الحمد لله
كتاب "الانْتِخَابِ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكُتَّابِ" (^١)، مما عُنِيَ بتأليفه الشَّيْخُ الْفقيه، النحوي، اللغوي، الماهر، أبو جعفرَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ هِشَامٍ السَّرَقُسْطِيُّ الْجُذَامِيُّ الْبَاغِيُّ (^٢). روى عن أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ السَّعْدِيَّ (^٣)، وكان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر. وصنّف هذا الشرح على "أدب الكتاب" (^٤) وتوفي رحمه الله تعالى بباغة (^٥) سنة ثمان [. . .] (^٦). ذكره ابن عبد الملك (^٧) في "التكملة" (^٨).
_________________
(١) سيأتي تفصيل الحديث عن الكتاب في الجزء الخاص بدراسة المخطوط.
(٢) انظر: ترجمة الكاتب في الجزء الخاص بالدراسة.
(٣) أبو سليمان داود بن يزيد السعدي الغرناطي الزاهد، آخر النحويين بغرناطة، من أهل قلعة يحصب، توفي سنة (٥٧٣ هـ). روى عنه الجذامي السفر الأول من الذيل والتكملة. بغية الوعاة: ١/ ٥٦٣؛ البلغة: ٨٠ (ت ١٢٦).
(٤) أدب الكتاب لابن قتيبة، وهو موضوع الشرح.
(٥) مدينة بالأندلس من كورة إلبيرة بين المغرب والقبلة، منحرفة عن قرطبة بيسير ولمائها خاصية عجيبة، فإنه ينعقد حجرًا في حافات جداوله، ويجود فيها الزعفران، معجم البلدان: ١/ ٣٢٦.
(٦) بياض مقدار كلمتين في الأصل (خ).
(٧) محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي، أبو عبد الله، أديب، قاضي، توفي بتلمسان سنة (٧٠٣ هـ). قضاة الأندلس: ١٣٠؛ الديباج: ٣٣١؛ الإعلام بمن حل مراكش من الأعلام، التكملة: سفر ٨، ص: ٤.
(٨) هو كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة لابن عبد الملك المراكشي، ترجمة أحمد بن داود في السفر الأول، القسم الأول، ص: ١١٥.
[ ٢ / ٣ ]
﷽
صلّى الله وسلّم على سيّدنا محمد وآله وصحبه
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بن يُوسُفَ الْجُذَامِيُّ الْبَاغِيُّ ﵁ ونفعنا ببركاته: أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ الله على آلائه، وَصَلَوَاته على محمد رسوله وخاتم أنبيائه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصفيائه.
فَإِنِّي جَمَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ جَمِيعَ مَا تَأَدَّى إِلَيَّ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ عَلَى "أَدَبِ الْكُتَّابِ" لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ (^١) [الدِّينَوَرِي] (^٢) مِنْ شَرْحِ [. . . . . . .] (^٣) وَتَفْسِيرِ الْأَبْيَاتِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا فِيهِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْأَغْلَاطِ الْوَاقِعَةِ فِي أَصْلِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ النَّاقِلِينَ. وَجَعَلْتُهُ تَذْكِرَةً لِنَفْسِي، وَعُدَّةً لِدَرْسِي، وَاخْتَصَرْتُهُ غَايَةَ الْاخْتِصَارِ لِقَصْدِي بِهِ قَصْدَ التَّذْكَارِ، وَنَسَبْتُ كُلَّ قَوْلٍ إِلَى قَائِلِهِ بِعَلَامَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَسْمَائِهِمْ طَلَبًا لِتَرْكِ التَّطْوِيلِ بِالْإِفْصَاحِ عَنْهُمْ؛ فَجَعَلْتُ ط: عَلَامَةً عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْبَطَلْيُوسِي (^٤) وز: عَلَامَةً عَلَى الزَّجَّاجِ (^٥)، وَد: عَلَامَةً عَمَّا نَقَلْتُهُ مِن الْأُسْتَاذِ
_________________
(١) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، من أئمة الأدب، ولد ببغداد سنة (٢١٣ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٦ هـ)؛ لسان الميزان: ٣/ ٣٥٧؛ الوفيات ٣/ ٤٢؛ الأعلام: ٤/ ١٣٧.
(٢) الكلمة غير تامة في الأصل (خ) وهي الدينوري كما أثبتنا.
(٣) بياض مقدار كلمتين في الأصل (خ).
(٤) عبد الله بن محمد بن السيد، أبو محمد، من العلماء باللغة، ولد ونشأ في بطليوس بالأندلس، وتوفي سنة (٥٢١ هـ). وفيات الأعيان: ٣/ ٩٦؛ الأعلام: ٤/ ١٢٣.
(٥) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة، ولد ببغداد ومات سنة (٣١١ هـ)، له تصانيف كثيرة. تاريخ بغداد ٦/ ٨٩؛ إنباه الرواة: ١/ ١٩٣؛ =
[ ٢ / ٥ ]
أَبِي سُلَيْمَان دَاوُدِ بْنِ [يَزِيدِ] (^١) السَّعْدِي، وع: عَلَامَة عَلَى تَعْلِيقَاتٍ مِنْ كُتُبٍ، شَتَّى، وص: عَلَامَة أَبِي نَصْرٍ هَارُونِ بْنِ مُوسَى (^٢)، الرَّاوِي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ (^٣)، وس: عَلامَةَ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ صَاحِبِ الْأَحْبَاسِ (^٤) مِمَّا أَخَذْتُهُ مِنْ أَصْلِهِ الَّذِي كَانَ أَصْلَ ابْنَ أَبِي الْحُبَابِ (^٥). وَمَنْ لَمْ أَجْعَلْ عَلَامَةً بِاسْمِهِ، صَرَّحْتُ بِهِ. وَمِنَ اللهِ تَعَالَى أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ، وَالْجَرْيَ إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.
_________________
(١) = معجم الأدباء: ١/ ٤٧؛ وفيات الأعيان: ١/ ١١؛ بغية الوعاة: ١/ ٤١١؛ نزهة الألباء: ٣٠٦؛ الأعلام: ١/ ٤٠.
(٢) بياض مقدار كلمة في الأصل (خ)، وقد أتممنا الاسم.
(٣) هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي القرطبي المجريطي، أبو نصر، الأديب النحوي، له: تفسير عيوب كتاب سيبويه، توفي سنة (٤٠١ هـ). إنباه الرواة: ٣/ ٣٦٢؛ بغية الوعاة: ٤٠٦؛ تلخيص ابن مكتوم: ٢٦٨؛ الصلة: ٢/ ٥٩٥.
(٤) هو إسماعيل بن القاسم بن محمد بن سلمان، أبو علي القالي اللغوي، أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب، ولد ونشأ في بنازجرد ورحل إلى بغداد ثم إلى قرطبة حيث توفي سنة (٣٥٦ هـ)، عرف بالبغدادي في الغرب الإسلامي، له كتب منها: الأمالي والنوادر والبارع. وفيات الأعيان: ١/ ٢٢٦؛ جذوة المقتبس: ١٥٤؛ نفح الطيب: ٢/ ٨٥؛ إنباه الرواة: ١/ ٢٠٤؛ الأعلام: ١/ ٣٢٢.
(٥) أبو بكر عيسى بن محمد بن صاحب الأحباس، من كبار المحدثين والأدباء توفي سنة (٤٧٠ هـ). الصلة ٢/ ٤٣٧.
(٦) أحمد بن عبد العزيز بن أبي الحباب، أبو عمر، النحوي الأندلسي القرطبي، يكنى أبا الأصبع روى عن أبي علي القالي كتاب النوادر، والمقصور والممدود، وروي عنه الغريب المصنف قراءة، توفي سنة (٤٠٠ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ١٨٠؛ بغية الوعاة: ٣٠٧؛ جذوة المقتبس: ١١١؛ فهرس ابن خير: ٣٢٤؛ الصلة: ١/ ٢٥؛ الوفيات: ٢/ ٢١٨.
[ ٢ / ٦ ]
قوله: "أَمَّا بَعْدُ" (^١).
ط: "أَمَّا: حَرْفُ إِخْبَارٍ يَدْخُلُ عَلَى الْجُمَلِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَيَتَضَمَّنُ مَعْنَى حَرْفِ الشَّرْطِ وَالْفِعْلِ الْمَشْرُوطِ بِهِ، وَلِذَلِكَ احْتَاجَ إِلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ كَمَا يُجَابُ الشَّرْطُ، فَإِذَا قِيلَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَمَعْنَاهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَنَابَتْ "أَمَّا" مَنَابَ حَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ "مَهْمَا"، مَنَابَ الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ بِهِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ فَاعِلِهِ. فَلِذَلِكَ ظَهَرَ بَعْدَهُ الْجَوَابَ وَلَمْ يَظْهَرِ الشَّرْطُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَجَوَابُهُ هُنَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ"" (^٢).
ز: "الَّذِي يَلِي "أَمَّا" مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ حَرْفِ الْجَزَاءِ وَالْفِعْلِ الْمُجَازَى بِهِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَاهُمَا، وَلَا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ، فَلِذَلِكَ وَلِيَتْهَا الْأَسْمَاءُ دُونَ الْأَفْعَالِ، فَإِذَا قُلْتَ: "أَمَّا عَبْدُ اللهِ فَمُنْطَلِقٌ" فَتَرْفَعُ مَا بَعْدَ "أَمَّا" بِالابْتِدَاءِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ وَمَا بَعْدَ الْفَاءِ خَبَرهُ" (^٣).
قال سيبويه (^٤): "تَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَعَبْدُ اللهِ مُنْطَلِقٌ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْفَاءِ فِعْلٌ نَاصِبٌ عَمِلَ فِي الْاسْمِ الذي بعد "أَمَّا" فَنَصَبَهُ، وَزَالَ الْابْتِدَاءُ كَمَا يَزُولُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِدُخُولِ الْعَوَامِلِ فتقولُ: أَمَّا زَيْدًا فَلَقَيْتُ، وَأَمَّا عَمْرًا
_________________
(١) أدب الكتاب: ٥.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٢٨.
(٣) تفسير رسالة أدب الكتاب: ٢٤ - ٢٥.
(٤) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر الملقب بسيبويه، ولد في إحدى قرى شيراز سنة (١٤٨ هـ)، وفد البصرة حيث لزم الخليل ثم رحل إلى بغداد وناظر الكسائي، توفي بالأهواز سنة (١٨٠ هـ). تاريخ بغداد: ١٢/ ١٩٥؛ وفيات الأعيان: ٣/ ٤٦٣؛ الأعلام: ٥/ ٨١.
[ ٢ / ٧ ]
فَأَكْرَمْتُ" (^١). قال الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (^٢).
وَ"بَعْدُ" مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مِنْ زَمَانٍ مُضَافٍ إِلَى الْحَمْدِ. وَ"قَبْلُ وَبَعْدُ" إِذَا أُضِيفَتَا أُعْرِبَتَا، وَإِذَا أُفْرِدتا بُنِيَتَا عَلَى الضَّمِّ لِخُرُوجِهِمَا عَنْ بَابِهِمَا وَمُفَارَقَتِهِمَا طَرِيقَتَهُمَا وَتَضَمُّنِهِمَا مَعْنَى الْمَحْذُوفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِمَا، فَإِنْ نُكِّرَا لَمْ يُبْنَيَا وَأُعْرِبَا لِزَوَالِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِبِنَائِهِمَا فِي حَالِ التَّعْرِيفِ.
ط: "قَبْلُ وَبَعْدُ" لَا يُضَافَانِ إِلَّا إِلَى الْمُفْرَدِ أَوْ مَا فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ، فَالْمُفْرَدُ: جِئْتُكَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ. وَالَّذِي فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ: جِئْتُكَ بَعْدَمَا خَرَجَ زَيْدٌ، وَبَعْدَ أَنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَهَذَا الْكَلَام، وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً، فَهُوَ فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ، تَقْدِيرُهُ: جِئْتُكَ بَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ، وَبَعْدَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ.
وَ"بَعْدُ" يَنْتَصِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَتَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ "رَأَيْتُ" عَلَى مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ"، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (^٣). وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي نَصْبُ "الْيَتِيمِ" و"السَّائِلِ"، لما تَضَمَّنَتْ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، كَمَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِي تَعْمَلُ فِي الظُّرُوفِ، [وَلَا تَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولَاتِ الصِّحَاحِ، فَأَمَّا] (^٤) إِعْمَالُ مَعْنَى الشَّرْطِ فِي "أَمَّا" فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ حَمْدِ اللهِ (^٥)، جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِعْمَالُ "رَأَيْتُ" رَأَيٌ [غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ] (^٦) لا يُجِيزُهُ لِأَنَّ [خَبَرَ "إِنَّ" لَا
_________________
(١) الكتاب: ٢/ ١٩٥.
(٢) سورة الضحى (٩٣): الآيتان ٩ - ١٠.
(٣) سورة الضحى (٩٣): الآية ٩.
(٤) بياض ٣ كلمات في (خ) والزيادة من الاقتضاب: ١/ ٢٩.
(٥) أدب الكتاب: ٥.
(٦) بكر بن محمد بن حبيب بن بقية، أبو عثمان المازني، من مازن شيبان، أحد أئمة النحو البصريين، توفي سنة (٢٤٩ هـ)، له كتب منها: ما تلحن فيه العامة، التصريف، الديباج. معجم الأدباء: ٤/ ١٠٨؛ إنباء الرواة: ١/ ٢٨١؛ الأعلام: ٢/ ٦٩.
[ ٢ / ٨ ]
يَعْمَلُ] (^١) عِنْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: زَيْدًا إِنَّكَ ضَارِبٌ، عَلَى مَعْنَى إِنَّكَ [ضارب زيدًا] (^٢)، وَكَذَلِكَ لَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ.
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرَّدُ (^٣) يُجِيزُ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "إِنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، وَلَا يُجِيزُهُ [..] (^٤) غَيْرِهَا.
وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ "أَمَّا" وُضِعَتْ لِيُقَدَّمَ مَعَهَا عَلَى الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَ الْفَاءِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَتَجِدُ زَيْدًا بَعْدَ الْفَاءِ، وَإِذَا قُلْتَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، وَجَدْتَهُ قَبْلَ الْفَاءِ، فَلَمَّا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، جَازَ مَعَهَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَجُزْ مَعَ غَيْرِهَا.
وَمِنَ الْحُجَّةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "أَنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ أَمَّا، لَمَا جَازَ أَنْ يَعْمَلَ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (^٥)؛ لأَنَّ الْفَاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِتْبَاعِ، فَهِيَ تُرَتِّبُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا بَعْدَهَا أَنْ يُنْوَى بِهِ التَّقْدِيمُ عَلَى مَا قَبْلَهَا. فَكَمَا جَازَ لِمَا بَعْدَ الْفَاءِ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، كَذَلِكَ فِي خَبَرِ أَنَّ مَعَهَا، وَالْمَازِنِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاءِ وَ"أَنَّ" لِوُجُودِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا" نَحْوَ قَوْلِكَ: زَيْدًا فَاضْرِبْ وَبِعَمْرٍو فَامْرُرْ. وَلَمْ يُوجَدْ خَبَرُ "إِنَّ" يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا"، فَنَقِيسَ "أَمَّا" عَلَيْهِ" (^٦).
_________________
(١) الزيادة من الاقتضاب: ١/ ٣٠.
(٢) بياض في الأصل (خ) وما أثبتناه من الاقتضاب: ١/ ٣٠.
(٣) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد، الثمالي الأزدي، قرأ كتابه سيبويه على الجرمي مولده بالبصرة سنة (٢١٠ هـ) ووفاته ببغداد سنة (٢٨٦ هـ). من كتبه: الكامل، المقتضب، إعراب القرآن. إنباه الرواة: ٣/ ٢٤١؛ وفيات الأعيان: ٣/ ٣١٣؛ بغية الوعاة: ١١٦.
(٤) بياض كلمتين في الأصل (خ).
(٥) سورة الضحى (٩٣): الآية ٩.
(٦) الاقتضاب: ١/ ٣١.
[ ٢ / ٩ ]
د: "اخْتَارَهُ أَيْضًا ابْنُ السَّرَّاجِ (^١) كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعْمُولُ "إِنَّ" عَلَيْهَا، وَالَّذِي سَهَّلَ عند سيبويه أَنْ يَجْعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَبَرِ، مَا تَقْتَضِيهِ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ" (^٢).
ط: "وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يُجِيزُ: أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّكَ خَارِجٌ، وَلَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ؛ لأنَّ الظُّرُوفَ يَتَّسِعُ فِيهَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهَا" (^٣).
د: أبو علي: إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ الْحَالَ وَالظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِمَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ الْفَاءِ نَحْوَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَتَحْسِينٌ لِلَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاطِفَةَ وَالْمَجَازِيَةَ لَا يَلِيَانِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ أَوِ الْجُمَلَ، وَلَا يَلِيَانِ الْحُرُوفَ.
ط: "وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعَ "أَمَّا" قَبْلَ الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَها مَعَ "مَهْمَا" لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ "أَمَّا" كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَها فِعْلُ الشَّرْطِ كَمَا يَظْهَرُ مَعَ "مَهْمَا"، فَلَمَّا حُذِفَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا، قُدِّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْفَاءِ لِيَكُونَ كَالْعَوَضِ مِنَ الْمَحْذُوفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ "الْفَاءِ" إِنَّمَا وُضِعَتْ لِلْإِتْبَاعِ، وَلَمْ تُوْضَعْ لِتَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وَالاتْبَاعُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِمَّا إِتْبَاعُ اسْمٍ مُفْرَدٍ لِاسْمٍ مُفْرَدٍ، كَقَوْلِكَ: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرُو. وَإِمَّا إِتْبَاعُ جُمْلَةٍ لِجُمْلَةٍ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ فَضَرَبْتُ زَيْدًا، فَلَوْ قُلْتَ: أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، لَوقَعَتِ الْفَاءُ مُسْتَأْنِفَةً لَيْسَ قَبْلَهَا اسْمٌ وَلَا جُمْلَةٌ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لَهُ، "إِنَّمَا" قَبْلَهَا حَرْفُ مَعْنَى لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الْاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا:
_________________
(١) محمد بن السري بن سهل، أبو بكر، أحد أئمة الأدب واللغة من أهل بغداد يقال: ما زال النحو مجنونًا حتى عقله ابن السراج بأصوله، مات شابًّا سنة (٣١٦ هـ)، له تصانيف أهمها: الأصول في النحو، شرح كتاب سيبويه. نزهة الألباء: ٣١٣؛ إنباه الرواة: ٣/ ١٤٥؛ الوفيات: ٤/ ٣٣٩؛ بغية الوعاة: ١/ ١٠٩؛ الأعلام: ٦/ ١٣٦.
(٢) الكتاب لسيبويه: ٣/ ٧٤.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٣١.
[ ٢ / ١٠ ]
أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لِمَا قَبْلَهَا عَلَى أَصْلِ مَوْضُوعِهَا" (^١).
د: "وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ "أَمَّا" أُخْرَى وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرْفَيْنِ مِنْ "أَنْ" وَ"مَا" وَذَلِكَ قَوْلُكَ: أَمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ، وَأَمَّا أَنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ، قَالَ سِيْبَوَيْهُ: "تَقْدِيرُهُ أَنْ كُنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ" (^٢). فَمَوْضِعُ "أَنْ" نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجْلِهِ، وَاخْتُزِلَتْ كَانَ مِنَ اللَّفْظِ وَأُضْمِرَتْ، وَزِيدَتْ "مَا" عَوَضًا مِنْ حَذْفِ الْفِعْلِ، وَلَا تَكُونُ "أَمَّا" هَذِهِ إِلَّا مَفْتُوحَةً كَمَا تَرَى، وَالْخَبَرُ مَنْصُوبٌ كَمَا شَرَحْتُ لَكَ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهُ: (البسيط)
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلُهُمُ الضَّبُعُ (^٣)
الضَّبُعُ: السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ الشَّدِيدَةُ (^٤).
قَالَ: وَمِثْلُ لُزُومِ "مَا" هَا هُنَا عَوَضًا قَوْلُهُمْ: "إِمَّا لَا" أَلْزَمُوهَا "مَا" عَوَضًا مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: افْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ، فَوَضَعَ "إِمَّا لَا" مَوْضِعَهُ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ (^٥): "إِمَّا لَا" مَعْنَاهَا "إِلَّا"، وَ"مَا" صِلَةٌ أَيْ زَائِدَةٌ [. . .] (^٦) حدة وأملت، وَلَوْ انْفَرَدَتْ "لَا" وَحْدَهَا، لَمْ تَجُزْ فِيهَا الْإِقَالَةُ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٣١.
(٢) الكتاب: ١/ ٢٩٣.
(٣) البيت لعباس بن مرداس السلمي في ديوانه: ١٠٦. روايته: أمَّا كُنْتَ. وهو من الشواهد النحوية، في الكتاب: ١/ ١٤٨؛ الحيوان ٦/ ٤٤١؛ غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ٤٧؛ المغني ٥٤؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ٤٩؛ الخزانة: ٤/ ١٣؛ الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٨؛ المحكم: ١/ ٢٥٧.
(٤) تفسير الزجاجي: ٢٥.
(٥) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني، أبو عبيد الهروي، من أهل هرات بخراسان، توفي سنة (٤٠١ هـ)، له: كتاب الغريبين، وغريب القرآن، وغريب الحديث. إنباه الرواة: ٤/ ١٥٠؛ وفيات الأعيان: ١/ ٢٨؛ بغية الوعاة: ١/ ٣٧١؛ الأعلام: ١/ ٢١٠.
(٦) بياض في الأصل (خ).
[ ٢ / ١١ ]
عَلَى جَوَابِ كَلَامٍ [. . .] (^١) أن لا أَفْعَلُ هَذَا، فَقَالَ الآخَرُ: "إِمَّا لَا" يريد إِلَّا تَفْعَلْ، فَافْعَلْ هَذَا" (^٢).
قال سيبويه: "وَإِنْ أَظْهَرْتَ الْفِعْلَ كَسَرْتَ "إِمَّا" وَلَمْ يَجُزْ فَتْحُهَا، فَقُلْتَ: إِمَّا كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْفِعْلِ مَعَ الْمَكْسُورَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ" (^٣).
وَالْمُبَرَّدُ يُجِيزُ إِظْهَارَ الْفِعْلِ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ، فَيَقُولُ: "أَنْ كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ". وَإِنْ شِئْتَ أَدْخَلْتَ "مَا" زَائِدَةً، فَيَجُوزُ مَعَهَا مَا كَانَ قَبْلَ دُخُولِهَا فَتَقُولُ: أَمَّا كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ.
وَالْقَوْلُ مَا قَالَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ جَرَى كَالْمَثَلِ، وَالْأَمْثَالُ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ الْقِيَاسِ فَتُحْكَى كَمَا سُمِعَتْ وَلَا يَطَّرِدُ فِيهَا الْقِيَاسُ، فَتَخْرُجُ عَنْ طَرِيقَةِ الْأَمْثَالِ، فَهَذَا حُكْمُ "أَمَّا" فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
ط: الْمَحَامِدُ (^٤): جَمْعُ حَمْدٍ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَالْمَفَاقِرِ جَمْعُ فَقْرٍ، وَالْمُذَاكِرِ جَمْعُ ذَكَرٍ، هَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ" (^٥)
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَحَامِدُ، جَمْعُ مَحْمِدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمَحْمِدَةَ قَدْ نَطَقَتْ بِهَا الْعَرَبُ نَثْرًا وَنَظْمًا، قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (^٦): أَلَا أدُلُّكُمْ عَلَى الْمَحْمِدَةِ بِلا مَرْزِئَةٍ: الْخُلُقُ السَّجِيحُ وَالْكَفُّ عَنِ الْقَبيحِ (^٧).
_________________
(١) بياض في الأصل (خ).
(٢) الغريبين الهروي: ٢/ ١٥٠.
(٣) الكتاب: ١/ ٢٩٤.
(٤) أدب الكتاب: ٥
(٥) الاقتضاب: ١/ ٣٢.
(٦) الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي المنقري التميمي، ولد في البصرة، كان حكيمًا وحليمًا، توفي سنة (٧٢ هـ). طبقات ابن سعد: ٣/ ١١٢؛ وفيات الأعيان: ١/ ٢٣٠؛ التهذيب: ١/ ١٩١؛ جمهرة أنساب العرب: ٢٠٦؛ الأعلام ١/ ٢٦٣.
(٧) مجمع الأمثال: ١/ ٣٩١.
[ ٢ / ١٢ ]
وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّ الْأَفْعَالَ التي يَكُونُ الْمَاضِي مِنْهَا على فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَينِ، فَقِيَاسُ الْمَفْعَلِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ فِي الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ والمكان، كَالْمَشْرَبِ وَالْمَعْلَمِ وَالْمَجْهَلِ إِلَّا كَلِمَتَيْنِ شَذَّتَا وَهُمَا: الْمَحْمِدَةُ وَالْمَكْبِرُ، فَجَاءَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، قَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ (^١):
طَلَبْتُ الصَّبَا إِذْ عَلَا الْمَكْبِرُ … وَشَابَ الْقَذَالُ فَمَا تُقْصِرُ (^٢)
قوله: "وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ" (^٣).
ط: "الثَّنَاءُ مَمْدُودٌ إِذَا قَدَّمْتَ الثَّاءَ عَلَى النُّونِ، وَفِعْلُهُ رُباعِيٌّ، يُقَالُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ أُثْنِي إِثْنَاءً والاسم الثَّنَاءُ، كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُ، أُعْطِي إعْطَاءً، وَالاسْمُ الْعَطَاءُ. فَإِنْ قدمتَ النُّونَ عَلَى الثَّاءِ قُلْتَ: نَثَا مَقْصُورٌ يكتب بالأَلِفِ لأَنَّهُ مِنَ الْوَاوِ، ويقال: نَثَا عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، يَنْثُو نَثًا (^٤)، حَكَاهُ سِيبَوَيْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ يُقَالُ: نَثَوْتُ الْحَدِيثَ، أَنْثُوهُ نَثْوًا، وَنَثَيْتُهُ، أَنْثِيهِ نَثْيًا.
ع: وَهَذَا الْمَقْصُورُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ الشَّاعِرُ: (البسيط)
مِنْهُمْ وَفِيهِمْ يُعَدُّ الْمَجْدُ مُتَّلِدًا … وَلَا يُعَدُّ نَثَا خِزْيٍ وَلَا عَارِ (^٥)
وَقَالَ آخَرُ: (متقارب)
فَاضِلٌ، كَامِلٌ، جَمِيلٌ نَثَاهُ … أَرْيَحِيٌّ مُهَذَّبٌ مَنْصُورُ (^٦)
وَالْغَالِبُ عَلَى الْمَمْدُودِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرِّ، إِلَّا أَنَّهُ
_________________
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام الهمداني، شاعر اليمانيين بالكوفة، من شعراء الدولة الأموية، ومن الفقهاء القراء، توفي سنة (٨٣ هـ)؛ الأغاني: ٥/ ١٣٨؛ المؤتلف والمختلف: ١٤؛ سير أعلام النبلاء: م ٣؛ الأعلام: ٣/ ٣١٢.
