قوله: "وَطَعَامُ الْبِنَاءِ: الْوَكِيرَةُ" (^١).
د: أَبُو عُبَيْدَةَ: "قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدَ الْإِمْلَاكِ النَّقِيعَةُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَقَعْتُ أَنْقَعُ نُقُوعًا، وَالَّذِي يُصْنَعُ عِنْدَ الْبِنَاءِ يَبْنِيهِ الرَّجُلُ فِي دَارِهِ الْوَكِيرَةُ، وَقَدْ وَكَّرْتُ تَوْكِيرًا، وَهِيَ الْحُتْرَةُ أَيْضًا" (^٢).
وَكَذَلِكَ فِي "الْجَمْهَرَةِ" لابن دُرَيْدٍ (^٣) قَالَ مُهَلهلٌ: (بسيط)
إِنَّا لَنَضْرِبُ بِالصَّوَارِمِ هَامَهُمْ … ضَرْبَ الْقُدَارِ نَقِيعَةَ الْقُدَّامِ (^٤)
قَالَ الْفَرَّاءُ: الْقُدَّامُ جَمْعُ قَادِم مِنَ السَّفَرِ، وَقِيلَ: الْقُدَّامُ الْمَلِكُ عَنِ الْفَرَّاءِ أَيْضًا (^٥)، وَالْقَدَارُ: الطَّبَّاخُ، مِنْ لَفْظِ الْقِدْرِ. وَطَعَامُ الْمَأْتَمَ الْوَضِيمَةُ، وَطَعَامُ الْمُسَافِرِينَ السُّفْرَةُ، وَإِذَا جَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا فَأَكَلُوهُ فَهُوَ النِّهْدُ: بِكَسْرِ النُّونِ. ومنه حديث الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "أَخْرِجُوا نِهْدَكُمْ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ وَأَحْسَنُ لِأَخْلَاقِكُمْ" (^٦).
وَيُقَالُ: تَنَاهَدُوا إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَطَعَامُ الْقَبَائِلِ إِذَا اجْتَمَعُوا لِصُلْحٍ: النَّهْدُ بِفَتْح النُّونِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يُخَصُّ بِهِ الرَّجُلُ الْقَفِيُّ.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٦٢.
(٢) غريب الحديث لأبي عبيد: ٤/ ٤٩٢، وليس عن أبي زيد.
(٣) الجمهرة لابن دريد: ٣/ ١٣٤.
(٤) البيت لمهلهل في ديوانه: ١٥٠.
(٥) المذكر والمؤنث لابن الأنباري: ٩٧ ب؛ المذكر والمؤنث للفراء: ١٠٦ (بمعنى قدام الظرف).
(٦) النهاية: ٥/ ١٣٥؛ ل (نهد).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وَالْعَتِيرَةُ: الطَّعَامُ الَّذِي يُبْعَثُ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، أُخِذَ مِنْ لَفْظِ الْعَتْرِ وَهُوَ الذَّبْحُ، وَقِيلَ مِنْ لَفْظِ الْعِتْرَةِ وَهُمْ الْأَقَارِبُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: (لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ) (^١)، فَالْعَتِيرَةُ ذَبِيحَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نُهُوا عَنْهَا، وَهِيَ فَعِيلَةٌ فِي مَعْنَى مَفْعُولَةٍ مِنَ الْعَتْرِ وَهُوَ الذَّبْحُ.
وَالْفَرْعُ وَالْفَرْعَةُ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدُهُ النَّاقَةُ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهِتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْهُ.
وَأَمَّا طَعَامُ الْمَيِّتِ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ. وَالْعَقِيقَةُ: طَعَامُ أُسْبُوعِ الْمَوْلُودِ.
وَقِيلَ: الْوَلِيمَةُ (^٢) طَعَامُ الْإِمْلَاكِ، وَالْعُرُسُ: طَعَامُ الزِّفَافِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَيُقَالُ: أَعْذَرْتُ وَعَذَرْتُ، مِنَ "الْإعْذَارِ" (^٣)، وَوَكَّرْتُ مِنَ الْوَكِيرَةِ، وَخَرَسْتُ مِنَ الْخُرْسِ، وَنَقَعْتُ وَأَنْقَعْتُ مِنَ النَّقِيعَةِ.
ع: وَيُقَالُ: خُرِسَتِ النُّفَسَاءُ، إِذَا صُنِعَ لَهَا طَعَامُ الْوِلَادَةِ، قَالَ الشَّاعِرُ: (رجز)
كُلُّ طَعَامٍ تَشْتَهِي رَبِيعَةْ … الْخُرْسُ وَالْإِعْذَارُ وَالنَّقِيعَةْ (^٤)
وَيُقَالُ أَيْضًا الْعَذِيرَةُ لِطَعَامِ الْخِتَانِ، وَانْتَقَرَتْ وَأَجْفَلَتْ مِنَ النَّقْرَى وَالْجَفَلَى (^٥).
وَيُقَالُ: أَدَبْتُ الْقَوْمَ آدِبُهُمْ وَآدَبُهُمْ أدَبًا، وَآدَبْتُهُمْ أُودِبُهُمْ إِيدَابًا: إِذَا دَعَوْتَهُمْ.
_________________
(١) الحديث رواه البخاري عقيقة ٤٣ (ح ٦ - ٧): ٧/ ١٥٣؛ ومسلم أضاحي ٣٨: ٣/ ١٥٦٤؛ وأبو داود أضاحي ١٩ (ح ٢٨٣١): ٣/ ١٠٥؛ والترمذي أضاحي ١٣ (ح ١٥٤٨): ٣/ ٣٤؛ وأحمد: ٢/ ٢٣٩ (لا فرعة).
(٢) أدب الكتاب: ١٦٢.
(٣) نفسه.
(٤) البيت في غريب الحديث لأبي عبيد: ٤/ ٤٩٢ روايته كل الطعام؛ ل (عذر، نقع).
(٥) أدب الكتاب: ١٦٢.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ) (^١)، فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْأَدَبِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَنِيعَةٌ صَنَعَهَا ﷿ لِأَوْلِيَائِهِ.
قوله: (بسيط)
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ (^٢)
ط: "الْمَشْتَاةُ: زَمَنُ الشِّتَاءِ، وَخَصَّهُ لأَنَّهُ زَمَنُ الضَّيْقِ وَالشِّدَّةِ، وَالْآدِبُ: صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ، وَيَنتَقِرُ: يَخُصُّ بِدَعْوَتِهِ، يُقَالُ: انْتَقَرَ انْتِقَارًا، وَهُوَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُسْتَعْمَلْ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ.
وَالْجَفَلَى: مَصْدَرٌ مِنَ الْمَصَادِرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الدَّعْوَةُ الْجَفَلَى، فَحَذَفَ الْمَصْدَر وَقَامَتْ صِفَتُهُ مَقَامه، وَالْمَصَادِرُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْمَصْدَرُ الدَّالُ عَلَى نَوْعِ الْفِعْلِ مُجَرَّدًا مِنَ الْكَمِيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا، وَقَتْلْتُهُ قَتْلًا، وَالثَّانِي: الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَى الْمِقْدَارِ كَقَلأحلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً، وَضَرَبْتُهُ ضَرْبَتَيْنِ، وَالثَّالِثُ: الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ وَالْهَيْأَةِ كَقَوْلِكَ: قَعَدَ قَعْدَةً حَسَنَةً، وَقَعَدَ الْقُرْفُصَاءَ وَدَعَاهُمُ الْجَفَلَى، وَالرَّابِعُ: الْمَصْدَرُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْتَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ الْأَمِيرِ اللِّصَّ. وَيُرْوَى الْحَفَلَى بِالْحَاءِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ كَأَنَّهُ مِنَ الْاِحْتِفَالِ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُرَاعٌ.
