١.
(٢) لم نقف على ترجمته.
(٣) البيت في سمط اللآلي: ١/ ١١؛ الحلل في شرح أبيات الجمل: ١/ ١٣؛ العباب الزاخر: ١/ ١٧٦.
(٤) تمامه: تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا … عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ وهو في ديوان امرئ القيس: ١١.
(٥) البيت لامرئ القيس في ديوانه: ٤٧٥؛ الأغاني: ٨/ ١٩٩؛ الشعر والشعراء: ٥٩.
(٦) أشهر الأخبار أنه ماء أغاث الله به قومًا من اليمن جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ببيتين لامرئ القيس وقيل: هو من النقي، ماء لبني سعد بن زيد مناة وهي الآن للرباب وقيل لبني الصيداء. معجم البلدان: ٣/ ٤٥٠.
(٧) بنو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان وهم من العدنانية. جمهرة أنساب العرب: ٢٥٠؛ نهاية الأرب: ٣٤٤؛ نهاية الأرب (ق): ٣١٤.
[ ٢ / ١٥٩ ]
الْمَوْرِدِ، وَقِيلَ: يَصِفُ نَاقَتَهُ وَنَسَبَ الْهَمَّ إِلَيْهَا وَالْمُرَادُ نَفْسُهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِ أَنَّ الْمَاءَ تَعَذَّرَ وُجُودُهُ فَنُحِرَتْ وَاسْتُخْرِجَ مَا فِي جَوْفِهَا مِنَ الْمَاءِ فَشُرِب، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُ الشِّعْرُ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ الشِّعْرُ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ لِامْرِئِ الْقَيْسِ مِنْ رُوَاةِ شِعْرِهِ وَإِنَّمَا وَجَدْتُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
وَ"عِنْدَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالاسْتِقْرَارِ الْمُقَدَّرِ فِي صِلَةِ "الَّتِي" كَأَنَّهُ قَالَ: الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عِنْدَ ضَارِجٍ، وَلَا مَوْضِعَ لـ "عِنْدَ" وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الْأَعْرَابِ لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الاسْمِ الْمَوْصُولِ كَمَا لَا مَوْضِعَ لِلدَّالِ مِنْ زَيْدٍ، وَالْجُمْلَتَانِ بَعْدَهُ لَهُمَا مَوْضِعٌ وَهُوَ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ الْأُولَى حَالٌ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الاسْتِقْرَارُ، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْعَيْنِ كَالْأُولَى أَوْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ مِنْ "عَلَيْهَا"، وَالْعَامِلُ فِيهَا "يَفِيءُ" وَلَا مَوْضِعَ لِعَلَى هَذِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِالظَّاهِرِ" (^١).
د: الْعَرْمَضُ: مَا غَلُظَ مِنَ الطُّحْلُبِ، وَكَذَلِكَ الْغَلْفَقُ. وَأَنشد: (وافر)
إِذَا الْأَرْطَى (^٢). . . البيت
ط: "هُوَ الشَّمَّاخُ وَاسْمُهُ مَعْقِلُ بْنُ ضِرَارٍ، وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ يُكْنَى أَبَا مَعْبَدٍ (^٣) وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ مَدَحَ بِهَا عَرَابَة الْأَوْسِيُّ (^٤) وَقَبْلَهُ: (وافر)
إِلَيْكَ بَعَثْتُ رَاحِلَتِي تَشَكَّى … هُزَالًا بَعْدَ مَحْفِدِهَا السَّمِينِ
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٢٧.
(٢) تمامه: إِذَا الأَرْطَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ … خُدُودُ جَوَازِيء بِالرَّمْلِ عِينِ ديوانه: ٣٣١.
(٣) الجمهرة (بدر): ١/ ٢٤١.
(٤) عرابة بن أوس بن قيظي الأوسي الحارثي الأنصاري من سادات المدينة الأجواد أدرك النبي ﷺ توفي نحو (٦٠ هـ)؛ الإصابة (ت ٥٥٠٠)؛ بلوغ الأرب: ٢/ ١٨٧؛ الخزانة: ٤/ ٣٤٩؛ الأعلام: ٤/ ٢٢٢.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وَإِذَا بَرَكَتْ عَلَى شَرَفٍ وَأَلْقَتْ … عَسِيبَ جِرَانِهَا كَعَصَا الْهَجِينِ (^١)
يَعْنِي بِالْمَحْفِدِ: السَّنَامَ، وَالْعَسِيبُ هَاهُنَا: عَظْمُ الْعُنُقِ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: عَظْمُ الذَّنَبِ، وَالْجِرَانُ: بَاطِنُ الْعُنُقِ، وَشَبَّهَهُ بِعَصَا الْهَجِينِ لِخِفَّتِهِ وَطُولِهِ، وَخَصَّ الْهَجِينَ لِأَنَّ الْعَبِيدَ كَانُوا يَرْعَوْنَ الْإِبِلَ وَيَسْتَجِيدُونَ الْعِصِيَّ.
وَالْأَرْطَى: شَجَرٌ تُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودُ. وَمَعْنَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ: اتَّخَذَتْهُمَا كَالْوِسَادَةِ.
وَالْأَبْرَدَانِ: الظِّلُّ وَالْفَيْءُ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِبَرْدِهِمَا، وَالْأَبْرَدَانِ أَيْضًا الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَالْجَوَازِئُ: الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ الَّتِي تَجْزَأُ بِأَكْلِ النَّبْتِ الْأَخْضَرِ عَنِ الْمَاءِ أَيْ تَكْتَفِي بِهِ، وَعَيْنٌ: وَاسِعَاتِ الْعُيُونِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَحْشَ تَتَّخِذُ كِنَاسَيْنِ عَنْ جَانِبَيِّ الشَّجَرَةِ تَسْتَتِرُ فِيهِمَا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتَرْقُدُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فِي الْكِنَاسِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَتَحَوَّلَ الظِّلُّ فَصَارَ فَيْئًا زَالَتْ عَنِ الْكِنَاسِ الْغَرْبِيِّ وَرَقَدَتْ فِي الْكِنَاسِ الشَّرْقِي، فَوَصَفَ أَنَّهُ قَطَعَ الْمَفَازَةَ فِي الْهَاجِرَةِ حِينَ تَفِرُّ الْوَحْشُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ إِلَى الظِّلِّ.
وَ"إِذَا": ظَرْفُ زَمَانٍ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ غَيْر أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَلَا جَوَابَ لَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ لأَنَّ الْمُتَّصِلَ بهِ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ مَجَازَ لِحْيَيْهَا حَكَاهُ … جَنَابَا جِلْدِ أَجْرَبَ ذِي غُضُونِ (^٢)
وَأَمَّا الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: "إِلَيْكَ بَعَثْتُ رَاحِلَتِي" كَمَا تَقُولُ: "أَنَا أَشْكُرُكَ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ" فَلَا تَأْتِي لِلشَّرْطِ بِجَوَابٍ لِأَنَّ قَوْلَكَ: "أَنَا أَشْكُرُكَ" قَدْ أَغْنَى عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْاسْمُ بَعْدَهَا
_________________
(١) ديوان: ٣٢٤؛ الخزانة: ٢/ ٢٢٢؛ الحماسة البصرية: ١/ ٨٨؛ الأغاني: ٨/ ١٠٣؛ الشعر والشعراء: ١/ ٤٨٠.
(٢) البيت للشماخ: ٣٣١.
[ ٢ / ١٦١ ]
بِالابْتِدَاءِ، وَلَكِنْ يُقَدَّرُ لَهُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا تُوُسَِّدَ الْأَرْطَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ. وَالْكُوفِيّونَ يُجِيزونَ فِيهِ الْابْتِدَاءَ.
وقوله: "بِالرَّمْلِ"، فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ لِجَوَازِئٍ كَائِنَةٍ بِالرَّمْلِ أَوْ مُسْتَقِرَّةٍ، فَلِلْبَاءِ مَوْضِعٌ لِتَعَلُّقِهَا بِمَحْذُوفٍ" (^١).
ع: الْأَرْطَى: مَنْصُوبٌ فِي الْمَعْنَى لِاتِّصَالِ سَبَبِهِ بِالْمَنْصُوبِ، التَّقْدِيرُ: إِذَا قَارَبَ الْأَرْطَى أَوْ بَاشَرَ. قوله: بِالرَّمْلِ، إِنْ جَعَلْتَهُ مُتَعَلِّقًا بِتَوَسَّدَ كَانَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ ضَمِيرًا لِتَعَلُّقِهِ بِالظَّاهِرِ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنَ الْأَرْطَى أَوْ مِنَ الْأَبْرَدَيْنِ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْأَرْطَى أَوْ صِفَةً "لِجَوَازِئٍ" تَضَمَّنَ الضَّمِيرَ وَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّ الظَّرْفَ وَحَرْفَ الْجَرِّ إِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صِلَةً أَوْ صِفَةً أَوْ حَالًا تَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وَتَضَمَّنَ الضَّمِيرَ.
وَقَوْلُهُ: تَوَسَّدَ أَبْرَدَيهِ، مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْأَبْرَدَيْنِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ وَلَيْسَ لَهُمَا عَيْنٌ وَمَعْنَاهُ: تَوَسَّدَ فِي الْأَبْرَدَيْنِ الْكُنُسَ.
وقوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْآلُ" (^٢).
ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ وَإِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْآلُ السَّرَابَ مِنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ سُمِعَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَصِيحِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: (طويل)
فَشَبَّهْتُهُمْ فِي الْآلِ لَمَّا تَكَمَّشُوا (^٣)
وَقَال الْأَحْوَصُ (^٤) لِكُثَيِّرٍ: (طويل)
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٢٩.
(٢) أدب الكتاب: ٢٨.
(٣) عجز البيت: حَدَائِقَ دُومٌ أَوْ سَفِيًّا مُقَيَّرًا في ديوانه: ٥٧.
(٤) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، من بني ضبيعة؛ شاعر هجاء. =
[ ٢ / ١٦٢ ]
فَكُنْتَ كَمُهْرِيقِ الَّذِي فِي سِقَائِهِ … لِضَحْضَاحِ آلٍ بِالْمَلَا يَتَرَقْرَقُ (^١) " (^٢)
ع: جَمْعُ آلٍ: آوَالٌ مِثْلَ مَالٍ وَأَمْوَالٍ. وَجَمْعُ آلِ فُلانٍ: آلُونَ، وَلَا يُقَالُ: آلٌ إِلَّا فِي الْأَنَاسِي لَا غَيْرَ. وَأَنشد: (بسيط)
حَتَّى لَحِقْنَا بِهِمْ. . . البيت (^٣)
ع: وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ قُتَيْبَةَ: قَالَ الْأَعْشَى، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: قَالَ الْجَعْدِي.
ط: "الْبَيْتُ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ يَهْجُو سَوَّارَ بْنَ أَوْفَى (^٤) وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: "بهِمْ" عَائِدٌ إِلَى قَوْمٍ ذَكَرَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (بسيط)
إِذْ صَعَّدَتْ عَامِرٌ لَا شَيْءَ يَحْبِسُهَا … حَتَّى تَرَى دُونَهُمْ هَضْبًا وَأَعْوَالًا (^٥)
وقوله: "تُعْدِي فَوَارِسُنَا" (^٦).
أَيْ تُعْدِي فَوَارِسُنَا الْخَيْلَ، وَحَذَفَ الْمَفْعُول اخْتِصَارًا لَمَّا فُهِمَ الْمَعْنَى.
وَرَعْنُ الْقُفِّ: أَنْفُهُ، وَالْقُفُّ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، شَبَّهَ أَنْفُسَهُمْ فِي كَثْرَةِ
_________________
(١) = الشعر والشعراء: ٥١٨؛ الأغاني: ٤/ ٤٠؛ الموشح: ٢١٢؛ الخزانة: ١/ ٤٠١.
(٢) ديوانه: ١٦١؛ روايته: فأصبحت كالمهريق فضلة مائه … لبادي سراب. . . الأغاني: ٩/ ١٢ وقد اشترك مع العديلي في صدر بيته: فكنت كالمهريق فضلة مائه … لرقراق آل فوق رابية صلد
(٣) الاقتضاب: ٢/ ١٦.
(٤) تمامه: تُعْدِي فَوَارِسُنَا … كَأَنَّنَا رَعْنُ قُفٍّ يَرْفَعُ الْآلَا وهو للنابغة الجعدي في ديوانه: ٣٢٠؛ الأمالي: ٢/ ٢٢٨؛ الإنصاف: ١٥٨.
(٥) لم نقف على ترجمته.
(٦) ديوانه: ٣٢٠؛ الأمالي: ٢/ ٢٢٨؛ الإنصاف: ١٥٨؛ طبقات فحول الشعراء: ٢٦٠. وعامر: بطن من آل ربيعة، من عرب الشام، وهم من القحطانية؛ نهاية الأرب: ١٠٥؛ معجم القبائل: ٢/ ٧٠٣.
(٧) أدب الكتاب: ٢٨.
[ ٢ / ١٦٣ ]
الْعَدَدِ بِرَعْنِ قُفٍّ رَفَعَهُ الْآلُ فَعَظُمَ ظِلُّهُ، وَأَرَادَ كَأَنَّنَا ظِلُّ رَعْنٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَبَّهَهُمْ بِظِلِّ الرَّعْنِ لَا بِالرَّعْنِ، يُرِيدُ أَنَّ عَدَدَهُمْ قَدْ مَلَأَ الْفَضَاءَ كَمَا يَمْلَؤُهُ ظِلُّ الرَّعْنِ إِذَا رَفَعَهُ الْآلُ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا شَبَّهَ حَرَكَتَهُمْ فِي عَدْوِهِمْ بِحَرَكَةِ الْقُفِّ فِي الآلِ لِأَنَّ الْجِبَالَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتُ يُخَيَّلُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهَا تَضْطَرِبُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَجَّاجُ: (رجز)
كَأَنَّ رَعْنَ الْآلِ مِنْهُ فِي الْآلِ
بَيْنَ الضُّحَا وَبَيْنَ قَيْلِ الْقُيَّالِ
إِذَا بَدَا ذُهَانِجٌ ذُو أَعْدَالٍ (^١)
فَشَبَّهَ الرَّعْنَ لاضْطِرَابِهِ فِي الْآلِ بِجَمَلٍ يُسْرِعُ وَعَلَيْهِ أَعْدَالٌ، فَلَا حَذْفَ فِي الْبَيْتِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا قَالَ: يَرْفَعُ الْآلَا لِأَنَّهُ يَنْزُو فِي الْآلِ، فَإِذَا نَزَا فَكَأَنَّهُ قَدْ رَفَعَ الْآلَ (^٢)، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا قَلْبَ فِي الْبَيْتِ كَمَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقوله: "تُعْدِي فَوَارِسُنَا".
فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي لَحِقْنَا.
وقوله: "كَأَنَّنَا رَعْنُ قُفٍّ".
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ أَيْضًا.
وقوله: "يَرْفَعُ الآلآ".
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُفِّ (^٣).
د: قال بَعْضُهُمْ: "الآلُ" شَيْءٌ يَظْهَرُ فِي الْجَوِّ كَأَنَّهُ مَاءٌ يَكُونُ فِي الصَّيْفِ وَعِنْدَ شِدَّةِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ فِي الْفَلَوَاتِ، فَإِذَا كَانَ بِالْعَشِيِّ وَالْغَدَاةِ ارْتَفَعَ فِي الْجَوِّ
_________________
(١) ديوانه: ٢/ ٣٢٠؛ الأمالي: ٢/ ٩١؛ المبهج: ٦٠؛ السمط: ٧٢٨؛ الجمهرة: ٣/ ٣٢٣؛ الصحاح والتاج ول (دهنج - قيل).
(٢) الأمالي: ٢/ ٩١.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٣١.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فَقِيلَ لَهُ: آلٌ، وَالْآلُ: الشَّخْصُ، فَإِذَا كَانَ فِي الْقَائِلَةِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ لَصِقَ بِالْأَرْضِ فَقِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ: السَّرَابُ.
ع: سُمِّي السَّرَابُ سَرَابًا لِأَنَّهُ يَنْسَرِبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَي: يَذْهَبُ، وَالْقِيعَةُ جَمْعُ الْقَاعِ وَهُوَ مَا انْخَفَضَ مِنَ الْأَرْضِ.
وأنشد: (رجز)
كَأَنَّهَا وَقَدْ بَرَاهَا الْأَخْمَاسْ (^١)
ط: "الرَّجَزُ لِلشَّمَّاخِ بن ضِرَارٍ قَالَهُ وَهُوَ يَحْدُو بِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِمْ، وَالضَّمِيرُ فِي "كَأَنَّهَا" لِلْإِبِل وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ لأَنَّ هَذَا أَوَّلَ الْأُرْجُوزَةِ.
والأخْمَاسُ: جَمْعُ خِمْسٍ، وَهُوَ أَنْ تَرِدَ الْإِبِلُ الْمَاءَ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، والْهَادِي: الدَّلِيلُ الَّذِي يَهْدِيهَا.
وَالشَّرَائِجُ: جَمْعُ شَرِيجَةٍ وَهِيَ الْقَوْسُ تُصْنَعُ مِنْ عُودٍ يُشَقُّ فَتُعْمَلُ مِنْهُ قَوْسَانِ. وَالنَّبْعُ شَجَرٌ صُلْبٌ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْقِسِيُّ وَالسِّهَامُ.
وَالْهَادِي الْقَيَّاسْ: الْحَاذِقُ بِالْهَدَايَةِ وَالدِّلَالَةِ، وَيُرْوَى: وَهَادٍ قَسْقَاسٍ وَهُوَ الشَّدِيدُ السَّوْقِ، يُقَالُ: قَسْقَسَ لَيْلَتَهُ إِذَا سَارَهَا كُلَّهَا حَتَّى يُصْبِحَ.
وقوله: "وَقَدْ بَرَاهَا الْأَخْمَاسْ".
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ بِكَأَنَّ.
وقوله: "بَرَاهَا الْقَوَّاسْ".
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ "الشَّرائِجِ" وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِيْنِ مَا فِي كَأَنَّ مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيْهِ لأَنَّهَا تَعْمَلُ فِي الْأَحوَالِ بِخِلَافِ "إِنَّ" لِأَنَّ "كَأَنَّ" تَدْخُلُ عَلَى الْجُمَلِ فَتُغَيِّرُهَا لَفْظًا وَمَعْنًى فَيَقْوَى فِيهَا مَعْنَى الْفِعْلِ، وَ"إِنْ" لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُغَيِّرُ اللَّفْظَ فَقَطْ فَضَعُفَ فِيهَا مَعْنَى الْفِعْلِ فَلَمْ تَقْوَ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْأَحْوَالِ
_________________
(١) ديوان الشماخ: ٣٩٩؛ السمط: ١/ ٥٨؛ الأمالي ١/ ١٢؛ محاضرات الأدباء: ٢/ ٢٩٢، ل (نبع).
[ ٢ / ١٦٥ ]
وَنَحْوِهَا مِنَ اللَّوَاحِقِ والْفَضَلَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ: (بسيط)
كَأَنَّهُ خَارِجًا مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ … سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ (^١)
وبَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: (رجز)
يَهْوِي بِهِنَّ بَخْتَرِيٌّ لَبَّاسْ
كَأَنَّ حُرَ الْوَجْهِ مِنْهُ قِرْطَاسْ
لَيْسَ بِمَا لَيْسَ بِهِ بَاسٌ بَاسْ
وَلَا يَضُرُّ الْبَرَّ مَا قَالَ النَّاسُ (^٢)
يَهْوِي: يُسْرِعُ، وَالْبَخْتَرِيُّ: الطَّويلُ" (^٣).
ع: قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ (^٤): "يُقَالُ: أَدْلَجَ الرَّجُلُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ وَسَطِهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵀ وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ: "أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوْسَطُ، قَالَ: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَنْ خَافَ أَدْلَجَ" (^٥).
وَأَنْشَدَ أَبُو حَاتِمٍ:
لَوْ ذُقْتَ فَاهَا قَبْل نَوْمِ الْمُدْلَجِ
وَالصُّبْحُ لَمَّا هَمَّ بِالتَّبَلُّجِ
قُلْتَ جَنَى النَّحْلِ بِمَاءِ الْحَشْرَجِ
يُخَالُ مَثْلُوجًا وَإِنْ لَمْ يُثْلَجِ (^٦)
_________________
(١) ديوانه: ٨٠؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ٢٣٩؛ الجمل للخليل: ٧٥.
(٢) الأبيات في ديوانه: ٤٠٠؛ السمط: ١/ ٥٨؛ الشعر والشعراء: ١/ ٢٧٧؛ الطراز: ٣/ ٣٥٩.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٣٣.
(٤) قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي، أبو محمد، عالم بالحديث واللغة، رحل مع أبيه إلى مصر ومكة، ولد سنة (٢٥٥ هـ) وتوفي سنة (٣٠٥ هـ). إنباه الرواة: ١/ ٢٩٧؛ بغية الوعاة ٢/ ٢٥٢؛ نفح الطيب: ١/ ٣٤٦؛ الأعلام: ٥/ ١٧٤.
(٥) الدلائل لقاسم بن ثابت: س ٢ لوحة: ٢٦٥.
(٦) الرجز في: المحكم والمحيط الأعظم: ٣/ ٢٨٢؛ اللسان ثلج؛ تاج العروس: ثمج.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وأنشد: (طويل)
أَلَا إِنَّمَا زَوْجُ الْعَجُوزِ كَمُدْلِجٍ … يَرَى نُجُحًا طُولَ السُّرَى وَهْوَ خَائِفُ (^١)
وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ: (رجز)
أَقْبَلْنَ مِنْ نِيرٍ وَمِنْ سُوَّاجِ … وَالْحَيُّ قَدْ مَلُّوا مِنَ الْإِدْلَاجِ (^٢)
ع: ابْنُ الْأَنْبَارِي: "أَدْلَجَ: سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى أَنْ يَقْرُبَ آخِرُهُ، وَادَّلَجَ: سَارَ مِنْ آخِرِهِ" (^٣). وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ شَاهِدًا قَوْلَ الْأَعْشَى: (خفيف)
وَادِّجٍ بَعْدَ الْمَنَامِ وَتَهْجِيدٍ … وَقُفٍّ وَسَبْسَبٍ وَرِمَالِ (^٤)
وأنشد ابن قتيبة: (وافر)
فَبَاتُوا يُدْلِجُونَ (^٥)
ط: "هُوَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِي وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، يَصِفُ قَوْمًا سَرَوْا وَالْأَسَدُ يَقْفُو لِيَنْتَهِزَ الْفُرْصَةَ فِيهِمْ وَبَعْدَهُ: (وافر)
إِلَى أَنْ عَرَّسُوا وَأَغَبَّ عَنْهُمْ … قَرِيبًا مَا يُحَسُّ لَهُ حَسِيسُ
خَلَا أَنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا … أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ (^٦)
قوله: "بَصِيرٌ بِالدُّجَى".
_________________
(١) لم نقف على البيت.
(٢) البيت بدون نسبة في: الغريب المصنف لأبي عبيد: ١/ ٣٤٥، ل (نير) روايته: قبلن. . بالقوم.
(٣) الزاهر: ٢/ ٦٥.
(٤) ديوانه: ٥٣.
(٥) تمامه: . . . . . . . . . وَبَاتَ وَرَاءَهُمْ … بَصِيرٌ بالدُّجَى هَادٍ هَمُوسُ لأبي زبيد الطائي في: شعره (شعراء إسلاميون): ٦٣١؛ الأمالي: ١/ ١٧٦.
(٦) البيتين في شعره: ٦٣١، والثاني من الشواهد النحوية في المقتضب: ١/ ٢٤٥؛ شرح المفصل: ١٠/ ١٥٤؛ الإنصاف: ٢٣٧؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ١٤٦؛ الأمالي: ١/ ١٧٦، ل (خسس).
[ ٢ / ١٦٧ ]
أَيْ بِالْمَشْيِ فِي الظُّلَمِ هَادٍ فِيهَا.
وَالْغَمُوسُ: الْوَاسِعُ الشِّدْقَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَعْنَةٌ غَمُوسٌ إِذَا كَانَتْ وَاسِعَةَ الشِّقِّ عَمِيقَةً، وَيُرْوَى عَمُوسٌ بِالْعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَهَافَتُ فِي الْأُمُورِ كَالْجَاهِلِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَعَامَسُ أَي يَتَجَاهَلُ، وَيُرْوَى هَمُوسٌ وَهُوَ الْخَفِيفُ الْوَطْءِ الَّذِي لَا يُحَسُّ وَطْؤُهُ" (^١).
ع: "الْغَمُوسُ: الَّذِي يَسْتَتِرُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَيَنْغَمِسُ فِيهِ، وَالْعَمُوسُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الَّذِي يَتَعَسَّفُ فِي الْأَشْيَاءِ" عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ (^٢).
ع: ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "فِي الدَّلْجَةِ وَالدُّلْجَةِ قَوْلَانِ: قَالَ قَوْمٌ: الدَّلْجَةُ سَيْرُ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَالدُّلْجَةُ بِالضَّمِّ، سَيْرُ آخِرِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا واحِدٌ" (^٣).
قوله: (طويل)
وَتَشْكُو بِعَيْنٍ (^٤) البيت
طـ: "الرِّكَابُ: الْإِبِلُ، وَالْقِيلُ وَالْقَالُ وَالْقَوْلُ سَوَاءٌ. يَصِفُ امْرَأَةً أَتْعَبَهَا طُولُ السَّيْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَهِيَ تَشْكُوهُ وَتَشْكُو قَوْلَ الْمُنَادِي عِنْدَ الصَّبَاحِ: أَصْبَحَ الْقَوْمُ فَما يَنتَظِرُونَ بِالسَّيْرِ، أَيْ تَشْكُوهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَفِي آخِرِهِ فَلَا رَاحَةَ لَهَا، وَمَعْنَى شَكْوَاهَا بِعَيْنِهَا أَنَّهَا غَارَتْ عَيْنَاهَا وَانْكَسَرَ طَرْفُهَا وَغَالَبَهَا النُّعَاسُ عَلَى ظَهْرِ الْمَطِيَّةِ فَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي عَيْنَيْهَا فَقَامَ مَقَامَ الشَّكْوَى، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ عَجِيبَةٌ. وَمَوْضِعُ مَا "نَصْبٌ" بِتَشْكُو، وَقِيلَ: الْمُنَادِي مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أَيْ تَشْكُو السَّيْرَ الَّذِي أَكَلَّ رِكَابَهَا أَيْ جَعَلَهَا كَالَّةً.
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٣٤.
(٢) ل (عمس - غمس).
(٣) الزاهر: ٢/ ٦٦.
(٤) تمامه: وتشْكُو بِعَيْنِ مَا أَكَلَّ رِكَابَهَا … وَقِيلُ المُنَادِي أَصْبَحَ الْقَوْمُ أَدْلِجِي البيت للشماخ في ديوانه: ٧٩.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَيُرْوَى: مَا أَكَلَّتْ رِكَابَهَا: أَنَّثَ عَلَى مَعْنَى الْحَالِ، أَيْ الْحَالَ الَّتِي أَكَلَّتْ رِكَابَهَا أَوِ الْمَشَقَّةَ، وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ "مَا" تَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِضَمِيرِهَا الْعَائِدِ عَلَيْهَا أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْكَلَامِ، وَيُرْوَى: وَقَالَ الْمُنَادِي وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالْمُنَادِي مَخْفُوضٌ بِإِضَافَةِ الْمَقَالِ إِلَيْهِ، وَ"أَصْبَحَ" هَاهُنَا لَا خَبَرَ لَهَا لأَنَّ مَعْنَاهَا "دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ" كَمَا يُقَالُ: أَظْلَمَ الْقَوْمُ وَأَمْسَوْا، إِذَا دَخَلُوا فِي الظَّلَامِ وَالْمَسَاءِ، وَ"مَا" فِي الْبَيْتِ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى "الَّذِي"، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَصْدَرِيَّةَ كَقَوْلِكَ: "أَعْجَبَنِي مَا صَنَعْتَ" لِأَنَّ فِي "أَكَلَّ" ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إِلَى "مَا"، وَ"مَا" الْمَصْدَرِيَّة حَرْفٌ لَا يَعُودُ إِلَيْهَا مِنْ صِلَتِهَا ضَمِيرٌ كَمَا لَا يَعُودُ إِلَى "أَنْ" الْمَوْصُولَةُ إِذَا قُلْتَ: "أَعْجَبَنِي أَنْ تَقُومَ" (^١).