(٢) البيت في شعر الأعشى: ١٦؛ وفي الأغاني: ٢/ ١٢٧.
(٣) أدب الكتاب: ٥.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٣٣.
(٥) البيت للعرندس، وهو أحد بني بكر بن كلاب، وهو في الأمالي: ١/ ٢٣٩؛ الحماسة، البصرية: ١/ ٤٧٧.
(٦) البيت بدون نسبة في: ل (نثا) وفي الأضداد لابن الأنباري: ٢٥. التهذيب: ٥/ ١١١؛ تاج العروس: ١/ ٦٨١٢.
[ ٢ / ١٣ ]
قَلِيلٌ، أَنْشَدَ أَبُو عُمَرَ الْمُطَرِّزُ (^١) عَنْ ثَعْلَبٍ (^٢): (بسيط)
أَثْنِ عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي … أُثْنِي عَلَيْكِ بِمِثْلِ رِيحِ الْجَوْرَبِ (^٣)
إِلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَعْنَى: إِنِّي أُقِيمُ لَكَ الذَّمَّ مَقَامَ الثَّنَاءِ، كَمَا قَالُوا: عِتَابُكَ السَّيْفُ، وَتَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ. قَالَ الله ﷿: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٤). وَالْعَذَابُ لَيْسَ بِبِشَارَةٍ إِنَّمَا تَأْوِيلُهُ: أَقِمْ لَهُمْ الْإِنْدَارَ بِالْعَذَابِ مَقَامَ الْبِشَارَةِ.
قوله: "وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ" (^٥).
ز: طـ: "الصَّلَاةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى: الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ، وَمِنَ النَّاسِ: الدُّعَاءُ وَالْعَمَلُ، وَأَصْلُهَا الدُّعَاءُ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^٦).
وَسُمِّيَ الْعَمَلُ صَلَاةً لِمَا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ،
_________________
(١) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرز، اللغوي، غلام ثعلب، مات ببغداد سنة (٣٤٥ هـ). تاريخ بغداد: ٢/ ٣٥٧، إنباه الرواة: ٣/ ١٧١؛ بغية الوعاة: ١/ ١٦٤ (ت ٢٧٩).
(٢) أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر محدثًا مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة حجة، ولد ببغداد، ومات فيها سنة (٢٩١ هـ)، صنف: مجالس العلماء، الفصيح. تاريخ بغداد: ٥/ ٢٠٤؛ نزهة الألباء: ٢٢٨؛ إنباه الرواة: ١/ ١٧٣؛ تهذيب الأسماء: ٢/ ٢٧٥؛ وفيات الأعيان: ١/ ٣٠؛ الأعلام: ١/ ٢٦٧.
(٣) البيت في شرح ديوان المتنبي: ١/ ٦٠ برواية: بما علمت، وفي ٣/ ١٠٠ برواية: قل ما بدا لك أن تقولي فإني. جمهرة الأمثال: ٢/ ٣١٧ برواية: بِمَا علمت مُثْنٍ ثمار القلوب: ٤٨٧؛ أساس البلاغة: حرب.
(٤) سورة آل عمران (٣): الآية ٢١. سورة التوبة (٩): الآية ٣٤. سورة الإنشقاق (٨٤): الآية ٢٤.
(٥) أدب الكتاب: ٥، فيه: والصلاة على نبيه.
(٦) سورة التوبة (٩): الآية ١٠٤.
[ ٢ / ١٤ ]
إِنَّمَا هِيَ الدُّعَاءُ لَهُ، قَالَ الْأَعْشَى (^١): (بسيط)
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا … يَا رَبِّ جَبِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
أَعَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا (^٢)
مَنْ رَفَعَ "مِثْلُ" دَعَا لَهَا بِمِثْلِ مَا دَعَتْ لَهُ، ومَنْ نَصَبَ، جَعَلَهُ إِغْرَاءً، أَمَرَهَا بأَنْ تَلْزَمَ هَذَا الدُّعَاءَ.
وَالْمُصْطَفَى (^٣): الْمُخْتَارُ، وَهُوَ مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَهِيَ خِيَارُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ مُصتَفَوٌ أَبْدَلُوا التَّاءَ طَاءً لِتُوَافِقَ الصَّادَ فِي الْإِسْتِعْلَاءِ، وَتَجَاوَزَتِ الْكَلِمَةُ ثلاثَةَ أَحْرُفٍ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً كَانْقِلابهَا فِي أَعْطَيْتُ ثُمَّ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَقَبْلَهَا فَتْحَةٌ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا.
وَذَكَرَ أَبُو جَعفَرِ بْنُ النَّحَّاسِ (^٤) أَنَّ "آلًا" يُضَافُ إِلَى الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يُضَافُ إِلَى الْأَسْمَاءِ الْمُضْمَرَةِ فَلَمْ نُجِزْ هَذَا الَّذِي أَجَازَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: وَالصَّوَابُ: وَأَهْلَهُ. وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ (^٥) فِي كِتَابِ "لَحْنِ
_________________
(١) ميمون بن قيس بن جندل، من قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، شاعر من الطبقة الأولى، توفي سنة (٨ هـ). الشعر والشعراء: ٢٥٧؛ الأغاني: ٩/ ١٠٨؛ الخزانة: ١/ ١٧٥؛ الأعلام: ٧/ ٣٤١.
(٢) البيتان في ديوانه: ١٥١.
(٣) أدب الكتاب: ٥
(٤) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، مفسر أديب، مولده بمصر، ووفاته فيها سنة (٣٣٨ هـ)، صنف: تفسير القرآن، إعراب القرآن، تفسير أبيات سيبويه، معاني القرآن. إنباه الرواة: ١/ ١٣٥؛ الوفيات ١/ ٢٩؛ النجوم الزاهرة: ٣/ ٣٠٠؛ الأعلام: ١/ ٢٠٨.
(٥) محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج الزبيدي الأندلسي الإشبيلي أبو بكر، عالم باللغة والأدب، شاعر من حمص بالشام، مؤدب المؤيد بالله، ولي القضاء بإشبيليه، توفي سنة (٣٦٩ هـ). له كتب: الواضح، طبقات النحويين واللغويين، لحن العامة. معجم الأدباء: ١٨/ ١٧٩؛ الإنباه: ٣/ ١٠٨؛ الوفيات: ٤/ ٣٧٢؛ بغية الوعاة: ١/ ٨٤؛ شذرات الذهب: ٣/ ٩٤؛ المغرب: ١/ ٢٥٥؛ جذوة المقتبس: ٨٥؛ الأعلام: ٦/ ٨٢.
[ ٢ / ١٥ ]
الْعَامَّةِ"، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكَسَائِيِّ (^١)، فَتَبِعَاهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ يَعْضُدُهُ وَلَا سَمَاعَ يُؤَيِّدُهُ. وَكَانَ الْكَسَائِيُّ يَرَى أَنَّ "آلًا" الذِي يُرَادُ بِهِ الأَهْلُ لَا يُضَافُ إِلَى المُضْمَرَاتِ وَلَا إِلَى البِلَادِ، فَكَانَ لَا يُجِيزُ: "صَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ "وَلَا يُجِيزُ رَأَيْتُ آلَ الْبَصْرَةِ" (^٢)، إِنَّمَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ "أَهْلٌ"، وَلَا يَمْنَعُ مَانِعٌ مِنْ إِضَافَةِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ" (^٣).
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَر ابْنِ قُتَيْبَةَ (^٤) عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَقَدْ أَجَازَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ المُبَرَّدُ وهو مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. وقال أَبُو عَلِيٍّ الدِّينَوَرِيُّ (^٥) في كتابه الذي وَضَعَهُ في "إِصْلَاح المَنْطِقِ" (^٦). "تَقُولُ: فُلَانٌ مِنْ آلِ فُلانٍ وَمِنْ آلِ أَبِي فُلانٍ، وَلَا تَقُلْ: مِنْ آلِ الْكُوفَةِ (^٧)، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِذَا كَنَّيْتَ قُلْتَ: هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا تَقُلْ مِنْ آلِهِ، إِلَّا فِي قِلَّةٍ مِنَ الْكَلَام". وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّهَا لُغَةٌ، وَقَدْ وَجَدْنَا "آلًا" فِي الشِّعْرِ مُضَافًا إِلَى الْمُضْمَرِ، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ (^٨): (مجزوء الرجز)
_________________
(١) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، أبو الحسن الكسائي الكوفي، إمام اللغة والنحو والقراءة، توفي بالري سنة (١٨٩ هـ)، وهو مؤدب الرشيد والأمين العباسيين، تاريخ بغداد: ١١/ ٤٠٣؛ نزهة الألباء: ٦٧؛ إنباه الرواة: ٢/ ٢٥٦؛ الوفيات: ١/ ٣٣٠؛ غاية النهاية: ١/ ٥٣٥؛ الأعلام: ٤/ ٢٨٣.
(٢) إحدى مدن العراق الكبرى، وتعني الأرض الغليظة، كان تمصيرها سنة (١٤ هـ). معجم البلدان: ١/ ٤٣٠؛ معجم ما استعجم: ١/ ٢٥٤.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٣٤.
(٤) أحمد بن عبد الله بن قتيبة أبو جعفر، فقيه، مولده ببغداد تولى القضاء بمصر، روى عن أبيه كل كتبه، توفي سنة (٣٢٢ هـ). وفيات الأعيان: ٣/ ٤٣.
(٥) أحمد بن جعفر الدينوري، نحوي، رحل إلى البصرة وبغداد ونزل بمصر حيث توفي سنة (٢٨٩ هـ)، له كتاب المهذب. إنباه الرواة: ١/ ٣٣؛ بغية الوعاة: ١/ ٣٠١؛ الأعلام: ١/ ١٠٧.
(٦) وهو كتاب مفقود.
(٧) بالضم: المصر المشهور بالعراق، وتسمى خد العذراء، سميت الكوفة لاستدارتها، ومصرت في أيام عمر بن الخطاب، معجم البلدان: ٤/ ٤٩٠.
(٨) عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحارث، زعيم قريش في الجاهلية وجد =
[ ٢ / ١٦ ]
أُنْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكَ (^١)
وقال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ السُّلَمِيُّ (^٢): (طويل)
أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي … وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا (^٣)
وقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ (^٤)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ: (كامل)
وَاللهُ يُسْعِدُ كُلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ … وَيَزِيدُ مِنْ أَعْدَائِهِ فِي آلِهِ (^٥)
وَوَجْهُ الحُجَّةِ بِبَيْتِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَنُوا بِانْتِقَادِ شِعْرِهِ، وَمَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ: كَالْوَاحِدِيِّ (^٦)، وَابْنِ عَبَّادٍ (^٧)، وَالْحَاتِمِيِّ (^٨)، وَابْنِ
_________________
(١) = الرسول ﷺ، تاريخ اليعقوبي: ١/ ٢٠٣؛ تاريخ الطبري: ٢/ ٢٤٦؛ الكامل: ٢/ ٦؛ عيون الأثر: ١/ ٢٩؛ الأعلام: ٤/ ١٥٤.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) خفاف بن عمير بن الشريد السلمي المضري، أبو خراشة، شاعر فارس، من أغربة العرب مخضرم، له شعر جمعه نوري حمودي القيسي توفي نحو (٢٠ هـ). الشعر والشعراء: ٣٤١؛ الأغاني: ١٦/ ١٣٣؛ الإصابة: ١/ ٤٥٢؛ خزانة الأدب: ٥/ ٤٤٣؛ الأعلام: ٢/ ٣٠٩.
(٤) شعره (شعراء إسلاميون): ٤٨٥ روايته: . . . . . . . . . . . . الْحَقِيقَةَ وَالَّذِي … بِهِ أَدْرَكَ الْأَبْطَالُ قِدْمًا كَذَلِكَ وهو في: خزانة الأدب: ٢/ ٤٧٠؛ الأغاني: ١٥/ ٧١؛ الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٣٨٣؛ الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٨.
(٥) أحمد بن الحسين المتنبي؛ الشاعر الحكيم، قتله فاتك الأسدي، الوفيات: ١/ ١٢٠؛ تاريخ بغداد: ٤/ ١٠٢؛ الأعلام: ١/ ١١٥.
(٦) ديوانه: ١٨٦. وقافيته من المتدارك.
(٧) في الأصل (خ): "الوحيدي" والصواب: "الواحدي"، كما أثبتنا ذلك وهو علي بن أحمد الواحدي، أبو الحسن المفسر النحوي مولده بنيسابور ووفاته فيها سنة (٤٦٨ هـ). النجوم الزاهرة: ٥/ ١٠٤؛ الوفيات: ١/ ٣٣٣.
(٨) لم نقف على ترجمته.
(٩) محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أبو علي، أديب ناقد من أهل بغداد توفي سنة (٣٨٨ هـ). له: "الرسالة الحاتمية" في نقد شعر المتنبي. له "حلية المحاضرة"، و"سر الصناعة" في الشعر. تاريخ بغداد ٢/ ٢١٤؛ معجم الأدباء: ٦/ ٥٠١؛ إنباه الرواة: ٣/ ١٠٣؛ وفيات الأعيان: ٤/ ٣٦٢؛ بغية الوعاة: ١/ ٨٧؛ الأعلام: ٦/ ٨٢.
[ ٢ / ١٧ ]
وَكِيعٍ (^١)، وَابْنِ خَالَوَيْهِ (^٢) وَابْنِ جَنِّي (^٣) وَغَيْرِهِمْ.
و"آلٌ" أَصْلُهُ "أَهْلٌ" ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الْهَاءِ هَمْزَةً، فَقِيلَ "أَأْلٌ" ثم أُبْدِلَ من الْهَمْزَةِ أَلِفٌ كَرَاهِيَةً لِاجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي تَصْغِيرِهِ: "أُهَيْلٌ" فَرَدُّوهُ إِلَى أَصْلِهِ.
وَحَكَى الْكَسَائِيُّ: "أُوَيْلٌ" وهذا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ أَلِفُ "آلٍ" بَدَلًا مِنْ وَاوٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ.
د: "آلٌ" عِنْدَ أَقْوَامٍ غَيْرُ "أَهْلٍ"، وَآلُ الرَّجُلِ: كُلُّ مَنْ آلَ إِلَيْهِ، أَيْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِقَرَابَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ، وَهُوَ مِنْ آلَ، يَؤُولُ، وَتَصْغِيرُهُ أُوَيْلٌ عَلَى مَا حَكَى الْكَسَائِيُّ عَنِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا أَهْلُ الرَّجُلِ فَقَرَابَتُهُ خَاصَّةً، فَكُلُّ أَهْلٍ آلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ آلٍ أَهْلًا.
س: "أَهْلٌ" أَعَمُّ مِنْ آلٍ" بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلُ زَيْدٍ، فَأَضافُوهُ إِلَى الْأَمَاكِنِ وَالْأَعْلَامِ خَاصَّةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ "أَهْلُ" (^٤).
وقوله: "عَنْ سَبِيلِ الْأَدَبِ نَاكِبِينَ" (^٥).
السَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وَتُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّأْنِيثُ. قال الله ﷿:
_________________
(١) الحسن بن علي الضبي التنيسي، أبو محمد، شاعر مجيد أصله من بغداد، له ديوان شعر، وكتاب المنصف في سرقات المتنبي توفي سنة (٣٩٣ هـ). يتيمة الدهر: ١/ ٢٨١، وفيات الأعيان: ١/ ١٣٧؛ الأعلام: ٢/ ٢٠١.
(٢) الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله، لغوي من كبار النحاة، أصله من همدان، توفي سنة (٣٧٠ هـ). إنباه الرواة: ١/ ٣٥٩؛ الوفيات: ١/ ١٥٧؛ غاية النهاية: ١/ ٢٣٧؛ لسان الميزان: ٢/ ٢٦٧؛ بغية الوعاة: ١/ ٥٦٩.
(٣) عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر، ولد بالموصل وتوفي ببغداد سنة (٣٩٢ هـ). له كتب: شرح ديوان المتنبي، المبهج، الخصائص، سر صناعة الإعراب. يتيمة الدهر: ١/ ٧٧؛ نزهة الألباء: ٤٠٦؛ معجم الأدباء: ٥/ ١٥؛ الوفيات: ١/ ٣١٣؛ بغية الوعاة: ٢/ ١٣٢؛ الأعلام: ٤/ ٢٠٤.
(٤) بياض في الأصل (خ).
(٥) أدب الكتاب: ٥.
[ ٢ / ١٨ ]
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (^١)
وَالنَّاكِبُ: الْعَادِلُ الْمُنْحَرِفُ، يُقَالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، يَنْكُبُ نُكُوبًا. قال الله ﷿: ﴿بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (^٢) وَيُقَالُ أَيْضًا: نَكَبَ، يَنْكَبُ نَكَبًا فِي الْمَعْنَى، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ (^٣): (بسيط)
هَيْفٌ يَمَانِيَةٌ فِي مَرِّهَا نَكَبُ (^٤)
وَالْأَدَبُ: مَصْدَرُ أَدِبَ الرَّجُلُ، يَأْدَبُ أدَبًا، إِذَا بَرَعَ فِي حِلْمٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ ظُرْفٍ.
قوله: "وَعَنِ اسْمِهِ مُتَطَيِّرِينَ" (^٥).
أَيْ مُتَشَائِمِينَ بِهِ، مِنْ لَفْظِ الطِّيَرَةِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُمْ يَتَطَيَّرُونَ مِنَ الْأَدَبِ وَيَرَوْنَهُ حَرْفًا وَشُؤْمًا، وَيَقُولُونَ لِصَاحِبِهِ: أَدْرَكَتْهُ حِرْفَةُ الْأَدَبِ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (بسيط)
مَا ازْدَدْتُ مِنْ أَدَبِي حَرْفًا أُسَرُّ بِهِ … إِلَّا تَزَيَّدْتُ حَرْفًا تَحْتَهُ شُؤْمُ
كَذَاكَ مَنْ يَدَّعِي حِذْقًا بِصَنْعَتِهِ … أَنَّى تَوَجَّهَ فِيهَا فَهُوَ مَحْرُومُ (^٦)
والحُرْفَا وَالْحِرْفَةُ: الْحِرْمَانُ، إِذْ ضَمَمْتَ الْحَاءَ حَذَفْتَ، وَإِذَا كَسَرْتَهَا أَثْبَتَّهَا.
_________________
(١) سورة يوسف (١٢): الآية ١٠٨.
(٢) سورة المؤمنون (٢٣): الآية ٧٥.
(٣) ذو الرمة غيلان بن عقبة بن نهيس، أبو الحارث، شاعر من فحول الطبقة الثانية، توفي سنة (١١٧ هـ)، وله ديوان شعر. الشعر والشعراء: ٥٢٤؛ جمهرة أشعار العرب: ٢١٧؛ وفيات الأعيان: ١/ ٤٠٤؛ الخزانة: ١/ ١٠٦؛ الأعلام: ٥/ ١٢٤.
(٤) صدره: وصوح البقل ناج تجيء به وهو في ديوانه: ٥٤؛ وسمط اللآلئ: ١/ ٨١ - ل (صوح)؛ الأزمنة: ٢/ ٧٩؛ الأنواء: ١٦١.
(٥) أدب الكتاب: ٥
(٦) البيتان بدون نسبة في: عيون الأخبار: ٢/ ١٢٤، ورواية البيت الأخير: إن المقدم في حذق بصنعته.
[ ٢ / ١٩ ]
ز: "وَاشْتِقَاقُ الطِّيَرَةِ مِنْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّيَرَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا يَكْرَهُهُ اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَأَسْرَعَ التَّبَاعُدَ عَنْهُ، فَشُبِّهَ سُرْعَةُ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ بِالطَّيَرَانِ.
وَالْآخَرُ: وَهُوَ الْأَصْلُ، أَنَّ العَرَبَ كانَتْ تَزْجِرُ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ، وَتَتَفَاءَلُ بِهَا فَتَتَبَرَّكُ بِبَعْضِهَا، وَتَتَشَاءَمُ بِبَعْضِهَا، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الطِّيَرَةِ فَقَالَ: (تَفَاءَلُوا وَلَا تَطيَّرُوا) (^١).
ط: وَالنَّاشِئُ (^٢): الصَّغِيرُ، وَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ نَشَأَ، يَنْشَأُ، فَهُوَ نَاشِئٌ أَيْ مُبْتَدِئٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ كَذَا: ابْتَدَأَ، وَجَمْعُ النَّاشِئِ، نَشَأَةٌ، كَمَا يُقَالُ: كَافِرٌ وَكَفَرَةٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا: نَاشِئٌ وَنَشأٌ مثل: حَارِسٍ وَحَرَسٍ" (^٣) قال نُصَيْبُ (^٤): (وافر)
وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ صَبَا نُصَيْبٌ … لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغَارُ (^٥)
وَرَاغِبٌ عَنِ التَّعَلُّمِ (^٦): تَارِكٌ لَهُ، يُقَالُ: رَغَبْتُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا تَرَكْتُهُ وَزُلْتُ عَنْهُ. وَرَغِبْتُ فِيهِ: حَرَصْتُ عَلَيْهِ، والشَّادِي: الذِي قَدْ شَدَا شَيْئًا، أَيْ نَالَ مِنَ الْأَدَبِ طَرَفًا، يُقَالُ: شَدَا، يَشْدُو. وَيُقَالُ لِطَرَفِ كُلِّ شَيْءٍ: شَدَا. قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل)
فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ … لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الْمَلَاوِيَا (^٧)
_________________
(١) الحديث بلفظ آخر في: مسند الإمام أحمد: ١/ ٢٥٧.
(٢) أدب الكتاب: ٥.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٤٠.
(٤) نصيب بن رباح، أبو محجن، مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر فحل، توفي سنة (١٠٨ هـ). الشعر والشعراء: ٤١٠؛ الأغاني: ٣٢٤١؛ معجم الأدباء: ٧/ ٢١٢. الأعلام: ٨/ ٣١.
(٥) شعره: ص ٤٣؛ الأغاني: ١٦/ ١٠٩.
(٦) أدب الكتاب: ٥.
(٧) البيت لقيس بن الملوح في ديوانه: ٣١٣، روايته: شدا، ل (شذا- شدا).
[ ٢ / ٢٠ ]
وَالشَّادِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُغَنِّي، يُقَالُ: شَدَا، يَشْدُو، إِذَا غَنَّى. وَالشَّذَا، بِالدَّالِ الْمُعْجَمَةِ: حَدُّ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالازْدِيَادُ (^١): افْتِعَالٌ مِنَ الزِّيَادَةِ وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ، وَأَصْلُهُ ازْتيَادٌ، أُبْدِلَ مِنَ التَّاءِ دَالًّا لِتُوَافِقَ الزَّايَ فِي الْجَهْرِ لِتَشاكُلِ اللَّفْظِ.
وَعُنْفَوَانُ الشَّبَابِ وَكُلِّ شَيْءٍ: أَوَّلُهُ. وَالنَّاسِي: الْمَطْبُوعُ عَلَى النِّسْيَانِ، والْمُتَنَاسِي: الْمُتَغَافِلُ حَتَّى يَنْسَى، أَيْ يُظهِرُ النِّسْيَانَ وَلَيْسَ بِنَاسٍ نِفَارًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ. قال أَبُو تَمَّامٍ (^٢) فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا: (بسيط)
لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ … وَلَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي (^٣)
وَاللَّامُ فِي قوله: لِيَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ الْمَجْدُودِينَ (^٤) تُسَمَّى لَامَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِكَ: جِئْتُ لِأَضْرِبَ زَيْدًا، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ جِئْتَ؟ أَوْ تَوَقَّعَ أنْ يُطَالَبَ بِعِلَّةِ مَجِيئِهِ، فَقَالَ: لِأَضْرِبَ زَيْدًا.
يُريدُ أَنَّ الْمُتَأَدِّبَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَهْلَ الْأَدَبِ مَحْرُومُونَ مُحَارَفُونَ عَنِ الرِّزْقِ، فَهُوَ يَتَنَاسَى الْأَدَبَ فِرَارًا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَتِهِمْ. وَالْمَجْدُودُ: ذُو الْجَدِّ، وَهُوَ السَّعْدُ وَالْبَخْتُ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَجْدُودٌ وَمَحْظُوظٌ وَحَظِيظٌ، مِنَ الْحَظِّ، وَقَدْ جُدَّ جَدًّا. وَالْمَحْدُودُ: الْمَحْرُومُ، مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَدَدْتُهُ عَنِ الشَّيْء إِذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ، أَيْ: الْمَمْنُوعُ الرِّزْقَ، وَأَصْلُ الْحَدِّ: الْمَنْعُ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَحْصِرُ الْمَحْدُودَ، وَحُدُودُ اللهِ لأَنَّهَا مَنْعٌ لِلْمَحْدُودِ مِنَ الدُّخُولِ فِيمَا عُوقِبَ عَلَيْهِ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَانِعٍ لِشَيْءٍ حَدَّادًا، كَحَاجِبِ السُّلْطَانِ وَبَوَّابِهِ. وَسَمَّى الْأَعْشَى الْخَمَّارَ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ الْخَمْرَ إِلَّا بِثَمَنِهَا، فَقَالَ: (متقارب)
_________________
(١) أدب الكتاب: ٥.
(٢) حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمام، الشاعر الأديب، أحد أمراء البيان، توفي سنة (٢٣١ هـ)؛ الوفيات: ١/ ١٢١؛ الخزانة: ١/ ٣٥٦؛ تاريخ بغداد: ٨/ ٢٤٨؛ الأعلام: ٢/ ١٦٥.
(٣) البيت في ديوانه: ١/ ٨١؛ محاضرة الأدباء: ١/ ٢٦.
(٤) أدب الكتاب: ٥.
[ ٢ / ٢١ ]
فَقُمْنَا وَلَمَّا يَصِحْ دِيكُنَا … إِلَى جَوْنَةٍ عِنْدَ حَدَّادِهَا (^١)
وَسُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا، لِامْتِنَاعِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِيهِ. وَأَرَادَ بِالْمَجْدُودِينَ، أَهْلَ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالْمَحْدُودِينَ أَهْلَ الْأَدَبِ الَّذِينَ حُدُّوا عَنِ الرِّزْقِ، أَيْ مُنِعُوا مِنْهُ.
وقوله: "فَالْعُلَمَاءُ مَغْمُورُونَ" (^٢):
ط: "كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ يَرْوِيهِ بِالرَّاءِ، وَكَانَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ (^٣) يَرْوِيهِ بِالزَّاي، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، مَنْ رَوَاهُ بِالرَّاءِ فَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: غَمَرَهُ الْمَاءُ: إِذَا غَطَّاءُ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَغْمُورٌ، إِذَا كَانَ خَامِلَ الذِّكْرِ، يُرَادُ أَنَّ الْخُمُولَ قَدْ أَخْفَاهُ وَغَطَّاهُ كَمَا يَغْمُرُ الْمَاءُ الشَّيْءَ، أَيْ: يُغَطِّيهِ. وَمَنْ رَوَاهُ مَعْمُوزُونَ بِالزَّايِ، فَمَعْنَاهُ: مَطْعُونٌ عَلَيْهِمْ، مِنْ قَوْلِكَ: غَمَزْتُ الرَّجُلَ: إِذَا عِبْتَهُ وَطَعَنْتَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يُبَدَّعُونَ وَيُكَفَّرُونَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ (^٤) " (^٥)
من قول رسول الله ﷺ: (النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا) (^٦).
