إن أجلّ ما قد يطلبه الباحث في مجال البحث العلمي هو أن ينال شرف خدمة الأمة من خلال هذا البحث المتواضع، فنرجو من الله ﷿ أن يكون علمًا ينتفع به غيرنا ويكون صدقة جارية.
ولقد كان التحقيق مجالًا رحيبًا لاكتساب المنافع الجليلة بما أتاحه لنا من معلومات بحيث إننا لا ننفك نشكر الله ﷿ أن يسّر لنا البحث فيه.
وقد علمنا من أساتذتنا الأجلّاء أن العلم لا يؤخذ إلا من مصدرين أساسيين وهما: بطون الكتب، وأفواه الرجال، فجاء اتصالنا بالمصادر المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة التي زرناها في إطار رحلة البحث عن المخطوط أولًا، ثم في إطار التحقيق لردّ النقول والشواهد إلى مظانها، وهكذا استطعنا بفضل الله أن نلمّ بعلم الآلة الذي علمنا أنه أساس البحث كله، واكتسبنا منهجية التعامل مع المصادر المخطوطة والمطبوعة.
وقد علمنا أيضًا أن صحبة الرجال العلماء والأخذ عنهم سبيل لتلقي العلم، فجهدنا إلى أن ننال من ذلك نصيبًا، وكان مجال التحقيق أرحب لهذا اللقاء، فقد استفدنا من أستاذنا الجليل الدكتور علي لغزيوي ومن توجيهاته، والتقينا بأساتذة أفذاذ منهم: محمد بنشريفة والأستاذ علال الغازي، واتصلنا بالمرحوم محمد المنوني، والمرحوم مصطفى ناجي، والأستاذ عبد العزيز الساوري، والدكتور عبد العالي مسؤول، الذين قدموا لنا نصائح غالية، فضلًا عما استفدناه من الندوات والمحاضرات والمناقشات التي حرصنا على تتبعها ومحاولة الاستفادة منها.
كما أننا اكتسبنا صداقات في مجال البحث باتصالنا بالطلبة الباحثين من خلال الاتصالات المباشرة أو من خلال المراسلات، وقد سعدنا جدًا
[ ١ / ١٤٧ ]
بمراسلات أجريناها مع الأخ زين العابدين بن الطاهر بشفشاون وهو عضو بمركز البحوث والدراسات الأندلسية بشفشاون، وذلك للاستفسار عن مسائل مشتركة؛ لأن بحثه ينصب في تحقيق "شرح المقامات الحريرية" لأحمد بن داود الجذامي، والأخت رشيدة بوكرامي من الدار البيضاء والتي تشتغل على مخطوط "الدلائل" لقاسم بن ثابت الأندلسي، وما أمدنا به الأستاذ عبد العزيز السوري من وزارة الشؤون الثقافية بأكدال بالرباط.
وقد فتل كل ذلك في حبل شخصيتنا العلمية ونعتبره من حسنات البحث في مجال التحقيق.
وقد خلصنا إلى أن التحقيق عمل دؤوب لا أن يجب يحد بالزمان ولا المكان، وأنَّه كلما تقدمنا في البحث ازدادت الأمور توضحًا وازداد ارتباطًا بالبحث، حتى أننا كنا نؤخر الطباعة لأننا نجد مجالًا مفتوحًا دائمًا للإضافات.
وقد أتاح لنا البحث في التحقيق فرصة إضافة معلومات كثيرة إلى رصيدنا المعرفي من شواهد شعرية، وأحاديث، وأخبار، وأمثال، وقد أدّى طول مداولتها وإعادة مراجعتها إلى أن حفظناها، ولعلّ هذه من المنافع العظيمة التي تعود على الباحث المحقق.
وقد علَّمنا التحقيق طول الصبر ورحابة الصدر؛ لأنهما مفتاح الإتقان في كل شيء وعلّمنا من حديث رسول الله ﷺ أنه إذا ضاق صدر الإنسان ساء خلقه، وأول من يتأثر بسوء الخلق هو البحث مما يؤدي إلى إفساده أو إبخاسه حقه، وهي من الآفات التي لزم أن نتجنّبها في البحث عامة وفي مجال التحقيق خاصة.