ع: وَيُرْوَى رِكَابُهَا بِالرَّفْعِ، فَتَكُونُ الْمَصْدَرِيَّةَ.
وَقَالَ الْبَكْرِيُّ: "رَوَى أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: مَا أَكَلَّ رِكَابَهَا، بِضَمِّ الْبَاءِ، وَمَا أَكَلَّتْ رِكَابَهَا بِالضَّمِّ أَيْضًا وَمَعْنَاهُ: مَا دَخَلَتْ رِكَابُهَا فِي الْكَلَالِ، فَتَكُونُ "مَا" الظَّرْفِيَّة" (^٢).
ط: "وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي في هَذَا الْبَيْتِ إِنَّهُ يَصِفُ نَاقَةً وَذَلِكَ غَلَطٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ:
أَلَا أَدْلَجَتْ مِنْ غَيْرِ مُدْلِجٍ … هَوَى نَفْسِهَا إِذْ أَدْلَجَتْ لَمْ تُعَرِّجِ
وَكَيْفَ أُرَجِّيهَا وَقَدْ حَالَ دُونَها … بَنُو الْهَوْنِ مِنْ جَسْرٍ وَرَهْطُ ابْنِ حُنْدُجِ
تَحُلُّ شَجًّا أَوْ تَجْعَلُ الشَّرْعَ دُونَهَا … وَأَهْلِي بِأَطْرَافِ اللِّوَا فَالْمُؤَثَّجِ" (^٣)
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٣٦.
(٢) اللآلئ للبكري: ٢/ ٢٩٤؛ الأمالي: ٢/ ٥٩.
(٣) ديوانه: ٧٨ - ٧٩ ورواية الأبيات: أَلَا أدْلَجَتْ لِيْلَاكَ. . . … وَكَيْفَ تَلَاقِيهَا وَقَدْ. . . .. أَوْ جَسْرٌ. . تَحُلُّ سَجَا. . الْغَيْلُ ..
[ ٢ / ١٦٩ ]
ع: وَبَعْدَ الْبَيْتِ:
فَظَلْتُ كَأَنِّي أَتَّقِي رَأْسَ حَيَّةٍ … بحَاجَتِهَا إِنْ تُخْطِئِ النَّفْسَ تُعْرِجِ (^١)
يَقُولُ: أَتَّقِي أَنْ أَبُوحَ بِمَا أَجِدُ كَمَا أَتَّقِي رَأْسَ حَيَّةٍ إِنْ لَمْ تَقْتُلْ أَعْرَجَتْ، أَيْ لا أَقْدِرُ عَلَى أنْ أُكَلِّمَهَا مِنَ الرُّقَبَاءِ، وَمَعْنَى بِحَاجَتِهَا بِحَاجَتِي إِلَيْهَا، وَاسْتَعْمَلَ الْحَاجَةَ فِي مَوْضِعِ الاحْتِيَاجِ (^٢).
وقوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْعِرْضُ" (^٣) إلى آخر الكلام.
ط: "اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعِرْضِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عِرْضُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ، وَهُوَ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، قَالَ قَوْمٌ: عِرْضُهُ ذَاتُهُ وَنَفْسُهُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ كَمَا اخْتَارَهُ أَلَّا يُنْكِرَ الْقَوْلَ الْآخَرَ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا صَحِيحَانِ" (^٤).
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْمُطَرِّزُ: "مِنْ أَبْيَنِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ذَاتُ الرَّجُلِ وَنَفْسُهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ (^٥) وَحَدِيثُ أَبِي ضَمْضَمٍ (^٦) وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ قُتَيْبَةَ.
_________________
(١) = المقصور للقالي: ٢٠، ل التاج والقاموس (متج) (جسر) وبنو الهَوْنِ: هم بنو علي بن جسر بن محارب بن خصفة والمؤثج: مكان بديار بني تغلب. والغيل: موضع في صدر يلمل، والشرع: ماء لبني الحارث من بني سليم، واللوى: واد لبني سليم، معجم البلدان: ٦/ ٣١٩، ٥/ ٢٣، ٥/ ٢٢٠.
(٢) ديوانه: ٧٨ روايته: لكنت إذا كالمتقي. السمط: ٢/ ١٢٨؛ المحكم: ١٨٨، ل (عرج)؛ الأمالي: ٢/ ٥٨.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٣٥.
(٤) أدب الكتاب: ٣٠.
(٥) غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ١٥٤؛ الزاهر: ٢/ ٦٢.
(٦) عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، أبو الدرداء، صحابي جليل من الحكماء الفرسان، أول قاضي في دمشق، توفي سنة (٣٢ هـ). حلية الأولياء: ١/ ٢٠٨؛ غاية النهاية: ١/ ٦٠٦؛ الإصابة: (ت ٦١١٩)؛ الأعلام: ٥/ ٩٨.
(٧) أبو ضمضم، غير مسمى ولا منسوب، روى ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (ألا تحبون أن تكونوا كأبي ضمضم، كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من ظلمني)، الإصابة: ٤/ ١٠٩.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ "الْحُرُوفِ" (^١): "الْعِرْضُ: الْجَسَدُ، حَكَاهُ عَن الْعُذْرِيِّ" (^٢).
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ يَجْرِي مِنْ أَعْرَاضِهِمْ" (^٣) فَلَيْسَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَعْرَقُ مِنَ الْجَسَدِ أَعْرَاضًا وَمَغَابِنَ وَأَرْفَاغًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ وَغَيْرُهُ (^٤)، وَالْعِرْضُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلافُ لَيْسَ هَذَا لِأَنَّ الْعِرْضَ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِمَعَانٍ شَتَّى لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْعِرْضِ الَّذِي يُمْدَحُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ يُذَمُّ.
وَكَذَلِكَ بَيْتُ حَسَّانَ لَا حُجَّةَ ظَاهِرَةً فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ: "فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَآبَائِي" فَأَتَى بِالْعُمُومِ بَعْدَ الْخُصُوصِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (^٥) فَخَصَّصَ الْمَثَانِي بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهَا ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْعَامِّ لَهَا وَلِغَيْرِهَا، وَقَدْ يَأْتِي الْخُصُوصُ بَعْدَ الْعُمُومِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قُصِدَ بِالْمُخَصَّصِ التَّنْوِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (^٦) وقَوْلِهِ: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (^٧).
ونَحْو قَوْلِ الشَّاعِرِ: (طويل)
أَكَرَّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا وَلَبَانَهُ … إِذَا مَا اشْتَكَى وَقْعَ الرِّمَاحِ تَحَمْحَمَا (^٨)
_________________
(١) هو "كتاب الجيم" نفسه.
(٢) كتاب الجيم: ٢/ ٢٣٦.
(٣) الحديث رواه البخاري: أنبياء ١ (ح ٥٥) ٤/ ٢٤٢؛ ومسلم: جنة ١٨، ٤/ ٢١٨١، والترمذي: جنة (ح ٢٦٦٠) ٤/ ٨٥؛ وابن ماجه، زهد: ٣٩ (ح ٤٣٣٣) ٢/ ١٤٤٩؛ والدارمي، رقاق: ١٠٤، ٢/ ٣٣٥.
(٤) الزاهر: ٢/ ٦٢.
(٥) سورة الحجر (١٥): الآية ٨٧.
(٦) سورة البقرة (٢): الآية ٩٧.
(٧) سورة الرحمن (٥٥): الآية ٦٨.
(٨) البيت لعامر بن الطفيل في: ديوانه: ١٣٤، ل (دعلج).
[ ٢ / ١٧١ ]
دَعْلَجٌ: فَرَسُهُ، وَلَبَانُهُ: مَوْضِعُ اللَّبَنِ مِنْ صَدْرِهِ، وَإِذَا كَرَّ الْفَرَسُ فَقَدْ كَرَّ صَدْرُهُ مَعَهُ وَلكِنَّهُ لَمَّا كَانَ اعْتِمَادُ الْفَرَسِ عَلَى مَقَادِيمِهِ خَصَّصَ اللَّبَانَ بِالذِّكْرِ تَنْوِيهًا. وَمِنْ أَبْيَنِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ عِرْضَ الرَّجُلِ حَسَبُهُ وَشَرَفُهُ قَوْلُ مِسْكِينِ الدَّارِمِيِّ: (طويل)
رُبَّ مَهْزُولٍ سَمِينٍ عِرْضُهُ … وَسَمِينِ الْجِسْمِ مَهْزُولِ الْحَسَبْ (^١)
فَهَذَا الْبَيْتُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعِرْضُ فِيهِ الذَّاتَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ (^٢) وَيُرْوَى لِلْحَكَمِ بْنِ عَبْدَلٍ الْأَسَدِي (^٣): (طويل)
وَأُعْسِرُ أَحْيَانًا فَتَشْتَدُّ عُسْرَتِي … فَأُدْرِكُ مَيْسُورَ الْغِنَى وَمَعِي عِرْضِي (^٤)
فَقَدْ صَحَّ بِمَا أَوْرَدْنَاهُ أَنَّ الْقَوَلَيْنِ جَائِزَانِ.
د: أَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِرْضَ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الرَّجُلِ، فَمَرَّةً يَكُونُ ذَلِكَ نَفْسُهُ، وَمَرَّةً يَكُونُ أَبَاهُ لأَنَّ مِنْ جِهَتِهَا يَلْحَقُهُ الْمَدْحُ أَوِ الذَّمُّ.
ع: أَقْرِضْ: أعْطِ، ومِنْ عِرْضِكَ: أَيْ مِنْ نَفْسِكَ.
وأنشد ابن قتيبة: (وافر)
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا (^٥)
_________________
(١) ديوانه: ٢٠؛ الأمالي: ١/ ١١٨؛ الخزانة: ٨/ ٢٦٥.
(٢) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي، أبو عمرو، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، توفي نحو (٦٠ ق. هـ). الشعر والشعراء: ١٨٥؛ المحبر: ٢٥٨؛ الخزانة: ٢/ ٤١٩؛ الأعلام: ٣/ ٢٢٥.
(٣) الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو الأسدي، شاعر مقدم هجاء، من شعراء بني أمية، كان أعرج أحدب، توفي نحو (١٠٠ هـ). الأغاني: ٢/ ١٤٤؛ تهذيب ابن عساكر: ٤/ ٣٩٦؛ فوات الوفيات: ١/ ٣٩٠؛ الأعلام: ٢/ ٢٦٧.
(٤) البيت في شعر الحكم: مجلة المورد: ١٠٩؛ الحماسة البصرية: ٢/ ٤٤١؛ ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٦٣؛ الأغاني: ٢/ ٣٦٥؛ الأمالي: ٢/ ٢٦١؛ أمالي المرتضى: ١/ ٦٣٤.
(٥) تمامه: هَجَوْتُ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِندَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ ديوانه: ٧٦؛ الأمالي: ١/ ١١٩؛ الأغاني: ٤/ ١٤٣؛ السيرة لابن هشام: ٨٤٠.
[ ٢ / ١٧٢ ]
طـ: "هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُخَاطِبُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ (^١)، وَكَانَ هَجَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدِ أَنَّ حَسَّانًا لَمَّا أَنْشَدَ النَّبِيَّ ﵇، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ (^٢) البيت
قَالَ لَهُ: (وَقَاكَ اللهُ حَرَّ النَّارِ يَا حَسَّانُ) (^٣) وَلَمَّا قَالَ:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ … فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ (^٤)
قَالَ مَنْ حَضَرَ: هَذَا أَنْصَفُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ" (^٥).
ع: وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ حِينَ أَرَادَ هِجَاءَ أَبِي سُفْيَانٍ: (كَيْفَ تَهْجُو قُرَيْشًا وَأَنَا مِنْهُمْ؟) فَقَالَ: (وَاللهِ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (اهْجُهُمْ وَرُوْحُ الْقُدُسِ مَعَكَ اذْهَبْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرْكَ بِمَثَالِبِ الْقَوْمِ) (^٦).
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ (^٧) نَسَّابَةً، فَلَمَّا وَصَلَ الشِّعْرُ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: هَذَا شِعْرٌ
_________________
(١) هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبو سفيان، أحد الأبطال الشعراء، في الجاهلية والإسلام. صفة الصفوة: ١/ ٢٠٩؛ الإصابة (ت ٥٣٨)؛ الأعلام: ٧/ ٢٧٦.
(٢) تمامه: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وَقَاءُ ديوان: ٧٦؛ الأغاني: ٤/ ١٤٣؛ شرح بانت سعاد: ١١٨.
(٣) الحديث رواه مسلم: فضائل الصحابة: ٤/ ١٩٣٣ ولم يذكر الدعاء.
(٤) ديوانه: ٧٧.
(٥) الاقتضاب: ٣/ ٣٧.
(٦) الحديث رواه البخاري، مغازي: ٥/ ٥١؛ أدب: ٩١ (ح ١٧٣) ٨/ ٦٦؛ ومسلم؛ فضائل الصحابة: ٤/ ١٩٢٤؛ وأحمد: ٤/ ٢٨٦.
(٧) عبد الله بن أبي قحافة بن عامر بن كعب التيمي القرشي، أبو بكر، أول الخلفاء الراشدين، ولد سنة (٥١ ق. هـ)، وتوفي سنة (١٣ هـ)؛ طبقات ابن سعد: ٣/ ١٦٩؛ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٠٦؛ تاريخ الطبري: ٢/ ١٤٢؛ الإصابة: (ت ٤٨٠٨)؛ الأعلام: ٤/ ١٠٢.
[ ٢ / ١٧٣ ]
لَمْ يَغِبْ عَنْهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ (^١).
قوله: "وَأَجَبْتُ".
كَذَا الرِّوَايَةُ، وَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْوَاوِ قَدْ يَكُونُ مُرَتَّبًا بَعْدَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَلَا يُنْوَى فِيهِ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام دَلِيلٌ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْاسْمَيْنِ هُوَ الْمَبْدُوُّ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ (^٢) لِأَنَّ إِخْرَاجَ الْأَثْقَالِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الزَّلْزَلَةِ.