وَكَرَّةُ الْجَهْلِ (^٧): دَوْلَتُهُ، ومنه قوله ﷿: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ
_________________
(١) ديوانه: ١١٩.
(٢) أدب الكتاب: ٥.
(٣) أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز، مولى بني أمية الإشبيلي، المعروف بابن القوطية، إمام في اللغة، روى عن قاسم بن أصبع، وصحب القالي وتتلمذ له، كان أحد أعلام المالكية، ألف كتاب الأفعال والمقصور والممدود. ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس: ٢/ ٧٨؛ إنباه الرواة: ٣/ ١٧٨؛ اليتيمة ٢/ ٧٤؛ الديباج المذهب: ٢٦٢؛ الوفيات: ٤/ ٢٦٨؛ ترتيب المدارك: ٤/ ٥٥٣.
(٤) صدره: قيمة المرء ما قد كان يحسنه والبيت لعلي ﵁ في ديوانه: ٧؛ نهج البلاغة: ١٥/ ٤١٩.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٤١.
(٦) لم نقف على هذا الحديث. وهو مثل ينسب للإمام علي كرّم الله وجهه: في الإعجاز والإيجاز: ١/ ٤؛ زهر الآداب: ١/ ١٨؛ جمهرة الأمثال: ١/ ١٩٩.
(٧) أدب الكتاب: ٥.
[ ٢ / ٢٢ ]
عَلَيْهِمْ﴾ (^١)، أي الدَّوْلَةَ، وَأَصْلُهَا مَصْدَرُ: كَرَّ، يَكُرُّ فِي الْحَرْبِ، كَرًّا وَكَرَّةً: إِذَا حَمَلَ بَعْدَ انْهِزَامٍ، يُرِيدُ أَنَّ دَوْلَةَ الْجَهْلِ قَمَعَتْهُمْ وَأَذَلَّتْهُمْ، يقال: قَمَعْتُ الرَّجُلَ: إذَا أَذْلَلْتَهُ وَصَرَفْتَهُ عَمَّا يُرِيدُهُ.
وقوله: "حِينَ نَوَى نَجْمُ الْخَيْرِ" (^٢):
أَيْ سَقَطَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسُبُ الأَنْوَاءَ إلى مَنَازِلِ القَمَرِ الثَّمَانِي والعِشْرِينَ، وَمَعْنَى النَّوْءِ: سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وطُلُوعُ نَجْمٍ آخَرَ يُقَابِلُهُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي الْمَشْرِقِ، وَسُمِّيَ نَوْءًا لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ الْغَارِبُ نَاءَ الطَّالِعُ، يَنُوءُ نَوْءًا. وَكُلُّ نَاهِضٍ بِثِقَلٍ فَقَدْ نَاءَ. وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ النَّوْءَ سُقُوطَ النَّجْمِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَكَانُوا إِذَا سَقَطَ مِنْهَا نَجْمٌ وَطَلَعَ آخَرُ فَحَدَثَ عِنْدَ ذَلِكَ مَطَرٌ أو رِيحٌ أو بَرْدٌ أو حَرٌّ، نَسَبُوهُ إِلَى السَّاقِطِ، إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الذِي بَعْدَهُ، وإذا سَقَطَ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ سُقُوطِهِ مَطَرٌ وَلَا رِيحٌ وَلَا بَرْدٌ، وَلَا حَرٌّ، قِيلَ: خَوَى نَجْمُ كَذَا، وَأَخْوَى، يُقَالُ: خَوَى، وأَخْوَى، وخَوَاءً، فَضَرَبَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَثَلًا لِذَهَابِ الخَيْرِ كَمَا ضَرَبَ "كَسَادَ السُّوقِ" لِزَهَادَةِ النَّاسِ فِي الْبِرِّ. وَالْأَشْهَرُ فِي السُّوقِ التَّأْنِيثُ، وَقَدْ حُكِي فِيهَا التَّذْكِيرُ، أَنْشَدَ الفَرَّاءُ (^٣): (طويل)
بِسُوقٍ كَثِيرٍ رِيحُهُ وَأَعَاصِرُهْ (^٤)
_________________
(١) سورة الإسراء (١٧): الآية ٦.
(٢) أدب الكتاب: ٦
(٣) يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، مولى بني أسد، أبو زكرياء، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، ولد بالكوفة سنة (١٤٤ هـ)، وانتقل إلى بغداد وتوفي في طريق مكة سنة (٢٠٧ هـ). تاريخ بغداد: ١٤/ ١٤٩؛ نزهة الألباء: ٩٨؛ إنباه الرواة: ٢/ ٢٢؛ الإرشاد: ٧/ ٢٧٦؛ التهذيب: ١١/ ٢١٢؛ الوفيات: ٢/ ٢٢٨؛ بغية الوعاة: ٢/ ٣٣٣؛ الأعلام: ٨/ ١٤٥.
(٤) صدره: ألم يعظ الفتيان ما صار لمتي البيت في الغريب المصنف: ٤٠٥؛ الإصلاح: ٣٦٢؛ المخصص: ١٧/ ٢١ - ل (سوق).
[ ٢ / ٢٣ ]
وَسُمِّيَتْ سُوقًا لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ تُسَاقُ إِلَيْهَا، وقيل: سُمِّيَتْ سُوقًا لِقِيَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى سُوقِهِمْ.
وَالْبِرُّ: الْخَيْرُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: "وَبَارَتْ بَضَائِعُ أَهْلِهِ" (^١).
ط: "الْبَوْرُ: الْهَلَاكُ، يُقَالُ: بَارَ الشَّيءُ يَبُورُ بَوْرًا: إِذَا هَلَكَ، بِفَتْحِ البَاءِ، فإِذا وَصَفْتَ بِهِ قُلْتَ: رجل "بُورٌ" بضم البَاءِ، وبَائِرٌ" (^٢).
قال ابْنُ الزِّبَعْرَى (^٣): (خفيف)
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ (^٤)
وَيُقالُ: قَوْمٌ بُورٌ. قال الله ﷿: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (^٥) أَيْ هَلْكَى.
ط: "وَالْبَضَائِعُ: الْأَمْوَالُ التي يَحْمِلُهَا التُّجَّارُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ للتِّجَارَةِ، وَاحِدَتُهَا بِضَاعَةٌ، وَقَدْ تَكون البَضَائِعُ الْمَالَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْبَضْعِ"، وَهُوَ الْقَطْعُ، يُرَادُ أنها قِطْعَةٌ مِنَ الْمَالِ، فَجَعَلَ العِلْمَ لِلْعَالِم بِمَنْزِلَةِ الْبِضَاعَةِ لِلتَّاجِرِ. يقال: هَلَكَتْ بَضَائِعُ العُلَمَاءِ التِي اسْتَبْضَعُوهَا مِنَ العِلْمِ حِينَ لَمْ يَجِدُوا لَهَا طَالِبًا" (^٦).
أَبُو عَلَي: بَارَتْ السُّوقُ: كَسَدَتْ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْهَلَاكِ. وَالْفَضْلُ: الزِّيَادَةُ.
ط: "وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَرْتَهُ عَلَى آخَرَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَهُ مُشَارِكًا فِيهِ، فَهُوَ وَقْفٌ
_________________
(١) أدب الكتاب: ٦.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٤٤.
(٣) عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد، شاعر قريش، أسلم ومدح الرسول-ﷺ، توفي نحو (١٥ هـ). طبقات الشعراء: ٢٣٥؛ الأغاني: ١/ ٣ - ١٤؛ الأعلام: ٤/ ٨٧؛ الإصابة: ٢/ ٣٠٨.
(٤) البيت في ديوانه: ٣٦. وفي الأمالي: ٢/ ٢١٣؛ السمط: ٣٨٧؛ الأغاني: ١٥/ ١٣٨؛ الحماسة المغربية: ٨٠.
(٥) سورة الفتح (٤٨): الآية ١٢.
(٦) الاقتضاب: ١/ ٤٤.
[ ٢ / ٢٤ ]
عَلَيْهِ. تَقُولُ: مَوَدَّتِي وَقْفٌ عَلَيْكَ، وَمِنهُ. قِيلَ: لِمَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقْفٌ" (^١)
ز: "وَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا، بِلا أَلِفٍ" (^٢).
ط: يقال: وَقَفَ الْمُلُوكَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لَا يَصْرِفُونَهَا فِي عِلْمٍ، إِنَّمَا يَصْرِفُونَهَا فِي مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ [وَمَرَاكِبِهِمْ] (^٣) وَمَنَاكِحِهِمْ، لا فَضْلَ فِيهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ" (^٤).
قوله: "وَالْجَاهُ الذِي هُوَ زَكَاةُ الشَّرَفِ" (^٥):
ز: "الْجَاهُ" وَزْنُهُ فَعَلٌ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَهُوَ الحُرْمَةُ، وَزَكَاتُهُ: بَذْلُهُ" (^٦).
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَهُوَ مَقْلُوبٌ مِنَ الْوَجْهِ، وَاسْتَدَلَّ على ذلك بِقَوْلِهِمْ: وَجُهَ الرَّجُلُ، فَهُوَ وَجِيهٌ: إِذَا كَانَ ذَا جَاهٍ، وَيُقَالُ: لَهُ جَاهٌ فِي النَّاسِ، وَوَجْهٌ بِمَعْنَى. وجمع الْجَاهِ: أَجْوَاهٌ، وَجِوَاهٌ، وَجِيَاهٌ.
ط: "والْخَلَقُ (^٧): ضِدُّ الْجَدِيدِ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُبْتَذَلٌ يَنَالُهُ كُلُّ مَنْ يُرِيدُهُ، بَعْدَ أنْ كَانَ لا يَنَالُهُ إِلَّا الأَشْرَافُ. والْخَلَقُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، وَالمُذَكَّرِ والْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى المَصْدَرِ، وقد يُثَنَّى وَيُجْمَعُ، فيقال: ثِيَابٌ أَخْلَاقٌ؛ لأنه يُوصَفُ بِهِ، فَيُجْرَى مَجْرَى الأَسْمَاءِ. وَقَدْ قالوا: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ فَوَصَفُوا بِهِ الْوَاحِدِ، قَالَ الكَسَائِيُّ: أَرَادُوا أَنَّ نَوَاحِيهِ أَخْلَاقٌ، فلذلك جَمَعَ، قال الراجز: (رجز)
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٤٤.
(٢) فعلت وأفعلت للزجاج: ٩٤.
(٣) الكلمة مشطوبة من الأصل (خ) والزيادة من الاقتضاب.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٤٥.
(٥) أدب الكتاب: ٦.
(٦) تفسير الزجاجي: ٩٤.
(٧) أدب الكتاب: ٦.
[ ٢ / ٢٥ ]
جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلَاقْ … شَرَاذِمُ يَضْحَكُ مِنْهَا التَّوَّاقْ (^١) " (^٢)
ط: "وآضَتِ المُرُوآتُ (^٣): أي رَجَعَتْ، يُقال: آضَ، يَئِضُ أَيْضًا، وَمِنْهُ قيل: فَعَلَ ذلك أَيْضًا، أي فَعَلَهُ عَوْدًا" (^٤).
"والمُرُوءاتُ: هِي الْخِصَالُ الْجَمِيلَةُ التي يَعْمَلُ بِهَا الْإِنْسَانُ فَتَتِمُّ بها إِنْسَانِيَّتُهُ" عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ الْقَوْطِيَّةِ (^٥).
وقال قوم: المُرُوءَةُ مِنَ المَرْءِ، كالرُّجُولَةِ مِنَ الرَّجُلِ، يريدون أنه مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ.
وذلك غلط؛ لأَنَّهُمْ قَدْ قالوا: مَرْؤَ الرَّجُلَ: إذا حَسنَتْ هَيْأَتُهُ وَعَفَافُهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَالْمُرُوءَةُ مَصْدَرُ مَرْؤَ بِمَنْزِلَةِ السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ مَصْدَرُ: سَهُلَ وَصَعُبَ.
وَاشْتِقَاقُهَا عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرُؤَ الطَّعَامُ وَمَرِئَ، فَهُوَ مَرِيءٌ، إِذَا سَاغَ لآكِلِهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ، ومنه: كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا، فَتَأْوِيلُ الْمَرُوءَةِ: الخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ، والأخْلاقُ الجَمِيلَةُ التي تُحَبِّبُ الإِنْسَانَ إلى الناسِ حتى تصِيرَ حُلوًا في نُفُوسِهِمْ خَفِيفًا عَلَيْهِمْ.
ز: "قوله: "فِي زَخَارِفِ النَّجْدِ" (^٦): الكلام.
زَخَارِفٌ: جَمْعُ زُخْرُفٍ: وَهُوَ الزِّينَةُ، وَأَصْلُهُ الذَّهَبُ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (^٧). ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُزَيِّنٍ وَمُحَسِّنٍ زُخْرُفًا
_________________
(١) البيت لأحد الأعراب، وهو في الخزانة: ١/ ٢٣٤؛ المزهر: ١/ ٣٣٣؛ اللسان (شرذم - توق) رايته: يعجب منها.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٤٥.
(٣) أدب الكتاب: ٦.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٤٥.
(٥) الأفعال لابن القوطية: ٤٥.
(٦) أدب الكتاب: ٦.
(٧) سورة الإسراء (١٧): آية ٩٣، في (خ) نبتا.
[ ٢ / ٢٦ ]
وَمُزَخْرَفًا" (^١).
ط: "وَالنَّجْدُ: ما يُزَيَّنُ بِهِ الْبَيْتُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبُسْطِ وَالثِّيَابِ، يقال: نَجَدْتُ الْبَيْتَ تَنْجِيدًا، قال ذُو الرُّمَّةِ: (بسيط)
حَتَّى كَأَنَّ رِيَاضَ الْقُفِّ أَلْبَسَهَا … مِنْ وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وَتَنْجِيدُ (^٢) " (^٣)
ويقال للذي يَفْرِشُ الْبُيُوتَ: النَّجَّادُ وَالْمُنَجِّدُ، وَيُقَالُ لِعَصَاهُ الَّتِي يَنْفُضُ بِهَا: الْمِنْجَدَةُ.
ز: "النَّجْدُ: مَا نُجِدَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ، أَيْ نُضِدَ وَرُفِعَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ النَّجْدِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ" (^٤).
ط: "وَتَشْيِيدُ الْبُنْيَانِ (^٥): رَفْعُهُ وَإِطَالَتُهُ، وَيُقَال: تَجْصِيصُهُ، وَيُقَالُ لِلْجِصِّ: الشِّيدُ. قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (^٦) " (^٧).
وَلَذَّاتُ النُّفُوسِ (^٨)، مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى المُرُوءَاتِ؛ أَي وَآضَتْ لَذَّاتُ النُّفُوسِ.
وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ (^٩): ضَرْبُهَا بِالْأَكُفِّ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الصَّفْقِ، وَالطَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءِ الْافْتِعَالِ لِتُوَافِقَ الصَّادَ فِي الْاسْتِعْلَاءِ وَيَتَجَانَسَ الصَّوْتُ
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ٩٥.
(٢) ديوانه ق ٤٦/ ب ٢٣ - ٢/ ١٣٦٦؛ غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ١٤٤ - ٣٦١؛ الأمالي: ١/ ٢٦؛ سمط اللآلئ: ١١٧؛ التنبيهات: ٣٠٠؛ اللسان (عبقر) (نجد).
(٣) الاقتضاب: ١/ ٤٦.
(٤) تفسير الزجاجي: ٩٥.
(٥) أدب الكتاب: ٦.
(٦) سورة النساء (٤): الآية ٧٧.
(٧) الاقتضاب: ١/ ٤٦.
(٨) أدب الكتاب: ٦.
(٩) أدب الكتاب: ٦.
[ ٢ / ٢٧ ]
وَلَا يَتَنَافَرَ. وَالْمِزْهَرُ: الْعُودُ، أُخِذَ مِنَ الزَّهِيرِ وَهُوَ الصَّوْتُ.
وَقَالَ شَبْرُمَةُ بْنُ الطُّفَيْلِ (^١): (طويل)
وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ … دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ (^٢)
ز: "وَمُعَاطَاةُ النَّدْمَانِ (^٣): مُنَاوَلتُهُ الْكَأْسَ، وَالْأَخْذُ مِنْهُ، وَالْمُفَاعَلَةُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَالنَّدْمَانُ: وَاحِدُ النَّدَامَى، كَسَكْرَانٍ وَسَكَارَى، وَالنَّدِيمُ مِثْلُهُ، وَجَمْعُهُ نُدَماءُ، مِثْلَ: ظَرِيفٍ وَظُرَفَاءٍ، وَقَالُوا: نِدَامٌ، كَمَا قَالُوا: ظِرَافٌ. قال الشاعر: (وافر)
وَنَدْمَانٍ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا … سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَيَّرَتِ النُّجُومُ (^٤) " (^٥)
د: ابن السِّكِّيتِ (^٦): يُقَالُ: هُوَ نَدِيمِي، وَهُمْ نُدَمَائِي وَهُوَ نَدْمَانِي، اَلْجَمْعُ كَالْوَاحِدِ" (^٧) وفي كتاب "العين" مِثْلُهُ: هُوَ نَدْمَانُهُ وَهُمْ نَدْمَانُهُ.
قوله: "وَنُبِذَتِ الصَّنَائِعُ" (^٨):
أيْ: تُرِكَتْ وَطُرِحَتْ، وَالصَّنَائِعُ: جَمْعُ صَنِيعَةٍ، وَهِيَ مَا اصْطَنَعْتَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ خَيْرٍ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ صَنِيعَةٌ لِفُلَانٍ: إِذَا كَانَ يُؤْثِرُهُ وَيُقَرِّبُهُ. وَيُقَالُ:
_________________
(١) لم نعثر له على ترجمة، وكذا قال: عبد السلام هارون في تحقيق شرح حماسة المرزوقي ص ٧٠٣.
(٢) والبيت في شرح ديوان الحماسة: ٢/ ١٢٦٩ روايته: ويوم شديد الحر … واصطكاك سمط اللآلئ ٩٣٨.
(٣) أدب الكتاب: ٦.
(٤) البيت للبرج بن مسهر الطائي، وهو في الحماسة: ٣/ ١٣٥؛ والمغني: ١٣٠، وروايته: تغورت؛ الاشتقاق الزجاجي: ٣٩.
(٥) تفسير رسالة أدب الكتاب الزجاجي: ٩٦.
(٦) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، من أكابر أهل اللغة، أدب المتوكل، وأخذ عن أبي عمرو وابن الأعرابي، توفي سنة (٢٤٣ هـ). تاريخ بغداد: ١٤/ ٢٧٣؛ وفيات الأعيان: ٦/ ٣٩٥؛ نزهة الألباء: ١٧٨؛ معجم الأدباء: ٢٠/ ٥٠؛ الأعلام: ٩/ ٢٥٥.
(٧) تهذيب الألفاظ: ٢٢٣.
(٨) أدب الكتاب: ٦.
[ ٢ / ٢٨ ]
قَدْرٌ وَقَدَرٌ بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَعْرُوفُ: اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ حَسَنٍ قَدْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مَعْرُوفًا؛ لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ. وَالْخَوَاطِرُ (^١): الْأَذْهَانُ وَاحِدُهَا خَاطِرٌ، وَحَقِيقَةُ الْخَاطِرِ مَا يَخْطِرُ بِبَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
وقوله: "وَزُهِدَ فِي لِسَانِ الصِّدْقِ وَعُقَدِ الْمَلَكُوتِ" (^٢):
ط: "لِسَانُ الصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُ الْحَقِّ، والثاني: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ. قال الله ﵎: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (^٣). وَهُوَ الذِي أَرَادَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: وَيُسْعِدُهُ بِلِسَانِ الصِّدْقِ فِي الْآخِرِينَ (^٤)، أي إِنَّ النَّاسَ زَهَدُوا فِي قَوْلِ الحقِّ أو فِي مَا يَبْنِي لَهُمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ" (^٥).
ز: "وكان الأَخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ (^٦) يَرْوِي: وعَقدِ الْمَلَكُوتِ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ يَجْعَلُهُ مَصْدَرَ عَقَدْتُ عَقْدًا. وَكَان أَبُو الْقَاسِمِ الصَّائِغُ (^٧) يَرْوِيهِ عَنْهُ: وعُقْدِ الْمَلَكُوتِ، يَجْعَلُهُ جَمْعَ عُقْدَةٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ" (^٨).
ط: "وهكذا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنِ القَوْطِيَّةِ" (^٩).
وَأَصْلُ الْعُقْدَةِ فِي اللُّغَةِ: الضَّيْعَةُ، يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ أَصْلَ مَالٍ، يقال:
_________________
(١) نفسه.
(٢) نفسه.
(٣) سورة الشعراء (٢٦): الآية ٨٤.
(٤) أدب الكتاب: ٦.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٤٨.
(٦) علي بن سليمان بن الفضل النحوي، أبو الحسن من أهل بغداد، نحوي كبير، أقام بمصر حينًا ثم عاد إلى بغداد وتوفي بها سنة (٣١٥ هـ)، إنباه الرواة: ٢/ ٢٧٦؛ وفيات الأعيان: ٢/ ٣٠١؛ بغية الوعاة: ٢/ ١٦٧؛ الأعلام: ٤/ ٢٩١.
(٧) لم نقف على ترجمته.
(٨) تفسير الزجاجي: ٩٦.
(٩) الاقتضاب: ١/ ٤٨.
[ ٢ / ٢٩ ]
اعْتَقَدَ، إِذَا اتَّخَذَ أَصْلَ مَالٍ يَتْرُكُهُ لِعَقِبِهِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيضًا: نَشَبٌ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الإِنْسَانَ مِنَ الرَّحيل والانْتِقَالِ وَتَنْشِبُهُ، وتُسَمَّى أَعْمَالُ البِرِّ وَالْخَيْرِ عُقَدًا لِأَنَّهَا ذَخَائِرُ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ عِنْدَ رَبِّهِ، ويَعْتَقِدُ بها الْمُلْكَ عِنْدَهُ، أَي يَسْتَوْجِبُهُ وَيَنَالُهُ.
والْمَلَكُوتُ (^١): الْمُلْكُ، وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ مِثْلَهُمَا فِي جَبَرُوتٍ وَرَهَبُوبٍ، أَيْ زَهِدَ النَّاسُ فِي أَعْمَالِ البرِّ التي يَنَالُونَ بِهَا الْمَرَاتِبَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى" (^٢).
ع: عُقَدُ الْمَلَكُوتِ خَمْسٌ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالصَّلَاةُ، والصِّيَامُ، والزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَهِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ.
قوله: "فَأَبْعَدُ غَايَاتِ كَاتِبِنَا" الكلام.
ز: "إِنَّما أَنْكَرَ هذا عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ حُسْنَ الخَطِّ نِهَايَةَ كَمَالِهِ، وَقُصَارَى مَرْتَبَتِهِ، فَيُزْهَى بِنَفْسِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فَاقَ أَبْنَاءَ جِنْسِهِ. وَأَمَّا حُسْنُ الْخَطِّ فَمَحْمُودٌ بِالْجُمْلَةِ، إِذَا كَانَ يَتْبَعُهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْكَاتِبِ فِيهِ مُشَارَكَةٌ مِنَ الْمَعَارِفِ لِحُضُورِهِ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ التي يَحْضُرُهَا الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ المُذَاكَرَةِ، وَقَدْ قِيلَ: أَوَّلُ مَعْرِضِ الْكَاتِبِ لِبَاسُهُ ثُمَّ خَطُّهُ ثُمَّ كَلَامُهُ ثُمَّ صِنَاعَتُهُ" (^٣).
وقيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (^٤)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^٥): هِيَ الْخَطُّ الْحَسَنُ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (^٦).
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (الْخَطُّ الْحَسَنُ يَزِيدُ الْحَقَّ وُضُوحًا) (^٧).
_________________
(١) أدب الكتاب: ٦.
(٢) تفسير رسالة أدب الكتاب الزجاجي: ١٠١.
(٣) تفسير رسالة أدب الكتاب الزجاجي: ١٠٢ - ١٠٥.
(٤) سورة الأحقاف (٤٦): الآية ٣.
(٥) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الصحابي الجليل، روى أحاديث كثيرة عن رسول الله. الأعلام: ٤/ ٥٦.
(٦) سورة فاطر (٣٥): الآية ١.
(٧) الحديث في فيض القدير: ٣/ ٦٧٣؛ كنز العمال: ١٠/ ٢٤٤؛ السلسلة الضعيفة: ٨/ ٨٩، وهو في شرح الجواليقي: ٦٢.
[ ٢ / ٣٠ ]
وَقَدْ قِيلَ: "حُسْنُ الْخَطِّ إِحْدَى الْبَلاغَتَيْنِ، وَرَدَاءَةُ الْخَطِّ إِحْدَى الزَّمَانَتَيْنِ" (^١).
وَقَالَ إِقْلِيدَسُ (^٢): "الْخَطُّ هَنْدَسَةٌ رُوحَانِيّةٌ ظَهَرَتْ جَسَدَانِيّةً بِآلَةٍ جِسْمَانِيّةٍ" (^٣).
وَكَذَلِكَ قوله: "وَأَعْلَى مَنَازِلِ أَدِيبِنَا أَنْ يَقُولَ مِنَ الشِّعْرِ أَبيَاتًا" (^٤):
هَذَا أَيْضًا، إِذَا اعْتَقَدَهُ أَفْضَلَ مَرَاتِبِهِ وَأَعْلَى مَنَازِلِهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ آدَابٌ وَفَضَائِلُ وكان الشِّعْرُ بَعْضَ حُلَاهُ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكْسَبًا وَصِنَاعَةً، وَلَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ حِرْفَةً وَبِضَاعَةً فَإِنَّهُ زَائِدٌ فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَنَبَاهَةِ ذِكْرِهِ. وَالْأَدَبُ غَرَضٌ أَدْنَى وَغَرَضٌ أَقْصَى، فَالْأَدْنَى أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُتَأَدِّبِ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدَبِ قُوَّةٌ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى النَّظْمِ وَالنَّثْرِ. وَالْأَقْصَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى فَهْمِ "كِتَابِ اللهِ تَعَالَى"، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﵇ وَصَحَابَتِهِ، وَيَعْلَمَ كَيْفَ تُبْنَى الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا الْأَحْكَامَ وَيُفَرِّعَ الْفُرُوعَ وَيُنَتِّجَ النَّتَائِجَ وَيَقْرُنَ الْقَرَائِنَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَبَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا يَفْعَلُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ. وَفِي الْأَدَبِ لِمَنْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَعْظَمُ مَعُونَةٍ عَلَى فَهْمِ الْكَلَامِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ.
وَأُبَيَّاتٌ: تَصْغِيرُ أَبْيَاتٍ، وَيُرْوَى أَبْيَاتًا عَلَى التَّكْثِيرِ، وَالتَّصْغِيرُ أَشْبَهُ بِغَرَضِهِ الَّذِي قَصَدَهُ فِي ذَمِّ الْمُتَأَدِّبِينَ، وَالْمُرَادُ بِتَصْغِيرِ الْجَمْعِ تَقْلِيلُ عَدَدِهِ.