وَقَوْلُهُ: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو، فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ نَحْنُ نَدْعُو الْجَفَلَى فِي الْمَشْتَاةِ، فَنَدْعُو: خَبَرُ الْمُبْتَدَأُ وَفِي الْمَشْتَاةِ مِنْ صِلَتِهِ وَمُتَمِّمٌ لَهُ" (^٣).
قوله: الْوَارِشُ (^٤) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَيُقَالُ لَهُ: الرَّاشِنُ أَيْضًا وَالْعَامَّةُ تُسَمِّيهِ
_________________
(١) الحديث في سنن الدرامي، فضائل القرآن: ٢/ ٤٢٩.
(٢) أدب الكتاب: ١٦٣.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ١٤٤.
(٤) أدب الكتاب: ١٦٣.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
الطُّفَيْلِيَّ، نُسِبَ إِلَى طُفَيْلٍ (^١)، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ (^٢) كَانَ يَأْتِي الْوَلَائِمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهَا، فَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّ الْكُوفَةَ بِرْكَةٌ مُصَهْرَجَةٌ فَلَا يَخْفَى عَليَّ (^٣) مِنْهَا شَيْءٌ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: طُفَيْلُ الْعَرَائِسِ وَالْأَعْرَاسِ.
وَيُقَالُ: ضَفَنَ يَضْفِنُ ضَفْنًا: إِذَا جَاءَ مع الضَّيْفِ ضَيْفَنًا (^٤)، صَرَفَ الْفِعْلَ أَبُو زَيْدٍ وَهُوَ خِلافُ مَا ذَكَر سِيبَوَيْهِ فَوَزْنُهُ فَعْلَنٌ كَرَعْشَنٍ وَعَلْجَنٍ.
قوله: "آسْمُ ذَلِكَ الشَّرَابِ الْوَغْلُ" (^٥): قال: (مجزوء البسيط)
إِنْ أَكُ مِسْكِيرًا فَلا أَشْرَبُ الْوَغْلَ
وَلَا يَسْلَمُ مِنِّي الْبَعِيرُ (^٦)
أبُو عُمَرَ: وَالْحَصِيرُ وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَشْرَبُ مِع الْقَوْمِ مِنْ بُخْلِهِ، قَالَ الأخْطَلُ: (بسيط)
وَشَارِبٍ مُرَيْحٍ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي … لا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ (^٧)
_________________
(١) طفيل بن زلال من ولد عبد الله بن غطفان، قيل إنه كان من موالي الخليفة عثمان بن عفان، مجمع الأمثال: ٣/ ٤٥٦؛ الأعلام: ٣/ ٢٢٧.
(٢) بنو عبد الله بن غطفان بن سعيد بن قيس عيلان بن مضر، المعارف: ٣٧؛ جمهرة أنساب العرب: ٣٤٨.
(٣) في الأصل (خ): عليها.
(٤) أدب الكتاب: ١٦٣.
(٥) نفسه.
(٦) البيت لعمرو بن قميئة في ديوانه: ٦٠ رواية: فَلا أشرَبُ … وَغْلا إصلاح المنطق لابن السكيت: ٣٢٣؛ البارع: ٦٤؛ الفاخر: ٣٣؛ شرح المفضليات: ٤٨٠، وقد رواه لمسكين الدرامي وهو في ديوانه: ٣٩؛ فصل المقال: ١٣؛ التاج: (سكر).
(٧) ديوانه: ١/ ١٦٨ روايته: مُربح، جمهرة أشعار العرب: ٧٢٤؛ الأغاني: ١٥/ ٨١، روايته: سأر، غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٣٥٦.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وقوله: (طويل)
فَجَاءَتْ بيَتْنٍ (^١)
ط: "هُوَ البُعَيْثُ (^٢) واسْمُهُ خِدَاشُ بْنُ بَشِرٍ المُجَاشِعِيُّ، وَصَدْرُهُ: (طويل)
لَقَي حَمَلَتْهُ أُمُّه وَهْيَ ضَيْفَةٌ (^٣)
يَهْجُو بهَذَا الشِّعْرِ جَرِيرَ بْنَ الْخَطَفَي، اللَّقَي: كُلُّ شَيْءٍ يلْقَي وَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والْيَتْنُ: الَّذِي تَخْرُجُ رِجْلاهُ عِنْدَ الْوِلادَةِ قَبْلَ رَأسِهِ، وَكَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ لِخُرُوجِهِ مَقْلُوبًا فَيَصْعُبُ عَلَى أُمِّهِ خُرُوجُهُ لِتَجَافِي ذِرَاعَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فَيَعْتَرِضُ فِي الرَّحِمِ، فَرُبَّمَا كَانَ سَبَبع هَلاكِ الأُمِّ.
وَقَوْلُهُ: وَهْيَ ضَيْفَةٌ، يُرِيدُ أن أُمَّهُ حَمَلَتْ بِهِ وَقَدْ دُعِيَتْ إلَي ضِيَافَةٍ فَجَاءَ حَرِيصًا عَلَى الضِّيَافَاتِ، مُحِبًّا في الدَّعَوَاتِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى زِنَا أُمِّهِ.
وَيُرْوى: "فَجَاءَتْ بِنَزٍّ مِنْ نُزَالَةٍ أرْشَمَا" (^٤).
والنَّزُّ: الخَفِيفُ، والنُّزَالَةُ: مَا يَنْزِلُ مِنَ الْمَنِيِّ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أبْلَغُ فِي الْهَجْوِ، يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ مَنِيِّ رَجُلٍ أرْشَمٍ (^٥) فَغَلَبَ عَلَيْهِ شَبْهُ أبِيهِ، وَقَبْلَ الْبَيْتِ يُخَاطِبُ جَرِيرًا: (طويل)
_________________
(١) عجز بيت البعيث: فَجَاءَتْ بِيَتْنِ للضِّيَافَةِ أرْشَمَا أدب الكتاب: ١٦٣.
(٢) خداش بن بشر بن خالد، أبو زيد التميمي، المعروف بالبعيث، خطيب شاعر من أهل البصرة، توفي سنة (١٣٤ هـ)، الشعر والشعراء: ٤٩٧؛ معجم الأدباء: ٤/ ١٧٣؛ الأعلام: ٤/ ٦٨٥.
(٣) صواب إنشاده: فَجَاءَتْ بِنَزِّ للنُّزَالَةِ أرْشَمَا في ديوان البعيث: ٢٣؛ معجم البلدان: ٤/ ٦٨٥.
(٤) كذا روايته في ديوانه: ٢٣.
(٥) في الأصل (خ): "الأشرم"، والصواب: "الأرشم".