ع: وَقَعَتِ الرِّوَايَةُ بِالْوَاوِ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْفَاءِ لِأَنَّهَا تُرَتِّبُ الْجَوَابَ بَعْدَ الْهَجْوِ وَتَرْبِطُ الْعِلَّةَ بِالْمَعْلُولِ كَقَوْلِكَ: كَلَّمْتُهُ فَضَحِكَ وَضَرَبْتُهُ فَبَكَى.
ط: "الْعَامِلُ فِي "عِنْدَ الْاسْتِقْرَارُ، فَمَنْ رَفَعَ الْجَزَاءَ بِالْابْتِدَاءِ وَجَعَلَ "عِنْدَ" مُتَضَمَّنًا لِخَبَرِهِ "فَلِعِنْدَ" مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَمَنْ جَعَلَ الْجَزَاءَ مَرْفُوعًا بِالاسْتِقْرَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ، فَلا مَوْضِعَ لَهَا، وَ"اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: "لِعِرْضِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ "الْوِقَاءِ" وَهِيَ حَالٌ مِنْ نَكِرَةٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا لأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وِقَاءٌ لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ، لَكَانَ الْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ "لِوِقَاءٍ" فَلَمَّا تَقَدَّمَ صَارَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنْكُمْ وِقَاءُ، فَالْمَعْنَى وِقَاءٌ مِنْكُمْ كَمَا تَقُولُ: وَقَيْتُهُ بِنَفْسِي مِنَ الْمَكْرُوهِ، فَحُكْمُ "مِنْ" أنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِوِقَاءٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا وَقَدْ قَدَّمْتَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّكَ تُقَدِّمُ صِلَةَ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تُعَلِّقُهَا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ "وِقَاءُ" كَأَنَّهُ قَالَ: يَقُونَهُ مِنْكُمْ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَوُو وِقَاءٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَبَ وَالْوَالِدَ وَالْعِرْضَ الْوِقَاءَ بِعَيْنِهِ مُبَالَغَةً فِي الْمَعْنَى كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَنْتَ إِلَّا مَخْلُوقٌ مِنَ الْكَرَمِ، إِذَا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (^٣)
_________________
(١) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٥٧٥.
(٢) سورة الزلزلة (٩٩): الآية ١ - ٢.
(٣) سورة الأنبياء (٢١): الآية ٣٧.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ الْمَصْدَرَ نَائِبًا مَنَابَ اسْم الْفَاعِلِ كَأَنَّهُ قَالَ: لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وَاقُونَ، كَمَا تَقُولُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، تُرِيدُ عَادِلٌ. وَقَوْلُهُ: فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ، مَعْنَاهُ عَلَى ذَاكَ؛ لأَنَّكَ تَقُولُ: جَازَيْتُهُ عَلَى كَذَا وَلَا تَقُولُ: فِي كَذَا" (^١).
قوله: "وَمَنْ غَبَرَ" (^٢).
د: أَي مَنْ بَقِيَ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ.
ع: بَيْضَتُهُ: جَمَاعَتُهُ، وَكَذَلِكَ بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ جَمَاعَتُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ": "إِنَّ الْأَنْصَارَ (^٣) قَالَتْ لِقُرَيْشٍ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ أَكْرَمُ النَّاسِ أَحْسَابًا وَأَثْقَبُهُمْ أَنْسَابًا، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللهِ ﵇ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا جِيبَتِ الْعَرَبُ عَنَّا كَمَا جِيبَتِ الرَّحَى عَنْ قُطْبِهَا" (^٤).
يَرْوِيهِ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (^٥) عَنْ أَبِي مَالِكِ النَّصْرِيِّ (^٦) عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ (^٧).
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٣٧.
(٢) أدب الكتاب: ٣٢.
(٣) أنصار رسول الله ﷺ، غلبت عليهم الصفة فجرت مجرى الأسماء، وهم من ولد ثعلبة بن عمرو مزيقاء من مازن بن الأزد وهم الأوس والخزرج، جمهرة أنساب العرب: ٣٣٢، ل (نصر).
(٤) الفائق: ١/ ١٧٠؛ غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٥٧٦.
(٥) يزيد بن هارون بن زاذان بن ثابت السلمي بالولاء، أبو خالد، من الحفاظ الثقات، ولد سنة (١١٨ هـ) وتوفي بواسط سنة (٢٠٦ هـ). تاريخ بغداد: ١٤/ ٣٣٧؛ تذكرة الحفاظ: ١/ ٣١٧؛ تهذيب التهذيب: ١١/ ٣٦٦؛ الأعلام؛ ٨/ ١٩٠.
(٦) مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النصري، صحابي من أهل الطائف، قاد هوازن يوم حنين ضد رسول الله ﷺ وأسلم بعدها توفي سنة (٢٠ هـ). المحير: ٢٤٦؛ الإصابة (ت ٧٦٧٥)؛ الأغاني: ١٠/ ٣٠؛ الأعلام: ٥/ ٢٦٤.
(٧) علي بن زيد بن محمد بن الحسين، أبو الحسن ظهير الدين البيهقي، باحث ومؤرخ، توفي سنة (٥٦٥ هـ). معجم الأدباء: ٥/ ٢٠٨؛ هدية العارفين: ١/ ٦٩٩؛ الأعلام: ٤/ ٢٩٠.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَجِيبَتْ: خُرِقَتْ عَنَّا فَكُنَّا وَسَطًا وَكَانَتِ الْعَرَبُ حَوَالَيْنَا كَمَا خُرِقَتِ الرَّحَى فِي وَسَطِهَا لِلْقُطْبِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ فَقُرَيْشٌ كَالْقُطْبِ، يُقَالُ جَيَّبْتُ الْقَمِيصَ: إِذَا قَوَّرْتَ جَيْبَهُ.
د: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: جِيبَتِ الرَّحَى: خُرِقَتْ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْعَرَبَ جِيبَتْ عَلَيْنَا كَمَا جِيبَتِ الرَّحَى عَلَى قُطْبِهَا) مِنْ "مُسْنَدِ" أَحْمَدِ بْنِ خَالِدٍ (^١).
ع: جِيبَتْ: شُقَّتْ وَقُطِعَتْ، وَجُبْتُ الصَّخْرَ: قَطَعْتُهُ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَقُولَ بِحَضْرَةِ الْقَوْمِ وَلَا غَيْبَتِهِمْ.
قوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْخُلْفُ وَالْكَذِبُ" (^٢) إلى آخِرِ الْفَصْلِ.
ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ، وَقَدْ جَاءَ الْكَذِبُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَالَ اللهُ ﵎: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (^٣) " (^٤).
د: قَدْ سَمَّى اللهُ الْخُلْفَ كَذِبًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٥).
ابْنُ الْقَوْطِيّةِ: "إِنَّمَا الْخُلْفُ اسْمٌ مِنْ أَخْلَفَ الْوَعْدَ: إِذَا لَمْ يُنْجِزْهُ" (^٦).
د: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يُقَالُ: جَعْرٌ وَجَعَرٌ كَمَا يُقَالُ: بَعْرٌ وَبَعَرٌ، وَالْجَاعِرَتَانِ: مَا اكْتَنَفَ الذَّنَبَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، وَالْحَمِيرُ تُرْفَعُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
_________________
(١) أحمد بن خالد بن يزيد القرطبي، أبو عمرو، حافظ للحديث، كان شيخ الأندلس في عصره، عرف بابن الجباب نسبة إلى بيع العنب إمام في فقه مالك، توفي سنة (٣٢٢ هـ). له: مسند مالك وكتب أخرى. تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨١٥؛ الأعلام: ١/ ١٢٠.
(٢) أدب الكتاب: ٣٢.
(٣) سورة هود (١١): الآية ٦٤.
(٤) الاقتضاب: ٢/ ٢١.
(٥) سورة الحشر (٥٩): الآية ١١.
(٦) الأفعال لابن القوطية: ٣٥.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وَقَالَ ابْنُ الْقَوْطِيّةِ: الرَّقْمَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْفَتِلُ فِيهِ الشَّعَرُ مِنَ الدَّابَّةِ.
قوله: (متقارب)
إِذَا مَا انْتَحَاهُنَّ شُؤْبُوبُهُ (^١)
ط: "الْبَيْتُ لِكِعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ ابْنِ أَبِي سُلْمَى (^٢). وَانْتَحَاهُنَّ: اعْتَمَدَهُنَّ. وَالْغُضُونُ: التَّكَسُّرُ وَالتَّشَنُّجُ فِي الْجِلْدِ، يُقَالُ: تَغَضَّنَ جِلْدُهُ إِذَا تَشَنَّجَ، وَوَاحِدُ الْغُضُونِ غَضَنٌ، قَالَ الرَّاجِزُ:
أَرَأَيْتَ إِنْ سُقْتَ سِيَاقًا حَسَنًا … يَمُدُّ مِنْ آبَاطِهِنَّ الْغَضَنَا (^٣)
يَصِفُ كَعْبٌ حِمَارًا وَحْشِيًّا يَسُوقُ أُتُنا وَيَعْنُفُ عَلَيْهِنَّ فِي السَّوْقِ. وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ بَعْدَهُ: (طويل)
وَبَصْبَصْنَ بَيْنَ أَدَانِي الْغَضَا … وَبَيْنَ عُنَيْزَةَ شَأْوًا بَطِينَا
فَصَادَفْنَ ذَا حَنَقٍ لَاصِقًا … لُصُوقَ الْبُرَامِ يَظُنُّ الظُّنُونَا (^٤)
وَالْبَصْبَصَةُ: سُرْعَةَ السَّيْرِ، يُقَالُ: قَرَبٌ بَصْبَاصٌ. وَالشَّأْوُ: الطَّلَقُ، وَالشَّأْوُ أَيْضًا: السَّبْقُ، يَعْنِي صَادَفْنَ الصَّائِدَ. وَالْبُرَامُ: الْقُرَادُ" (^٥). وَتَمَامُ قَوْلِهِ: (وافر)
عَشَنْزَرَةٌ جَوَاعِرُهَا ثَمَانٍ … فُوَيْقَ زِمَاعِهَا وَشْمٌ حُجُولُ (^٦)
_________________
(١) أدب الكتاب: ٣٣ وتمامه: رَأَيْتَ لِجَاعِرَتَيْهِ غُضُونَا في ديوان كعب: ١٥٢.
(٢) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المضرب، شاعر علي الطبقة من أهل نجد، توفي سنة (٢٦ هـ) له ديوان شعر. الشعر والشعراء: ١٥٤؛ طبقات الشعراء: ٤٠؛ سيرة ابن هشام: ٣/ ٣٢؛ الخزانة: ٩/ ١٥٣؛ الأعلام: ٥/ ٢٢٦.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٣٩.
(٤) البيتين للغطفاني في: القلب والإبدال ليعقوب: ٢٥، ول (بطن بصص).
(٥) الاقتضاب: ٣/ ٣٩.
(٦) البيت للأعلم في ديوان الهذليين: ١/ ٣٢٢؛ الاشتقاق: ٤٢١؛ التاج والصحاح ول (عشزر).
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَهُوَ صَدْرُ بَيْتٍ لِحَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْهُذَلِي الْمَعْرُوفِ بِالْأَعْلَمِ (^١)، وَهُوَ أَخُو صَخْرِ الْغَيِّ، يَصِفُ ضَبُعًا. وَالْعَشَنْزَرَةُ: الْغَلِيظَةُ وَيُقَالُ: السَّرِيعَةُ، يُقَالُ: سَيْرٌ عَشَنْزَرٌ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا يَرْتَضِيهِ، وَهُوَ قَدْ فَسَّرَهُ فِي كِتَابِهِ الْمَوْضُوعِ فِي "مَعَانِي الشِّعْرِ"، وَقَالَ: سَأَلْتُ الرِّيَاشِيَ (^٢) عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْجَوَاعِرُ أَرْبَعٌ، وَأَرَهُ أَرَادَ زِيَادَةً فِي خَلْقِهَا وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ بَيِّنٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرِّيَاشِيُّ أَنَّ الشَّاعِرَ [لَمْ يُرِدْ] (^٣) أَنَّ لَهَا ثَمَانِيَ جَوَاعِرَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عَجُزَهَا لِسِعَتِهِ وَعِظَمِهِ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثَمَانِيَ جَوَاعِرَ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُخْرِجُ الْأَمْرَ الْمُمْكِنَ مَخْرَجَ الْحَقِيقَةِ فَيَقُولُونَ: جَاءَنَا بِجَفْنَةٍ يَقْعُدُ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَاءَ بِهَا وَفِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهَا لِسِعَتِهَا لَوْ قَعَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ لَوَسِعَتْهُمْ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ عَوْفِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ الْخَرِعِ (^٤): (متقارب)
لَهَا حَافِرٌ مِثْلَ قَعْبِ الْوَلِيدِ … يَتَّخِذُ الْفَأْرُ فِيهِ مَغَارًا (^٥)
أَيْ لَوِ اتَّخَذَهُ فِيهِ لَأَمْكَنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَوْطِيَّةِ: جَوَاعِرُهَا ثَمَانٍ، أَي إِنَّ الشَّعَرَ يَنْفَتِلُ فِي جَسَدِهَا فِي
_________________
(١) الهذل الخثمي أحد شعراء هذيل، شرح ديوانه الهذلين: ٣٠٩؛ الأغاني: ٢٢/ ٣٤٣.
(٢) العباس بن الفرج بن علي بن عبد الله الرياشي البصري من الموالي، أبو الفضل، لغوي راوية عارف بأيام العرب، ولد سنة (١٧٧ هـ) وقتل أيام فتنة الزنج سنة (٢٥٧ هـ). تاريخ بغداد: ١٢/ ١٣٨؛ نزهة الألباء: ١٩٩؛ الوفيات: ٣/ ٢٧؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ١٢٤؛ بغية الوعاة: ٢/ ٢٧؛ الأعلام: ٢/ ٢٦٤.
(٣) الزيادة من الاقتضاب: ٣/ ٤١.