وَالْقَيْنَةُ (^٥): الْمُغَنِّيَةُ، وَقِيل: إِنَّهُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ أَمَةٍ مُغَنِّيَةٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مُغَنِّيَةٍ.
_________________
(١) شرح الجواليقي لأدب الكتاب: ٦٢.
(٢) إقليدس بن نوقطرس بن برنيقس، فيلسوف رياضي، أول من أظهر الهندسة. له كتب كثيرة ترجم وشرح بعضها. الفهرست: ٣٨٥؛ الملل والنحل: ٣/ ٣١.
(٣) الملل والنحل: ٣/ ٣١.
(٤) أدب الكتاب: ٦. أبياتًا.
(٥) أدب الكتاب: ٦.
[ ٢ / ٣١ ]
ز: قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ (^١): "اشْتِقَاقُهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَانَتِ الْمَرْأَةُ الْجَارِيَةَ: إِذَا زَيَّنَتْهَا، وَاقْتَانَتِ الرَّوْضَةُ: إِذَا ظَهَرَتْ فِيهَا أَنْوَاعُ الْأَزْهَارِ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمَاشِطَةُ مُقنِّيَةً، فَالْقَيْنَةُ عَلَى هَذَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَزَيُّنِهَا وَتَحَسُّنِهَا وَقِيلَ: سُمِّيت قَيْنَةً؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ بِيَدَيْهَا مَعَ غِنَائِهَا وَكُلُّ صَانِع بِيَدِهِ قَيْنٌ" (^٢). وَتَفْسِيرُ ابْنِ دُرَيْدٍ عِنْدِي أَصَحُّ.
ط: "وَالْكَأْسُ (^٣): الْإِنَاءُ، بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَمْرِ، وَلَا يُقَالُ لِلْإِنَاءِ وَحْدَهُ دُونَ خَمْرٍ كَأْسٌ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَائِدَةٌ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا طَعَامٌ، وَإِلَّا فَهِيَ خُوَانٌ، وَلَا يُقَالُ: قَلَمٌ حَتَّى يَكُونَ مَبْرِيًّا، وَإِلَّا فَهُوَ قَصَبَةٌ وَأُنْبُوبٌ" (^٤).
وَحَكَى يَعْقُوبُ "أَنَّهُ يُقَالُ لِلْإِنَاءِ وَحْدَهُ كَأْسٌ" (^٥).
ط: "وَاللَّطِيفُ (^٦)، هَاهُنا: الْمُتَفَلْسِفُ، سُميَ لَطِيفًا لِلُطْفِ نَظَرِهِ وَعُمُوضِهِ فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي تَنْبُو عَنْهَا أَفْهَامُ الْعَامَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْخَاصَّةِ" (^٧).
وَيَعْنِي بِالْقَضَاءِ (^٨)، الْحُكْمَ بِدَلَائِلِ النُّجُومِ.
وَحَدُّ الْمَنْطِقِ (^٩): مُقَدَّمَةٌ لِلْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ كَمَا أَنَّ النَّحْوَ مُقَدَّمَةٌ لِلْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ، وَمَحَلُّ هَذَا فِي المَعْقُولَاتِ، وَمَحَلُّ هَذَا فِي الْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَاتِ،
_________________
(١) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من قحطان، إمام اللغة والأدب، توفي سنة (٣٢١ هـ). معجم الأدباء: ٦/ ٤٨٣؛ الوفيات: ١/ ٤٩٧، لسان الميزان: ٥/ ١٣٢؛ تاريخ بغداد: ٢/ ٥؛ الأعلام: ٦/ ٨٠.
(٢) الجمهرة، مادة (قني): ٣/ ١٦٨.
(٣) أدب الكتاب: ٦.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٥٠.
(٥) الأضداد لابن السكيت: ٢٠٠؛ الأضداد للأصمعي: ٤٦.
(٦) أدب الكتاب: ٦.
(٧) الاقتضاب: ١/ ٥١.
(٨) أدب الكتاب: ٦.
(٩) أدب الكتاب: ٦.
[ ٢ / ٣٢ ]
وَقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ فِي بَعْضِ الْأَعْرَاضِ. وَتَقْوِيمُ الكَوَاكِبِ (^١): تَعْدِيلُهَا.
وقوله: "فُلَانٌ رَقِيقٌ" (^٢):
ط: "الرِّقَّةُ: ضِدُّ الْخُشُونَةِ، وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الرَّحْمَةُ وَالْإِشْفَاقُ. يقال: رَقَّتْ لَهُ نَفْسِي: يريدون بِذَلِكَ ذَهَابَ الْخُشُونَةِ وَالْقَسُوَةِ. والثاني: حَلَاوَةُ الشَّمَائِلِ، يقال: فلانٌ رَقِيقُ الْحَوَاشِي، يُرِيدُونَ ذَهَابَ الْغَلِظِ وَالْجَفَاءِ عَنْهُ. والثالثُ: الحُسْنُ والجَمَالُ، ولذلك قَالُوا لِبَائِعِ الْخَدَمِ: بَائِعُ الرَّقِيقِ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ: دَقِيقٌ بالدَّالِ مِنْ دِقَّةِ النَّظَرِ وَغُمُوضِهِ. وَقد رواه قَوْمٌ "رَفِيقٌ" بالفاء وهو مِثْلُ اللَّطِيفِ" (^٣).
وقوله: "وَمِمَّا عِنْدَهُ" (^٤):
يعني: الْجَنَّةَ وَالمَعَادَ. والرَّعَاعُ (^٥): سُقَّاطُ النَّاسِ وَسَفِلَتُهُمْ. والرَّعَاعُ مِنَ الطَّيْرِ: كلُّ مَا لَا يَصِيدُ وَلَا يُصَادُ. والغُثَاءُ (^٦): مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنَ الزِّبْلِ. والغُثْرُ (^٧): الْجُهَّالُ الْأَغْبَيَاءُ، وَاحِدُهُمْ أَغْثَرٌ، والغُثْرَةُ: غُبْرَةٌ تُخَالِطُهَا كُدْرَةٌ حَتَّى تُقَارِبَ السَّوَادَ. ويقال: كِسَاءٌ أَغْثَرٌ وَأَكْسِيَةٌ غُثْرٌ، إِذَا كَثُرَ صُوفُهَا حَتَّى تَخْشُنَ وَتَخْرُجَ عَنِ الْاعْتِدَالِ، ويقال لِسَفِلَةِ النَّاسِ: الغَثْرَاءُ والدَّهْمَاءُ.
د: في حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (^٨) ﵀ قال: "أُحِبُّ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ وأُحِبُّ الغَثْرَاءَ" (^٩).
_________________
(١) نفسه.
(٢) نفسه.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٥١.
(٤) أدب الكتاب: ٦.
(٥) نفسه.
(٦) نفسه.
(٧) نفسه.
(٨) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، أبو ذر: صحابي جليل من كبار الصحابة، قديم الإسلام توفي سنة (٣٢ هـ)؛ حلية الأولياء: ١/ ١٥٦؛ صفة الصفوة: ١/ ٢٣٨؛ الإصابة: ٧/ ٦٠؛ الأعلام: ٢/ ١٤٠.
(٩) غريب الحديث للخطابي: ٢/ ٢٧٦.
[ ٢ / ٣٣ ]
أراد بهم عَامَّةَ النَّاسِ وَدَهْمَاءَهُمْ، وَأَرَادَ بِالْمَحَبَّةِ الْمُنَاصَحَةَ لَهُمْ. وسُمُّوا الغَثْرَاءَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، يقال: شاة غَثْرَاءٌ: إذا كانت كَثِيرَةَ الصُّوفِ، وَكِسَاءٌ أَغْثَرُ: إذا غَلُظَ صُوفُهُ وكَثُرَ زِئْبِرُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: سُمِّيَتِ العَامَّةُ الْغَثْرَاءِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، يقال: رَجُلٌ أَغْثَرٌ، إِذَا كَانَ جَاهِلًا، وَامْرَأَةٌ غَثْرَاءٌ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.
ع: والْأَغْثَرُ أيضًا مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُشَبِّهَ سَفِلَةِ النَّاسِ بِها كَمَا شبهها بِالرَّعَاعِ، وهي صِغَارُ الطَّيْرِ. وقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" أَنَّ عُثْمَانَ (^١) قَالَ حِينَ تَنَكَّرَ لَهُ النَّاسُ: "إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ رِعَاعٌ غَثَرَةٌ" (^٢).
قوله: "وَهِيَ بِهِ أَلْيَقُ" (^٣):
ط: "أَيْ أَلْصَقُ، يقال: هَذَا أَمْرٌ لَا يَلِيقُ بِكَ: أَي لَا يَلْصَقُ ولا يَعْلَقُ. ومنه اشْتُقَّتْ لِيقَةُ الدَّوَاةِ لِالْتِصَاقِهَا، ومنه قيل: مَا لَاقَنِي بِكَ كَذَا، ولا أَلَاقَنِي، أَيْ مَا أَمْسَكَنِي" (^٤).
والزَّارِي (^٥): أي العَائِبُ الطَّاعِنُ، يقال: زَرَيْتُ عَلَيْهِ، إِذا عِبْتَهُ وَنَقَّصْتَهُ. وأَزْرَيْتُ بهِ: إِذا قَصَّرْتَ بِهِ.
وثَلَجُ الْيَقِينُ (^٦): بَرْدُهُ، يقال: ثَلِجَتْ نَفْسِي بِالشَّيْءِ: إِذَا سُرَّتْ بِهِ وسَكَنَتْ إِلَيْهِ، وأَصْلُهُ أَنَّ الْمُهْتَمَّ بِالشَّيْءِ الْحَزِينَ يَجِدُ لَوْعَةً وحِدَّةً فِي مِزَاجِهِ، فَإِذا وَرَدَ
_________________
(١) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من قريش أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة ولد بمكة سنة (٤٧ ق. هـ)، وتولى الخلافة سنة (٢٣ هـ)، وقتل سنة (٣٥ هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٣٩؛ تاريخ الطبري: ٥/ ١٤٥؛ حلية الأولياء: ١/ ٥٥؛ صفة الصفوة: ١/ ١١٢؛ الكامل لابن الأثير حوادث سنة (٣٥ هـ)؛ غاية النهاية: ١/ ٥٠٧؛ الأعلام: ٤/ ٢١٠.
(٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٧٨؛ الفائق: ٢/ ٦٦.
(٣) أدب الكتاب: ٦.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٥٣.
(٥) أدب الكتاب: ٧.
(٦) نفسه.
[ ٢ / ٣٤ ]
عَلَيْهُ مَا يَسُرُّهُ، ذَهَبَتْ تِلْكَ اللَّوْعَةُ عَنْهُ، فقيل: ثَلِجَتْ نَفْسُهُ بكذا، كَأَنَّهَا بَرَدَتْ بِهِ، وَهُوَ ضِدُّ قوْلِهِمْ: الْتَاعَتْ نَفْسِي من كذا واحْتَرَقَتْ.
وقوله: "فَنَصَبَ لِذَلِكَ" (^١):
ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ. وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَبْتُ لِفُلَانٍ الشَّرَّ: إِذَا أَعْدَدْتَهُ لَهُ لِيَقَعَ فِيهِ، وَنَصَبْتُ لَهُ الحَرْبَ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّيَّادَ يَنْصِبُ حَبَائِلَهُ لِلصَّيْدِ لِيَقَعَ فِيهَا، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ في كُلِّ مَنْ يَكِيدُ لِيَغْتَرَّ وَيُوقِعَهُ فِي الْمَكْرُوهِ. ومنه سُمِّيَتِ الْفِرْقَةُ الْمُبْغِضَةُ لِعَلِيٍّ (^٢) رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، نَاصِبَةً (^٣) " (^٤). ويُرْوَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُسَلِّمُونَ (^٥). وَتَرُوقُ (^٦): تُعْجِبُ، وَتَهُولُ (^٧): تُفْزِعُ. وَالْغُمْرُ (^٨): الذي لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ. ويقال: غُمْرٌ، بضم الغَيْنِ وتَسْكِينِ الْمِيمِ وَغُمُرٌ بِضَمِّهَا، وَغُمَرٌ بِفَتْحِهَا، ومُغْمَرٌ بمعنى واحد. الْحَدَثُ الْغِرُّ (^٩): الصَّغِيرُ، وفعله غَرَّ، يَغِرُّ غَرَارَةً، فَهُوَ غِرٌّ. وَالْكَوْنُ (^١٠): خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. وَالْفَسَادُ (^١١): خُرُوجُهُ مِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ.
ط: "وَسِمْعُ الْكِيَانِ: بِكَسْرِ السِّينِ الرِّوَايَةُ، وَيُرْوَى سَمْعٌ بفتح السِّينِ،
_________________
(١) نفسه.
(٢) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ابن عم الرسول ﷺ. تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٥٤؛ تاريخ الطبري: ٦/ ٨١؛ حلية الأولياء ١/ ٦١؛ صفة الصفوة: ١/ ١١٨؛ الكامل لابن الأثير حوادث سنة (٤٠ هـ)، الأعلام: ٤/ ٢٩٥.
(٣) انظر: اللسان (نصب).
(٤) الاقتضاب: ١/ ٥٣.
(٥) أدب الكتاب: ٦.
(٦) نفسه.
(٧) نفسه.
(٨) نفسه.
(٩) نفسه.
(١٠) نفسه.
(١١) نفسه.
[ ٢ / ٣٥ ]
فَالسَّمْعُ بفتح السِّينِ مَصْدَرُ سَمِعْتُ، وبِكَسْرِ السِّينِ: الذِّكْرُ، يقال: ذَهَبَ سِمْعُهُ فِي النَّاسِ أَيْ ذِكْرُهُ. ورواه بَعْضُهُمْ في هذا الكتاب: سَمِعَ الكِيَانَ. وَتَوَهَّمَهُ فعْلًا مَاضِيًا ونَصَبَ بِهِ الْكِيَانَ، وَهُوَ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابٌ مَعْرُوفٌ بِهَذَا الْاسْمِ لِأرِسْطَاطَالِيسِ (^١)، فمن قال: سَمْعُ الكِيَانِ بِفَتْحِ السِّينِ، فمعناه: سَمَاعُ مَا يَكُونُ، ومن كَسَرَ السِّينَ، فمعناه: ذِكْرُ الْكِيَانِ. وكذا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُتَيْبَةَ" (^٢).
ز: "سَمْعَ الْكِيَانِ: كتاب، ومعناه: أَسْمَعْ مَا تَكَوَّنَ أَو يَتَكَوَّنُ، وَلَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ مَا فِيهِ وَلَا صَوَابِهِ" (^٣).
ع: ووقع في كتاب أبي عَلِيٍّ قَوْلُهُ: الْكَوْنُ بِرَفْعِ الكَوْنِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ، وَقَرَأْنَاهُ عَلَيْهِ نَصْبًا بِإِعْمَالِ الْقَوْلِ وَالْكِيَانُ جَمْعُ كَوْنٍ، مثل: سَوْطٍ وَسِيَاطٍ، وقد يكون مَصْدَرَ كَانَ، يقال: كَانَ، يَكُونُ كَوْنًا وَكِيَانًا، مثل: صَوْمٍ وَصِيَامٍ.
وأَخَلَّ فِي الْقِسْمَةِ، إِذْ كَانَ يَكْفِيهِ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ (^٤) عَنْ أَنْ يَذْكُرَ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ (^٥)، وَأَسَاءَ الْعِبَارَةَ فِي تَقْدِيمِهِ الْكَيْفِيَّةَ عَلَى الْكَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَقُولَاتِ الْكَمِيَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى مَقُولَةِ الْكَيْفِيَّةِ. وَالْأَسْمَاءُ الْمُفْرَدَةُ: هِيَ الْمَقُولَاتُ الْعَشْرُ (^٦) الْمُسَمَّاةُ فِي اللُّغَةِ الْيُوَنَانِيّةِ: قَاطِيغُورِيَاسْ، "ومعناه الأَسْمَاءُ المفْرَدَةُ، وهي: الْجَوْهَرُ، وَالْكَمِّيَّةِ؛ وَالْكَيْفِيَّةُ، والإضَافَةُ، ومَتَى، وأيْنَ، والْوَضْعُ، وَالْجِدَةُ،
_________________
(١) هو أرسطو طاليس بن نيقو ماخوس، من أهل أسطاخوا، وهو المقدم المشهور والمعلم الأول والحكيم المطلق، تتلمذ على يد أفلاطون، وهو أول من وضع التعاليم المنطقية، له كتب في الطبيعيات والإلهيات والأخلاق. الملل والنحل الشهرستاني: ٣٨.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٥٤.
(٣) تفسير رسالة أدب الكتاب الزجاجي: ١١٠.
(٤) أدب الكتاب: ٧.
(٥) نفسه.
(٦) كتاب المقولات أو "قاطيغورياس" للفارابي، وهو مطبوع بتحقيق نهاد ككليك بمجلة المورد ع ٤، المجلد ٣ سنة (١٩٧١ - ١٩٧٦).
[ ٢ / ٣٦ ]
والفَاعِلُ، والمُنْفَعِلُ" (^١).
فَأَمَّا الْجَوْهَرُ، فَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْقَابِلُ لِلْمُتَضَادَّاتِ. وَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: رُوحَانِيٌّ وَجِسْمَانِيٌّ.
فالرُّوحَانِيُّ: كَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ. والجِسْمَانِيُّ مثل: الْجِسْمِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ الْعَمِيقِ، والمُتَضَادَّاتُ الَّتِي يَقْبَلُهَا: الْأَعْرَاضُ، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: رُوحَانِيّةٌ وَجِسْمَانِيّةٌ.
فَالرُّوحَانِيةُ، كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَسَائِرِ أَعْرَاضِ النَّفس. والجِسْمَانِيةُ، كَالسَّوَادِ، والبَيَاضِ، والثَّخَنِ، والرِّقَّةِ، وَالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَسَائِرِ أَعْرَاضِ الْجِسْمِ.
وَأَمَّا الْكَمِّيةُ، فَهِيَ مَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِكَمْ؟ مِنَ الْمَقَادِيرِ وَالْأَعْدَادِ.
وَالْكَيْفِيَّةُ مَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِكَيْفَ؟ مِنَ الْحَالَاتِ وَالْهَيْئَاتِ، فَيُقَالُ: كَمْ هَذَا؟ وكَيْفَ هَذَا؟ وإنما تَقَدَّمَتِ الكَمِّيَّاتُ الْكَيْفِيَّات لأَنَّهَا حَامِلَةٌ لَهَا، وَضُرُوبُهُمَا كثِيرَةٌ، وشَرْحُهُمَا فِي "كُتُبِ الْمَنْطِقِ".
ط: "وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقٍ الزَّجَّاجُ يَقُولُ: الكَمِّيَّةُ، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهُوَ خَطَأٌ، والقِياسُ تَخْفِيفُهَا" (^٢).
وَرَاعَهُ (^٣): أَفْزَعَهُ، طَالَعَهَا (^٤): قَرَأَهَا وَأَشْرَفَ عَلَى مَعَانِيَها.
ومعنى لَمْ يَحْلُ (^٥): لَمْ يَظْفَرْ، والطَّائِلُ (^٦): الْمَنْفَعَةُ، وحَقِيقَةُ الطَّائِلِ أَنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ وَشَرَفٌ عَلَى غَيْرِهِ يُتَنَافَسُ فِيهِ مِنْ أَجْلِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ طَائِلٌ
_________________
(١) المقولات للفارابي مجلة المورد ع ٤، المجلد ٣ سنة (١٩٧١ - ١٩٧٦ م): ١٤٨.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٥٤.
(٣) أدب الكتاب: ٧.
(٤) نفسه.
(٥) أدب الكتاب: ٧.
(٦) نفسه.
[ ٢ / ٣٧ ]
وَذُو طَوْلٍ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ (^١): (طويل)
لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي … بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امْرِئٍ غَيْرِ طَائِلٍ (^٢)
قَوْلُهُ: "إِنَّمَا هُوَ الْجَوْهَرْ" (^٣).
ط: "إِنَّمَا" عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَهَا مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَحْقِيرُ الشَّيْءِ وَتَقْلِيلُهُ، كَرَجُلٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّهُ يَهَبُ الْهِبَاتِ فَتَقُولُ: إِنَّمَا وَهَبْتَ دِرْهَمًا، تُحَقِّرُ مَا صَنَعَ.
والثاني: الاقْتِصارُ عَلَى الشَّيْءِ، كرجل سَمِعْتَهُ يَقُولُ: زَيْدٌ شُجَاعٌ وَكَرِيمٌ وَعَالِمٌ، فَتَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ شُجَاعٌ، أَيْ لَيْسَ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ غَيْرُ الشَّجَاعَةِ. وَالَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَالتَّقْلِيلِ" (^٤).
وقوله: "مَعَ هَذَيَانِ كَثِيرٍ" (^٥):
ط: "هَذَا طَرِيفٌ جِدًّا، لا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ (^٦) مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنَّ الْجَوْهَرَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَالْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ".
وَكَذَلِكَ رَأْسُ الْخَطِّ النُّقْطَةُ، وَالنُّقْطَةُ لَا تَنْقَسِمُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَصِيرٍ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، لِأَنَّهُ عَابَهُمْ بِمَا هُوَ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ.
_________________
(١) الطرماح بن حكيم بن الحكم، من طيء، شاعر إسلامي فحل، ولد ونشأ في الشام، وانتقل إلى الكوفة، له ديوان شعر توفي نحو (١٢٥ هـ). الشعر والشعراء: ٥٨٥ هـ؛ الأغاني: ١٠/ ١٤٨؛ تهذيب ابن عساكر: ٧/ ٥٢؛ خزانة الأدب: ٨/ ٧٤؛ الأعلام: ٣/ ٢٢٥.
(٢) البيت في شرح الحماسة للمرزوقي: ١/ ٢٢٧؛ الأغاني: ١٢/ ٣٦؛ الشعر والشعراء: ٥٦٦؛ الحماسة البصرية: ١/ ١٠٠.
(٣) أدب الكتاب: ٧.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٥٥.
(٥) أدب الكتاب: ٨.
(٦) نفسه.
[ ٢ / ٣٨ ]
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا بِمَذَاهِبِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ بِثَلْبِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ" (^١).
ع: وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا أَلَّفَ كِتَابَ "الْمَعَارِفِ" أُنْكِرَ عَلَيْهِ فِيهِ أَشْيَاءٌ نَسَبَهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَبُدِّعَ بِذَلِكَ. فَقَالَ هَذَا الْكَلَامَ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ مَا رُمِيَ بِهِ.
وأراد بالجَوْهَرِ هُنَا: الْجِسْمَ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ، القَابِلَ لِهَذِهِ الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ في الأَلْوَانِ والقِيَامِ والقُعُودِ في الحَرَكَاتِ، والحَرَارَةِ وَالبُرُودَةِ فِي الْمَلْمُوسَاتِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَعَاقِبَةٌ عَلَيْهِ بِالْاسْتِحَالَةِ مِن غَيْرِ أن يَفْسُدَ وَيَبْطُلَ؛ لأن الجوهرَ لَا ضِدَّ لَهُ، إِنَّما التَّضَادُّ فِي الْأَعْرَاضِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِبَةِ فِيهِ. فَالْعَشْرُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَ فِيهَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ إِلَّا الْجَوْهَرُ وَحْدَهُ، وسائِرُهَا التِّسْعُ مَحْمُولَاتٌ فِيهِ وَأَعْرَاضٌ لَهُ، كَالْكَميَّةِ فِي مَقَادِيرِهِ، مثل: الطولِ، والعَرْضِ، والعُمْقِ، وَكَالْكَيْفِيَّةِ في هَيْأَتِهِ: كالبَياضِ، والسَّوَادِ، وَكَالْإِضَافَةِ فِي النِّسْبَةِ بين شَيْئَيْنِ: كَالْأَبِ وَالابْنِ، وَكَالْمَتَى فِي الزَّمَانِ، وَكَالْأَيْنَ فِي المَكَانِ، وكالوَضْعِ فِي هَيْأَةِ تَمَكُّنِهِ فِي مَكَانِهِ، كالقَائِمِ والنَّائِمِ، وكَجِدَتِهِ وَمَلَكَتِهِ، كَذِي مَالٍ وذِي فِعْلٍ، وكالفَاعِلِ: كَضَارِبٍ، وَكَالْمَفْعُولِ: كَمَضْرُوبٍ.
وقوله: "وَرَأْسُ الْخَطِّ النُّقْطَةُ، وَالنُّقْطَةُ لَا تَنْقَسِمُ" (^٢):
ط: "النُّقْطَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ نِهَايَةِ الْخَطِّ، وَمُنْقَطَعِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَنْقَسِمَ لِأَنَّ الْانْقِسَامَ إِنَّمَا لِمَا لَهُ أَبْعَادٌ. والنُّقْطَةُ عَارِيَةٌ عَنِ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ.
وَمَنْزِلَةُ النُّقْطَةِ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ مَنْزِلَةُ الْوَحْدَةِ فِي صِنَاعَةِ الْعَدَدِ، فَكَمَا أَنَّ الْوَحْدَةَ لَيْسَتْ عَدَدًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْعَدَدِ، كَذَلِكَ النُّقْطَةُ لَيْسَتْ بُعْدًا وَلَا عُظْمًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْأَبْعَادِ وَالْأَعْظَامِ وَعِلَّةٌ لِوُجُودِهَا، وَهَذِهِ النُّقْطَةُ تَفْرِضُ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٥٦.
(٢) أدب الكتاب: ٧.
[ ٢ / ٣٩ ]
بِالْوَهْمِ أَنَّهَا أَوَّلُ مَرَاتِبِ وُجُودِ الْأَعْظَامِ ثُمَّ لَحِقَهَا بُعْدٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطُّولُ. فَصَارَتْ خَطًّا ثُمَّ لَحِقَ الحَادِثُ مِنْهُمَا بُعْدٌ آخَرُ، وَهُوَ الْعَرْضُ، فَصَارَ سَطْحًا، وثُمَّ لَحِقَ ذَلِكَ بُعْدٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُمْقُ أَوِ السُّمْكُ، فَصَارَ جِسْمًا، فَصَارَتِ النُّقْطَةُ بِهَذَا الْاعْتِبَارِ مَبْدَأَ الْخَطِّ، وَالْخَطُّ مَبْدَأَ السَّطحِ، والسَّطْحُ مَبْدَأُ الْجِسْمِ، ثُمَّ يَكُونُ الانْحِلَالُ بِعَكْسِ مَا كَانَ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ لأَنَّ الْجِسْمَ يَنْحَلُّ إِلَى السَّطْحِ، وَيَنْحَلُّ السَّطْحُ إِلَى الْخَطِّ، وَيَنْحَلُّ الْخَطُّ إِلَى النُّقْطَةِ. وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْجِسْمَ يَنْحَلَّ إِلَى أَجْزَاءٍ لَا تَتَجَزَّأُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يَطُولُ" (^١).