[ ٢ / ٤٧٦ ]
فَإِنَّكَ قَدْ جَارَيْتَ سَابِقَ حَلْبَةٍ … نَجِيبَ جِيَادٍ بَيْنَ فَرْعَيْنِ مُعْلَمَا
لِزَازَ حِضَارٍ يَسْبِقُ الْخَيْلَ عَفْوُهُ … عَلَى الدَّفْعَةِ الْأُولَى وَفِي الْعَقْبِ مِرْجَمَا
لقًى
البيت، وبعده (^١):
مُدَامِنَ جَوْعَاتٍ كَأَنَّ عُرُوقَهُ … مَسَارِبُ حَيَّاتٍ تَسَرَّبْنَ سَمْسَمَا (^٢)
فَأَلْقَى عَصَا طَلْحٍ وَنَعْلًا كَأَنَّهَا … جَنَاحٌ سُمَانَى صَدْرُهَا قَدْ تَجَذَّمَا (^٣)
مَنْ رَوَى بَيَتْنٍ جَعَلَهُ هَجْوًا وَجَعَلَ لَقًى مُنَادَى، أَرَادَ: يَالَقَى، وَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ لأَنَّهُ قَصَدَ به جَرِيرًا، وَلَكِنْ لِمَّا كَانَ مَا بَعْدَهُ صِفَتَهُ أَشْبَهَ الْمُضَافَ لِطُولِهِ فَنُصِبَ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: يَا خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ: وَمَنْ رَوَى: بِنَزٍّ مِنْ نُزَالَةٍ أَرْشَمَا فَفِيهِ إِشْكَالٌ.
قَالَ قَوْمٌ: هُوَ هَجْوٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَدْحٌ وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الْبُعَيْثِ نَفْسِهِ، وَاحْتَجُّوا بِالْبَيْتَيْنِ قَبْلَهُ، وَجَعَلُوا لَقًى صِفَةً لِقَوْلِهِ: لِزَازَ حِضَارٍ، وَمَعْنَى لَقًى: أَيْ لَمْ يَنْعَمْ عَيْشُهُ، وَلَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ، وَمَعْنَى: وَهِيَ ضَيْفَةٌ أَيْ كَانَتْ ضَيْفَةً فَامْتَنَعَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَنَكَحَهَا كَرْهًا فَغَلَبَهَا عَلَى شَبَهِ الْوَلَدِ فَجَاءَ مُذَكَّرًا، كَمَا قَالَ أَبُو كَبِيرٍ (^٤): (كامل)
حَمَلَتْ بِهِ فِي لَيْلَةٍ مُزْؤُودَةٍ (^٥)
_________________
(١) لقى حملته أمه وهي ضيفة … فجاءت بنز للنزالة أرشما
(٢) روايته: تشرين، في الديوان.
(٣) الأبيات في ديوان البعيث: ٢٣.
(٤) عامر بن الحليس الهذلي، أبو بكر، من بني سهل بن هذيل، شاعر فحل من شعراء الحماسة. الشعر والشعراء: ٦٧٠؛ سمط اللآلئ: ٣٨٧؛ خزانة الأدب: ٨/ ٢٠٩؛ الأعلام: ٣/ ٢٥٠.
(٥) عجزه: كَرْهًا وَعَقْدُ نِطَاقِهَا لَمْ يُحْلَلِ في شرح ديوان الهذليين، شعر أبي كبير الهذلي: ٣/ ١٠٧٢؛ الأمالي: ٢/ ٣٢٠؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ١٤٨؛ الحماسة البصرية: ١/ ١٩٩؛ المحكم: ٣/ ٢٧٩؛ الكتاب: ١/ ٥٦؛ الخزانة: ٣/ ٤٦٦؛ غريب الحديث لابن قتيبة: ١١٨٧.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الْبَيْتُ. وَالْأَرْشَمُ هَا هُنَا الَّذِي تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَأَسْوَدَّ لِكَثْرَةِ أَسْفَارِهِ.
وقوله: مُدَامِنُ جَوْعَاتٍ، يُرِيدُ أَنَّ هَمَّهُ لَيْسَ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ إِنَّمَا هُوَ في طَلَبِ الْمَعَالِي كَقَوْلِهِ: (بسيط)
لا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ (^١)
وَيَجُوزُ أَنَّهُ يُؤثِرُ الصَّيْف عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ حَاتِمٍ (^٢): (طويل)
لَقَدْ كُنْتُ أَخْتَارُ الْقِرَى طَاوِيَ الْحَشَى … مُحَافَظَةَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَئِيمُ (^٣)
وَشَبَّهَ عُرُوقَهُ لِدَقَّتِهَا وَظُهُورِهَا بِمَسَارِبِ الْحَيَّاتِ وَهِيَ طُرُقُهَا، وَسَمْسَمٌ (^٤): مَوْضِعٌ، وَمَعْنَى تَسَرَّبْنَ: سَلَكْنَ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ يُرْوَى: تَشَرَّبْنَ بِالشِّينِ مُعْجَمَةً، وَالسَّمْسَمُ عَلَى هَذَا السُّمُ أَي كَثُرَ فِيهِنَّ السُّمُّ.
وقوله: "فَأَلْقَى عَصَا طَلْحٍ"، يُرِيدُ أَنَّهُ خَفِيفُ الْمَتَاعِ لَا مَالَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْمَكَاسِبِ لأَنَّهُ يَجُودُ بِمَالِهِ كَقَوْلِ حَاتِمٍ: (طويل)
مَتَى مَا يَجِئْ يَوْمًا إِلَى الْمَالِ وَارِثِي … يَجِدْ جُمْعَ كَفٍّ غَيْرَ مَلْأَى وَلَا صِفْرِ (^٥)
يَجِدْ فَرَسًا مِلْءَ الْعِنَانِ وَصَارِمًا … حُسَامًا إِذَا مَا هُزَّ لَمْ يَرْضَ بِالْهَبْرِ (^٦)
وَأَسْمَرَ خَطِّيًّا كَأَنَّ كُعُوبَهُ … نَوَى الْقَسْبِ قَدْ أَرْمَى ذِرَاعًا عَلَى الْعَشْرِ (^٧)
_________________
(١) عجزه: وَلَا يَزَالُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ لأعشى باهلة ديوانه: ٢٥؛ الأمالي: ٢/ ٢٠١؛ الأصمعيات: ٢٠؛ المخصص: ٤/ ٣٧؛ نوادر أبي زيد: ٧، نسبه للحطية وليس له، غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٢٦؛ سمط اللآلئ: ٨٢١؛ ل ٤٤٨؛ مختارات ابن الشجري: ٣٧.
(٢) هو حاتم الطائي قد تقدمت ترجمته.
(٣) البيت في ديوانه: ٦١؛ الأمالي: ٢٨، روايته: أطوى البطن والزاد يشتهى.
(٤) السمسم الثعلب، وهو اسم موضع، وقال ابن السكيت هي رملة معروفة، معجم البلدان: ٣/ ٢٥٠.
(٥) ديوانه: ١٣٨، روايته: مَتَى يَأْتِ يَوْمًا وَارِثي يَبْتَغِي الْغِنَى.
(٦) ديوانه: ١٣٨، روايته: فَرَسًا مِثْلَ الْقَنَاةِ.