(٤) عوف بن عطية بن عمرو الملقب بالخرع بن عبس بن وديعة من تيم الرباب: شاعر جاهلي فحل أدرك الإسلام. طبقات الشعراء: ١٥٩؛ معجم الشعراء: ١٢٥؛ الخزانة: ٦/ ٣٦٤؛ الأعلام: ٥/ ٩٦.
(٥) البيت في: الخزانة: ٩/ ١٧٦؛ المفضليات: ٤١٤؛ السمط: ٦٣٣؛ الخيل لأبي عبيدة: ٨٣.
[ ٢ / ١٧٨ ]
ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعِ لِعَرَامَتِهَا وَصَلَابَتِهَا كَمَا يَقُومُ شَعَرُ الْأَسَدِ وَالسِّنَّوْرِ عِنْدَ غَضَبِهِمَا.
ط: وَقَوْلُهُ: "فُوَيْقَ زِمَاعِهَا".
الزِّمَاعُ: جَمْعُ زَمَعَةٍ، وَهِيَ شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ خَلْفَ ظِلْفِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا شَبيهَةٌ بِالزَّيْتُونَةِ، وَالْوَشْمُ: خُطُوطٌ تُخَالِفُ مُعْظَمَ اللَّوْنِ. وَالْحُجُولُ: الْبَيَاضُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَجَلٍ وَهُوَ الْقَيْدُ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْخَلْخَالِ حَجَلٌ تَشْبِيهًا بِالْقَيْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَجَلٍ وَهُوَ التَّحْجِيلُ بِعَيْنِهِ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ (^١): (رجز)
أَغَرُّ فِي الْبُرْقُعِ بَادٍ حَجَلُهْ … نَعْلُو بِهِ الْحَزْنَ وَمَا نُسَهِّلُهُ (^٢)
وَبَعْدَ الْبَيْتِ: (وافر)
تَرَاهَا الضُّبْعُ أَعْظَمَهُنَّ رَأْسًا … جُرَاهِمَةٌ لَهَا حِرَةٌ وَثِيلٌ (^٣)
الضُّبْعُ: جَمْعُ ضِبَاعٍ، وَضِبَاعٌ: جَمْعُ ضَبْعٍ. وَالْجُرَاهِمَةُ: الْعَظِيمَةُ الرَّأْسِ" (^٤).
وَالثِّيلُ: غِلَافُ قَضِيبِ الْبَعِيرِ، وَالْحِرَةُ: الْحِرُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِ هَاءٍ.
ع: الرِّوَايَةُ: عَشَنْزَرَةٌ بِالرَّفْعِ وَمَا قَبْلَهُ يَقْتَضِي النَّصْبَ فِيهَا وَهُوَ:
تُشَايِعُ وَسْطَ ذَوْدِكَ مُقْبَئِنّا … لِتُحْسَبَ سَيِّدًا ضَبُعًا ثَبُولُ (^٥)
نَصَبَ ضَبُعًا بِتُشَايِعُ أَيْ تُنَادِي، وَعَشَنْزَرَةٌ صِفَةٌ لِضَبُعٍ أَوْ بَدَلٌ، وَقَدْ يَجُوزُ
_________________
(١) الفضل بن قدامة العجلي، أبو النجم من بني بكر بن وائل راجز من العصر الأموي توفي سنة (١٣٠ هـ). الأغاني: ١٠/ ١٥٠؛ معجم الشعراء: ١٨٠، الخزانة: ١/ ١٠٣؛ الأعلام: ٥/ ١٥١.
(٢) ديوانه: ١٦٤.
(٣) ديوانه الهذليين: ١/ ٣٢٢؛ المعاني الكبير: ٢١٧؛ المخصص: ٨/ ٧١؛ الخصائص: ١/ ٢٦.
(٤) الاقتضاب: ٣/ ٤١.
(٥) ديوان الهذليين: ١/ ٣٢٢ روايته: فَشَايِعْ. . . . . . . مُسْتَقِنًّا … . . . . . . . . . . . . . . تَنُولُ المعاني الكبير: ٢١٧؛ الخصائص: ٣/ ١٩٦، ل التاج: (قنن).
[ ٢ / ١٧٩ ]
الرَّفْعُ، وَبِالرَّفْعِ وَقَعَ فِي أَشْعَارِ هُذَيْلٍ (^١). وَالْمُقْبَئِنُّ: الْمُجْتَمِعُ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ: مُقْتَئنًّا، وَفَسَّرَهُ: مُنتَصِبًا.
قوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ" (^٢) إلى آخر الفصل.
ط: "تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِمَا فَقَالَ قَوْمٌ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ لِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَاحْتَجُّوا بِبَيْتِ (^٣) الرَّاعِي (^٤) حِينَ جَعَلَ لَهُ حَلُوبَةً وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (^٥). أَيْ قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ حَالِهِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْمِسْكِينَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ، وَإِنَّهُ عَلَى زِنَةِ مِفْعِيلٍ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِ بِالسُّكُونِ وَعَدَمِ الْحَرَكَةِ، يُرَادُ أَنَّهُ كَالْمَيْتِ الَّذِي لَا حَرَاكَ فِيهِ. وَاحْتَجَّ يُونُسُ بِأَنْ قَالَ: قُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ: أَفَقِيرٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ بَلْ مِسْكِينٌ (^٦)، أَرَادَ أَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ بِأَشْيَاءٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (^٧) فَجَعَلَ لَهُمْ سَفِينَةً.
وَمِنْهَا أَنَّ الْفَقِيرَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَكْسُورُ الْفَقَارِ، وَمَنْ كُسِرَ فَقَارُهُ فَلَا حَيَاةَ لَهُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
_________________
(١) هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر من عدنان، جد جاهلي سكن بنوه وادي النخلة، معجم البلدان: ٨/ ١٦٧؛ جمهرة الأنساب: ١٨٥؛ تاريخ اليعقوبي: ١/ ٢١٢؛ معجم القبائل: ٣/ ١٢١٣.
(٢) أدب الكتاب: ٢٣.
(٣) البيت هو: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ في إصلاح المنطق: ٣٢٦.
(٤) عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، أبو جندل من فحول الشعراء المحدثين، توفي سنة (٩٠ هـ). الشعر والشعراء: ٤١٥: طبقات فحول الشعراء: ٢٩٨؛ الأغاني: ٢٠/ ١٦٨؛ الخزانة: ٣/ ١٥٠؛ الأعلام: ٤/ ١٨٩.
(٥) سورة البلد (٩٠): الآية ١٦.
(٦) تهذيب الألفاظ: ١٥، إصلاح المنطق: ٣٢٧؛ الزاهر: ١/ ١٢٧؛ الصحاح: (سكن).
(٧) سورة الكهف (١٨): الآية ٧٨.
[ ٢ / ١٨٠ ]
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (^١) فَلَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لَهُمْ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَنْسُبَهَا إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخْدِمُونَهَا وَيَتَوَلَّوْنَ أَمْرَهَا كَمَا يُقَالُ: هَذِهِ الدَّابَّةُ لِفُلَانٍ السَّائِسِ. وَالْعَرَبُ تَنْسُبُ الشَّيْءَ إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُلابَسَةٌ وَمُجَاوَزَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ (^٢). وَلَيْسَ للَّهِ تَعَالَى مَقَامٌ وَلَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَقَامَهُ عِنْدَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اللهُ تَعَالَى سَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ عَلَى جِهَةِ التَّرَحُّمِ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الْمِسْكِينِ، فَيُسَمُّونَهُ مِسْكِينًا إِشْفَاقًا وَتَحَنُّنًا وَلَيْسَ بِمِسْكِينٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: (مِسْكِينٌ رَجُلٌ لَا أَهْلَ لَهُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؟ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ) (^٣).
وَلَمْ يَقَعِ الْخِلافُ بَيْنَنَا فِي الْمِسْكِينِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا وَعَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْمِسْكِينِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الْمَكْسُورُ الْفَقَارِ فَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَقَرْتُ أَنْفَ الْبَعِيرِ إِذَا حَزَزْتَهُ بِحَدِيدَةٍ ثُمَّ وَضَعْتَ عَلَى مَوْضِعِ الْحَزِّ الْجَرِيرَ وَعَلَيْهِ وَتَرٌ مَلْوِيٌّ لِتُذِلَّهُ وَتَرُوضَهُ، فَيَكُونُ الْفَقِيرُ إِنَّمَا سُمِّيَ فَقِيرًا لِأَنَّ الدَّهْرَ أذَلَّهُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَبْيَاتٍ أَنْشَدَهَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ حِجَاجِهِمْ وَهِيَ: (رجز)
هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤجَرُهْ
_________________
(١) سورة الكهف (١٨): الآية ٧٨.
(٢) سورة إبراهيم (١٤): الآية ١٧.
(٣) لم نجد الحديث في أي من كتبه.
[ ٢ / ١٨١ ]
تُغِيثُ مِسْكِينًا كَثِيرًا عَسْكَرُهْ
عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ (^١)
قَالُوا: فَجَعَلَ لَهُ عَشْرَ شِيَاهٍ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَهُ عَشْرَ شِيَاهٍ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ لَوْ وُهِبَتْ لَهُ فَحَذَفَ مَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ لِعِلْمِ السَّامِعِ كَمَا قَالَتْ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلٍ (^٢): (وافر)
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي … أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ (^٣)
الْمَعْنَى: مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ دُونَ قُرَّةِ عَيْنٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ مِلْكُ عَشْرِ شِيَاهٍ أَوْ هِبَةُ عَشْرِ شِيَاهٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ" (^٤).
قوله: "أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ".
د: إِنَّمَا سَمَّاهُ فَقِيرًا حِينَ ذَهَبَتْ حَلُوبَتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنْ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا أَنَّهُ ﵇ اسْتَعَاذَ مِنَ الْفَقْرِ وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا وَأَنْ يُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ (^٥).
ع: وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ (^٦): الْفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمَانَةٌ، وَالْمِسْكِينُ الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ (^٧). وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (^٨)
_________________
(١) الرجز في: ل (سكن - عسكر).
(٢) ميسون بنت بحدل بن أنيف من بني حارثة بن جناب الكلبي، أم يزيد بن معاوية، شاعرة بدوية، توفيت سنة (٨٠ هـ). المحبر: ٢١؛ الكامل لابن الأثير: ٤/ ٤؛ جمهرة أنساب العرب: ٤٢٧؛ الخزانة: ٨/ ٥٠٥؛ الأعلام: ٧/ ٣٣٩.
(٣) البيت في: الخالديين: ٢٣٢؛ الخزانة ٨/ ٥٠٣؛ العيني: ٤/ ٣٩٧؛ أمالي ابن الشجري: ٢/ ٤٢٧؛ الكتاب: ١/ ٤٢٦؛ المقتضب: ٢/ ٢٧؛ الأصول: ٢/ ١٥٠.
(٤) الاقتضاب: ٢/ ٢٥.
(٥) الحديث قوله ﷺ: (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) رواه ابن ماجه: زهد ٧ (ح ٤١٢٦) ٢/ ١٣٨١؛ الفائق: ٢/ ١٨٩؛ النهاية: ٢/ ٣٨٥.
(٦) قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري الظفري الأوسي، صحابي بدري، توفي بالمدينة سنة (٢٣ هـ)، صفة الصفوة: ١/ ١٨٣؛ الأعلام: ٥/ ١٨٩.
(٧) تهذيب اللغة: ٩/ ٢١١٤، ل (سكن).
(٨) سورة التوبة (٩): الآية ٦٠.
[ ٢ / ١٨٢ ]
الْآيَة، فَبَدَأَ تَعَالَى بِالْفَقِيرِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ وَرَتَّبَ أَصْنَافَ مُسْتَوْجِبِي الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَ الثَّانِي أَصْلَحَ حَالًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثَ أَصْلَحَ حَالًا مِنَ الثَّانِي، إِلَى السَّابِعِ وَالثَّامِنِ.
وَقَالُوا: "فَقِيرٌ وَقِيرٌ" فَأَتْبَعُوهُ، وَالْمَعْنَى مَكْسُورُ الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ ثِقْلٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسٍ الشَّافِعِيِّ (^١) الْفَقِيهِ ﵀، وَبِهَذَا احْتَجَّ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْبَصْرِيُّ (^٢) فِي الرَّدِّ عَلَى يَعْقُوبٍ فِي "الْإِصْلَاحِ" (^٣).
ط: "اسْمُ الرَّاعِي عُبَيْدُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ نُوحٍ النُّمَيْرِيُّ، وَسُمِّيَ الرَّاعِي لِأَنَّهُ وَصَفَ رَاعِيًا فَأَجَادَ. وَالْحَلُوبَةُ: النَّاقَةُ الَّتِي تُحْلَبُ وَكَذَلِكَ الشَّاةُ، وَهِيَ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٍ كَنَاقَةٍ رَكُوبَةٍ.
وقوله: "وَفْقَ الْعِيَالِ: أَيْ قُوتًا لَا فَضْلَ فِيهِ عَنْهُمْ" (^٤).
وَكُلُّ شَيْءٍ طَابَقَ شَيْئًا وَوَافَقَهُ، فَهُوَ وَفْقٌ لَهُ. وَالسَّبَدُ: الشَّعَرُ وَالْوَبَرُ، وَاللَّبَدُ: الصُّوفُ، فَإِذَا قِيلَ: "مَا لَهُ سَبَدٌ وَلَا لَبَدٌ" (^٥) فَمَعْنَاهُ: مَا لَهُ ذُو سَبَدٍ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْمَعْزُ وَلَا ذُو لَبَدٍ وَهِيَ الْغَنَمُ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى ضُرِبَ لِلْفَقِيرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
_________________
(١) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهشمي، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة، ولد في غزة سنة (١٥٠ هـ) ثم انتقل إلى مكة ثم بغداد ثم مصر وتوفي سنة (٢٠٤ هـ). حلية الأولياء: ٩/ ٦٣؛ تاريخ بغداد: ٢/ ٥٦؛ صفة الصفوة: ٢/ ٢٤٨؛ معجم الأدباء: ١٧/ ٢٨١؛ غاية النهاية: ٢/ ٩٥؛ تهذيب التهذيب: ٩/ ٢٥؛ الوفيات: ٤/ ١٦٣؛ الأعلام؛ ٦/ ٢٦.