ز: "قَالَ أُقْلِيدَسُ: "النُّقْطَةُ شَيْءٌ لَا جُزْءَ لَهُ، وَالْخَطُّ طُولٌ لَا عَرْضَ لَهُ، وَنِهَايَةُ الْخَطِّ نُقْطَتانِ، وَالْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْمَوْضُوعُ عَلَى مُقَابَلَةِ النُّقَطِ".
لَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: النُّقْطَةُ شَيْءٌ لَا جُزْءَ لَهُ النُّقْطَةَ الَّتِي يَنْقُطُهَا الْكَاتِبُ لِأَنَّ تِلْكَ شَكْلٌ بَسِيطٌ، وإنما تَأْوِيلُهُ أَنَّ كُلَّ مُتَرَكِّبٍ إِذَا حُلَّ، فَإِنَّمَا يَنْحَلُّ إِلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا ترَكَّبَ مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ المؤَلَّفَ مِنْ أَشْيَاءٍ إِنَّمَا يَنْحَلُّ إِلَى مَا أُلِّفَ مِنْهُ. فَأَتَمُّ الأَشْكَالِ: الْمُجَسَّمُ، وَهُوَ الطَّوِيلُ، العَرِيضُ، العَمِيقُ، ذُو الْجِهَاتِ السِّتِّ، فَإِذَا حُلَّ بِأَنْ يُرْفَعَ مِنْهُ الْعُمْقُ بَقِي الطُّولُ والْعَرْضُ، وَذَلِكَ هُوَ الشَّكْلُ الْبَسِيطُ، ثُمَّ يَنْحَلُّ هَذَا الْبَسِيطُ إِلَى الْخُطُوطِ بِأَنْ يُقَدَّرَ رَفْعُ الْعَرْضِ مِنْهُ فَيَبْقَى الطَّوْلُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْخَطُّ، وَإِنَّمَا هُوَ خَطٌّ وَهْمِيٌّ لَا مَا يُصوِّرُهُ الْكَاتِبُ، ثُمَّ يَنْحَلُّ الْخَطُّ إِلَى نُقْطَةٍ هِيَ نِهَايَةُ مَا يَتَنَاهَى إِلَيْهِ. وَلَيْسَ دُونَهَا مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا فَتَنْحَلُّ إِلَيْهِ" (^٢).
وقَوْلُهُ: "وَالْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ: أَمْرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَخَبَرٌ وَرَغْبَةٌ" (^٣):
ط: "لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي أُصُولِ الْكَلَامِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: اسْمٌ، وَفِعْلٌ، وَحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى. وَيُسَمَّى الْفِعْلُ كَلِمَةً،
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٥٨.
(٢) تفسير رسالة أدب الكتاب الزجاجي: ١١٠.
(٣) أدب الكتاب: ٧.
[ ٢ / ٤٠ ]
وَيُسمَّى الْحَرْفُ أَدَاةً وَرَابِطًا. فَأَمَّا الْمَعَانِي التِي تَتَرَكَّبُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهَا كَمْ هِيَ؟
فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ، فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِحَصْرِهَا، وَهُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْكَلَامَ قِسْمَانِ: خَبَرٌ، وَغَيْرُ خَبَرٍ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ إِلَى تَقْسِيمٍ آخَرَ.
وزعَمَ آخَرُونَ أَنَّهَا عَشَرَةٌ: نِدَاءٌ، وَمَسْأَلَةٌ، وَأَمْرٌ، وَتَشَفُّعٌ، وَتَعَجُّبٌ، وَقَسَمٌ، وَشَرْطٌ، وَوَضْعٌ، وَشَكٌّ، وَاسْتِفْهَامٌ. وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهَا تِسْعَةٌ، وَأَسْقَطُوا الاسْتِفْهَامَ، وَجَعَلُوهُ دَاخِلًا فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا ثَمَانِيَةٌ، وَأَسْقَطُوا التَّشَفُّعَ وَأَدْخَلُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَالاسْتِفْهَامِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: سَبْعَةٌ، وَأَسْقَطُوا الشَّكَّ لأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْخَبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا سِتَّةٌ، وَأَسْقَطُوا الشَّرْطَ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ مِنَ الْخَبَرِ.
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَرَى أَنَّهَا سِتَّةٌ: خَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَأَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَنِدَاءٌ، وَتَمَنٍّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَمْسَةٌ: خَبَرٌ، وَأَمْرٌ، وَتَضَرُّعٌ، وَطَلِبَةٌ، وَنِدَاءٌ.
وَقَالَ جُمْلَةٌ مِنْ حُذَّاقِ النَّحْوِيِّينَ وَمِنْهُمْ قُطْرُبُ (^١)، هِيَ أَرْبَعَةٌ: خَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَطَلَبٌ، وَنِدَاءٌ، فَجَعَلُوا الْأمْرَ وَالنَّهْيَ دَاخِلَيْنِ تَحْتَ الطَّلَبِ، وَالتَّمَنِّي دَاخِلًا تَحْتَ الْخَبَرِ.
وَقالَ آخَرُونَ: الَّذِي حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَخَبَرٌ، وَجَعَلُوا الرَّغْبَةَ دَاخِلَةً فِي
_________________
(١) محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، الشهير بقطرب، نحوي عالم باللغة والأدب من موالي البصرة توفي سنة (٢٠٦ هـ)، له تصانيف؛ تاريخ بغداد: ٣/ ٢٩٨؛ الوفيات: ٤/ ٣١٢؛ بغية الوعاة: ١/ ٢٤٢؛ شذرات الذهب: ٢/ ١٥؛ الأعلام: ٧/ ٩٥.
[ ٢ / ٤١ ]
الأَمْرِ، وَالْكَلَامُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا" (^١).
د: الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَالْأَخْلَصُ: الْوَجْهُ الآخَرُ الْمُقَسَّمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ مِنَ الْأَمْرِ، إِذِ الْأَمْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: لِمَنْ دُونَكَ أَمْرٌ، وَلِمَنْ فَوْقَكَ رَغْبَةٌ، وَلِمَنْ هُوَ مِثْلُكَ عَرْضٌ. وَكَأَنَّهُ يَعُمُّ أُصُولَ الْكَلَامِ الثَّلَاثَةِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْفِعْلِ، وَالاسْتِخْبَارَ وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ بِالْحَرْفِ، وَالْخَبَرَ بِالْفِعْلِ والْاسْمِ.
ع: الذي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ وَالْمُحَقِّقُونَ لِتَفْصِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ أَصْنَافَ الْكَلَامِ خَمْسَةٌ: أَمْرٌ، وَهُوَ لِمَنْ دُونَكَ. وَتَضَرُّعٌ، وَهُوَ لِمَنْ فَوْقَكَ. وَطَلَبَةٌ، وَهُوَ لِمَنْ يُسَاوِيكَ. وَنِدَاءٌ، وَخَبَرٌ، وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْكَلَامِ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ وَرَاجِعَةٌ إِلَى معَانِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي نَصْرٍ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الاسْتِحْبَارَ بَدَلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَحْتَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لأَنَّهُ يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِهَا، يَأْتِي عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالطَّلَبَةِ. وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي عَلَى مَعْنَى الطَّلَبِ وَالتَّضَرُّعِ، لِشَرَفِ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ.
وَأَمَّا النَّهْيُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ السَّلْبِ كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْإِيْجَابِ الْخَبَرِيِّ، فَيَصِيرُ سَلْبًا.
وَكَذَلِكَ الطَّلِبَةُ والتَّضَرُّعُ، وَجَمِيعُ مَا يَأْتِي فِي الْكَلَامِ مِنَ الْمَعَانِي فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ، فَلْيَكُنْ الْاعْتِمَادُ فِي انْقِسَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ.
قوله: "وَالآنَ: حَدُّ الزَّمَانَيْنِ" (^٢):
ز: "أَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ "الآنَ" آخِرُ الزَّمَانِ المَاضِي، وَأَوَّلُ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ" (^٣).
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٥٩.
(٢) أدب الكتاب: ٧.
(٣) معاني القرآن للزجاج: ٣/ ٢٤؛ تفسير الزجاجي: ١١٢.
[ ٢ / ٤٢ ]
ط: "يَعْنُونَ بِحَدِّ الزَّمَانَيْنِ: الْحَاضِرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي صِناعَةِ الْكَلَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ فِعْلٌ وَلَا حَرَكَةٌ عَلَى التَّمَامِ لِأَنَّهُ يَنْقَضِي أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ شَبَّهُوهُ بِالْمَاءِ السَّيَّالِ الذِي يَذْهَبُ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ. فَإِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْجِيمِ مِنْ "جَعْفَرٍ" لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَجِيءَ الزَّمَانُ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْفَاءُ وَالرَّاءُ، بَلْ يَذْهَبُ كُلُّ زَمَانٍ مِنْهَا وَيَعْقُبُهُ الْآخَرُ، فَلَا يَرِدُ الثَّانِي إِلَّا وَالْأَوَّلُ قَدْ صَارَ مَاضِيًا.
وَلِهَذَا جَعَلُوهُ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ، التِي لَا بُعْدَ لَهَا، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا الْمَوْجُودُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَا وُجُودَ لَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ قِصَرَ مُدَّتِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَوْ لَمْ يُوْجَدْ زَمَانٌ حَاضِرٌ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودًا؛ لأنَّ وُجُودَ الأَشْيَاءِ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ الزَّمَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْأَجْرَامِ فِي غَيْرِ زَمَانٍ" (^١).
وَأَمَّا الْمَجَازُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْجُمْهُورُ فِي صِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ "الآنِ" الَّذِي هُوَ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ "آنًا"، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: "هُوَ خَارِجٌ الآنَ"، وَالَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ وَالْحَرَكَاتُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
وَأَمَّا اشْتِقَاقُ الْآنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ آنَ الشَّيْءُ، يَئِنُ، إِذَا حَانَ، فَالْأَلِفُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَادٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ ذَوَاتِ اليَاءِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَالثَّانِي: أَن أَصْلَهُ: أَوَانٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْهُ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قُلِبَتِ الْوَاوُ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٦٠.
[ ٢ / ٤٣ ]
أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَاجْتَمَعَتْ أَلِفَانِ سَاكِنَانِ، فَحُذِفَتِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَكَانَتْ أَوْلَى بِالْحَذْفِ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ.
وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِبِنَائِهِ فَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيهَا، فَقَالَ سِيبَوَيْهُ وَأَصْحَابُهُ: "إِنَّمَا بُنِي "الْآنُ" وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لأَنَّهُ ضَارَعَ الْمُبْهَمَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبِيلَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ أَنْ تَدْخُلَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، كَقَوْلِكَ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ"، أَوْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَقَوْلِكَ: "قَدْ كَثُرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ"، لَسْتَ تَقْصِدُ إِلَى دِينَارٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا إِلَى دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا تُريدُ الْجِنْسَ كُلَّهُ.
أَوْ لِتَعْرِيفِ الأَسْمَاءِ التِي غَلَبَتْ عَلَى شَيْءٍ فَعُرِّفَ بِهَا، كَالْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ، وَالدَّبَرَانِ، وَالسِّمَاكِ، والنَّجْمِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى "الآنِ" عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السَّبِيلِ، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْحَاضِرِ. كَقَوْلِكَ: هَذَا الْوَقْتُ، وَجَبَ بِنَاؤُهُ لِمُضَارَعَتِهِ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْمَبْنِىِّ" (^١).
وَقَالَ الْمُبَرَّدُ: إِنَّمَا بُنِيَ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَعْرِفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَسَبِيلُ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً أَوَّلًا ثُمَّ يُعَرَّفَ بِهِمَا، فَلَمَّا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ بُنِيَ" (^٢).
وَكَانَ الْفَارِسِيُّ (^٣) يَقُولُ: إِنَّهُ مَعْرِفةٌ بِلَامٍ مُقَدَّرَةٍ فِيهِ غَيْرُ اللَّامِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّهُ بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اللَّامِ كَمَا بُنِيَ "أَمْسُ" (^٤).
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَزْعَمُ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ فِعْلُ مَاضٍ، مِنْ قَوْلِكَ "آنَ" الشَّيْءُ،
_________________
(١) الكتاب: ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩؛ معاني القرآن للزجاج: ٣/ ٢٤.
(٢) معاني القرآن للزجاج: ٣/ ٢٤؛ الإنصاف في مسائل الخلاف: ٢/ ٥٢٣.
(٣) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، أبو علي، أحد أئمة العربية ولد بفسا ودخل بغداد، وتجول في البلدان، وتوفي سنة (٣٧٧ هـ)، له: كتاب: الإيضاح، التذكرة، جواهر النحو، المقصور والممدود. تاريخ بغداد: ٧/ ٢٧٥؛ نزهة الألباء: ٣٨٧؛ إنباه الرواة: ١/ ٣٠٧؛ الوفيات: ٢/ ٨٠؛ الفهرست ٦٤؛ الأعلام: ٢/ ١٧٩.
(٤) الإيضاح للفارسي: ٢/ ٥٨.
[ ٢ / ٤٤ ]
يَئِنُ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللَّامُ، وَتُرِكَ مَحْكِيًّا عَلَى فَتْحِهِ (^١)، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقالَ (^٢) (^٣) عَلَى الْحِكَايَةِ، كَمَا يُقَالُ: قَدْ أَعْيَانِي مِنْ شَبَّ إِلَى دَبَّ، أَيْ مُذْ شَبَّ إِلَى أَنْ دَبَّ (^٤). فَأُدْخِلَ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَى الْفِعْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَحَكَاهُمَا.
وَقَرَأْتُ فِي بَعْضِ مَا يُحْكَى عَنِ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ: الآنُ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ بِالرَّفْعِ، وَاعْتَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ بِنَاءَهُ أَنَّهَا عَرَضَتْ لَهُ وَهُوَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، فَإِذَا قَالَ: وَالآنَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ، فَلَيْسَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى زَمَانٍ، إِنَّمَا يُخْبِرُ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْرَبَ، إِذْ فَارَقَ حَالَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا البِنَاءَ. وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُتْرَكَ مَفْتُوحًا كَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، كَمَا تَقُولُ: مِنْ: حَرْفٌ يَخْفِضُ، وَقَامَ: فِعْلُ مَاضٍ، فَتَتْرُكُهُمَا مَبْنِيَيْنِ عَلَى حَالِهِمَا وَإِنْ كَانَا قَدْ فَارَقَا بَابَ الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ، وَخَرَجَا إِلَى بَابِ الْأَسْمَاءِ.
وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٥) إِلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقَطَّعَ، ولَكِنَّهُ لَمَّا جَرَى مَنْصُوبًا فِي الكَلَامِ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (^٦).
وقوله: "وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ عَلَى تِسْعَةِ آلافٍ وَكَذَا وَكَذَا مِائَةٍ مِنَ الْوُجُوهِ" (^٧):
ز: "هَكَذَا الرِّوَايَةُ عَنِ الصَّائِغِ عَنْهُ فِيمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ
_________________
(١) الغريبين: ١/ ١٠٨؛ التهذيب ١٥/ ٥٤٧؛ الكتاب لسيبويه: ٣/ ٢٩٨؛ معاني القرآن الزجاج: ٣/ ٢٤.
(٢) الحديث رواه البخاري: رقاق (ح ٦٠)؛ زكاة (ح ٧٨)؛ أدب (ح ٦)، ومسلم: أقضية: ٣/ ١٣٤٠؛ والدارمي: رقاق: ٣٨؛ والإمام أحمد: ٢/ ٣٢٧؛ والإمام مالك: كلام ٢٧ (ح ٢٠٣) ٨٤٢.
(٣) كلمة مشطوبة من الأصل (خ).
(٤) المثل في جمهرة الأمثال: ١/ ٥٣؛ ومجمع الأمثال: ١/ ٣٠٦.
(٥) سورة الأنعام (٦): الآية ٩٥.
(٦) سورة الجن (٧٢): الآية ١١.
(٧) أدب الكتاب: ٧.
[ ٢ / ٤٥ ]
جَمِيعُ مَنْ نَقَلَهُ بِتَكْرِيرِ كَذَا، وَخَفْضِ مِائَةٍ، وَهُوَ خَطَأٌ" (^١).
ع: وقع في كتاب ابْنِ قُتَيْبَةَ: "وكَذَا كَذَا" بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَيْسَ فِي مِائَةٍ ضَبْطٌ.
ط: "الخَطَأُ في هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَفَضَ مِائَةً وَحُكْمُهَا أَنْ تُنْصَبَ لأَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُضَافُ لِأَنَّهَا مَعَارِفُ بِالْإِشَارَةِ. وَلِأَنَّ كَذَا وَكَذَا كِنَايَةٌ يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ إِلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَالمُمَيَّزُ بَعْدَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ مَنْصُوبٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى تِسْعَةِ آلَافٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ مِائَةً. وَهَذَا يَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا وَمِائَةً بِعِبَارَةٍ فَاسِدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَسَبَ إِلَى الْقَوْمِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ مِنْهُمْ.
وَالَّذِي دَعَا ابْنَ قُتَيْبَةَ إِلَى الْغَلَطِ فِي خَفْضِ مِائَةٍ أَنَّهُ رَأَى النَّحْوِيِّينَ قَدْ قَالُوا: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لَهُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَما بِالْعَطْفِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ إِلَى تِسْعَةَ عَشَرَ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ خَاصَّةً: إِذا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا أَثْوَابٍ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْجَمْعِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ، وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا دِرْهَمٍ، بِالْإِفْرَادِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ مِنْ مِائَةٍ إِلَى تِسْعِ مِائَةٍ.
وَلَا يُجِيزُ الْبَصْرِيُّونَ الْخَفْضَ، فَلَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا أَجَازُوا فِيهِ الْخَفْضَ وَلَا بَيْنَ مَا لَمْ يُجِيزُوهُ، لأَنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا فِي صِنَاعَةِ العَرَبِيَّةِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ أَشْيَاءٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ" (^٢).
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١١٦.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٦٥، فيه: في صناعة النحو.
[ ٢ / ٤٦ ]
ز: "كَذَا، إِشَارَةٌ وَلَيْسَ سَبِيلُهُ أَنْ يُضَافَ لِأَنَّ ذَا اسْمٌ مُبْهَمٌ، وَالْمُبْهَمُ لَا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ نَحْوَ: هَذَا، وَذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِشَارَةِ، فَإِنْ أَضَفْتَهُ إِلَى نَكِرَةٍ فَقَدْ أَحَلْتَ لِأَنَّكَ تَجْمَعُ بَيْنَ تَعْرِيفِ الإِشَارَةِ وَالتَّنْكِيرِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ أَضَفْتَهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ لَمْ يَجُزْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ تَعْرِيفَيْنِ" (^١).
وقال المبرد: قَوْلُهُمْ "كَذَا" إِنَّمَا هِيَ "ذَا" دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ، وَمَعْنَاهُ "كَهَذا الْعَدَدِ" كَمَا قَالُوا: "كَأَيْنَ"، فَأَدْخَلُوا كَافَ التَّشْبِيهِ عَلَى "أَيْ"، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ "كَمْ"".
ز: "إِضَافَةُ "كَذَا" قَبِيحَةٌ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الْحِكَايَةِ، قَالَ: وَكُنْتُ تَكَلَّمْتُ مَعَ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشِ عَلَى قَوْلِهِ: "كَذَا وَكَذَا مِائَةٍ"، فَقَالَ: هُوَ لَحْنٌ فَاجْعَلُوهُ: وَ"كَذَا مِائَةٍ" بِغَيْرِ تَكْرِيرِ "كَذَا" لِيَزُولَ عَنْهُ اللَّحْنُ. وقول أَبي الْحَسَنِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْحِكَايَةِ" (^٢).
وقوله: "وَبَالًا عَلَى لَفْظِهِ" (^٣):
الْوَبَالُ: الثِّقَلُ، وَالْمَحَافِلُ: الْمَجَالِسُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ.
وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي الْحُبَابِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ (^٤)، وَسَقَطَ عِنْدَهُمَا الْبَرْمَكِيُّ (^٥) وَثَبَتَ فِي كِتَابٍ أَبِي نَصْرٍ.
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١١٧.
(٢) نفسه: ١١٨
(٣) أدب الكتاب: ٨.
(٤) محمد بن الجهم بن هارون، أبو عبد الله السمهري، الكاتب النحوي، روى عن الفراء، وكان ثقة، له أدب غزير وشعر جميل. مات سنة (٢٧٧ هـ). تاريخ بغداد: ٢/ ١٦١؛ غاية النهاية: ١/ ١١٣؛ معجم الشعراء: ٤٥٠؛ الوافي بالوفيات؛ ٢/ ٣١٣.
(٥) جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، أبو الفضل، وزير الرشيد العباسي، ولد ببغداد سنة (١٥٠ هـ) ونشأ بها إلى أن مات سنة (١٨٧ هـ). تاريخ بغداد: ٧/ ١٥٢؛ وفيات الأعيان؛ ١/ ٣٢٨، النجوم الزاهرة: ٢/ ٢٣؛ الأعلام: ٢/ ١٣٠.
[ ٢ / ٤٧ ]
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ (^١) مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ وَالْأَوَّلُ الرَّاوِيَةُ (^٢)، وَهُمَا أَخَوَانِ فَارِسِيّانِ كَاتِبَانِ شَاعِرَانِ.
والحَكِيمُ (^٣)، بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ هُوَ: أَرْسَطَاطالِيسُ، كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: الْمَدِينَةَ (^٤)، فَإِنَّمَا هِيَ مَدِينَةُ الرَّسُولِ ﵇.
والْكِنُّ (^٥): مَا سَتَرَ مِنْ بَيْتٍ وَنَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ أَكْنَانٌ.
وقوله: "فَكَانَ ابْتِدَاءُ تَفَكُّرِهِ آخِرَ عَمَلهِ وَآخِرُ عَمَلهِ بَدْءَ تَفَكُّرِهِ (^٦):
ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ عَكَسَ الْكَلَامَ، والثاني هُوَ الأَوَّلُ بِعَيْنِهِ، فلم يَنْتَقِلْ عَنِ السَّقْفِ. وصوابُهُ: فَكَانَ ابْتِدَاءُ تَفَكُّرِهِ آخِرِ عَمَلِهِ، وَآخِرُ تَفَكُّرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ، وَيَصِحَّ الْكَلَامُ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مُحَاوِلٍ لأَمْرٍ، فَإِنَّمَا يُقَدِّمُ أَوَّلًا فِي فِكْرِهِ الْغَايَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا، ثُمَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَصِلُ بِهَا إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ، فَيُقَدِّمُهَا أَوَّلًا فَأَوَّلًا عَلَى مَرَاتِبِهَا، حَتَّى يَصِلَ فِي آخِرِ عَمَلِهِ إِلَى مَا سَبَقَ إِلَيْهِ أَوَّلُ فِكْرِهِ" (^٧).
ع: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ يَعُدُّهَا كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وهي مُقَدَّمَةٌ صَادِقَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قَاصِدٍ إِلَى مَطْلُوبٍ، فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي فِكْرِهِ مِنْهُ أَوَّلًا غَايَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عِلْمِيًّا ابْتدَأَ مِنَ الْغَايَةِ فَحَلَّهَا إِلَى مُرَكَّبَاتِهَا الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إِلَى أَنْ يَنتَهِي إِلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ وَيَقِفَ، وَإِنْ كَانَ
_________________
(١) علي بن الجهم بن بدر أبو الحسن من بني سامة من لؤي بن غالب، شاعر أديب من أهل بغداد عاصر أبا تمام. توفي سنة (٢٤٩ هـ). تاريخ الطبري: ١١/ ٨٦؛ تاريخ بغداد: ١١/ ٣٦٧؛ الوفيات: ١/ ٣٤٩؛ الأغاني: ٢٣/ ٢١١؛ الأعلام: ٣/ ٢٧٠.
(٢) في (خ): الرواية، والصواب ما أثبتناه.
(٣) أدب الكتاب: ٨.
(٤) هي يثرب أحد الحرمين في الحجاز: معجم ما استعجم: ٤/ ١٤٠١.
(٥) أدب الكتاب: ٨.
(٦) نفسه.
(٧) الاقتضاب: ١/ ٦٦.
[ ٢ / ٤٨ ]
عَمَلِيًّا، انْحَدَرَ مِنَ الْغَايَةِ فَحَلَّهُ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَوَّلِ أَسْبَابِهِ، ثُمَّ عَادَ بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى رَاجِعًا إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ، فَيَكُونُ فِيهِ ابْتِدَاءُ فِكْرِهِ آخِرَ عَمَلِهِ، وآخِرَ فِكْرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ، وآخِرَ فِكرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ.
قوله: "وفَصْلَ الْخِطَابِ" (^١):
ط: "فَصْلُ الْخِطَابِ: بَيَانُهُ، وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ حَتَّى يَمْتَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ قَوْلٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَضْلًا. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُضْوِ الَّذِي يَمْتَازُ مِنْ غَيْرِهِ: مَفْصِلٌ، وَفَصْلٌ" (^٢).
وَقَوْلُ الْخَطِيبِ فِي خُطْبَتِهِ، وَالْكَاتِبِ فِي رِسَالَتِهِ: "أَمَّا بَعْدُ"، يُسَمَّى: فَصْلَ الْخِطَابِ، لأنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَطِيبِ أَوِ الْكَاتِبِ، أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا بِحَمْدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ"، فَيَبْدَأُ بِاقْتِصَاصِ مَا قَصَدَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "أَمَّا بَعْدُ" فَصْلًا بَيْنَ التَّحْمِيدِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ الَّذِي قَصَدَهُ وَحَاوَلَهُ.
ع: "وَدَقَائِقُ الْكَلَامِ" (^٣): جَمْعُ دَقِيقَةٍ، وَهُوَ مَا يَغْمُضُ مِنْهُ وَيَدِقُّ فِي النَّظَرِ وَالرَّوِيَّةِ.
ط: "وَالْوَزِيرُ أَبُو الْحَسَنِ، هُوَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ (^٤)، وَكَانَ وَزِيرَ الْمُتَوَكِّلِ (^٥)، فَعَمِلَ لَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا الْكِتَابَ، وَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَحْسَنَ عُبَيْدُ اللهِ صِلَتَهُ وَاصْطَنَعَهُ، وَعُنِي بِهِ عِنْدَ الْمُتَوَكِّلِ حَتَّى صَرَفَهُ فِي بَعْضِ
_________________
(١) أدب الكتاب: ٩.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٦٦.
(٣) أدب الكتاب: ٩.
(٤) هو ابن خاقان المشهور، وزير المتوكل والمعتمد العباسيين، توفي سنة (٢٦٣ هـ). تاريخ الطبري: ١١/ ٢٤٦؛ دول الإسلام: ١/ ١٢٥؛ الديارات: ٩٠؛ الأعلام: ٤/ ١٩٨.
(٥) جعفر بن محمد بن هارون الرشيد، أبو الفضل، خليفة عباسي، ولد ببغداد سنة (٢٠٦ هـ)، وبويع سنة (٢٣٢ هـ). وتوفي سنة (٢٤٧ هـ). تاريخ الطبري: ١١/ ٢٦؛ مروج الذهب: ٣/ ٧٠؛ تاريخ بغداد: ٧/ ١٦٥؛ الكامل: ٥/ ٢٦٦؛ الأعلام: ٢/ ١٢٧.