(٧) ديوانه: ١٣٨، روايته: قَدْ أَرْبَى ذِرَاعًا، والأبيات في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: =
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وَشَبَّهَ النَّعْلَ بِجَنَاحِ سُمَانَى لِأَنَّهَا تُؤكَلُ فَيَبْقَى جَنَاحُهَا. وَتَجَذَّمَ: تَقَطَّعَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَدْحٌ يُريدُ قِلّةَ مَؤنَتِهِ" (^١).
قوله: "وَالْبَغَرُ فِي الْمَاءِ" (^٢).
في "الْمُصَنِّفِ" عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: "الْبَغَرُ عَطَشٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى وَتَمْرَضُ عَنْهُ فَتَمُوتُ" (^٣) قَالَ الشَّاعِرُ: (بسيط)
فقُلْتُ مَا هُوَ إِلَّا الشَّأْمُ تَرْكَبُهُ … كَأَنَّمَا الْمَوْتُ فِي أَجْنَادِهِ الْبَغَرُ (^٤)
ع: أبُو مَنْصُورٍ فِي تَقْسِيمِ الْمُتَغَيِّرَاتِ: "أَرْوَحَ اللَّحْمُ، أَسِنَ الْمَاءُ، خَنِزَ الطَّعَامُ، سَنِخَ (^٥) السَّمْنُ، زَنِخَ الدُّهْنُ، قَيمَ الْجَوْزُ، مَذِرَتِ الْبَيْضَةُ، دَخِنَ الشَّرَابُ، نَمِسَتِ الْغَالِيَةُ، نَمِشَ الْأَقِط، خَمِجَ التَّمْرُ، ذَرِبَتِ الْمَعِدَةُ، دَرِنَ الْجِسْمُ، وَسِخَ الثَّوْبُ، طَبعَ الْعِرْضُ" (^٦).
قوله: "وَالْجُودُ: الْجُوعُ" (^٧).
د: أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "الْغَرِيب": (طويل)
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلِمَانِ رِدَاءَهُ … مِنَ الْجُودِ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْهُ الشَّمَائِلُ (^٨)
الشَّمَائِلُ: جَمْعُ شَمَالِ الرِّيحِ.
_________________
(١) = ١/ ٣٢ - ٨٠٢؛ والبيان والتبيين: ٣/ ٦٩؛ الوساطة: ٢٤١؛ العمدة: ٢/ ٣٥؛ شرح الحماسة للشنتمري؛ ٩١٠؛ الحماسة المغربية: ٥٨٧.
(٢) الاقتضاب: ٣/ ١٤٦.
(٣) أدب الكتاب: ١٦٣.
(٤) المخصص: ٧/ ١٦٨.
(٥) البيت للفرزدق في ديوانه: ١٨٣؛ وفي (خ): "إلَّا الشَّامُ"، وهو في المخصص: ٧/ ١٦٨ بدون نسبة؛ شرح المفصل: ٤/ ١١٩.
(٦) في فقه اللغة (سنح): ١٤٠.
(٧) فقه اللغة: ١٤٠، طبع السيف.
(٨) أدب الكتاب: ١٦٤.
(٩) البيت لأبي خراش الهذلي في شرح ديوان الهذليين: ١٢٢٢؛ المخصص: ٥/ ٣٥؛ الصحاح ول (جودشمل).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: "مِنْ هُنَا أَخَذَ الْجُودَ بِمَعْنَى الْجُوعِ وَهُوَ بِالسِّخَاءِ أَشْبَهُ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الْأَصْمَعِيُّ".
قوله: "وَالْجَوَادُ: الْعَطشُ" (^١).
يَعْقُوبُ: "يُقَالُ مِنْهُ جِيدَ الرَّجُلُ يُجَادُ جُوَادًا، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (طويل)
تَظَلُّ تُعَاطِيهِ إِذَا جِيدَ جَوْدَةً … رِضَابًا كَطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ الْمُعَسَّلِ (^٢)
أَيْ إِذَا عَطِشَ عَطْشَةً" (^٣)، وَقَال الْبَاهِلِيُّ (^٤): (وافر)
وَنَصْرُكَ خَاذِلٌ عَنِّي بَطِيءٌ … كَأَنَّ بِكُمْ إِلَى خَذْلِي جُوَادَا (^٥)
أَبُو مَنْصُورٍ: "الْجُوَادُ: الْعَطَسُ الْقَاتِلُ" (^٦).
قوله: "وَعِمْتُ إِلَى اللَّبَنِ" (^٧).
د: وَعِمْتُ إِلَى الْمَاءِ أَيْضًا.
ع: ابْنُ الْأَنْبَارِي: "الْعَيْمَةُ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ إِلَى اللَّبَنِ، وَالْقَرَمُ: شِدَّةُ الشَّهْوَةِ إلى اللَّحْمِ" (^٨).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْعَيْمَةِ وَالْغَيْمَةِ وَالْأَيْمَةِ وَالْقَرَمِ وَالْكَزَمِ) (^٩)، وَالْغَيْمَةُ بِالْغَيْنِ: شِدَّةُ الْعَطَشِ، وَالْأَيْمَةُ: طُولُ التَّعَزُّبِ، وَالْكَزَمُ: شِدَّهُ الْأَكْلِ، وَيُقَالُ: الْكَزَمُ الْبُخْلُ.
وَيُقَالُ: عَامَ إِلَى اللَّبَنِ، وَقَرِمَ إِلَى اللَّحْمِ، وَظَمِئ وَعَطِشَ إِلَى الْمَاءِ، وَجَاعَ إِلَى الْخُبْزِ.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٦٤.
(٢) ديوانه: ٣/ ١٤٧٠؛ الألفاظ لابن السكيت: ٣٦٢؛ ل (عطا).
(٣) إصلاح المنطق لابن السكيت: ٢/ ٣٢٩.
(٤) لم نقف على ترجمته.
(٥) البيت في ل (جود). وفي فرحة الأديب منسوب لجحل بن نضلة الباهلي: في إصلاح المنطق: ١/ ٢٠١؛ الصحاح: جود.
(٦) فقه اللغة: ١٨٢.
(٧) أدب الكتاب: ١٦٤.
(٨) الزاهر: ١/ ٤٨٥.
(٩) الزاهر: ١/ ٤٨٤؛ الفائق: ٣/ ٤٢؛ النهاية: ٣/ ٣٣١؛ الغريبين للهروي: ١/ ١١٥.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
د: يُقَالُ: يَدِي مِنَ اللَّحْمِ غَمِرَةٌ، وَمِنَ الشَّحْمِ زَهِمَةٌ، وَمِنَ اللَّبَنِ وَضِرَّةٌ، وَمِنَ السَّمَكِ صَمِرَةٌ، وَمِنَ الزَّيْتِ قَنِمَةٌ، وَمِنَ الْبَيْضِ زَهِكَةٌ، وَمِنَ الدُّهْنِ سَنِخَةٌ، وَمِنَ الْخَلِّ خَمِطَةٌ، وَمِنَ الْعَسَلِ وَالنَّاطِفِ لَزِجَةٌ، وَمِنَ الْفَاكِهَةِ لَزِقَةٌ، وَمِنَ الزَّعْفَرَانِ رَدِعَةٌ، وَمِنَ الطِّيبِ عَبِقَةٌ، وَمِنَ الدَّم ضَرِجَةٌ، وَمِنَ الْمَاءِ لَثِقَةٌ، وَمِنَ الطِّينِ رَدِغَةٌ، وَمِنَ الْعَذِرَةِ طَفِسَةٌ، وَمِنَ الْبَوْلِ وَشِلَةٌ، وَمِنَ الْعَمَلِ مَجَلَةٌ، وَمِنَ الْوَسَخ دَرِنَةٌ، وَمِنَ الْبَرْدِ صَرِدَةٌ، وَمِنَ الْخَمْرِ خَمِرَةٌ، وَمِنَ الْحَمَأةِ ضَوِطَةٌ، وَمِنَ الْعَجِينِ وَرِخَةٌ، وَمِنَ الثَّرِيدِ مَرِدَةٌ.