(٢) علي بن حمزة البصري، أبو القاسم، لغوي أديب من العلماء، له: التنبيهات وتوفي سنة (٤٣٢ هـ). معجم الأدباء: ١٣/ ٢٠٨؛ بغية الوعاة: ٢/ ١٦٥؛ الأعلام: ٤/ ٢٨٣.
(٣) التنبيهات على إصلاح المنطق: ٣١٨.
(٤) أدب الكتاب: ٣٤.
(٥) مجمع الأمثال: ٢/ ١٤٩؛ جمهرة الأمثال: ٢/ ٢٦٧؛ المستقصى: ٣٠٤؛ الحيوان: ٥/ ٤٢٩؛ الزاهر: ١/ ٤٩٢؛ أمثال أبي عكرمة: ١٠٩؛ الفاخر: ٢١؛ ل: (سبد، لبد).
[ ٢ / ١٨٣ ]
أَحَدُهُما: إيقَاعُهُمُ (^١) النَّفْيَ عَلَى السَّيَدِ وَاللَّبَدِ وَهُمْ يُرِيدُونَ نَفْيَ مَا لَهُ السَّبَدُ وَاللَّبَدُ.
وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِبِلِ وَالْمَعِزِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً" (^٢).
ع: يَقُولُ هَذَا الْبَيْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (^٣) يَشْتَكِي إِلَيْهِ جُورَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ لَهُ.
"وَقَالَ النَّمْرُ بْنُ تَوْلَبٍ" (^٤):
ط: "كَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَقُولُ: النَّمْرُ بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَقُولُهُ إِلَّا هَكَذَا (^٥).
وقوله: "بَعْدَ وَهْبٍ" (^٦): يُرِيدُ: بَعْدَ خِيَانَةِ وَهْبٍ وَلَيْسَ يُرِيدُ "بَعْدَ هَلَاكِ وَهْبٍ". وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَدَحَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ يَذْمُّهُ وَيَذُمُّ بَنِي رَبِيعَةَ قَبِيلَتَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ وَهْبًا كَانَ أَوْثَقَهُمْ وَأَجْدَرَهُمْ بِالْأَمَانَةِ، فَإِذْ قَدْ خَانَ وَهْبٌ فَهُمْ أَجْدَرُ بِالْخِيَانَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَذُمُّ وَهْبًا قَوْلُهُ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ: (وافر)
يُرِيدُ خِيَانَتِي وَهْبٌ وَأَرْجُو … مِنَ اللَّهِ الْبَرَاءَةَ وَالْأَمَانَا
_________________
(١) غير واضحة في الأصل (خ): وما أثبتناه من الاقتضاب: ٣/ ٤٣.
(٢) الاقتضاء: ٣/ ٤٣.
(٣) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، أبو الوليد من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، نشأ في المدينة فقيهًا واسع العلم وولي الخلافة سنة (٦٥ هـ) وتوفي بدمشق سنة (٨٦ هـ). الطبقات: ٣/ ٢٢٣؛ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢٥٥؛ تاريخ بغداد: ١٠/ ٣٨٨؛ الكامل: ١/ ١٩٢؛ ميزان الاعتدال: ٢/ ١٥٣؛ الأعلام: ٤/ ١٦٥.
(٤) أدب الكتاب: ٣٤.
(٥) الاقتضاب: ٣/ ٤٤؛ الجمهرة: ٢/ ٤١٦؛ شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري: ٣٩٠.
(٦) أدب الكتاب: ٣٤، وتمام البيت: وَإِنَّ بَنِي رَبِيعَةَ بَعْدَ وَهْبٍ … كَرَاعِي البَيْتِ يُحْفَظُهُ فَخَانَا وهو للنمر بن تولب في ديوانه: ١٢٣.
[ ٢ / ١٨٤ ]
فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُنِي وَوَهْبًا … وَيَعْلَمُ أَنْ سَيَلْقَاهُ كِلانَا (^١)
وقوله: "كَرَاعِي الْبَيْتِ".
أيْ كَمَنُ اؤْتُمِنَ عَلَى مَتَاعِ بَيْتٍ فَخَانَ. وَيُرْوَى: يُحْفَظُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ أَي يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: حَفِظَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَأَحْفَظْتُهُ إِيَّاهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
وَيُرْوَى يَحْفَظُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْحَافِظَ لَا يَخُونُ فَكَيْفَ وَصَفَهُ بِالْحِفْظِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْجَوَابُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا يَقَعُ عُقَيْبَ مَا قَبْلِهَا، فَمَعْنَاهُ يَحْفَظُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُعْقِبُ الْحِفْظُ بِالْخِيَانَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يُحْفَظُهُ، يَدَّعِي أَنَّهُ يُحْفَظُهُ وَهُوَ يَخُونُ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَنْسِبُ الْفِعْلَ إِلَى مَنْ يَدَّعِيهِ كَمَا تَنْسُبُهُ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ بِالْحَقِيقَةِ فَإِذَا قُلْتَ: هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي أَوْقَعَ بِزَيْدٍ الضَّرْبَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ ضَرَبَ زَيْدًا، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَلِمَنْ أَمَرَ بِهِ أَوْ رَضِيَهُ.
د: البيت: إِنَّ بَني رَبِيعَةَ، بِغَيْرِ وَاوٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْقَصِيدَةِ، وَبَعْدَهُ: (وافر)
يُرِيدُ ظُلَامَتِي وَهْبٌ وَأَرْجُو … مِنَ اللَّهِ الْبَرَاءَةَ وَالْبَيَانَا (^٢)
وَقِيلَ أَرَادَ: يُرِيدُ حِفْظَهُ، كَقَوْلِ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ (^٣): (وافر)
_________________
(١) ديوانه: ١٢٢ روايته: ظلامتي .. والبيانا، سنلقاه. وفي شعره (شعراء إسلاميون): ٣٩٤؛ شرح المفصل: ٣/ ٢؛ المعاني الكبير: ٥٩٢؛ تأويل مشكل القرآن: ٢٥؛ الاقتضاب: ٣/ ٤٤.
(٢) سبق تخريج البيت في الإحالة السابقة.
(٣) زياد بن سليمان أو -سليم- الأعجم، أبو أمامة العبدي مولى بني عبد القيس، من شعراء الدولة الأموية، توفي نحو (١٠٠ هـ). الأغاني: ١٤/ ٩٨؛ معجم الأدباء: ٤/ ٢٢١؛ طبقات الفحول: ٦٨١؛ الخزانة ١٠/ ٧؛ الأعلام: ٣/ ٥٤.
[ ٢ / ١٨٥ ]
كَسَرْتُ كَعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا (^١)
أَيْ أَرَدْتُ كَسْرَهَا.
وَقَالَ: "اللَّئِيمُ ضِدُّ الْكَرِيمِ وَالْبَخِيلُ ضِدُّ الْجَوَادِ":
وَقَالَ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يُقَالُ مِلْأَمٌ بِالْقَصْرِ عَلَى وَزْنِ مِفْعَلٍ. وَمِلَآمٌ بِالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ مِفْعَالٍ.
د: ابْنَ النَّحَّاسِ: "التِّلَادُ وَالتَّلِيدُ وَالْمُتَّلِدُ: الْقَدِيمُ، يُقَالُ: تَلَدَ الشَّيْءُ تُلُودًا إذا قَدُمَ" (^٢).
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ": "الزِّيَادِيّ (^٣) عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: التَّلِيدُ مَا وُلِدَ عِنْدَ غَيْرِكَ ثُمَّ اشْتَرَيْتَهُ صَغِيرًا فَنَبَتَ عِنْدَكَ، وَالتِّلَادُ مَا وَلَدْتَ أَنْتَ" (^٤).
وَقَالَ أَيْضًا فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ": "حَدِيثُ شُرَيْحٍ (^٥) يَرْوِيهِ قَبِيصَةُ (^٦) عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامٍ (^٧) عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. وَالطَّارِفُ، وَالطَّرِيفُ وَالْمُسْتَطْرَفُ.
_________________
(١) صدره: وكنت إذا غمزت قناة قوم. شعره: ١٠١، روايته: أو تستقيم، أمالي ابن الشجري: ٣/ ٧٨؛ المقتضب: ٢/ ٢٩؛ المغني: ٩٣؛ شرح المفصل: ٥/ ١٥؛ العيني: ٤/ ٣٨٥، ل (غمز).
(٢) شرح القصائد السبع لابن النحاس: ١٩١؛ الزاهر: ١/ ١٥٧.
(٣) عبد الله بن أبي إسحاق الزيادي الحضرمي، نحوي من الموالي من أهل البصرة، أخذ عنه كبار النحاة، توفي سنة (١١٧ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ١٠٤؛ بغية الوعاة: ١/ ٤١٤؛ الخزانة: ١/ ٢٣٧؛ الأعلام: ٤/ ٧١.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٥١٣؛ غريب الحديث لأبي عبيد: ٤/ ٣١٠.
(٥) شريح بن الحارث بن قيس بن كندة، أبو أمية من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن وولي قضاء الكوفة لعمر بن الخطاب، توفي سنة (٧٨ هـ). حلية الأولياء: ٤/ ١٣٢؛ الوفيات: ٢/ ٤٦٠؛ شذرات الذهب: ١/ ٨٥؛ الأعلام: ٣/ ١٦١.
(٦) قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي الكوفي، تابعي من رجال الحديث الفصحاء الفقهاء، توفي سنة (٦٩ هـ). تهذيب التهذيب: ٨/ ٣٤٤؛ الأعلام: ٥/ ١٨٩.
(٧) هشام بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة، أبو عبد الرحمن المدني، من رواة الحديث، تهذيب التهذيب: ١١/ ٣٢.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الْحَدِيثُ" (^١).
د: التَّاءُ فِي التِّلَادِ وَالتَّلِيدِ بَدَلٌ مِنْ وَادٍ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْوِلَادَةِ.
وَشُرَيْحُ هُوَ الْقَاضِي، وَهُوَ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْجَهْمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الرَّايِشِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرٍ، وَهُوَ كِنْدَةُ.
وقوله: "مِنْ ذَلِكَ الْحَمْدُ وَالشُّكرُ" (^٢).
ع: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ لأَنَّ الشُّكْرَ الثَّنَاءُ بِالْفِعْلِ الْجَمِيلِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى الشَّاكِرِ نَفْعُهُ، وَالْحَمْدُ: الثَّنَاءُ بِالْفِعْلِ الْجَمِيلِ عُمُومًا وَصَلَ إِلَى الْحَامِدِ أَوْ لَمْ يَصِلْ، تَقُولُ: حَمَدْتُ الرَّجُلَ عَلَى صَوَابِ مَنْطِقِهِ، وَالسَّيْفَ عَلَى مَضَاءِ مَضْرِبِهِ، وَلَا تَشْكُرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَتَشْكُرُ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وَالرَّجُلَ عَلَى مَعْرُوفِهِ وَتَحْمَدُهُمَا عَلَيْهِمَا. فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
قوله: "شَكَرْتُ لَهُ عَلَى شَجَاعَتِهِ" (^٣).
د: الصَّوَابُ: شَكَرْتُهُ عَلَى شَجَاعَتِهِ، وَشَكَرْتُ لَهُ عَلَى شَجَاعَتِهِ.
قوله: "إِلَى أَنَّهُ الْمِعْلَفُ" (^٤).
ط: "هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحِ اللَّامِ، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ وَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ مَنْسُوجٌ مِنْ صُوفٍ يَمُدُّونَهُ بَيْنَ أَيْدِي دَوَابِّهِمْ، وَوَجَدْتُهُ مُقَيَّدًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ وَالسُّكَّرِيِّ (^٥): مَعْلِفٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
_________________
(١) هو حديث شريح في رجل اشترى جارية وشرطوا أنها مولدة فوجدها تليدة فردها وهو في غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٥١٣.
(٢) أدب الكتاب: ٣٦.
(٣) نفسه.
(٤) نفسه.
(٥) الحسن بن الحسين بن عبيد الله العتكي السكري، أبو سعيد، عالم بالأدب وراوية من أهل البصرة، جمع شعرًا كثيرًا، توفي سنة (٢٧٥ هـ). تاريخ بغداد: ٧/ ٢٩٦؛ معجم الأدباء: ١/ ٩٥؛ إنباه الرواة: ١/ ٣٢٦؛ الأعلام: ٢/ ١٨٨.
[ ٢ / ١٨٧ ]
لأَنَّهُ مَكَانٌ لِلاعْتِلافِ، وَكُلُّ فِعْلٍ عَلَى فَعَلَ يَفْعِلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ اسْمَ الْمَكَانِ مِنْهُ وَالزَّمَانِ مَفْعِلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَالْمَضْرِبِ وَالْمَغْرِسِ" (^١).
د: أَبُو عَلِي: "إِنَّمَا كَسَرَتِ الْعَرَبُ الْمِيمَ مِنَ الْمِعْلَفِ لِأَنَّ مَعَالِفَهُمْ مَنْسُوجَةٌ مِنْ صُوفٍ يَمُدُّونَهَا بَيْنَ أَيْدِي دَوَابِّهِمْ وَيَضَعُونَ فِيهَا الْعَلَفَ فَهِيَ مِمَّا يُتَدَاوَلُ، فَلَيْسَ كَسْرُ الْمِيمِ بِخَارِجٍ عَنِ الْقِيَاسِ" (^٢).
ع: أَبُو عَلِي: وَزْنُ آخِيَةٍ: فَاعُولَةٌ، وَأَصْلُهَا أُخُويَةٌ وَلَا يُقَالُ آخِيَةٌ بِالتَّخْفِيفِ (^٣) وَحَكَى السُّكَّرِيُّ فِيهَا التَّخْفِيفَ (^٤). وَوَزْنُ "آرِيٍّ" فَاعُولٌ، وَالْأَصْلُ آرُويٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَكُسِرَ مَا قَبْلَهَا لِتَصِحَّ الْيَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ فَاعِيلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ.