[ ٢ / ٤٩ ]
أعْمَالِهِ" (^١).
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: اسْمُ خَاقَانَ: النَّضْرُ بْنُ مُوسَى بن أَبِي الضُّحَى (^٢)، وَاسْمُ أَبِي الضُّحَى (^٣): مُسْلِمُ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (^٤). وَسَمِعَ أَبُو الضُّحَى مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
ط: "والرَّذِيلَةُ (^٥): ضِدُّ الْفَضيلَةِ" (^٦).
ع: الرَّذِيلَةُ: النَّقِيصَةُ. وَأَبَانَهُ: أَيْ أَخْرَجَهُ عَن الْعَامَّةِ.
ط: "وَحَبَاهُ: خَصَّهُ" (^٧). وَالْخِيَمُ": الطَّبْعُ. ع: الْخِيمُ: الْأَصْلُ.
ط: "والسَّنَنُ (^٨): الطَّرِيقُ، وَيُقَالُ: تَنَحَّ عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ، بِفَتْحِ السِّينِ والنُّونِ، وعن سُنُنِ الطَّرِيقِ، بضم السِّينِ والنُّونِ. وعن سُنَنِ الطَّرِيقِ، بِضَمِّ السِّينِ وفتح السِّينِ وفتح النُّونِ. يراد بذلك: مَحَجَّتَهُ وَمَمَرَّهُ" (^٩).
والْخِيَارُ (^١٠): الصَّالِحُونَ، وَهُمْ جَمْعُ خَيِّرٍ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وهو مِنْ: خِرْتُ الشَّيْءَ، أَخِيرُهُ: إِذَا أَخَذْتَ أَجْوَدَهُ وَأَفْضَلَهُ. وَمُعْتَلِقَةٌ (^١١): مُحِبَّةٌ، وَالْعَلَاقَةُ: الْحُبُّ. وصَبَّةٌ: شَيِّقَةٌ.
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٦٧.
(٢) في الأصل (خ): "الضحا"، والصواب ما أثبتناه.
(٣) مسلم بن صبيح الهمداني، أبو الضحى، روى عن النعمان بن بشير وابن عباس وآخرين، وكان ثقة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (١٠٠ هـ). تهذيب التهذيب (١٠/ ١٣٢).
(٤) سعيد بن العاص بن أمية صحابي قرشي، من الأمراء الفاتحين، ولي الكوفة ثم المدينة ثم مكة، توفي سنة (٥٩ هـ). تهذيب ابن عساكر: ٦/ ١٣٣؛ الإصابة: (ت ٣٢٦١)؛ الأعلام: ٣/ ٩٦.
(٥) أدب الكتاب: ٩.
(٦) الاقتضاب: ١/ ٦٧.
(٧) الاقتضاب: ١/ ٦٧، أدب الكتاب: ٩.
(٨) أدب الكتاب: ٩.
(٩) الاقتضاب: ١/ ٦٧.
(١٠) أدب الكتاب: ٩.
(١١) نفسه.
[ ٢ / ٥٠ ]
ز: "وَمَظَانُّ الْقَبُولِ (^١): جمع مَظَنٍّ، وهو مَفْعَلٌ، يُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ، ثُمَّ جَمَعَهُ وَنَصَبَهُ نَصْبَ الظَّرْفِ. تَقْدِيرُهُ: فِي مَظَانِّ الْقَبُولِ، أَيْ فِي الْأَوْقَاتِ التِي يَظُنُّونَ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ" (^٢).
ط: "مَظَانٌّ: جَمْعُ مَظِنَّةٍ، قال النابغة (^٣): (وافر)
فَإِنَّ مَظِنَّةَ الْجَهْلِ الشَّبَابُ (^٤)
يُرِيدُ الْوَقْتَ الذِي يُظَنُّ فِيهِ الْجَهْلُ، وَنَصَبَهُ عَلَى الظَّرْفِ. وَالْعَامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: مُمْتَدَّةٌ، تَقْدِيرُهُ: وَأَيْدِيهِمْ فِيهِ إِلَى اللَّهِ مُمْتَدَّةٌ مَظَانَّ الْقَبُولِ" (^٥).
ع: [أَوْقَاتُ الْإِجَابَةِ] (^٦) قِيلَ: إِنَّهَا ثَلَاثَةٌ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي، وَعِنْدَ الْآذَانِ، وَفِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَيَهْجَعُ (^٧): يَنَامُ.
وقوله: "وَيُلْبِسُهُ لِبَاسَ الضَّمِيرِ" (^٨):
أَيْ يُظهِرُ حُسْنَ مُعْتَقَدِهِ. أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: (مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا) (^٩).
ع: لِبَاسُ الضَّمِيرِ: مَحَبَّاتُ الْقُلُوبِ. وَيَصُورُ (^١٠): يَمِيلُ وَيَصْرِفُ. يُقَالُ:
_________________
(١) نفسه.
(٢) تفسير الزجاجي: ١١٨.
(٣) زيادة بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أمامة، شاعر جاهلي، توفي نحو (١٨ ق. هـ). الشعر والشعراء: ١٥٧؛ الأغاني: ١١/ ٣؛ الخزانة: ٢/ ١٣٥؛ الأعلام: ٣/ ٥٥.
(٤) صدره: فإن يك عامر قد قال جهلًا ديوانه: ٥٧.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٦٧.
(٦) الزيادة من هامش الأصل (خ)، الورقة ١٣.
(٧) أدب الكتاب: ٩.
(٨) نفسه.
(٩) الحديث في كشف الخفاء: ٢/ ٢٦٧؛ مجمع الزوائد: ٤/ ٤٥٧. وقال: رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني وأبو نعيم، وسنده حسن.
(١٠) أدب الكتاب: ٩.
[ ٢ / ٥١ ]
صَارَهُ، يَصُورهُ، وَيَصِيرُهُ، إِذَا أَمَالَهُ. وَقُرِئَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ (^١)، وَصِرْهُنَّ: أَيْ يَجْمَعُ الْقُلُوبَ، الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى مَحَبَّتِهِ.
ط: وقوله: "وَيُسْعِدُهُ بِلِسَانِ الصِّدْقِ فِي الْآخِرِينَ" (^٢): يُرِيدُ: الثَّنَاءَ الْحَسَنَ. قال الله ﷿: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (^٣): أَيْ ذِكْرًا جَمِيلًا.
وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللِّسَانَ هو الخَبَرُ، وَالْكَلَامُ يُسَمَّى لِسَانًا لِأَنَّهُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ، عَلَى مَذْهَبِهِمْ في تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْم الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وَالْمُرَادُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الصِّدْقِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَنَاءً حَسَنًا تُصَدِّقُهُ أَفْعَالُهُ، حَتَّى يَكُونَ الْمُثْنِيُّ عَلَيْهِ غَيْرَ كَاذِبٍ فِيمَا يَنْسُبُهُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكُونُ فَاضِلًا إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ.
وقوله: "وَأَعْفَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كَدِّ النَّظَرِ" (^٤): أَيْ أَرَاحُوهَا مِنْ ذَلِكَ. وَالْعَفْوُ، مَا جَاءَ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ.
وَأَخْزَى: أَفْضَحَ، وَالْخِزْيُ: الْفَضِيحَةُ، يُقَالُ: خَزِيَ، يَخْزَى خِزْيًا: إِذَا افْتَضَحَ. وَخَزَى، يَخْزَى خِزَايَةً: إِذَا اسْتَحْيَا. وَالدَّرَكُ: إدْرَاكُ الْحَاجَةِ، وَالْكَدُّ: التَّعَبُ.
وقوله: "مِنْ مَوْقِفِ رَجُلٍ مِنَ الْكُتَّابِ" (^٥):
قَالَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ (^٦)، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ النَّحَاسِ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ إِنَّمَا وَزَرَ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ شَاعِرًا،
_________________
(١) سورة البقرة (٢): الآية ٢٦٠.
(٢) أدب الكتاب: ٩.
(٣) سورة الشعراء (٢٦): الآية ٨٤.
(٤) أدب الكتاب: ٩.
(٥) نفسه.
(٦) محمد بن الفضل الجرجرائي، أبو جعفر الكاتب، وزر للمتوكل والمستعين العباسيين، من جرجرايا وهي بين بغداد وواسط، توفي سنة (٢٥١ هـ). معجم الشعراء: ٣٧٨؛ معجم البلدان: ٢/ ١٢٣.
[ ٢ / ٥٢ ]
كَاتِبًا، حُلْوَ الشَّمَائِلِ، عَالِمًا بِالْغِنَاءِ، وَوَلِيَ الْوِزَارَةَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ الْمُسْتَعِينِ (^١). وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ الْمَذْكُورُ هُنَا فَأَبُو إِسْحَاقٍ الْمُعْتَصِمُ (^٢).
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ: الْكَاتِبُ أَحْمَدُ بْنُ عَمَّارٍ (^٣)، وَكَذَلِكَ قَالَ الصُّولِيُّ (^٤) " (^٥).
وَقَدْ قِيلَ: هُوَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ (^٦). وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَان وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَّارٍ لَا يُحْسِنَانِ شَيْئًا مِنَ الْأَدَبِ، وَكَانَ عَمَّارٌ طَحَّانًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاء: (سريع)
لا يَعْمُرُ الرَّحْمَنُ مُلْكَ امْرِيءٍ … يُقِيمُهُ رَأْيُ ابْنُ عَمَّارٍ
مَا يَفْرُقُ الطَّحَّانُ مِنْ جَهْلِهِ … مَا بَيْنَ إِيرَادٍ وَإِصْدَارِ (^٧)
فَيُقَالُ: إِنَّ الْمُعْتَصِمَ لَمَّا قَرَأَ هَذَا الشِّعْرَ ضَحِكَ وَعَزَلَ أَحْمَدَ بْنَ عَمَّارٍ.
وَيُرْوَى أَنَّ الْمُعْتَصِمَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَيُكْنَى أَبَا إِسْحَاقٍ،
_________________
(١) أحمد بن محمد بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس، أمير المؤمنين، ولد بسمراء سنة (٢١٩ هـ) وبويع بالخلافة سنة (٢٤٨ هـ)، وتوفي سنة (٢٥٢ هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٤٩٤؛ تاريخ الطبري: ٩/ ٢٥٦؛ تاريخ بغداد: ٥/ ٨٤؛ الكامل: ٥/ ١١؛ النجوم الزاهرة: ٢/ ٣٣٥؛ الأعلام: ١/ ٢٠٤.
(٢) محمد بن هارون الرشيد، أبو إسحاق، من أعاظم خلفاء الدولة العباسية، ولد سنة (١٧٩ هـ)، وبويع بالخلافة سنة (٢١٨ هـ)، توفي سنة (٢٢٧ هـ). الكامل لابن الأثير: ٦/ ١٤٨؛ فوات الوفيات: ٢/ ٢٧٠؛ مروج الذهب: ٢/ ٢٦٩؛ الأعلام: ٧/ ١٢٨.
(٣) هو أحمد بن عمار البصري، والقصة في الخزانة: ١/ ٤٤٩.
(٤) محمد بن يحيى بن عبد الله، أبو بكر الصولي، ويعرف بالشطرنجي، نديم، من أكابر علماء الأدب، توفي سنة (٣٥ هـ). الوفيات: ١/ ٥٠٨؛ النجوم الزاهرة: ٣/ ٢٩٦؛ تاريخ بغداد: ٤/ ٤٢٧؛ لسان الميزان: ٥/ ٤٢٧؛ الأعلام: ٧/ ١٣٦.
(٥) أدب الكتاب للصولي: ١٥٦.
(٦) الفضل بن مروان بن ماسرجس، وزير المعتصم والخلفاء الآخرين بعده، توفي سنة (٢٥٠ هـ)، له "ديوان رسائل"، "الأخبار والمشاهدات". الوفيات: ٤/ ٤٥؛ النجوم الزاهرة: ٢/ ٢٣٣؛ الأعلام: ٥/ ١٥١.
(٧) الأبيات في الخزانة: ١/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٥٣ ]
كَانَ قَلِيلَ الْبِضَاعَةِ مِنَ الْأَدبِ، مُعَرَّى مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ أَبُوهُ عُنِي بِتَأْدِيبِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، فَمَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ لِبَعْضِ الْخَدَم فَقَالَ: لَيْتَنِي كُنْتُ هَذِهِ الْجِنَازَةَ لأَتَخَلَّصَ مِنْ هَمِّ الْمَكْتَبِ، فَأَخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا عَذَّبْتُهُ بِشَيْءٍ يَخْتَارُ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِهِ، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَقْرَأَ طُولَ حَيَاتِهِ. فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، وَاتَّخَذَ ابْنَ عَمَّارٍ وَزِيرًا، وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عَامِلِ الْخَيْلِ يَذْكُرُ فِيهِ خِصْبَ السَّنَةِ، وَأَنَّهُمْ مُطِرُوا مَطَرًا كَثُرَ عَنْهُ الْكَلَأُ.
فَقَالَ لِابْنِ عَمَّارٍ: مَا الْكَلَأُ؟ فَتَرَدَّدَ فِي الْجَوَابِ وَتَعَثَّرَ لِسَانُهُ، ثُمَّ قَالَ: لا أَدْرِي.
فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: إِنَّا لِلَّهِ [وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] (^١)، خَلِيْفَةٌ أُمِّيٌّ وَكَاتِبٌ أُمِّيٌّ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَقْرُبُ مِنَّا مِنْ كُتَّابِ الدَّارِ، فَعُرِّفَ مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزِّيَاتِ (^٢) مِنَ الْأدَبِ. وَكَانَ يَتَوَلَّى قَهْرَمَةَ الدَّارِ، وَيُشْرِفُ عَلَى الْمَطْبَخِ، وَيَقِفُ فِي الدَّارِ فِي دُرَّاعَةٍ سَوْدَاءَ. فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا الْكَلَأُ؟ فَقَالَ: النَّبَاتُ كُلُّهُ، رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ، وَالرَّطْبُ مِنْهُ خَاصَّةً يُقَالُ لَهُ: خَلَّى، وَالْيَابِسُ مِنْهُ خَاصَّةً يُقَالُ لَهُ: حَشِيشٌ. ثُمَّ انْدَفَعَ فِي صِفَةِ النَّبَاتِ مِنْ حِينِ ابْتِدَائِهِ إِلَى حِينِ اكْتِمَالِهِ إِلَى حِينِ هَيْجِهِ. فَاسْتَحْسَنَ الْمُعْتَصِمُ مَا رَأَى مِنْهُ، وَقَالَ: لِيَتَقَلَّدُ هَذَا الْفَتَى الْعَرْضَ. وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَرَقِّيهِ إِلَى الْوِزَارَةِ" (^٣).
ع: الْجَيِّدُ أَنْ يَقُولَ: مَرْكَبَ الْكَسَلِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ، وَالْكَسْلَ مَعَ الْقُدْرَةِ.
_________________
(١) كلمة محذوفة من الأصل (خ)، والزيادة من الاقتضاب: ١/ ٧٠.
(٢) محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، أبو جعفر، المعروف بابن الزيات، وزير المعتصم والواثق العباسيين، عالم باللغة والأدب، من بلغاء الكتاب والشعراء، عذبه المتوكل حتى مات ببغداد، سنة (٢٣٣ هـ)، له ديوان شعر. تاريخ بغداد: ٢/ ٣٤٢؛ الوفيات: ٥/ ٩٤؛ خزانة الأدب: ١/ ٤٤٩؛ الأعلام: ٦/ ٢٤٨.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٦٩ - ٧١؛ القصة في خزانة الأدب: ١/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٥٤ ]
ع: وقوله: "مِنْ تَعَبِ التَّفَكُّرِ" (^١).
قال أبو علي: يُقَالُ: تَعَبٌ وَتَعْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ الأَنْبَارِيِّ (^٢) عن أبيه عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ قال: "كُلُّ شَيْءٍ كَانَ ثَانِيهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شِئْتَ أَسْكَنتَهُ وَإِنْ شِئْتَ حَرَّكْتَهُ" (^٣).
قال أبو إسحاقٍ الزَّجَّاجُ: "هَذَا خَطَأٌ، مَا سُمِعَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْهُ نُقِلَ عَلَى مَا سُمِعَ، وَلَا يُجْعَلُ قِيَاسًا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: وَعْدٌ، وَلَا يُقَالُ: وَعَدٌ. وَالْجَيِّدُ أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ لَعَمْرِي؛ لِأَنَّ "قَدْ" حَرْفٌ يَصْحَبُ الْأَفْعَالَ وَلَا يُفَارِقُهَا" (^٤).
د: قَدْ أَجَازَ النَّحْوِيُّونَ الْفَصْلَ بَيْنَ "قَدْ" وَالْفِعْلِ بِالْقَسَمِ، فَقَالُوا: قَدْ وَاللهِ أَحْسَنْتَ، وَقَدْ لَعَمْرِي كَذَا وَكَذَا.
وقوله: "مِنْ مَقَامِ آخَرَ فِي مِثْلِ حَالِهِ" (^٥).
ط: "هَذَا هُوَ شُجَاعُ بْنُ الْقَاسِمِ (^٦) كَاتِبُ أَوْتَامِشٍ التُّرْكِيِّ (^٧)، وَكَانَ يَتَوَلَّى
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٠.
(٢) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، من أكثر الناس حفظًا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد من القرآن، ولد سنة (٢٧١ هـ)، وتوفي ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). تاريخ بغداد: ٣/ ١٨١؛ تذكرة الحفاظ: ٣/ ٥٧؛ الوفيات: ١/ ٥٠٣؛ نزهة الألباء: ٢٦٤ - ٢٨١؛ غاية النهاية: ٢/ ٢٣٠؛ بغية الوعاة: ١/ ٢١٢؛ الأعلام: ٦/ ٣٣٤.
(٣) الزاهر: ٢/ ٧٣.
(٤) معاني القرآن الزجاج: ١/ ٥٤.
(٥) أدب الكتاب: ١٠.
(٦) هو شجاع بن القاسم. كان كاتب أوتامش التركي، وزير المستعين بالله وقتلا معًا سنة (٢٤٩ هـ)، الكامل: ٥/ ٣١٣.
(٧) وزير المستعين العباسي بعد بيعته وعقد له على مصر والمغرب، وكان هو ورجاله متحكمين في الدولة، فنهبوا الأموال، فثار عليه الشعب فقتل "بالجوسق" هو وكاتبه شجاع في فتنة كبيرة سنة (٢٤٩ هـ). الكامل: ٥/ ٣١٣؛ تاريخ اليعقوبي: ٣/ ٢١٨؛ تاريخ الطبري: ١/ ٨٢؛ مروج الذهب: ٢/ ٣١٩؛ تاريخ بغداد: ٥/ ٨٤.
[ ٢ / ٥٥ ]
عَرْضَ الْكُتُبِ عَلَى الْمُسْتَعِين أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ جَاهِلًا لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ذَكِيُّا تُقْرَأُ عَلَيْهِ عَشَرَةُ كُتُبٍ فَيَحْفَظُ مَعَانِيَهَا، وَيَدْخُلُ إِلَى الْمُسْتَعِينِ فَيَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، وَلَا يَغْلَطُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. فَقَرَأَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ كِتَابًا كَلَّفَهُ قِرَاءَتَهُ وَكَانَ فِيهِ: حَاضِرُ طَيِّءٍ. وَطَيِّءٌ (^١): قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ (^٢). وَحَاضِرُهُمْ: مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ، أَيْ سَكَنَ الْحَاضِرَةَ، فَقَالَ: جَاءَ ضَرَّطِيٌّ، وَالضَّرِطُ لُغَةٌ فِي الضِّرَاطِ. فَضَحِكَ الْمُسْتَعِينُ" (^٣).
د: قال أبو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: هَذَا الْكَاتِبُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَتَصْحِيفُهُ: جَاءَ ضَرَّطِيٌّ.
ط: "وَيُرْوَى أَنَّ شُجَاعًا دَخَلَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ وَذَيْلُ قَبَائِهِ قَدْ تَخَرَّقَ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَعِينُ: مَا هَذَا يَا شُجَاعُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَرَسَ الْكَلْبُ ذَنْبِي فَخَرَقْتُ قَبَاءَهُ، يُرِيدُ: دَرَسْتُ الْكَلْبَ، فَخَرَّقَ قَبَائِي. وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ يَسْتَظْرِفُ مَا يَأْتِي بِهِ، وَمَدَحَهُ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ: (وافر)
أَبُو الْحَسَنِ يَزِيدُ الْمُلْكَ حُسْنًا … وَيَصْدُقُ فِي الْمَوَاعِدِ وَالْفَعَالِ
جَبَانٌ عَنْ مَذَمَّةِ آمِلِيهِ … شُجَاعٌ فِي الْعَطِيَّةِ وَالنَّوَالِ (^٤)
فَقَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ، وَيْلَكَ، أَنِّي جَبَانٌ؟
فَقَالَ: أَعَزَّكَ اللهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكَ جَبَانٌ عَنِ الْبُخْلِ، لَا جَبَانٌ عَنِ الْأَعْدَاءِ، وَاسْتَشْهَدُ بِمَنْ حَضَرَ فَشَهِدُوا لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا تُزَيِّنُونَ مَا أَتَى بِهِ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِعِنَايَتِكُمْ لَا لِشِعْرِهِ" (^٥).
_________________
(١) بنو طيء بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهم من القحطانية؛ جمهرة الأنساب: ٣٩٨؛ نهاية الأرب: ٣٢٦.
(٢) اليمن: البلد المعروف بالذي كان لسبأ جنوب الجزيرة العربية إلى البحر الهندي. معجم ما استعجم: ٤/ ١٤٠١؛ معجم البلدان: ٥/ ٤٤٧.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٧٢.
(٤) البيت فى: الاقتضاب: ١/ ٧١.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٧٣.
[ ٢ / ٥٦ ]
وقوله: "وَمِنْ قَوْلِ آخَرَ فِي وَصْفِ بِرْذَوْنِ أَهْدَاهُ" (^١).
ط: "هَذَا الْكَاتِبُ لا أَعْلَمُ مَنْ هُوَ، وَالْأَرْثَمُ مِنَ الْخَيْلِ: الَّذِي فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا بَيَاضٌ، وَالْأَلْمَظُ: الَّذِي فِي شَفَتِهِ السُّفْلَى بَيَاضٌ، وَإِذَا كَانَ أَبْيَضَ الظَّهْرِ قِيلَ لَهُ: أَرْحَلُ وَأَخْلَسُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "بَابِ شِيَاتِ الْخَيْلِ": الْأَرْثَمَ، وَالْألْمَظَ، وَالْأَرْحَلَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَخْلَسَ" (^٢).
ط: "الْفَيْءُ (^٣): مَا يَعُودُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ جِبَايَةٍ أَوْ مَغْنَمٍ. وَالتَّحَلُّبُ وَالْحَلَبُ سواء، وَهُمَا مَا لَيْسَ بِوَظِيْفَةٍ مَعْلُومَةِ الْمِقْدَارِ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ السُّلْطَانُ شَيْئًا كَلَّفَ الرَّعِيَّةَ إِحْضَارَهُ، شُبِّهَ بِحَلْبِ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ" (^٤).
ابن القوطية: "الْفَيْءُ: الْجِبَايَةُ، وَهُوَ مِنْ فَاءَ، يَفِيءُ: إِذَا رَجَعَ وَعَادَ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى السُّلْطَانِ، وَتَحَلُّبُهُ: اسْتِحْلَابُهُ وَاسْتِدْرَارُهُ مِنْ لَفْظِ الْحَلْبِ" (^٥).
ع: "وَقَعَ فِي الْأُمَّهَاتِ" (^٦): وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَإِخْرَابِ الْبِلادِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ بِالْخَفْضِ، عَطْفًا عَلَى التَّحَلُّبِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ بِجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ وَوُجُوهِهَا، وَبِقَتْلِ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ عَلَى مَنْعِهَا، وَإِخْرَابِ بِلَادِهِمْ عَلَى مُعَانَدَتِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ "الأُمَّهَاتِ" بِرَفْعِ قَوْلِهِ: وَقَتْلُ النُّفُوسِ فِيهِ وَإِخْرَابُ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ على الْقَطْعِ وَالرَّفْعِ بِالْابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: الْعَائِدِ؛ أي: هَذَا كُلُّهُ عَائِدٌ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ (^٧). وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٠.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٧٤.
(٣) أدب الكتاب: ١١.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٧٤.
(٥) الأفعال: ١٤٦.
(٦) إشارة إلى نسخ أدب الكتاب.
(٧) أدب الكتاب: ١١.
[ ٢ / ٥٧ ]
وَقَال مَنْ رَأَى ذَلِكَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَالِمًا بِقَتْلِ النُّفُوسِ، وَإِخْرَابِ الْبِلَادِ.
ط: "وَالنَّخَّاسُ: هُنَا بَائِعُ الرَّقِيقِ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى بَائِعِ الْحَيَوَانِ خَاصَّةً" (^١).
والشَّغَا (^٢): تَرَاكُبُ الْأَسْنَانِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَاخْتِلَافُ مَنَابِتِهَا. يُقَالُ: رجُلٌ أَشْغَى، وَامْرَأَةٌ شَغْوَاءُ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ شغوٌ. وَتُسَمَّى العُقَابُ شَغْوَاءَ: لِزِيَادَةِ مِنْقَارِهَا الْأَعْلَى عَلَى مِنْقَارِهَا الْأَسْفَلِ. ويُقَالُ: شَغِيَتِ السِّنُّ، تَشْغَى شَغًا، وَهِيَ شَغْوَاءٌ وَشَاغِيَةٌ.
ع: وقوله: "شَاغِيَةٌ زَائِدَةٌ" (^٣): أَيْ أَنَّ شَغَاهَا كَانَ بِتَرْكِيبِهَا وَبِزِيَادَتِهَا عَلَى عِدَّتِهَا.
قوله: "تَبَرَّأْتُ إِلَيْهِمْ مِنَ الشَّغَا" (^٤).
يَعْنِي أَنَّهُ مِمَّا لَيْسَ يَنْكَتِمُ لأَنَّ الْعِيَانَ يَلْحَقُهُ، فَزَعَمَ الْمُشْتَرُونَ أَنَّهَا، مَعَ كَوْنِهَا شَاغِيَةً، هِيَ زَائِدَةٌ فِي الْعَدِدِ، وَلِذَلِكَ طَلَبَ النَّحَّاسُ عِدَّةَ الْأَسْنَانِ لِيُعْلَمَ أَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى عَدَدِهَا، أَمْ هِيَ مِنَ الْجُمْلَةِ؟
والسَّبَّابَةُ (^٥): الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإبْهَامَ، وَقِيلَ لَهَا سَبَّابَةٌ مِنْ لَفْظِ السَّبَبِ لأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا وَيُتَسَبَّبُ إِلَى الْمَجْهُولِ. وَقِيلَ: مِنْ لَفْظِ السَّبِّ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا فِي الْمُنَازَعَاتِ، وَيُقَالُ لَهَا: الدَّعَّاءَةُ لأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ التَّشَهُّدِ.