وقد خلصت أيضًا إلى أنه آن الأوان لأن يستفيد الباحث في التحقيق من تقنيات المعلوماتية لما توفُّره من الجهد والوقت.
ولعلّ ما تتيحه المعلوميات بما فيها نظام الحاسوب من طباعة البحث مباشرة، والأقراص المرنة لجرد الموسوعات الخاصة لكل الفنون والمصادر المطبوعة والمخطوطة لكفيل أن يوفر جهد البحث عن المخطوط إذا توفرت
[ ١ / ١٤٨ ]
أقراص مرنة تجرّد الكتب المطبوعة والمخطوطة في الخزانات العامة والخاصة بالمغرب وخارجه. وهي مهمة منوطة بالمكتبيين أساسًا وبسائر الباحثين، ومن ثم يأتي الإرشاد إلى المخطوطات القيمة منها وهي مهمة الأساتذة أولي الاختصاص.
كما لزم الاستفادة من شبكة الأنترنيت التي فتحت المجال واسعًا أمام الباحثين لاختصار المسافات والاطلاع على ما تحتويه المكتبات العامة والخاصة بجميع أنحاء العالم وإقامة الاتصالات بين الباحثين في المغرب وخارجه.
وتبقى هذه الدراسة منطلقًا لبحوث جديدة، فالشرح يطرح مجالات أخرى للدراسة تكملها وتضيف إليها، ويفتح آفاقًا علمية واسعة.
فقد أسلفنا أن "الانتخاب" حفل بكم هائل من النقول التي رواها الجذامي عن أبي سليمان داود بن يزيد السعدي وهي تعليقات فريدة من نوعها من حيث قيمتها العلمية إذ إنها مادة تعليمية، وهي مهمة من حيث كمها الهائل، وهي تستحق الجمع والدراسة، ونؤكد على أنها تعد ببحث قيّم ومفيد، وقد تلقي الضوء على شرح أندلسي لـ "أدب الكتاب".
كما أن التعليقات التي تضمنها "الانتخاب" عن أبي علي القالي تكون أيضًا مادة غنية للدراسة، خاصة وأنَّه لم ترد في أي كتاب من كتب أبي علي، ولم تقدم فيها أي دراسة إلا ما جاء عرضًا عن الأستاذ عبد العالي الودغيري في كتابه: "أبو علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس".
كما أن الانتخاب في منهجه الخاص الذي سعى فيه الجذامي إلى جمع واستقصاء أكبر عدد ممكن من المعلومات حول الشرح يفتح مجالًا لمقارنته مع غيره من المؤلفات في الشرح للكتاب الأندلسيين لتبين مدى أصالته في هذا المنهج وهل كان منهجًا متداولًا أم كان بدعة من الجذامي.
وإن هذه الدراسة تثير إشكالية مهمة وهي ما نطرحه على أنفسنا دائمًا عن آثار الجذامي.
فالشرحين يقدمان دليلًا على إجادته وتحكُّمه بزمام الكتابة، وقد أشاد به
[ ١ / ١٤٩ ]
المترجمون له، فكيف يعقل أن يكتفي كاتب من هذا العيار بشرحين فريدين، فإننا نشك بأن هناك تآليف أخرى له، غير أن أيدي الإنقاذ لم تصل إليها بعد، ونحن نهيب بالباحثين إلى النجدة فربما يفتح لهم، كما فتح لنا كتب لنا أن ننجد الشرح الذي بين أيدينا.
كما تفتح هذه الدراسة المجال لتناول بعض من الآثار التي ضاعت، ومنها كتاب الديباجة لأبي عبيدة، والوشاح لابن دريد، والموعب لابن التياني، وغيرها.
فالحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ١ / ١٥٠ ]
الانتخاب في شرح أدب الكُتَّاب
تأليف
أبي جعفر أحمد بن داود بن يُوسُف بن هشام الجُذَامِيِّ (المتوفى سنة ٥٩٨ هـ)
المجلد الثاني (السفر الأول، من الورقة ١ إلى الورقة ١٢٦ - قسم التحقيق)
دراسة وتحقيق الدكتورة السعدية بوخريط
مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث - دار ابن حزم
[ ٢ / ١ ]