قوله: (بسيط)
لا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ (^٥) البيت
ط: "هُوَ أَعْشَى بَاهِلَةٍ (^٦) وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِيَاحٍ وَيُكْنَى أَبَا قَحَافَةَ، مِنْ شِعْرٍ يَرْثِي بِهِ الْمُنْتَشِرَ بْنَ وَهْبٍ الْبَاهِلِي (^٧)، وَالْبَيْتُ مُرَكَّبٌ مِنْ بَيْتَيْنِ، وَصِحَّةُ إِنْشَادِهِ:
لا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ … وَلَا تَرَاهُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ
_________________
(١) الاقتضاب: ٢/ ٢٦.
(٢) انظر: الزاهر: ١/ ٦٩.
(٣) الاقتضاب: ٢/ ٢٦.
(٤) الفاخر لأبي طالب: ٢٧٨.
(٥) أدب الكتاب: ٣٧.
(٦) عامر بن الحارث بن رياح الباهلي من همدان، شاعر جاهلي. السمط: ٧٥؛ طبقات الشعراء: ٢٠٣؛ الخزانة: ٢/ ٢٥٦.
(٧) المنتشر بن وهب بن عجلان بن هلال بن وائل، رأس قبيلة الأبناء يوم أرمام؛ الخزانة: ١/ ١٨٨.
[ ٢ / ١٨٨ ]
لَا يَغْمِرُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ (^١)
وَكَذَا أَنْشَدَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي "الْكَامِلِ" (^٢) يَمْدَحُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ هِمَّتُهُ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي طَلَبِ الْمَعَالِي.
وَالشُّرْسُوفُ: طَرَفُ الضِّلَعِ، وَالصَّفَرُ: حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ تَعَضُّ عَلَى شَرَاسِيفِ الْأَضْلاعِ إِذَا جَاعَ الْإِنْسَانُ. وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ فِي جَوْفِهِ صَفَرًا لَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا صَفَرَ فِي جَوْفِهِ فَيَعَضُّ، يَصِفُهُ بِشِدَّةِ الْخَلْقِ وَصِحَّةِ البِنْيَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٣) أَيْ لا يَكُونُ مِنْهُمْ سُؤالٌ فَيَكُونُ إِلْحَافٌ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: (طويل)
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ (^٤)
أَيْ لَيْسَ لَهُ مَنَارٌ فَتَكُونُ بِهِ هِدَايَةٌ، وَحُرُوفُ الْجَرِّ فِي هَذَا الْبَيْتِ لَا مَوَاضِعَ لَهَا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِظَاهِرٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ.
وَقَوْلُهُ: يَرْقُبُهُ، جمْلَةٌ مَوْضِعُهَا النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَتَأَرَّى، وَهِيَ حَالٌ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ "مَا" فَتَكُونُ جَارِيَةً عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرًا عَائِدًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَجَازَ أَنْ يَسْتَتِرَ الضَّمِيرُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ جَرَتْ حَالًا عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَسْتَتِرُ فِيهِ ضَمِيرُ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَسْتَتِرُ ضَمِيرُ غَيْرِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ ظَهَرَتِ الْحَالُ لَقُلْتَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: رَاقِبَهُ فَلَمْ تُظْهِرِ
_________________
(١) البيتين في: الصبح المنير: ٢٦٨؛ الأضداد لابن الأنباري: ٣٢٤؛ الخزانة: ١/ ٩٥؛ إصلاح المنطق: ١٧٧؛ الأصمعيات: ٩٠؛ النوادر: ٧٦.
(٢) الكامل للمبرد: ٤/ ٦٥ - ٧١.
(٣) سورة البقرة (٢): الآية ٢٧٢.
(٤) عجزه: إِذَا سَافّهُ الْعُودُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا ديوانه: ٦٦.
[ ٢ / ١٨٩ ]
الضَّمِيرَ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ رَاقِبَهُ هُوَ فَأَظْهَرْتَ الضَّمِيرَ" (^١).
وقَوْلُهُ: "وَلَا تَرَاهُ أَمَامَ الْحَيِّ يَقْتَفِرُ".
أيْ يَنْفُضُ الطَّرِيقَ، يُقَالُ: فُلانٌ يَقْتَفِرُ أَمَامَ الْجَيْشِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَأْكُلُ خُبْزَهُ قِفَارًا بِلا إِدَامٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ الْوَقَّشِيُّ (^٢): "إِنَّمَا هُوَ: وَلَا يَزَالُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ" (^٣) كَذَا أَنْشَدَهُ يَعْقُوبُ (^٤) وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. وَالْاقْتِقَارُ: تَتَبُّعُ الْآثَارِ، أَيْ لَا يَزَالُ أَمَامَ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ وَجَيْشٍ يَهْدِيهِ.
قوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْمَلَّةُ" (^٥).
ط: "يَعْقُوبُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُسَمَّى الْخُبْزَةُ مَلَّةً لأَنَّهَا تُطْبَخُ فِي الْمَلَّةِ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْم الشَّيْءِ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، أَيْ أَطْعَمَنَا خُبْزَ مَلَّةٍ وَلَا يَكُونُ غَلَطًا (^٦) " (^٧).
ع: الْمَلَّةُ: الرَّمَادُ الْحَارُّ وَالْجَمْرُ، قال الشَّاعِرُ: (بسيط)
لَا أَشْتِمُ الضَّيْفَ إِلَّا أَنْ أَقُولَ لَهُ … أَبَاتَكَ اللهُ فِي أَبْيَاتِ عَمَّارِ
أَبَاتَكَ اللَّهُ فِي أَبْيَاتِ مُعْتَنِزٍ … عَنِ الْمَكَارِمِ لَاعَفٍ وَلَا قَارِ
نَزْرِ النَّدَى زَاهِدٍ فِي كُلِّ مَكْرُمَةٍ … كَأَنَّمَا ضَيْفُهُ فِي مَلَّةِ النَّارِ (^٨)
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ٤٧.
(٢) هشام بن أحمد الكناني، أبو الوليد المعروف بالوقشي، كاتب شاعر وقاض ومهندس من أهل طليطلة، ولد في وقش سنة (٤٠٨ هـ) وولي قضاء البيرة، وتوفي سنة (٤٨٩ هـ) صنف: نكت الكامل للمبرد، معجم الأدباء: ١٩/ ٨٦؛ بغية الوعاة: ٢/ ٣٢٧؛ الصلة (ت ١٣٢٣)؛ الأعلام: ٨/ ٨٤.
(٣) طرر الوقشي على الكامل: ورقة ٥٠.
(٤) إصلاح المنطق: ١٧٧.
(٥) أدب الكتاب: ٣٧.
(٦) إصلاح المنطق: ٣١٦.
(٧) الاقتضاب: ٢/ ٢٧.
(٨) الأبيات بدون نسبة في: ل (ملل)؛ إصلاح المنطق: ١/ ٩٢؛ المخصص: ١/ ٣٠٠.
[ ٢ / ١٩٠ ]
قوله: (متقارب)
وَتَبْرُدُ بَرْدَ رِدَاءِ الْعَرُوسِ (^١)
ط: "هُوَ أَعْشَى بَكْرٍ وَاسْمُهُ مَيْمُونُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَنْدَلٍ وَيُكْنَى أَبَا بَصِيرٍ، وَبَعْدَهُ:
وَتَسْخُنُ لَيْلَةً لَا يَسْتَطِيعُ … نُبَاحًا بِهَا الْكَلْبُ إِلَّا هَرِيرًا (^٢)
يَصِفُ امْرَأَةً بِصِحَّةِ الْجِسْمِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ يَجِدُهَا الْمُضَاجِعُ بَارِدَةً فِي الصَّيْفِ حَارَّةً فِي الشِّتَاءِ.
وقوله: "رَقْرَقْتَ".
أَيْ جَعَلْتَهُ رَقِيقًا لِيُدْلَكَ فَيَصِيرَ أَمْلَسَ.
وقوله: "بِالصَّيْفِ": الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، وَفِي الْبَيْتِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَي تَبْرُدُ بِالصَّيْفِ بَرْدَ رِدَاءِ الْعَرُوسِ، فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَبْرُدُ، وَبَرْدُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ: أَيْ تَبْرُدُ بَرْدًا مِثْلَ بَرْدِ رِدَاءِ الْعَرُوسِ فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَالْمُضَافَ كَمَا حُذِفَ مِنْ قَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ الْأَمِيرِ اللِّصَّ.
وَقَوْلُهُ: "رَقْرَقْتَ فِيهِ الْعَبِيرَاء".
جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الرِّدَاءِ، وَهِيَ حَالٌ جَارِيَةٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ، وَلَوْ قَدَّرْتَ لَقُلْتَ: مُرَقْرِقًا فِيهِ الْعَبِيرَ أَنْتَ، فَأَبْرَزْتَ الضَّمِيرَ، وَلَوْ كَانَ رُقْرِقَ فِيهِ الْعَبِيرُ ثُمَّ قَدَّرْتَ الْحَالَ لَقُلْتَ: مُرَقْرَقًا فِيهِ الْعَبِيرُ، وَلَمْ تُظْهِرِ الضَّمِيرَ. وَقَوْلُهُ: فِيهِ، مُتَعَلِّقٌ بِرَقْرَقْتَ فَلَا مَوْضِعَ لَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِالظَّاهِرِ" (^٣).
قوله: "أَيْ صَبَغْتُهُ" (^٤).
_________________
(١) أدب الكتاب: ٣٧ وتمامه: فِي الصَّيْفِ رَقْرَقْتَ فِيهِ الْعَبِيرَا ديوانه: ١٣١؛ الأغاني: ٩/ ١٠٨؛ الإنصاف: ٧٨٩، ل (رقق).
(٢) ديوانه: ١٣١؛ المغني: ٧٧٢؛ الاقتضاب: ٣/ ٤٧.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٤٨.
(٤) أدب الكتاب: ٣٨.
[ ٢ / ١٩١ ]
د: كَذا وَقعَتِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ التَّاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ، وَالصَّوَابُ فَتْحُهَا لِيَكُونَ التَّفْسِيرُ عَلَى وَفْقِ الْمُفَسَّرِ.
قَالَ أَبُو عَلِي: رَقْرَقْتَ: أَجْرَيْتَ.
د: رَقَّقْتُ: مِنْ مُضَاعَفِ الثُّلَاثِي، وَرَقْرَقْتُ: رُباعِيُّ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ لَفْظِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ حَثْحَثْتُ وحَثَّتُّ، وَتَمَلَّلَّ وَتَمَلْمَلَ.
قوله: "لِلْمَرْأَةِ" (^١).
د: هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ (^٢) زَوْجُ النَّبِيِّ ﵇، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ": إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ (^٣) سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَخَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا: (أَتَعْجِزُ إِحْدَاكُنَّ. . .) الحديث (^٤).
ع: قَالَ لَنَا أَبُو عَلِي: قَالَ لَنَا ابْنُ كَيْسَانَ: هَذَا بَيْتُ مَعْنَى مَعْنَاهُ: تَبْرُدُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ بِالصَّيْفِ بَرْدَ رِدَاءِ الْعَرُوسِ وَلَمْ يُرِدْ بَرْدَ جَسَدِ الْعَرُوسِ بِالصَّيْفِ إِنَّمَا أَرَادَ بَرْدَ الرِّدَاءِ وَقَدْ رُشَّ عَلَيْهِ الْعَبِيرُ رَقِيقًا فَابْتَلَّ فَبَرَدَ وَطَابَتْ رَائِحَتُهُ.
د: أَبُو بَكْرٍ: "تُوْمَتَيْنِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وَاحِدَتُهَا: تَوْمَةٌ وَهِيَ مِثْلُ الدُّرَّةِ مِنْ فِضَّةٍ" (^٥) قال ذُو الرُّمَّةِ: (بسيط)
وَحْقٌ كَأَنَّ النَّدَى وَالشَّمْسُ مَاتِعَةٌ … إِذَا تَوَقَّدَ فِي أَرْجَائِهِ التُّومُ (^٦)
_________________
(١) أدب الكتاب: ٣٨.
(٢) أم سلمة هند بنت سهيل بن المغيرة القرشية المخزومية زوجة رسول الله ﷺ، توفيت سنة (٦٢ هـ). صفة الصفوة: ٢/ ٤٠؛ نهاية الأرب: ١٨/ ١٧٩؛ الوفيات: ٢/ ٦٩؛ الإصابة: ٨/ ٢٤٠؛ الأعلام: ٨/ ٧٩.
(٣) أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية الأشهلية، من أخطب النساء من ذوات الشجاعة، شهدت اليرموك توفيت سنة (٣٠ هـ). حلية الأولياء: ٢/ ٧٦؛ الإصابة: ٨/ ١٢؛ لسان الميزان: ٧/ ٥٢٣؛ الأعلام: ١/ ٣٠٦.
(٤) الحديث في النهاية: ٣/ ١٧١؛ الفائق: ١/ ١٥٧؛ الزاهر: ٢/ ٥٨؛ غريب الحديث لابن قتيبة؛ ١/ ٥١١، ل (توم).
(٥) الزاهر: ٢/ ٥٨ وفي الأصل (خ) بالفتح والضم معا.
(٦) ديوانه: ١/ ٤٣٥: روايته: =
[ ٢ / ١٩٢ ]
ع: أَصْلُ التُّومَةِ الْحَجَرُ لِأَنَّهَا تُنْسَبُ إِلَى تَوْءَام (^١) مَدِينَةٌ مِنْ مَدَائِنِ عُمَانَ (^٢) يَقَعُ إِلَيْهَا اللُّؤْلُؤُ فَيُشْتَرَى مِنْ هُنَاكَ.
قوله: "وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ اللُّغَةِ" (^٣).
د: هُوَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي "الْإِصْلَاحِ" (^٤) وَأَنْشَدَ لِلْهُذَلِيِّ (^٥): (متقارب)
أَقَبَّ طَرِيدٍ بنُزْهِ الفَلَاةِ … لا يَرِدُ الْمَاءَ إِلَّا انْتِيَابَا (^٦)
يَعْنِي مَا تَبَاعَدَ مِنَ الْفَلَاةِ عَنِ الْمِيَاهِ وَالْأَرْيَافِ، يَصِفُ عَيْرَ وَحْشٍ، وَالْأَقَبُّ: الضَّامِرُ. وَالطَّرِيدُ: الْمَطْرُودُ أَي طَرَدَتْهُ الْخَيْلُ بِنُزْهِ الْفَلَاةِ (^٧) وَهُوَ مَا تَبَاعَدَ مِنْهَا عَنِ الْمَاءِ فَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ إِلَّا انْتِيَابَا وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ النَّوْبَةِ لِفَرَقِهِ مِنَ الطِّرَادِ.