ط: "وَالْأَسْنَانُ إِذَا كَمُلَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا: أَرْبَعُ ثَنَايَا، وَأَرْبَعٌ رَبَاعِيَاتٌ، وأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، وَأَرْبَعَةُ ضَوَاحِكٍ، وَاثْنَتَا
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٧٤.
(٢) أدب الكتاب: ١١.
(٣) نفسه.
(٤) أدب الكتاب: ١١.
(٥) نفسه.
[ ٢ / ٥٨ ]
عَشْرَةَ رَحًى، وَأَرْبَعَةُ نَوَاجِذٍ، وَهِيَ أَقْصَاهَا وَآخِرُهَا نَبَاتًا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تَخْرُجُ لَهُ فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ: ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْرُجُ لَهُ اثْنَانِ مِنْهُمَا فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ ثَلَاثِينَ. وَيَزْعَمُونَ أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ النَّوَاجِذُ كَانَ وَافِرَ اللِّحْيَةِ، وَمَنْ لَمْ تَخْرُجْ لَهُ كَانَ كَوْسَجًا" (^١).
وقوله: "فَمَا رَأَيْتُ أَحَدُا مِنْهُمْ يَعْرِفُ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْوَكَعِ وَالْكَوَعِ" (^٢).
ط: "الوكَعُ فِي الرِّجْلِ أَنْ تَمِيلَ إِبْهَامُهَا عَلَى الْأَصَابِعِ حَتَّى يُرَى أَصْلُهَا خَارِجًا" (^٣).
ر: "وَمِنْهُ قِيلَ: أَمَةٌ وَكْعَاءُ" (^٤). وَالْكَوَعُ فِي الْكَفِّ أَنْ تَعْوَجَّ مِنْ قِبَلِ الْكُوعِ، وَالْكُوعُ: رَأْسُ الزِّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ، وَالْكُرْسُوغُ: رَأْسُ الزِّنْدِ الذِي يَلِي الْخِنْصِرَ. وَالْحَنَفُ: أَنْ تَمِيلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ إِبْهَامِي الرِّجْلِ عَلَى الرِّجْلِ الأُخْرَى، وَهُوَ خِلَافُ الْوَكَع، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْمَعِي (^٥).
وَقِيلَ: الْحَنَفُ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِي (^٦).
وَالْأَقْفَدُ: الَّذِي يَمْشِي عَلَى صَدْرِهِمَا عَنْهُ أَيْضًا.
ع: وقال ابْنُ دُرَيْدٍ: "الْحَنَفُ: انْقِلَابُ الْقَدَمِ حَتَّى يَصِيرَ بَطْنُهَا ظَهْرًا" (^٧).
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٧٤.
(٢) أدب الكتاب: ١١.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٧٦.
(٤) تفسير الزجاجي: ١٢٢.
(٥) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد، راوية العرب وأحد أئمة اللغة والشعر، ولد وتوفي بالبصرة سنة (٢١٦ هـ). الوفيات: ١/ ٢٨٨؛ تاريخ بغداد: ١٠/ ٤١٠؛ نزهة الألباء: ١٢؛ الأعلام: ٤/ ١٦٢.
(٦) محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي، أبو عبد الله، راوية نسابة، اللغوي، كوفي ربيب المفضل الضبي، مات بسامراء سنة (٢٣١ هـ). تاريخ بغداد: ٥/ ٢٨٢؛ نزهة الألباء: ٢٠٧؛ معجم الأدباء: ٧/ ٥؛ الوفيات: ١/ ٤٩٢؛ الوافي بالوفيات: ٣/ ٢٢٠؛ بغية الوعاة: ١/ ١٠٥؛ الأعلام: ٦/ ١٣١.
(٧) الجمهور: ٢/ ١٧٨.
[ ٢ / ٥٩ ]
ط: "وَالْفَدَعُ فِي الْكَفِّ: زَيْغٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَظْمِ السَّاعِدِ، وَفِي الْقَدَم: زَيْغٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَظمِ السَّاقِ، وَاللَّمَى: سُمُرَةُ الشَّفَتَيْنِ تُخَالِطُهَا حُمْرَةٌ، وَذَلِكَ مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ وَيُسْتَحَبُّ" (^١).
وَاللَّطَعُ: بَيَاضٌ فِي الشَّفَتَيْنِ، وَذَلِكَ مِمَّ يُذَمُّ بِهِ، وَاللَّطَعُ أَيْضًا، أَنْ تَنْكَسِرَ الْأَسْنَانُ وَتَبْقَى أُصُولُهَا.
وَاللَّطَعُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَرْجُ الْمَرْأَةِ قَلِيلَ اللَّحْمِ، وَالْمُسْتَحَبُّ مِنَ الْفَرْجِ أَنْ يَكُونَ نَاتِئًا كَثِيرَ اللَّحْمِ. كَمَا قَال: (كامل)
رَابِيَ الْمَجَسَّةِ بِالْعَبِيرِ مُقَرْمَدِ (^٢)
وَقَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ يَصِفُ أَمْرَأَةً:
قَامَتْ تَمَطَّى وَالْقَمِيصُ مُنْخَرِقْ … فَصَادَفَ الْخَرْقُ مَكَانًا قَدْ حُلِقْ
كَأَنَّهُ قَعْبُ نَضَارٍ مُنْفَلِقْ (^٣)
وقوله: "في تَقْويمِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ" (^٤):
ط: "تَقْوِيمُ اللِّسانِ: اسْتِقَامَتُهُ فِي الْكَلَام حَتَّى لَا يَلْحَنَ، وَتَقْوِيمُ الْيَدِ: اسْتِقَامَتُهَا فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْهِجَاءِ لَحْنٌ فِي الْخَطِّ كَمَا أَنَّ فَسَادَ الْإِعْرَابِ لَحْنٌ فِي الْقَوْلِ" (^٥).
وَأَعْفَيْتُهُ: أَخْلَيْتُهُ.
قوله: "لِتَحَفُّظِهِ" (^٦): التَّحَفُّظُ: مَصْدَرُ تَحَفَّظْتُ الْعِلْمَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٧٧.
(٢) البيت للنابغة وصدره: وَإِذَا طَعَنْتَ طَعَنتَ فِي مُسْتَهْدِفٍ وهو في ديوانه: ٩٩؛ الخزانة: ٧/ ٥٧٣؛ الكامل: ١/ ٩٩.
(٣) الرجز في شرح ديوان الحماسة بدون نسبة: ٢/ ٦٦.
(٤) أدب الكتاب: ١٢.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٧٧.
(٦) أدب الكتاب: ١٢.
[ ٢ / ٦٠ ]
شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَالتَّفَعُّلُ يَأْتِي لِأَخْذِ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ.
وَأَمَّا الْحِفْظُ: فَهُوَ أَخْذُ الْمَحْفُوظِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَتَحْصِيلُهُ.
وقوله: "إِنْ فَاءَتْ بِهِ هِمَّتُهُ" (^١): كَذَا الرِّوَايَةُ، فَاءَتْ بِالْفَاءِ، وكانَ أَبُو عَلِيٍّ البغدادِي يَقُولُ: الصَّوَابُ "نَأَتْ بِهِ هِمَّتُهُ" بِالنُّونِ: أَي نَهَضَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاءَ بِالْحِمْلِ، يَنُوءُ: إِذَا نَهَضَ بِهِ مُتَثَاقِلًا. وَالذِي أَنْكَرَ أَبُو عَلِيٍّ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَمَعْنَاهُ: إِنْ رَجَعَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ الذِي أَغْفَلَهُ.
والفَيْءُ: الرُّجُوعُ، فَالْهَاءُ فِي "بِهِ" فِيمَنْ قَالَ: نَأَتْ بِالنُّونِ تَعُودُ إِلَى الْكِتَابِ، كَمَا يَقُولُ: نَاء بِالْحِمْلِ: إِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ وَأَطَافَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى مُغْفِلِ التَّأْدُّبِ: أَيْ إِنْ نَهَضَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ. وَمَنْ رَوَى فَاءَتْ، بِالْفَاءِ، فَالْهَاءُ فِي "بِهِ" تَعُودُ عَلَى الْمُغْفِلِ لِلتَّأَدُّبِ، أَيْ إِنْ رَجَعَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ بَعْدَ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ.
ع: إِنَّمَا صَوَّبَ أَبُو عَلِيٍّ: نَاءَتْ لِأَنَّهَا تَتَعَدَّى بِالبَاءِ، وَفَاءَتْ بِإِلَى، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ: إِنْ فَاءَتْ إِلَيْهِ هِمَّتُهُ.
وأَضَلَّ: أَتْلَفَ. يُقَالُ: أَضَلَّ الرَّجُلُ نَاقَتَهُ: إِذَا ضَلَّتْ لَهُ وَتَلِفَتْ. وَأَسْتَظْهِرُ: أَسْتَعِدُّ، وَاسْتَظْهَرَ بِكَذَا: اسْتَعَانَ بِهِ. والآلَةُ: الْأَدَاةُ.
والوَطَرُ: الْحَاجَةُ، وَالْإِدَالَةُ (^٢): مَصْدَرُ أُدِيلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ، إِذَا صُرِفَ عَنْهُ وَعُزِلَ.
ط: "يَقُولُ: كِتَابِي مُعَدًّا مَذْخُورًا لِمُغْفِلِ التَّأَدُّبِ الَّذِي شَغَلَهُ جَاهُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَالنَّظَرِ، فَإِذَا عُزِلَ عَنْ عَمَلِهِ قَرَأَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ إِلَيْهِ فَضْلُ النَّظَرِ، وَهُوَ فِي جَاهِهِ وَحُرْمَتِهِ، قَضَى مِنْهُ وَطَرَهُ" (^٣).
قوله: "وَأَلْحَقَهُ، مَعَ كَلَالِ الْحَدٍّ" (^٤) الكلام.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٨.
(٢) المفردات في أدب الكتاب: ١٢.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٧٨.
(٤) أدب الكتاب: ١٢.
[ ٢ / ٦١ ]
ط: "هَذِهِ كُلُّهَا أَمْثَالٌ وَاسْتِعَارَاتٌ ضَرْبَهَا لِقَارِيءِ كِتَابِهِ. وَالْمُرْهَفُ: السَّيْفُ الْحَدِيدُ، وَالْكَلِيلُ: الَّذِي لَا يَقْطَعُ، ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْبَلَادَةِ كما ضَرَبَ الْمُرْهَفَ لِلذَّكَاءِ، وَكَذَلِكَ يُبْسُ الطِّينَةِ مَضْرُوبٌ لِسُوءِ الذِّهْنِ عَنْ قَبُولِ الْعِلْمِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّينَ إِذَا كَانَ رَطْبًا ثُمَّ طُبعَ فِيهِ قَبِلَ نَقْشَ الطَّابِعِ، وَإِذَا كَانَ يَابِسًا لَمْ يَقْبَل النَّقْشَ.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "بَابِ الْمَصَادِرِ" (^١) مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْكَلَالَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِعْفَاءِ، وَفِي السَّيْفِ: كَلَّ، يَكِلُّ كِلَّةً، وَخَالَفَ هُنَا مَا قَالَهُ هُنَاكَ" (^٢).
وَالْكَوْدَنُ (^٣): الْبَغْلُ. وقال التَّوَّزِيُّ (^٤) في كِتَابِ "الْأَضْدَادِ": "الْكَوْدَنُ: الْبِرْذَوْنُ يَكُونُ بَيْنَ الْقِلَاصِ، يُرْكَبُ فَتَتْبَعُهُ الْقِلَاصُ، وأنشد: (رجز)
أَمَا تَرَيْنِي رَاضِيًا بِالإِهْمَادِ … كَالْكَوْدَنِ الْمَرْبُوطِ بَيْنَ الْأَوْتَادِ (^٥)
أتى (^٦) عَلَى أَنَّ الْإِهْمَادَ: السُّكُونَ هُنَا، لَا السُّرْعَةَ" (^٧).
وفي "الجمهرة": "الْكَوْدَنُ: الْبِرْذَوْنُ الْهَجِينُ" (^٨).
_________________
(١) أدب الكتاب: ١/ ٣٣٣.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٧٨.
(٣) أدب الكتاب: ١/ ٣٣٣.
(٤) عبد الله بن محمد بن هارون التوزي، أبو محمد، مولى قريش، من أئمة اللغة، توفي سنة (٢٣٨ هـ)، صنف كتبًا كثيرة. أخبار النحويين البصريين: ٨٥؛ مراتب النحويين: ١٢٢؛ إنباه الرواة: ٢/ ١٢٦؛ بغية الوعاة: ٢/ ٦١؛ المزهر: ٢/ ٤٠٨؛ نزهة الألباء: ١٧٢.
(٥) الرجز لرؤبة فى ديوانه: ق ١٦، روايته: لمَّا رَأَتْنِي … كالْكُرَّزِ وفي الأغاني: ٢٠/ ٣٢٣: كالكرز المشدود. والكرز: البازي سقط ريشه: ل (كرز).
(٦) بياض في الأصل (خ).
(٧) الأضداد التوزي: ٥٠.
(٨) الجمهرة (دكن): ٢/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٦٢ ]
وَالْمِضْمَارُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْخَيْلُ، وَالْعِتَاقُ: الْكِرَامُ السَّابِقَةُ مِنْهَا.
قوله: "فَعَرَفَ الصَّدْرَ وَالْمَصْدَرَ" (^١).
ط: "الصَّدْرُ: الْفِعْلُ نَفْسُهُ لأَنَّهُ صَدَرَ عَنِ الْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ: الْحَدَثُ، وَكِلَاهُمَا اسْمُ الْفِعْلِ، أَعْنِي الْمَصْدَرَ وَالْحَدَثَ، وَسُمِّيَ حَدَثًا لِأَنَّ الْفَاعِلَ يُحْدِثُهُ، وَسُمِّي مَصْدَرًا لأَنَّ الْفِعْلَ اشْتُقَّ مِنْهُ، فَصَدَرَ عَنْهُ الْفِعْلُ كَمَا صَدَرَ الصَّادِرُ عَن الْمَكَانِ" (^٢).
وَهَذَا الاسْمُ مَنْقُولٌ لَهُ (^٣) شربها الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ إِذَا شَرِبَتْ (^٤) وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ أَصْلُ الْفِعْلِ، وَلَوْ لم يَكُنْ لَهُ أَصْلًا لَمْ يُسَمَّ مَصْدَرًا فِي جُمْلَةِ اسْتِدْلَالَاتِهِمْ، وَلَكَانَ أَحَقُّ بِأنْ يُسَمَّى "صَادِرًا" مِنْ أَنْ يُسَمَّى "مَصْدَرًا"، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي يَقُولُ: إِنَّمَا أَرَادَ بِالصَّدْرِ الأَفْعَالَ الْمُشْتَقَةَ مِنَ الْمَصْدَرِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ، وَكَانَ يَرَى أَنْ الصَّدْرَ جَمْعُ صَادِرٍ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ، وَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ. وَأَمَّا الْحَالُ: فَهِيَ هَيْأَةُ الْفَاعِلِ فِي حِينِ إِيقَاعِهِ الْفِعْلَ، وَهَيْأَةُ الْمَفْعُولِ فِي حِينِ وُقُوع الْفِعْلِ بِهِ، الْأَوَّلُ: "جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا"، والثاني: "زَيْدٌ جَالِسًا". ولها سبعة شروط:
- أَنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُشْتَقِّ.
- وَأَنْ تَكُونَ مُنْتَقِلَةً أَوْ فِي حُكْم الْمُشْتَقِّ.
- وأن تكون نَكِرَةً أو في حُكْم النَّكِرَةِ.
- وأن تكون بَعدَ كَلامٍ تَامٍّ أو في حُكْمِ التَّامِّ.
- وأن تكون بَعْدَ اسْمِ مَعْرِفَةٍ أو فِي حُكْمِ الْمَعْرِفَةِ.
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٢.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٧٨.
(٣) بياض في الأصل (خ).
(٤) بياض في الأصل (خ).
[ ٢ / ٦٣ ]
- وأن تَكُونَ مُقَدَّرَةً بِفِي.
- وأن تَكُونَ مَنْصُوبَةً.
ولها أقسام كثيرة: فَمِنْهَا الْحَالُ الْمُسْتَصْحِبَةُ، كَقَوْلِكَ: "هَذَا زَيْدٌ قَائِمًا". وَمِنْهَا الْحَالُ الْمَحْكِيَةُ، كَقَوْلِكَ: "رَأَيْتُ زَيْدًا أَمْسِ ضَاحِكًا". ومنها الحال المُقَدَّرَةُ كَقَوْلِكَ: "سَيَخْرُجُ زَيْدٌ مُسَافِرًا غَدُا". ومنها الحَالُ السَّادَّةُ مَسَدَّ الْأَخْبَارِ، كقولك: "ضَرْبِي زَيْدًا قَائِمًا". وَمِنْهَا الْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (^١). ومنها الحال المُوَطِّئَةُ كقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (^٢).
فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ "لِسَانُا" هُوَ الْحَالُ، وَعَرَبِيُّا هُوَ التَّوْطِئَةُ، وَمَعْنَى التَّوْطِئَةُ: أَنَّ الْاسْمَ الْجَامِدَ لَمَّا وُصِفَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا صَلُحَ أَنْ يَقَعَ "حَالًا".
وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ: عَرَبِيُّا هُوَ الْحَالُ، وَلِسَانًا هُوَ التَّوْطِئَةُ، وَمَعْنَى التَّوْطِئَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحَالَ لَمَّا كَانَتْ صِفَةً مَعْنَوِيَّةً شَبيهَةً بِالصِّفَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَكَانَ حُكْمُ الصِّفَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ. فُعِلَ مِثْلُ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَقُدِّمَ لَهَا مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى التَّوْطِئَةِ فِي الْحَالِ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِي الْاِسْم الْجَامِدِ تَأْوِيلٌ يُخْرِجُهُ إِلَى حُكْم الْاِسْمِ الْمُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ كَيْفَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، فقال: (أَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا) (^٣).
فَالتَّوْطِئَةُ تَكُونُ هَاهُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجْعَلَ رَجُلًا فِي تَأْوِيلِ فَقَوْلِهِ: مَرْئِيُّا أَوْ مَحْسُوسًا، وَهُمَا اسْمَانِ جَارِيَانِ عَلَى الْفِعْلِ.
_________________
(١) سورة البقرة (٢): الآية ٩١.
(٢) سورة الأحقاف (٤٦): الآية ١٢.
(٣) الحديث رواه البخاري: بدء الخلق: (ح ٩) ٤/ ٨٠؛ والنسائي، افتتاح: ٢/ ١٤٨؛ ومالك، مس القرآن: ٧ (ح ٣٢٣) ١٦٣.
[ ٢ / ٦٤ ]
وَالثَّاني: أنْ يُرِيدَ: "مِثْلَ رَجُلٍ" فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: "إِنَّ سَبِيلَهَا أَنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً أَوْ فِي حُكْمِ الْمُشْتَقِّ".
وَأَمَّا الْحَالُ الَّتِي فِي حُكْمِ الْمُتَنَقِّلِ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (^١)، فَالْحَقُّ لَا يُفَارِقُهُ التَّصْدِيقُ، وَلَكِنْ لَمْا كَانَ الْمُخْبِرُ يَذْكُرُ الْحَقَّ لِيُصَدِّقَ بِهِ حَقُّا آخَرَ، وَقَدْ يَذْكُرُهُ لِنَفْسِهِ، أَشْبَهَتِ الْحَالُ الْمُنْتَقِلَةَ حِينَ كَانَ لَهَا مَعْنَيَانِ تَنتَقِلُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ.
وأما الظُّرُوفُ: فَهِيَ أَسْمَاءُ الْأَزْمِنَةِ وأَسْمَاءُ الْأَمْكِنَةِ إذا جُعِلَتْ مَحَلًّا لأُمُورٍ تَقَعُ فِيهَا، كَقَوْلِكَ: "أَعْجَبَنِي الْخُرُوجُ الْيَوْمَ"، "فَالْيَوْمَ" مَحَلٌّ لِلْخُرُوج الذِي أَسْنَدْتَ الْحَدِيثَ إِلَيْهِ، فَإِذَا قُلْتَ: "أَعْجَبَنِي الْيَوْمُ" أَوْ قُلْتَ: "الْيَوْمُ مُبَارَكٌ"، لَحِقَ بِالْأَسْمَاءِ وَلَمْ يُسَمَّ ظَرْفًا لِأَنَّكَ إِنَّمَا تُحَدِّثُ عَنْهُ لَا عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ، فَمِنْ خَاصَّةِ الظَّرْفِ أَلَّا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، وَأَنْ يَصْلُحَ فِيهِ تَقْدِيرُ "فِي"، فَإِذَا فَارَقَهُ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا" (^٢).
وقوله: "وَشَيْئًا مِنَ التَّصَارِيفِ وَالْأَبْنِيَةِ" (^٣).
ط: "هَذَا مِنْ أَجَلِّ "عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ" لأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْأَصْلِيِّ مِنَ الزَّائِدِ، والصَّحِيحِ مِنَ الْمُعْتَلِّ، وَالتَّامِّ مِنَ النَّاقِصِ، وَالْمُظْهَرِ مِنَ الْمُدْغَمِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
تَصْرِيفُ لَفْظٍ فَقَطْ، وَتَصْرِيفُ مَعْنًى فَقَطْ، وَتَصْرِيفُ لَفْظٍ وَمَعْنًى مَعًا.
فَأَمَّا تَصْرِيفُ اللَّفْظِ، فَنَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَعَاقُبُ الْحَرَكَاتِ أوِ الْحُرُوفِ عَلَى اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ، كَقَوْلِكَ: "زَيْدٌ، زَيْدًا، زَيْدٍ" "أَخُوكَ، أَخَاكَ، أَخِيكَ".
_________________
(١) سورة فاطر (٣٥): الآية ٣١.
(٢) الاقتضاب: ١ من ٧٨ إلى ٨١.
(٣) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٦٥ ]
وَالثَّاني: تَغْيِيرُ الصُّوَرِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعَانِي نحو: "ضَارِبٌ، وضَرَّابٌ، ومِضْرَابٌ، ضَرِبٌ، وضَرِيبٌ". وَأَمَّا تَصْرِيفُ الْمَعْنَى وَحْدَهُ فهو اخْتِلَافُ الْمَعَانِي مع اتِّفَاقِ الْأَلْفَاظِ كَـ"الهِلَالِ" يَتَصَرَّفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى عِشْرِينَ مَعْنَى. و"القَمَرُ" على سِتَّةِ مَعَانٍ، و"الكَوْكَبُ" على خمسةٍ، والنَّجْمِ عَلَى سِتَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَصْرِيفُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ وَيَخْتَلِفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِ: كَـ"ضَارِبٍ" لِفَاعِلِ الضَّرْبِ، و"مَضْرُوبٍ" لِلَّذِي وَقَعَ بِهِ الضَّرْبُ، وَمَضْرَبٍ، بِفَتْحِ الرَّاءِ لِلْمَصْدَرِ، وَمَضْرِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ، لِلْمَكَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الضَّرْبُ أَوِ الزَّمَانِ، وَمِضْرَبٌ لِلْعُودِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ" (^١).
"وَأَمَّا انْقِلَابُ الْيَاءِ عَنْ الْوَاوِ" (^٢) فَفِي مَوَاضِعَ.
ز: "الْوَاوُ تُقْلَبُ يَاءً إِذَا اجْتَمَعَا وَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِسْكُونٍ، تُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً وَتُدْغَمُ الْيَاءُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، فَمَا سَبَقَتْ فِيهِ الْيَاءُ، نحو: "سَيِّدٍ، وَمَيِّتٍ، وَهَيِّنٍ، وَطَيِّبٍ"، وَمَا سَبَقَتْ فِيهِ الْوَاوُ، نَحْوَ: "طَوَيْتُ طَيًّا، وَلَوَيْتُ لَيًّا"، وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً إِذَا سَكَنَتْ وَانْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا، نحو: "مِيزَانٍ، ومِيعَادٍ"، وَالْأَصْلُ: "مِوْزَانٌ، وَمِوْعَادٌ"، فَإِذَا جُمِعَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْأَصْلِ فَقُلْتَ: "مَوَازِينٌ، وَمَوَاعِيدٌ. وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً إِذَا وَقَعَتْ رَابِعَةً فَصَاعِدًا، نحو: "أَغْزَيْتُ وَاسْتَغْزَيْتُ". وَتُقْلَبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا، نحو: "غُزِيَ، وَدُعِيَ".
وفي التَّثْنِيَةِ، نحو: "يُغْزَيَانِ، وَيُدْعَيَانِ"، فَتَصِيرُ كَذَوَاتِ الْيَاءِ، نحو: "يُرْمَيَانِ، وَيُعْطَيَانِ"، لِتَجَاوُزِهِمَا ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، وَتُقْلَبُ لِاجْتِمَاعِ الْحَرْفَيْنِ المِثْلَيَيْنِ بَدَلًا مِنْ أَحَدِهِمَا، نَحْوَ: تَسَرَّيْتُ وَتَقَصَّيْتُ، وَالْأَصْلُ: تَسَرَّرْتُ، وَتَقَصَّصْتُ، وَتَمَطَّطْتُ، ونحو: "دِيبَاجٍ، وَدِيوَانٍ، وَدِيمَاسٍ"، والأصل: "دِبَّاجٌ، وَدِوَّانٌ، وَدِمَّاسٌ"، فإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: دَوَاوِين، فَتَرُدُّ الْوَاوَ إِلَى الْأَصْلِ، وقالوا: "عِيدٌ وَأَعْيَادٌ، وَدِيمَةٌ وَدِيَمٌ وَأَصْلُهُ الْوَاوُ. وَتُقْلَبُ يَاءً فِي "عَتَا عُتِيُّا"،
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٨٠ - ٨١.
(٢) أدب الكتاب: ١٢.
[ ٢ / ٦٦ ]
وَأَصْلُهُ "عُتُوًّا" إِلَّا أَنْ تُرِيدَ الْجَمْعَ، فَتَقُولُ: "عَاتٍ وَعَتِيٌّ" لَا غَيْر.
وَقَدْ قُلِبَتْ يَاءً فِي قَيَّامٍ، وَدَيَّارٍ. وَتُقَلَبُ يَاءً فِي تَصْغِيرِ كُرْدُوسٍ، وَبُهْلُولٍ، تقول: "كُرَيْدِيسٌ، وبُهَيْلِيلٌ" وفي الجمع في: "بَهَالِيلٍ، وَكَرَادِيسٍ". وَتُقَلَبُ فِي "مَفْعُولٍ"، إذا كَانَتْ اللَّامُ مِنْهُ يَاءً، نحو: "مَرْضِيٌّ"، و"مَرْمِيٌّ".
وَقَدْ أُبْدِلَتْ مِنَ النُّونِ فِي دِينَارٍ وَقِيرَاطٍ، وَالْأَصْلُ: دِنَّارٌّ وَقِرَّاطٌ، لقولهم: دَنَانِيرٌ وَقَرَارِيطٌ.
وَقَدْ قُلِبَتْ يَاءً فِي: "قِيَام"، وفي حَالَتِ النَّاقَةُ حِيَالًا. وَفِي سَوْطٍ وَسِيَاطٍ، وَرَوْضٍ وَرِيَاضٍ، وفي حَقْوٍ وَأَحُقٍ، وَدَلْوٍ وَأَدْلٍ، وَغَازٍ وَدَاعٍ" (^١).