قوله: (طويل)
أبَارِيقُ (^١)
ط: "هُوَ لِأَبِي الْهِنْدِيِّ الْرِّيَاحِيِّ (^٢) وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ عَنِ الْمُبَرِّدِ (^٣).
وَقَالَ الْوَقَّشِيُّ: الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ أَسْمَهُ الْأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنَ شِبْثِ بْنِ رِبْعِي (^٤) وَصَدْرُهُ: (طويل)
سَيُغْنِي أَبَا الْهِنْدِيِّ عَنْ وَطْبِ سَالِمٍ (^٥)
وَبَعْدَهُ، وَهُوَ مِنْ بَدِيع التَّشْبِيه.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٦٤.
(٢) غالب بن عبد القدوس بن شبت بن ربعي الرياحي، أبو الهندي، شاعر مطبوع مخضرم الدولتين الأموية والعباسية، توفي نحو (١٨٠ هـ)؛ طبقات الشعراء لابن المعتز: ٥٨؛ فوات الوفيات: ٣/ ١٦٩؛ الأعلام: ٥/ ١١٤.
(٣) الكامل المبرد: ٢/ ٦٠.
(٤) طرر الوقشي على الكامل ورقة: ٥٧.
(٥) عجزه: أَبَارِيقُ لَمْ يَعْلَقْ بِهَا وَضَرُ الزُّبَدِ الأغاني: ٢٠/ ٢٩٤؛ طبقات ابن المعتز: ١٣٦؛ المخصص سفر: ١١/ ٨٥؛ المقتضب: ٤/ ٤٧.
[ ٢ / ٤٨١ ]
مُقَدَّمَةٌ قَرًّا كَأَنَّ رِقَابَهَا … رِقَابُ بَنَاتِ الْمَاءِ تَفْزَعُ لِلرَّعْدِ (^١)
وَبَنَاتُ الْمَاءِ: الْغَرَانِيقُ شَبَّهَ أَعْنَاقَ الْأَبَارِيقِ بِأَعْنَاقِهَا وَقَدْ فَزَعَتْ مِنَ الرَّعْدِ.
وقوله:
لَمْ يَعْلَتْ بِهَا وَضَرُ الزُّبْد (^٢)
يَعْنِي أَنَّهَا أَبَارِيقُ خَمْرٍ، وَسَالِمٌ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مَوْلَى قُدَيْدِ بْنِ مَنِيعٍ الْمِنْقَرِيِّ (^٣) " (^٤).
قوله: "وَلَا يُقَالُ مَالِحٌ" (^٥).
ع: عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْبَصْرِيُّ: قَدْ قِيلَ مَالِحٌ (^٦)، أَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ الْكِلابِيُّ (^٧): (رجز)
صَبَّحْنَ قَوًّا وَالْحَمَامُ وَاقِعُ … وَمَاءُ قَوٍّ مَالِحٌ وَنَاقِعُ (^٨)
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: مَاءٌ مَالِحٌ لِأَنَّ الْمَاءَ هُوَ الْمِلْحُ نَفْسُهُ وَيُقَال: شَيْءٌ مَالِحٌ كَمَا يُقَالُ: حَامِضٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "الْفُرَاتُ أَعْذَبُ
_________________
(١) البيت في الأغاني: ٢٠/ ٢٩٤، روايته: قرا - المقتضب ٤/ ٦، ٣٢٠، روايته: أفزعها الرعد، شرح المفصل: ١/ ٣٥؛ حياة الحيوان: ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) تخريجه في الصفحة السابقة.
(٣) لم نقف على ترجمتهما.
(٤) الاقتضاب: ٣/ ١٤٩.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٥ هذا باب معرفة في الشراب، لم يجعل له الجذامي عنوانا.
(٦) التنبيهات على إصلاح ابن السكيت: ٣٠٥.
(٧) أبو زيد الكلابي الأعرابي رواية للغة، أخذ منه اللغويون، عيون الأخبار: ٤/ ١١؛ الأعراب الرواة: ١٩٢ - ٢٩٣.
(٨) البيت في التنبيهات: ٣٠٥؛ الخزانة: ٢/ ٤٥٨؛ نسب للنابغة وفي اللسان (ملح)، قو منزل للقاصد إلى المدينة من البصرة يرحل من النباج فينزل قو وهو واد يقطع الطريق تدخله المياه ولا تخرج، قال الجوهري قو بين فيد والنباج، وقال أبو زياد الكلابي: قو واد بين اليمامة وهجر نزل به الحطيئة على الزبرقان بن بدر فلم يجهزه: معجم البلدان: ٤/ ٤١٦.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الْعَذْبِ وَالْأُجَاجُ أَمْلَحُ الْمِلْحِ" (^١).
قوله: "أَقْهَى الرَّجُلُ" (^٢).
د: يُقَالُ: أَقْهَى وَأَقْهَمَ.
قوله: "لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى عَقْلِ صَاحِبِهَا" (^٣).
د: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سُمِّيَتْ شَمُولًا لأَنَّ لَهَا عَصْفَةً كَعَصْفَةِ الرِّيحِ الشَّمَالِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لأَنَّهَا تَشْمَلُ بِرِيحِهَا الْقَوْمَ (^٤).
وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ: "الْمَشْمُولَةُ: الَّتِي أُبْرِزَتْ لِلشَّمَالِ عَنْ أَبِي الفتح (^٥) " (^٦).
أَبُو عَلِيٍّ: يُقَالُ: غَدِيرٌ شَمُولٌ إِذَا نَسَجَتْهُ رِيحُ الشَّمَالِ فَبَرَدَ مَاؤُهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْخَمْرِ شَمُولٌ وَمَشْمُولةٌ، أَيْ بَارِدَةُ الطَّعْمِ فَهِيَ عَلَى هَذَا فِي تَأْوِيلِ مَفْعُولَةٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ.
ط: "قوله: وَهُوَ مَقَامُ الشَّارِبَةِ (^٧): أَرَادُوا أَنَّ الشَّارِبَيْنَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهَا كَاجْتِمَاعِ الْإِبْلِ حَوْلَ الْعُقْرِ، وَالشَّارِبَةُ: الْإِبِلُ، وَيُقَالُ: سُمِّيتْ عُقَارًا لأَنَّهَا تَعْقِرُ شَارِبَهَا، أَوْ تَعْقِرُ عَقْلَهُ أَوْ مَالَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: كَلأٌ عُقَارٌ إِذَا كَانَ يَعْقِرُ الْمَاشِيَةَ،
_________________
(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢/ ١٥٣.
(٢) أدب الكتاب: ١٦٥.
(٣) نفسه.
(٤) اللسان: (شمل).
(٥) في فقه اللغة: أبو الفتح المراغي: وهو محمد بن جعفر بن محمد الهمداني الوادعي يعرف بابن المراغي، أبو الفتح: أديب سكن بغداد له: الاستدراك لما أغفله الخليل والبهجة، توفي سنة (٣٧١ هـ)، بغية الوعاة: ٢٨؛ تاريخ بغداد: ٢/ ١٥٢؛ كشف الظنون: ٨٧.
(٦) فقه اللغة: ٢٧٠.
(٧) أدب الكتاب: ١٦٥.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ" (^١).
قوله: "لِقِدَمِهَا" (^٢).
د: هَذَا عَنِ الْفَرَّاءِ (^٣).
ع: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَسْفِنْطَ (^٤) لَيْسَ بِالْخَمْرِ وَلَكِنَّهُ شَرَابٌ يُتَّخَذُ بالأفَاويهِ.
د: جِعَةٌ وَجَعَةٌ (^٥): الفَتْحُ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ، هِيَ الْخَمْرُ.
ط: "هُوَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ، وَهُوَ بَيْتٌ مُفْرَدٌ وَلَيْسَ مِنْ قَصِيدَةٍ، قَالَهُ لِلْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ (^٦) حِينَ لَقِيَهُ يَوْمَ بُؤْسِهِ (^٧)، وَكَانَ يَقْتُلُ أَوَّلَ رَجُلٍ يَلْقَاهُ وَتَرَكَ عَبِيدًا لِيَسْتَمْتِعْ بِإِنْشَادِهِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ثُمَّ تُنَفَّذُ فِيهِ سُنَّتُهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشِدْنِي، فَقَالَ: "حَالَ الْجَرِيضُ دُونَ الْقَرِيضِ" (^٨).
ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشِدْنِي فَقَالَ: هِيَ الْخَمْرُ (^٩): الْبَيْتُ. يُرِيدُ أَنَّ اعْتِقَادَهُ فِيهِ
_________________
(١) الاقتضاب: ٣/ ١٥١.
(٢) أدب الكتاب: ١٦٥.
(٣) المذكر والمؤنث الفراء: ١٠٧؛ المذكر والمؤنث لابن الأنباري: ٥٨٦؛ المخصص: ١٧/ ١٠.
(٤) المطيب من عصير العنب؛ ل (أسفنط) ت ل ١٢/ ١٤٧.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٦.
(٦) المنذر بن امرئ القيس الثالث النعمان بن الأسود اللخمي، وماء السماء اسمه، ملك الحيرة سنة (٥١٤ هـ)، وهو باني الغريبين (الطربالان) بظاهر الكوفة، وفيهما قبر نديمية سعد بن مسعود وخالد بن نضلة والمحير: ٣٥٩؛ جمهرة أنساب العرب: ٢٩٢؛ الكامل لابن الأثير: ١/ ١٩٤؛ تاريخ ابن خلدون: ٢/ ٢٦٥؛ الأعلام: ٧/ ٢٩٢.
(٧) هو اليوم الذي دفن فيه المنذر صاحباه، عمرو بن مسعود وخالد بن ضلة، الأغاني: ١٩/ ٢٨؛ ذيل الأمالي: ٣/ ١٩٥؛ الكامل لابن الأثير: ١/ ٣٠٥؛ الخزانة: ١١/ ٢٦٩.
(٨) المثل في مجمع الأمثال: ١/ ٣٤١.
(٩) أدب الكتاب: ١٦٦، تمام بيت عبيد: هي الخمر تكنى الطلاء … كما الذئب يكني بجعده في مقدمة ديوانه: ٣.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ضِدُّ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ التَّحَفِّي بِهِ كَمَا يُكْنَى الذِّئْبُ أَبَا جَعْدَةً، وَجَعْدَةٌ: الشَّاةُ وَلَيْسَ أَبًا لَهَا وَإِنَّمَا هُوَ عَدُوُّهَا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ يُكْنَى عَنْهَا بِالطِّلَاءِ وَلَيْسَتْ طَلَاءً فَصَارَ مَثَلًا لِمَنْ يُظْهَرُ لَهُ الْبِرُّ وَالْإكْرَامُ وَالْمُرَادُ بِهِ ضِدُّ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ الذِّئْبَ يُكْنَى وَلَيْسَ ذَلِكَ لِكَرَامَتِهِ كَقَوْلِ الْعَامَّةِ: "لَيْسَ مِنْ كَرَامَةِ الدِّيكِ تُغْسَلُ رِجْلاهُ".
وَهَذَا الْبَيْتُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ هَكَذَا وَهُوَ فَاسِدُ الْوَزْنِ يَنْقُصُ مِنْ شَطْرِهِ الْأَوَّلِ جُزْءٌ، وَذَكَرَ أَنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدٍ أَصْلَحَهُ فَقَالَ: (متقارب)
هِيَ الْخَمْرُ يَكْنُونَهَا بِالطِّلَاءِ … كَمَا الذِّئبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَهْ (^١)
وَهُوَ بَيْتٌ مِنَ الْمُتَقَارَبِ مُقَيَّدٌ أَبْتَرُ. وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَا يُقِيمُ وَزْنَ كَثِيرٍ مِنَ الشِّعْرِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قِبَلِ عَبِيدٍ، وَفِي شِعْرِهِ أَشْيَاءٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْعَرُوضِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَيُرْوَى بِرَفْعِ "الذِّئْبِ" وَخَفْضِهِ، فَالرَّفْعُ عَلَى الْإِبْتِدَاءِ، وَ"مَا" كَافَّةٌ تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ فَتَكَفُّهُ عَنِ الْعَمَلِ كَالَّتِي فِي قَوْلِكَ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَالْخَفْضُ عَلَى زِيَادَةِ مَا تَوْكِيدًا كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (^٢)، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنْشَدَ الْأَخْفَشُ هَذَا الْبَيْتَ: (وافر)
وَجَدْنَا الْحُمْرَ مِنْ شَرِّ الْمَطَايَا … كَمَا الْحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمٍ (^٣) " (^٤)
قوله: "وَالْمَقَدِّي" (^٥).
د: مَقَدِّيٌّ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مَقَدٌّ (^٦).
_________________
(١) ديوانه: ٣.
(٢) سورة النساء (٤): الآية ١٥٤؛ سورة المائدة (٥): الآية ١٤.
(٣) البيت في الحيوان: ١/ ١١٠؛ خزانة الأدب: ٤/ ١٠ منسوب لزياد الأعجم.
(٤) الاقتضاب: ٣/ ١٤٩.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٦.
(٦) قرية بالشام، وقال الحازمي: قرية بحمص مذكورة بجودة الخمر، معجم البلدان: ٥/ ١٦٥.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: "نُسِبَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا "مَقَدٌّ" بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا، قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَقَدِّيٌّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَالْيَاءِ، وَقَالَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ عُبَيْدٍ (^١): مَقَدٌّ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ (^٢) بِدِمَشْقٍ" (^٣) قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ (^٤).