ع: الْجِنَانُ: جَمْعُ جَنَّةٍ.
قوله: "وَمِنْ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ" (^٨).
ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ أَبَا زَيْدٍ وَغَيْرُهُ قَدْ حَكَوْا أَنَّ الْأَعْجَمَ لُغَةٌ فِي الْعَجَمِ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الْأَشْعَارِ الْفَصِيحَةِ كَقَوْلِ الْأَخْزَرِ الْحِمَّانِي (^٩): (رجز)
_________________
(١) = وَحْفٌ. . . . . . . . . . . … . . . . . . . . . . . . في أَفْنَانِهِ المفضليات: ٤٥٣؛ المخصص: ١٠/ ١٦٥؛ الفصول: ١/ ٣٩٢.
(٢) مدينة التُّوَامِ جمع تَوْأَمٌ اسم قصبة عمان مما يلي الساحل ينسب إليه الدر. معجم البلدان: ٢/ ٥٤.
(٣) كورة عربية على ساحل بحر اليمن وهي في الإقليم الأول، معجم البلدان: ٤/ ١٥٠.
(٤) أدب الكتاب: ٣٨.
(٥) تهذيب إصلاح المنطق: ٦٢١.
(٦) هو أسامة بن الحارث: شرح ديوان الهذليين: ٣/ ١٢٩٢.
(٧) شرح ديوان الهذليين: ٣/ ١٢٩٢، ل التاج: (أ وب).
(٨) في الأصل: (خ): "الفلات" بالتاء المبسوطة، والصواب ما أثبتناه.
(٩) أدب الكتاب: ٣٩.
(١٠) هو أحد بني عبد العزى بن كعب بن سعد، راجز محسن، ترجمته في المؤتلف والمختلف: ١/ ٢٠.
[ ٢ / ١٩٣ ]
سَلُّومُ لَوْ أَصْبَحْتِ وَسْطَ الْأَعْجَمِ
فِي الرُّومِ أَوْ فِي فَارِسٍ وَالدَّيْلَمِ
إِذًا لَزُرْنَاكِ وَلَوْ لَمْ نَسْلَمِ (^١)
وَهَذَا الْبَيْتُ يُصَحِّفُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَيَرْوُونَهُ (^٢): "وَلَوْ بِسُلَّمِ" وَلَا وَجْهَ لَهُ لأنَّ السُّلَّمَ لا يُسْتَعْمَلُ فِي قَطْعِ الْمَسَافَاتِ، إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي صُعُودِ الْعَلَالِي الْمُشْرِفَةِ وَالْمَوَاضِعِ الْمُرْتَفِعَةِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ لِصَاحِبِهِ: لَوْ كُنْتَ بِبَغْدَادَ لَنَهَضْتُ إلَيْكَ وَلَوْ بِسُلَّمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنَى.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ السُّلَّمُ بِمَعْنَى السَّبَبِ وَلَيْسَ لَهُ هُنَا أَيْضًا وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِغَيْرِ سُلَّمٍ؛ أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ النُّهُوضَ. وَمِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْأَعْجَمُ بِمَعْنَى الْعَجَمِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: (بسيط)
مِمَّا تُعَتِّقُهُ مُلُوكُ الْأَعْجَمِ (^٣) " (^٤)
ع: "وَلَوْ بِسُلَّمِ" رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَقَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمَا، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ كَنَّى بِالسُّلَّمِ عَنْ عُلُوِّ مَكَانِهَا كَمَا قَالَ الْآخَرُ أَنْشَدَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ: (رجز)
رَبَّهُ مِحْرَابٍ إِذَا جِئْتُهَا لَمْ … أَدْنُ حَتَّى أَرْتَقِي سُلَّمَا (^٥)
الْمِحْرَابُ: الْغُرْفَةُ هُنَا، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (^٦) وَالتَّسَوُّرُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ صَعِدْنَا إِلَيْكَ بِسُلَّمٍ أَوْ ارْتَقَيْنَا فَحَذَفَ هَذَا الْفِعْلَ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الأبيات في: الأغاني: ٢٠/ ٣٧٧، ل (عجم) والديلم: اسم ماء لبني عبس، وقيل: حياض في الغور، معجم البلدان: ٢/ ٥٤٤.
(٢) في الأصل (خ): "فيرونه"، والصواب "فيروونه"، من الاقتضاب: ٢/ ٢٧.
(٣) في الأصل (خ): تُعَيِّقُهُ وفي الاقتضاب: ٢/ ٢٧ - ٢٨ مما تعتقه.
(٤) الاقتضاب: ٢/ ٢٨.
(٥) البيت لوضاح اليمن في: ل (حرب) روايته: لم أدن.
(٦) سورة ص (٣٨): الآية ٢٠.
[ ٢ / ١٩٤ ]
قوله.
أَشْلَيْتُ عَنْزِي (^١)
ط: " (مشطور الرجز)
ثُمَّ تَهَيَّأْتُ لِشُرْبٍ قَأَبِ (^٢)
يَصِفُ أَنَّهُ دَعَا عَنْزَهُ لِيَحْتَلِبَهَا وَمَسَحَ قَدَحَهُ ثُمَّ تَهَيَّأَ لِيَشْرَبَ قَأْبًا وَهُوَ الْكَثِيرُ، يُقَالُ: قَئِبَ مِنَ الشَّرَابِ قَأْبا، مِثْلَ سَئِمَ سَأَمًا، وَقَأَبَ قَأْبًا مِثْلَ زَأَرَ زَأْرًا إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ" (^٣).
ع: الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَالثَّانِي عَنِ الْأُمَوِيِّ مِنَ "الْبَارِعِ" (^٤).
وَأَنْشَدَ:
وَهَلْ هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ (^٥)
البيتان.
ط: "رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: "فَمِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ" عَلَى الْإِقْوَاءِ" (^٦).
وَرَوَى أَيْضًا: تَجَلَّلَهَا بَغْلٌ بِالْبَاءِ، وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالُوا: هِيَ تَصْحِيفٌ لأَنَّ الْبَغْلَ لَا يَنْسِلُ، قَالَ: وَالصَّوَابُ نَغْلٌ بِالنُّونِ وَهُوَ الْخَسِيسُ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَأَصْلُهُ نَغِلٌ بِكَسْرِ الْغَينِ ثُمَّ خَفَّفَ كَمَا يُقَالُ فِي
_________________
(١) تمامه: وَمَسَحْتُ قَعْبِي. والرجز لأبي نخيلة الحماني في: إصلاح المنطق: ١٦٠؛ أدب الكتاب: ٤٠، ل (قأب).
(٢) إصلاح المنطق: ١٦٠، ل (قأب).
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٤٩.
(٤) البارع: ٥١٣.
(٥) تمامه: . . . . . . . . . . عَرَبِيَّةٌ … سَلِيلةُ أفْرَاسٍ تَجَلَّلَّهَا بَغْلُ في الأغاني: ٩/ ٢٢٠، ل (سلل - هجن).
(٦) الاقتضاب: ٢/ ٢٨.
[ ٢ / ١٩٥ ]
فَخِذٍ فَخْذٌ، وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ تَسْكِينَ الْغَيْنِ مِنْ نَغِلٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَجَعَلَهُ مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ، وَرَوَى غَيْرُ ابْنِ قُتَيْبَةَ:
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ
وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِحُمَيْدَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ (^١) وَهِيَ أُخْتُ هِنْدِ زَوْجِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ (^٢) وَرُوِيَ هَذَا الشِّعْرُ أَيْضًا لِهِنْدٍ، فَمَنْ رَوَاهُ لَهَا أَنْشَدَهُ:
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ
وَكَانَ تَزَوَّجَ هِندًا أَوَّلًا الْحَارِثُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ (^٣) وَكَانَ شَيْخًا فَفَرِكَتْهُ وَقَالَتْ: (متقارب)
فَقَدْتُ الشُّيُوخَ وَأَشْيَاعَهُمْ … وَذَلِكَ مِنْ بَعْضِ أَقْوَالِيَهْ
تَرَى زَوْجَةَ الشَّيْخِ مَغْمُومَةً … وَتُمْسِي لِصُحْبَتِهِ قَالِيَهْ
فَلَا بَارَكَ اللَّهُ فِي فِعْلِهِ … وَلَا فِي غُضُونِ أُسْتِهِ الْبَالِيَهْ (^٤)
فَطَلَّقَهَا الْحَارِثُ وَتَزَوَّجَهَا رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ فَهَجَتْهُ بِهَذَا الشِّعْرِ الَّذِي أَنْشَدَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَتْ فِيهِ أَيْضًا: (طويل)
بَكَى الْخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ … وَعَجَّتْ عَجِيجًا مِنْ جُذَامَ الْمَطَارِفُ
وَقَالَ الْعَبَاءُ نَحْنُ كُنَّا ثِيَابَهُمْ … وَأَكْسِيَةٌ مَضْرُوجَةٌ وَقَطَائِفُ (^٥)
_________________
(١) حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، شاعرة دمشقية، كان أبوها واليًا على حمص، توفيت نحو: ٨٥ هـ. أعلام النساء: ١/ ٢٥٣؛ جمهرة الأنساب: ٦٤؛ الأعلام: ٢/ ٢٨٤.
(٢) روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين وسيد اليمانية في الشام، قائد وخطيب، توفي سنة (٨٥ هـ). الإصابة: ١/ ٢١٦؛ تهذيب ابن عساكر: ٣/ ٤٣٧؛ البداية والنهاية: ٩/ ٤٥؛ السمط: ١٧٩؛ الأعلام: ٣/ ٣٤.
(٣) الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي، شاعر غزل من مكة، توفي نحو سنة (٨٠ هـ). الأغاني: ٣/ ٧٩؛ تهذيب ابن عساكر: ٣/ ٤٣٧؛ الأعلام: ٢/ ١٥٤.
(٤) الأبيات في الأغاني: ٩/ ٢٢١.
(٥) الأغاني (بولاق): ٨/ ١٣٩؛ ضرورة الشعر: ١٧٧ وروايته: من عوف - وضجت .. =
[ ٢ / ١٩٦ ]
فَطَلَّقَهَا رَوْحٌ فَقَالَ لَهَا دَاعِيًا عَلَيْهَا: سَاقَ اللَّهَ إِلَيْكَ يَا هِنْدَ فَتًى يَسْكَرُ وَيَفِيءُ فِي حَجْرِكِ، فَتَزَوَّجَهَا الْفَيْضُ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ شَابًّا مُولَعًا بِالشَّرَابِ، فَسَكِرَ وَفَاءَ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ: أُجِيبَتْ فِيَّ دَعْوَةُ رَوْحٍ، وَقَالَتْ تَهْجُو الْفَيْض: (بسيط)
سُمِّيتَ فَيْضًا وَمَا شَيْءٌ تَفِيضُ بِهِ … إِلَّا بِسِلْحِكَ بَيْنَ الْبَابِ وَالدَّارِ
فَتِلْكَ دَعْوَةُ رَوْحِ الْخَيْرِ أَعْرِفُهَا … سَقَى الْإِلَهُ صَدَاهُ الْأَوْطَفَ السَّارِي (^١)
ع: أَبُو بَكْرٍ: رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ: فَمَا أَنْجَبَ الْفَحْلُ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُتَحَيَّلٌ فِيهَا مِنْ أَجْلِ الْإِقْوَاءِ، وَيُرْوَى تَحَلَّلَها بِالْحَاءِ: أَي اتَّخَذَهَا حَلِيلَةً.
ط: "قَوْلُهَا: وَهَلْ هِنْدٌ الْبَيْت، هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَتْهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَنْصَارِيةً وَكَانَ رَوْحُ جُذَامِيًّا" (^٢). وَتَجَلَّلَهَا: عَلَاهَا، وَاسْتَعَارَتِ الْبَغْلَ لِأَنَّهَا فَرَّتْ مِنْ ذِكْرِ الْحِمَارِ اسْتِقْصَارًا لَهُ عَلَى التَّجَوُّزِ.
وَقَوْلُهَا: فَبِالْحَرَى يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ حَرِيٌّ بِكَذَا؛ أَي حَقِيقٌ بِهِ؛ أَي فَبِالْحَقِيقَةِ أَنْ يَكُونَ مُهْرُهَا كَرِيمًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَبِالْجُهْدِ وَالْمَشَقَّةَ أَيْ لَا يَتَخَلَّصُ لَهَا وَلَدٌ كَرِيمٌ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ لِخَسَاسَةِ الْأَبِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْأَعْشَى: (متقارب)
إِنَّ مَنْ عَضَّتِ الْكِلَابُ عَصَاهُ … ثُمَّ أَثْرَى فَبِالْحَرَى أَنْ يَجُودَا (^٣)
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا: فَبِالْحَرَى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّهَا نَابَتْ مَنَابَ خَبَرِ مُبْتَدَإٍ
_________________
(١) = المقتضب: ٣٠/ ٣٦٤؛ السمط: ١/ ١٨٠. وجذام: بنو عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد كهلان، من القحطانية، نهاية الأرب: ٢٠٥.
(٢) الأغاني: ٩/ ٢٢.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٥٠.
(٤) لم نجد البيت في ديوان الأعشى وبدون نسبة في: بهجة المجالس: ١/ ١٣٧؛ الأشباه والنظائر: ١/ ٦٤.
[ ٢ / ١٩٧ ]
مُقَدَّمٍ كَأَنَّهَا قَالَتْ: "فَبِالْحَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ"، فَأَنْ يَكُونَ: مُبْتَدَؤُهُ، وَبِالْحَرَى: فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ أَيْ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ بِالْحَرَى. وَمَنْ رَوَى فَمِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ: تَقْدِيرُهُ فَذَاكَ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَبَرِ الْمُقَدَّرِ أَيْ فَذَاكَ كَائِنٌ مِنْ قِبَلِ الفَحْلِ أَوْ وَاقِعٌ.
[ ٢ / ١٩٨ ]