ط: "التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ جَائِزَانِ، فَمَنْ شَدَّ نَسَبَ إِلَى مَقَدٍّ، وَمَنْ خَفَّفَ نَسَبَ إِلَى مَقْدِيَةَ مُخَفَّفَةَ الدَّالِ وَهُوَ حِصْنٌ بِدِمَشْقٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ: (وافر)
وَهُمْ تَرَكُوا ابْنَ كَبْشَةَ مُسْلَحِبًا … وَهُمْ مَنْعُوهُ مِنْ شُرْبِ الْمَقَدِّي (^٥) " (^٦)
ع: وَفِي الْخَبَرِ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُخْتَارُ لَهُ شَرَابٌ مِنْ مَقَدٍّ، وَقَدْ تُخَفَّفُ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالثَّنِيَّةِ (^٧)، وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ: (طويل)
مَقَدِيٌّ أَحَلَّهُ اللهُ لِلنَّاسِ … شَرَابًا، وَلَا تَحِلُّ الشَّمُولُ (^٨)
فَخَفَّفَ.
_________________
(١) أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر المعروف بأبي عصيدة، أديب ديلمي الأصل من موالي بني هاشم، توفي سنة (٢٧٣ هـ)، له: عيوب الأخبار والأشعار، الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه، معجم الأدباء: ١/ ٢٢١؛ الأعلام: ١/ ١٦٦.
(٢) سميت بالشام لكثرة قراها وتداني بعضها ببعض فشبهت بالشامات، وقيل لأن قومًا من كنعان بن حام تشاءموا إليها فأخذوا ذات الشمال، حدها من الفرات إلى العريش بمصر وعرضها من جبلي طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم، معجم البلدان: ٣/ ٣١٣.
(٣) التنبيهات: ١٦٠؛ ذيل الأمالي: ١٤٩؛ معجم البلدان: ٥/ ١٦٥؛ ذيل اللآلئ: ٦٩.
(٤) أدب الكتاب: ١٦٦.
(٥) ديوانه: ٨٣، روايته: وهم شغلوه عن؛ ذيل اللآلئ: ٦١٩ ذيل الأمالي: ١٤٩؛ التنبيهات: ١٦٠؛ ل (مقد)؛ التهذيب: ٨/ ٢٦٩.
(٦) الاقتضاب: ٢/ ٨٩.
(٧) هي مواضع عديدة وهي هنا: ثنية العقاب: وهي مشرفة على غوطة دمشق يطؤها القاصد من دمشق إلى حمص، معجم البلدان: ٢/ ٨٥.
(٨) البيت بدون نسبة في ل (مقد)؛ معجم البلدان: ٢/ ٨٥؛ الاقتضاب: ٢/ ٩٠.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وقوله: "الْمُزَّاءُ" (^١).
د: الْمُزَّاءُ تُمَدُّ وَتُقْصَرُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أنشد أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى (^٢) فِي الْمَدِّ: (طويل)
لَا تَحْسِبَنَّ الْحَرْبَ نَوْمَ الضُّحَى … وَشُرْبَكَ الْمُزَّاءَ بِالْبَارِدِ (^٣)
وَقَالَ آخَرُ فِي الْقَصْرِ: (طويل)
إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ ابْنُ تِسْعِينَ حِجَّةً … وَلَمْ يَتْرُكِ الْمُزَّى لِعَذْلِ الْعَوَاذِلِ
وَلَمْ يَرْهَبِ اللَّهُ الَّذِي فَوْقَ عَرْشِهِ … وَلَمْ يَصْحُ أَمْسَى جَاهِلًا غَيْرَ عَاقِلِ (^٤)
وَاشْتِقَاقُ ابْنُ قُتَيْبَةَ لَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ لِهَذَا الشَّرَابِ مِزٌّ عَلَى هَذَا، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: مُزَّةٌ لِلَذْعِهَا اللِّسَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا فِي حَالِ الْمَدِّ: فُعْلَاءُ، وَهَذَا الْبِنَاءُ شَاذٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ إِلَّا حَرْفَانِ: قُوَبَاءُ وَخُشَّاءُ وَحَكَى ذَلِكَ الْجَمَاعَةُ، وَالْاِشْتِقَاقُ يُعْطِي أَنَّ هَذَا ثَالِثٌ لَهُمَا.
ع: وَهُوَ مِنَ الْمَزِيَّةِ فُعْلَالٌ.
قوله: (طويل)
عُقَارٌ كَمَاءِ النِّيءِ (^٥)
ط: "هُوَ أَبُو ذُؤيْبٍ الْهُذَلِيُّ (^٦) وَاسْمُهُ خُوَيْلِدٌ، وَالنِّيءُ بِكَسْرِ النُّونِ
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٦٦.
(٢) هو أحمد بن يحيى ثعلب أبو العباس تقدمت ترجمته في: ١٤.
(٣) البيت لخالد بن المعارك العبدي المعروف بابن عرس في تاريخ الطبري: ٩/ ١٥٦٦ والبيت في لو الأساس: (مزز).
(٤) المقصور والممدود: ٢٩٠.
(٥) تمامه: عقار كماء النبيء ليست بخمطة … ولا خلة يكوي الشروب شهابها في شرح ديوان الهذليين: ١/ ٤٥؛ جمهرة اللغة: ١/ ٧٠؛ المخصص: ١١/ ٨؛ التاج اللسان: (خلل - نبأ).
(٦) خويلد بن خالد بن محرث، أبو ذؤيب، من بني هذيل بن مدركة من مضر، شاعر فحل مخضرم، توفي نحو (٢٧ هـ)، الشعر والشعراء: ٦٥٣؛ الأغاني: ٦/ ٥٦؛ =
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وَالْهَمْزِ: اللَّحْمُ الَّذِي لَمْ يُطْبَخُ شَبَّهَ الْخَمْرَ بِمَائِهِ فِي حُمْرَيَهَا، فَإِذَا فَتَحْتَ النُّونَ وَشَدَّدْتَ الْيَاءَ وَلَمْ تَهْمِزْ فَهُوَ الشَّحْمُ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ" (^١).
وَالْخَلَّةُ: الَّتِي طَعْمُهَا كَطَعْمِ الْخَلِّ، وَيُرْوى: الشَّرُوبُ (^٢) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهُوَ الْكَثِيرُ الشُّرْبِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَرَوَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ بِضَمِّ الشِّينِ، وَهُوَ جَمْعُ شَارِبٍ (^٣). وَأَرَادَ بِشهَابِهَا (^٤) حِدَّتَهَا وَحَرَّهَا، وَأَصْلُ الشِّهَابِ النَّارُ فَشَبَّهَ بِهِ نَارِيَّةَ الْخَمْرِ وَالْتِهَابَهَا فِي جَوْفِ شَارِبِهَا.
وَيُرْوَى: يَشْوِي الْوُجُوهَ، وَقَبْلَ الْبَيْتِ:
وَلَا الرَّاحُ رَاحُ الشَّامِ جَاءَتْ سَبِيئَةً … لَهَا غَايَةٌ تَهْدِي الْكِرَامَ عُقَابُهَا (^٥)
وَالْغَايَةُ: الْعَلَمُ كَانَ يَنْصِبُهُ الْخَمَّارُ عِنْدَ بَيْتِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ عِنْدَهُ خَمْرًا، وَشَبَّهَهَا بِالْعُقَابِ لِخَفَقَانِهَا وَاضْطِرَابِهَا: وَتُسَمَّى الرَّايَةُ نَفْسُهَا عُقَابًا، وَالْأَصْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ" (^٦).
وقوله: "وَالْكَسِيسُ: السَّكَرُ" (^٧): السَّكَرُ مَفْتُوحَ السِّينِ وَالْكَافِ الْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، قَالَ الشَّاعِرُ: (بسيط)
بِيسَ الصُّحَاةُ وَبِيسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمْ … إِذَا جَرَى فِيهِمُ الْمُزَّاءُ وَالسَّكَرُ (^٨)
_________________
(١) = الموازنة: ١١٩؛ الخزانة: ١/ ٢٧٤؛ الأعلام: ٣٢٥٢.
(٢) الاقتضاب: ٣/ ١٥١.
(٣) أدب الكتاب: ١٦٧.
(٤) الجمهرة: ١/ ٢٥٨؛ إصلاح المنطق: ٣٩.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٧.
(٦) شرح ديوان الهذليين: ١/ ٤٤ فبالأصل (خ): "يهدي"؛ الاقتضاب: ٣/ ١٥١؛ ل (عقب) سبى.
(٧) الاقتضاب: ٣/ ١٥١.
(٨) أدب الكتاب: ١٦٧.
(٩) البيت للأخطل في الأغاني: ١١/ ٥٩؛ ل (مزز)؛ المخصص: ٤/ ٧٦؛ غريب الحديث أبو عبيد: ٢/ ١٧٩.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وقوله: (طويل)
فَإِنْ تُسْقَ مِنْ أَعْنَابِ وَجٍّ (^١)
ط: "لَا أَعْلَمُ قَائِلَهُ، وَوَجٌّ (^٢): اسْمُ الطَّائِفِ، فَمَنْ صَرَفَهُ أَرَادَ الْمَوْضِعَ وَالْبَلَدَ، وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْهُ ذَهَبَ إِلَى الْبُقْعَةِ وَالْأَرْضِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ وَإِنْ كَانَ مُؤنَّثًا بِكَوْنِ وَسَطِهِ وَخِفَّتِهِ كَمَا تُصْرَفُ هِنْدٌ. وَالْكَسِيسُ وَالسَّكَرُ: شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ، وَفِي هَذَا الْبَيْتِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لا يُقَالُ خَمْرٌ إِلَّا لِمَا كَانَ مِنَ الْعِنَبِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَمْرَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَامَرَ الْعَقْلَ مِنَ الأشربَةِ" (^٣).
وَأَرَادَ بِالْعَيْنِ: عَيْنَ الْمَاءِ.
د: الطَّائِفُ: وَجٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: (آخِرُ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا اللهُ بِوَجٍّ) (^٤).
قوله: "وَاحِدُهَا نَاطَلٌ" (^٥).
ط: "هَذَا قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ [وَلَا يَصِحُّ فِي مَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ النَّيَاطِلُ جَمْعُ نَاطَلٍ] (^٦) لأَنَّ فَاعِلًا إِذَا كَانَ أَسْمًا فَإِنَّمَا بَابُهُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى فَوَاعِلَ كَقَوْلِهِمْ فِي قَادِمِ الرَّحْلِ وَهُوَ كَالْقَرْبُوسِ مِنَ السَّرْج: قَوَادِمُ، وَفِي حَاجِبِ الْعَيْنِ وَحَاجِبِ الشَّمْسِ: حَوَاجِبُ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي "الْغَرِيبِ": "نَاطِلٌ وَنَاطَلٌ، بِكَسْرِ الطَّاءِ
_________________
(١) البيت لأبي الهندي الرياحي، وتمامه: فَإِنَّنَا … لَنَا الْعَيْنُ تَجْرِي مِنْ كَسِيسٍ وَمِنْ خَمْرٍ وهو في المعاني الكبير: ٤٥٨؛ ل (كسس)؛ أدب الكتاب: ١٦٧.
(٢) في اللغة عيدان يتداوى بها، وهو الطائف كما في حديث رسول الله ﷺ، وكانت آخر غزوات النبي ﷺ وقيل سميت بوج بن عبد الحق من العمالقة وقيل من الفراعنة، معجم البلدان: ٥/ ٣٦١.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ١٥٢.
(٤) الحديث رواه أحمد في المسند: ٤/ ١٧٢ - ٦/ ٣٠٩؛ وفي معجم البلدان: ٥/ ٣٦١.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٧.
(٦) الزيادة من الاقتضاب: ٢/ ٩٠ وهو في الأصل (خ) بياض.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وَفَتْحِهَا" (^١).
وَعَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ الطُّوسيِّ أَنَّهُ يُقَالُ: نَيْطَلٌ. فَيُقَالُ عَلَى هَذَا فِي جَمْعِ نَاطِلٍ وَنَاطَلٍ: نَوَاطِلُ، وَفِي جَمْع نَيْطَلٍ: نَيَاطِلٌ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ وَاحِدَ النَّيَاطِلِ نَاطَلٌ إِلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ مِنَ الْجُمُوعِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلَى الشُّذُوذِ إِذَا وُجِدَ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ".
د: حَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ الطُّوسِيِّ: رَجُلٌ نَيْطَلٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَالْهَمْزِ: أَيْ دَاهِيَةٌ وَبِغَيْر الْهَمْزِ: الْمِكْيَالُ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ جَمْعُهُ عَلَى نَيَاطِلٍ، وَالنَّيْطَلُ بِفَتْحِ النُّونِ: الدَّلوُ وَجَمْعُهُ نَيَاطِلٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَنْشَدَ: (رجز)
نَاهَبْتُهُمْ بِنَيْطَلٍ جَرَّافٍ (^٢)
ع: أَبُو حَنِيفَةَ: "النَّاطَلُ وَالنَّيْطَلُ: مِكْيَالُ الْخَمْرِ" (^٣).
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: "سَمِعْتُ مِنَ الْفُصَحَاءِ مَنْ يَقُولُ: النَّأَطَلُ فَيَهَمْزُ وَيَفْتَحُ" (^٤).
د: وَالْقُمْحَانُ عَنْ سِيبَوَيْهِ بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْضًا.
اللَّبَنُ: قَوْلُهُ: "الصَّرِيفُ" (^٥).
د: سُمِّيَ صَرِيفًا لِأَنَّهُ حِينَ يُنْصَرَفُ بِهِ عَنِ الضَّرْعِ فَهُوَ فَعِيلٌ فِي تَأْوِيلِ مَفْعُولٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ صَرِيفًا بِالصَّرِيفِ وَهُوَ الصَّوْتُ.
_________________
(١) الغريب المصنف: ١/ ٣٤١.
(٢) المخصص: م ٤/ ٨٢؛ الصحاح: ٥/ ١٨٣١ روايته: جروف.
(٣) المخصص: م ٤/ ٨٢.
(٤) كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني: ٣/ ٢٧٥.
(٥) أدب الكتاب: ١٦٨.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وقوله: "فَإِذَا حَثُرَ" (^١).
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يُقَالُ: خَثَرَ وَخَثُرَ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.
ع: إِنَّمَا الصَّرِيحُ (^٢): الْخَالِصُ.
_________________
(١) نفسه.
(٢) نفسه.
[ ٢ / ٤٩١ ]