"وَأَمَّا إِبْدَالُ الْيَاءِ وَاوًا" (^٢):
ز: "تُقْلَبُ الْيَاءُ وَاوًا إِذَا سَكَنَتْ وَانْضَمَّ مَا قَبْلَهَا، نَحْوَ: "مُوسِرٍ" و"مُوقِنٍ"، وفي نَسَبِ الْمَقْصُورٍ، نَحْو: "رَحَوِيٍّ وَبَدَوِيٍّ".
وتُبْدَلُ فِي "فَعْلَى" إِذَا كَانَتِ اسْمًا، نحو: "التَّقْوَى وَالشَّرْوَى، مِنْ "شَرَيْتُ" و"تَقَيْتُ".
وَقَدْ أُبْدِلَتْ فِي فُعْلَى وَهِيَ عَيْنٌ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: "الطُّوبَى"، و"الكُوسَى".
وَأَمَّا انْقِلَابُ الْأَلِفِ عَنِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، ففي كُلِّ مَوْضِعٍ تَتَحَرَّكُ فِيهِ الواوُ واليَاءُ وَقَبْلَهُمَا فَتْحَةٌ في العَيْنِ كَـ"قَالَ" و"بَاعَ"، وفِي اللَّامِ كَـ"مَشَى وَدَعَا" وقَدْ أُبْدِلَتْ فَاءً فِي "يَاجَلُ" وَ"يَاحَلُ" مِنْ "يَوْجَلُ وَيَوْحَلُ" (^٣).
ط: "وَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ عَنِ الْأَلِفِ فِي نَحْوِ: سِرْبَالٍ، وَسَرَابِيلٍ" (^٤).
وقوله: "وَلَابُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَشْكَالِ لِمِسَاحَةِ الْأَرَضِينِ" (^٥).
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١٢٦.
(٢) أدب الكتاب: ١٢.
(٣) تفسير الزجاجي: ١٢٨.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٨٢.
(٥) أدب الكتاب: ١٢.
[ ٢ / ٦٧ ]
أبو علي: لَابُدَّ: أَي لا مَحَالَةَ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ اشْتِقَاقًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبِدَّةَ: وَهو النَّصِيبُ، وَالْبُدُّ: صَنَمٌ لِأَهْلِ الْهِنْدِ يَعْبُدُونَهُ.
ط: "الْمِسَاحَة (^١): مَصْدَرُ مَسَحْتُ الْأَرْضَ، إِذَا ذَرَعْتَهَا، وَالمُثَلَّثُ (^٢) عَلَى الإطلاقِ هُوَ أَوَّلُ السُّطُوحِ التي تُحِيطُ بِهَا خُطُوطٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وهي كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَمَبْدَؤُهَا مِنَ الْمُثَلَّثِ، وَتَتَرَقَّى صَاعِدَةً، فيكون أَوَّلُهَا الْمُثَلَّثُ، وهو الذِي تُحِيطُ بِهِ ثَلَاثَةُ خُطُوطٍ، ثم المُرَبَّعُ، وَهُوَ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ أَرْبَعَةُ خُطُوطٍ، ثُمَّ الْمُخَمَّسُ، ثُمَّ المُسَدَّسُ تَتَزَايَدُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا صَارَ الْمُثَلَّثُ أَوَّلَهَا لِأَنَّ خَطَّيْنِ مُسْتَقِيمَيْنِ لَا يُحِيطَانِ بِسَطْحٍ، وما كان مِنْ هَذِهِ السُّطُوحِ يُحيطُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ خُطوطٍ فإنه يسمى: "الْكَثِيرَ الزَّوَايَا"، ومَبْدَؤُهَا: الْمُخَمَّسُ.
وَأَنْوَاعُ الْمُثَلَّثِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ خُطُوطٌ مُسْتَقِيمَةٌ ثَلَاثَةٌ: مُثَلَّثٌ قَائِمٌ الزَّاوِيَةِ، وَمُثَلَّثٌ حَادُّ الزَّاوِيَةِ، وَمُثَلَّثٌ مُنْفَرِجُ الزَّاوِيَةِ. وَالزَّوَايَا ثَلَاثٌ: قَائِمَةٌ، وَحَادَّةٌ، وَمُنْفَرِجَةٌ.
وَالْمُثَلَّثُ الْقَائِمُ الزَّاوِيَةِ نَوعانِ: مُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ ضِلَعَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ مِنْ أَضْلاعِهِ، وَمُخْتَلِفُ الْأَضْلاعِ، وَهُوَ الَّذِي أَضْلاعُهُ كُلُّهَا مُخْتَلِفَةٌ.
وَالْمُثَلَّثُ الْحَادُّ الزَّاوِيَةِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعَ: الْمُتَسَاوِي الْأَضْلَاعِ. وَالْمُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَالْمُخْتَلِفُ الأَضْلَاعِ، وَالْمُثَلَّثُ الْمُنْفَرِجُ الزَّاوِيَةِ نَوْعَانِ: مُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَمُخْتَلِفُ الأَضْلَاعِ.
وأما قوله: وَمَسَاقِطُ الْأَحْجَارِ (^٣): فَإِنَّ مَسْقِطَ الْحَجَرِ هُوَ الْخَطُّ الذي يَخْرُجُ مِنْ زَاوِيَةِ الْمُثَلَّثِ إلى الضِّلَعِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا، ويسمى: "الْعَمُودَ" أَيْضًا، ويُقَالُ لِلضِّلَعِ التي يَقَعُ عَلَيْهَا مَسْقِطُ الْحَجَرِ: "الْقَاعِدَةُ". وَهَذَا هو أحدُ الْعَمُودَيْنِ اللذين ذَكَرَهُمَا، والْعَمُودُ الْآخَرُ: كُلُّ خَطٍّ قَامَ عَلَى خَطٍّ آخَرَ قِيَامًا مُعْتَدِلًا، فَإِنَّ الْخَطَّ
_________________
(١) نفسه.
(٢) أدب الكتاب: ١٣.
(٣) نفسه.
[ ٢ / ٦٨ ]
الأسْفَلَ يُقَالُ لَهُ: "القَاعِدَةُ"، والقَائِمُ يُقَالُ لَهُ: "الْعَمُودُ"، وتُسَمَّى الزَّاوِيَتَانِ اللَّتَانِ عَنْ جَنْبَتَي الْعَمُودِ الْأَوَّلِ: قَائِمَتَيْنِ، فَإِنْ مَالَ العَمُودُ إلى إِحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ قِيلَ لِلزَّاوِيَةِ الَّتِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَيْلِ "حَادَّةٌ"، ولِلثَّانِيَةِ: "مُنْفَرِجَةٌ" (^١).
والزَّاوِيَةُ الْقَائِمَةُ هِيَ أَنْ يَقُومَ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، فَتَصِيرَ الزَّاوِيَتَانِ اللَّتَانِ عَنْ جَنْبَتَيْهِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
ز: "وَالْخُطُوطُ ثَلَاثَةٌ: مُسْتَقِيمٌ، وغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَمُدَوَّرٌ. فالمستقيم على ما قَالَ إِقْلِيدَسُ: هُوَ الْمَوْضُوعُ عَلَى أَيِّ النُّقَط كَانَتْ، يَعْنِي إِذَا وَصَلْتَ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بِخَطٍّ، فَذَلِكَ الْخَطُّ هُوَ الْمُسْتَقِيمُ. وقال غيره: الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ كُلُّ خَطٍّ وُجِدَ فِيهِ ثَلَاثُ نُقَطٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ.
وقَالَ قُسْطَا (^٢): الخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ وَصَلَ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ. وَغَيْرُ الْمُسْتَقِيم يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْمُقَوَّسُ والدَّائِرَةُ. فَإِنْ انْحَرَفَ الْخَطُّ عَنِ الْاِسْتِقَامَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّ تَقَوَّسَ وَلَمْ يَلْتَقِ طَرَفَاهُ فَهُوَ قَوْسٌ. وَإِنِ الْتَقَى طَرَفَاهُ وَكَانَ لَهُ مَرْكَزٌ وَتَساوَتِ الخُطُوطُ الْخَارِجَةُ مِنْهُ إِلَى الْمَرْكَزِ، فَذَلِكَ دَائِرَةٌ" (^٣).
ط: "وَأَمَّا الْمُرَبَّعَاتُ الْمُخْتَلِفَاتُ (^٤): فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَ إِقْلِيدَسُ خَمْسَةٌ: مُرَبَّعٌ قَائِمُ الزَّاوِيَةِ مُتَسَاوِي الْأَضْلاعِ، وَسَمَّاهُ الْمُرَبَّعَ الصَّحِيحَ"، وَمُرَبَّع قَائِمُ الزَّاوِيَةِ مُتَسَاوِي كُلِّ ضِلْعَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وَسَمَّاهُ "مُرَبَّعًا مُسْتَطِيلًا". وَمُرَبَّعٌ مُتَسَاوِي الْأَضْلاعِ غَيْرِ قَائِمِ الزَّوَايَا، وَهُوَ الْمُعَيَّنُ". ومُرَبَّعٌ مُتَسَاوِي كُلِّ ضِلْعَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فَقَط، وَكُلِّ زَاوِيَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ فقط، وسَمَّاهُ "الشَّبِيهَ بِالْمُعَيَّنِ"، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٨٢ - ٨٣.
(٢) قسطا بن لوقا البعلبكي، فيلسوف رياض، رومي الأصل، كان فصيحًا باليونانية جيد العبارة بالعربية ترجم كثيرًا من الكتب، كان في أيام المقتدر العباسي، توفي بأرمينية نحو سنة (٣٠٠ هـ). هداية العارفين: ١/ ٨٣٥؛ طبقات الأطباء: ١/ ٢٤٤؛ الأعلام: ٥/ ١٩٧.
(٣) تفسير الزجاجي: ١٥١ - ١٥٣.
(٤) أدب الكتاب: ١٢.
[ ٢ / ٦٩ ]
الْحُدُودِ سَمَّاهُ "مُنْحَرِفًا" (^١).
"وأَمَّا الْقِسِيُّ (^٢) فَجَمْعُ قَوْسٍ، وَالْقَوْسُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخُطُوطِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْخُطُوطَ ثَلَاثَةٌ: مُسْتَقِيمٌ، وَمُقَوَّسٌ، وَمُنْحَنٍ.
والْخُطُوطُ الْمُسْتَقِيمَةُ كَثِيرَةٌ وَلَهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ، كقولنا: "عَمُودٌ، وَقَاعِدَةٌ، وسَاقٌ، وضِلَعٌ، وَوَتَرٌ، وسَهْمٌ، وَقُطْرٌ، وَمَسْقِطُ الْحَجَرِ (^٣)، وَمِحْوَرٌ، وَجَيْبٌ مُسْتَوٍ، وَجَيْبٌ مَنْكُوسٌ" وَنَحْوَ ذَلِكَ. والْخُطُوطُ الْمُقَوَّسَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: دَائِرَةٌ، وَنِصْفُ دَائِرَةٍ، وَأَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ، وأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ" (^٤).
ز: "الْخَطُّ الذِي يَصِلُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ يُقَالُ لَهُ: الْوَتَرُ، وَسَهْمُهُ خَطُّ يَصِلُ بَيْنَ الْخَطِّ والْوَتَرِ. وأما الدَّائِرَةُ فَمَا أَحَاطَ بِه خَطَّانِ مُقَوَّسَانِ فَنَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا يُسَمَّى: "الشَّكْلَ الْهِلَالِيَ"، وهو أن تكون حَدَبَةُ إحْدى القَوْسَيْنِ تَلِي أَخْمَصَ الْقَوْسِ الْأُخْرَى. والآخَر يسمى: "الشَّكْلَ الْبَيْضِيَّ"، وهو أن يكون أَخْمَصَا القَوْسَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ.
وأما السطوح الَّتِي يُحِيطُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ خَطَّيْنِ فإنها غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ وَأَوَّلُهَا الْمُثَلَّثُ" (^٥).
قوله: "وكَانَتِ الْعَجَمُ تَقُولُ" (^٦) الكلام إلى آخره.
ع: الْعَجَمُ، هَاهُنَا عُلَمَاءُ فَارِسَ (^٧). وإجْرَاءُ الْمِيَاهِ (^٨): جَلْبُهَا مِنْ مَكَانٍ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٨٤.
(٢) أدب الكتاب: ١٢.
(٣) نفسه.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٨٤.
(٥) تفسير الزجاجي: ١٥٣.
(٦) أدب الكتاب: ١٢.
(٧) فارس: ولاية واسعة، أول حدودها من جهة العراق: أرجان، ومن جهة كرمان: السيرجان، ومن جهة ساحل بحر الهند: سيراف، ومن جهة السند: مكران، سميت بفارس بن علم بن سام بن نوح ﵇. معجم البلدان: ٤/ ٢٢٦.
(٨) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٧٠ ]
إلى مَكَانٍ، بِوَزْنٍ وَتَقْدِيرٍ. وَالْفُرَضُ (^١): الْأَنْهَارُ. والمَشَارِبُ (^٢): الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَشْرَبُ فِيهَا الْمَوَاشِي.
ط: "مِنْ ظَرِيفِ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ (^٣) أَنَّهُ نَهَى قَارِئَ كِتَابِهِ (^٤) أَوَّلًا عَنِ النَّظَرِ في شَيْءٍ مِنَ "العُلُومِ الْقَدِيمَةِ" وسَمَّاهَا "هَذَيَانًا" ثُمَّ رَغَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا وَكَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ فَيَتَنَاقَضَ، فَنَسَبَ ذَلِكَ إِلَى الْعَجَمِ" (^٥).
والْمَشَارِبُ (^٦): جَمْعُ مَشْرَبٍ، وَهُوَ شَاطِئُ النَّهْرِ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ، وَالْفُرَضَةُ: الْمَدْخَلُ إِلَى النَّهْرِ.
وقَالَ الْخَلِيلُ: "الفُرْضَةُ: مَشْرَبُ المَاءِ مِنَ النَّهْرِ، والفُرْضَةُ: مَرْفَأُ السُّفُنِ أيضًا" (^٧). وَالْمَهَاوِي (^٨): جَمْعُ مَهْوَاةٍ، وَمَهْوَى، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَعْلَى الْجَبَلِ وَأَسْفَلِهِ، وكُلُّ مَكَانٍ عَمِيقٍ يُهْوَى فِيهِ فَإِنَّهُ مَهْوَى.
وقوله: "وَمَجَارِي الْأَيَّام فِي الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ" (^٩).
ط: "هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ هَيْأَةِ الْأَفْلَاكِ ونِصْبَةِ (^١٠) الْعَالَمِ، وَذَلِكَ بِتَرَدُّدِ الشَّمْسِ مَا بَيْنَ رَأْسِ الْجَدِي وَرَأْسِ السَّرَطَانِ مُدْبِرَةً عَنَّا تَارَةً وَمُقْبِلَةً إِلَيْنَا تَارَةً، فَتَعْظُمُ قِسِيُّ النَّهَارِ مَرَّةً، وَتَصْغُرُ مَرَّةً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطُولِ النَّهَارِ وَقِصَرِهِ. وذلك أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا صَارَتْ فِي رَأْسِ الْجَدْي كَانَتْ فِي أَبْعَدِ بُعْدِها عَنَّا؛ لأَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنَ الْبُرُوجِ الشَّامِيَةِ إِلَى الْبُرُوجِ الْيَمَانِيَةِ، فَصَغُرَ قَوْسُ النَّهَارِ
_________________
(١) نفسه.
(٢) نفسه.
(٣) أراد به "ابن قتيبة".
(٤) أدب الكتاب: ٧.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٨٥.
(٦) أدب الكتاب: ١٣.
(٧) العين مادة (فرض): ٧/ ٢٩.
(٨) أدب الكتاب: ١٣.
(٩) نفسه.
(١٠) في الأصل (خ): "لصبة"، والصواب من الاقتضاب: "ونصبة".
[ ٢ / ٧١ ]
وَعَظُمَ قَوْسُ اللَّيْلِ. وَعِنْدَ حُلُولِهَا بِرَأْسِ الْجَدْيِ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ عِنْدَنَا وَأَطْوَلَ اللَّيَالِي، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي الْإِقْبَالِ إِلَى الشِّقِّ الشَّمَالِيِّ فَتَدْنُو كُلَّ يَوْم مِنَّا، وَتَبْدَأُ قَوْسُ النَّهَارِ تَعْظُمُ وَقَوْسُ اللَّيْلِ تَصْغُرُ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى رَأْسِ الْحَمْلِ، فَتَتَوَسَّطُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ رَأْسِ الْجَدْيِ وَرَأْسِ السَّرَطَانِ، فَتَتَسَاوَى قَوْسُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. ثُمَّ تَجُوزُ رَأْسَ الْحَمْلِ مُقْبِلَةً نَحْوَنَا فَيَأْخُذُ النَّهَارُ فِي الزِّيَادَةِ واللَّيْلُ فِي النُّقْصَانِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى رَأْسِ السَّرَطَانِ، فَتَنْتَهِي قَوْسُ النَّهَارِ إِلَى غَايَتِهَا فِي الْعِظَم، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَعْظَمَ يَوْمٍ عِنْدَنَا وَأَقْصَرَ لَيْلَةٍ.
ثُمَّ تَبْدَأُ بِالرُّجُوعِ نَحْوَ الشِّقِّ الْجَنُوبِيِّ مُدْبِرَةً عَنَّا، فَتَبْدأُ قَوْسُ النَّهَارِ تَصْغُرْ وَقَوْسُ اللَّيْلِ تَعْظُمْ فَيَنْقُصُ مِنَ النَّهَارِ بِقَدْرِ مَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ. حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ إِلَى رَأْسِ الْمِيزَانِ، صَارَتْ مُتَوَسِّطَةً بين المسافة التي بَيْنَ رَأْسِ السَّرَطَانِ ورَأْسِ الْجَدْيِ، فَاسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَّةً ثَانِيَةً، كَاسْتِوَائِهِمَا فِي رَأْسِ الْحَمَلِ لِتَسَاوِي الْقَوْسَيْنِ.
فإذا جَازَتْ رَأْسَ الْمِيزَانِ مُوغِلَةً فِي الْجَنُوبِ اشْتَدَّ بُعْدَهَا عَنَّا واشْتَدَّ صِغَرُ قَوْسِ النَّهَارِ، واشْتَدَّ عِظَمُ قَوْسِ اللَّيْلِ حتى تَنْتَهِيَ إِلَى رَأْسِ الْجَدْيِ، وَذَلِكَ دَأبُبَهَا أَبَدًا.
ولها ما بين رأسِ الْجَدْيِ وَرَأسِ السَّرَطَانِ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ مَشْرِقًا، وَمِائَةٌ وَثَمَانُونَ مَغْرِبًا. تَطْلُعُ مِنْ كُلِّ مَشْرِقٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي إِقْبَالِهَا إِلَيْنَا، وَمَرَّةً فِي إِدْبَارِهَا عَنَّا، وَتَغْرُبُ مِثْلَ ذَلِكَ" (^١).
ع: وَأَمَّا حَالُ الْقَمَرِ فِي اسْتِهْلالِهِ (^٢) فَإِنَّ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ نَبَاتَ الْأَرْضِ كُلَّهُ وَثِمَارَهَا تَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْقَمَرِ وَتَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بَيِّنًا فِي مَدِ الْمِيَاهِ وَجَزْرِهَا وَفِي الْأَنْوَارِ.
وذُكِرَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يُحْتَجَمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ، وَتِسْعَ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٨٥ - ٨٦.
(٢) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٧٢ ]
عَشَرَةَ لَيْلَةٍ) (^١).
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا يُصَدِّقُ أَنَّ لِلْقَمَرِ عَمَلًا فِي الْأَجْسَامِ كَعَمَلِهِ فِي الْبَحْرِ. أَرَادَ بِذَلِكَ نُقْصَانَ الدَّم فِي آخِرِ الشَّهْرِ.
وقوله: "وَذَرْعُ الْمُثَلَّثِ وَالْمُرَبَّعِ" (^٢).
ط (^٣): "أَصْلُ مَا تُمْسَحُ بِهِ الْأَرَضُونَ: أَشَلٌ، وَبَابٌ، وَذِرَاعٌ. فَالْأَشَلُ: حَبْلٌ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا. وَالشَّاقُولُ: خَشَبَةٌ قَدْرُ ذِرَاعَيْنِ فِي طَرْفِهَا زُجٌّ، تُرْكَزُ فِي الْأَرْضِ، وَيُشَدُّ فِيهَا طَرَفُ الْأَشَلِ.
وَالْبَابُ: قَصَبَةٌ طُولُهَا سِتُّ أَذْرُعٍ، وَالذِّرَاعُ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا السُّلْطَانُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ إِصْبَعًا، وَتُسَمَّى: الذِّرَاعَ الْهَاشِمِيَّةَ، وَالذِّرَاعَ السَّوْدَاءَ أَيْضًا، وهِيَ الَّتِي تُمْسَحُ بِهَا الدُّورُ وَغَيْرُهَا.
وقيل: الَّتِي تُمْسَحُ بِهَا الدُّورُ وَغَيْرُهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا، وَتُسَمَّى الذِّرَاعَ الجَدِيدَةَ.
وَالْأَشَلُ: عَشْرَهُ أَبْوَابٍ، وَالْبَابُ: سِتُّ أَذْرُعٍ، وَالذِّرَاعُ: سُدُسُ الْبَابِ، وَالْقَصَبَةُ سُدُسُ الدِّرَاعِ، وَالْإِصْبَعُ: رُبُعُ الْقَصَبِةِ.
فَأَمَّا الْمُثَلَّثُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ أَضْلاعُهُ كُلُّهَا أَوِ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ مِنْهَا كَانَ تَكْسِيرُهُ ضَرْبَ عَمُودِهِ فِي نِصْفِ قَاعِدَتِهِ. وَذَلِكَ مُثَلَّثٌ عَمُودُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، وَنِصْفُ قَاعِدَتِهِ خَمْسُ أَذْرُعٍ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ خَمْسُونَ ذِرَاعًا.
وَأَمَّا اسْتِخْرَاجُ ذَرْعِ الْعَمُودِ مِنْ قِبَلِ الضِّلَعِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَنْ تَضْرِبَ الضِّلَعَ فِي نَفْسِهَا وَتَنْقُصَ مِنَ الْعَدَدِ نِصْفَ الْقَاعِدَةِ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ، وَتَأْخُذَ حِذْرَ مَا بَقِيَ، فَهُوَ الْعَمُودُ، وَإِنْ أَرَدْتَ اسْتِخْراج الضِّلَعِ، ضَرَبْتَ الْعَمُودَ فِي
_________________
(١) الحديث رواه أبو داود: طب ٥ بلفظ آخر (ح ٣٨٦١) ٣/ ٥؛ ورواه الترمذي: طب ٣١٢/ ٢٦٢.
(٢) أدب الكتاب: ١٣.
(٣) لم أجد النقل في الاقتضاب.
[ ٢ / ٧٣ ]
نَفْسِهِ وَنِصْفَ الْقَاعِدَةِ فِي نَفْسِهَا، وَجَمَعْتَ الْعَدَدَيْنِ وَأَخَذْتَ حِذْرَهُمَا، وَهُوَ الضِّلَعُ. وَإِنْ أَرَدْتَ اسْتِخْرَاجَ نِصْفِ الْقَاعِدَةِ ضَرَبْتَ الضِّلْعَ فِي نَفْسِهَا ونَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمُودَ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ وَأَخَذْتَ حِذْرَ مَا بَقِيَ، فَهُوَ نِصْفُ الْقَاعِدَةِ".
ز: "كُلُّ ضِلَعَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي مُثَلَّثَةٍ يَخْرُجُ بَيْنَهُمَا عَمُودٌ عَلَى قَاعِدَةٍ فَإِنَّ مَسْقِطَ حَجَرِ الْعَمُودِ يَقَعُ عَلَى نِصْفِ الْقَاعِدَةِ إِذَا اسْتَوَى الضِّلْعَانِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا، خَالَفَ مَسْقِطَ الْحَجَرِ عَنْ نِصْفِ الْقَاعِدَةِ" (^١).
ط: "وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَضْلاعُ الْمُثَلَّثِ فَإِنَّ الْعَمَلَ فِي مَسَاحَتِهَا أَنْ تَجْمَعَ الْأَضْلَاعَ الثَّلَاثَ، وَتَأْخُذَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ مَعَكَ مِنْ ذَلِكَ فَتَحْفَظُهُ، ثُمَّ تَنْظُرُ مَا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَضْلاعِ وَبَيْنَ هَذَا النِّصْفِ فَتَضْرِبَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ فِي هَذَا النِّصْفِ وَتَجْمَعَ حِذْرَ جَمِيعَ ذَلِكَ فَهُوَ تَكْسِيرُهُ، مِثَالُهُ: مُثَلَّثٌ إِحْدَى أَضْلاعِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَالْأُخْرَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَالْأُخْرَى ثَلاثَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، الْعَمَلُ أَنْ تَجْمَعَ هَذِهِ الْأَضْلَاعَ فَيَكُونَ الْمُجْتَمِعُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَتَأْخُذَ نِصْفَ ذَلِكَ فَيَكُونُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، ثُمَّ تَنْظُرَ كَمْ بَيْنَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ فَتَجِدُ ذَلِكَ سِتًّا. وَمَا بَيْنَ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَبَيْنَها فَتَجِدُ ذَلِكَ سَبْعًا، وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ فَنَجِدُ ذَلِكَ ثَمَانِيًا، فَتَضْرِبُ سِتَّةً فِي سَبْعَةٍ فَتَكُونُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ فِي ثَمَانٍ فَتَكُونُ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ثُمَّ تَضْرِبُ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَتَكُونُ: سَبْعَةَ آلَافٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ، فَتَأْخُذُ حِذْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ، فَيَكُونُ تَكْسِيرَ الْمُثَلَّثِ.
وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ، فَأَصْنَافُهُ خَمْسَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَأَمَّا الْمُتَسَاوِي الْأَضْلَاعِ فَضَرْبُ إِحْدَى أَضْلَاعِهِ فِي نَفْسِهِ هُوَ تَكْسِيرُهُ، كَمُرَبَّعٍ كُلُّ ضِلْعِ مِنْهُ عَشْرَةٌ فَتَكْسِيرُهُ مِائَةٌ، وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ الْمُسَتَطِيلُ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبِ طُولِهِ فِي عَرْضِهِ.
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١٥٣.
[ ٢ / ٧٤ ]
وَأَمَّا الْمُخْتَلِفُ الْأَضْلاعِ: فَجَمْعُ طُولَيْهِ وَعَرْضَيْهِ وَأَخْذُ نِصْفِهِمَا، وَضَرْبُ نِصْفِ الطُّولَيْنِ فِي نِصْفِ الْعَرْضَيْنِ تَكْسِيرُهُ، وَهُوَ عَمَلُ الْحِسَابِ لَا عَمَلَ الْمُهَنْدِسِينَ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْمُرَبَّعِ الشَّبِيهِ بِالْمُعَيَّنِ، يَجْمَعُونَ الضِّلْعَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، وَيَأْخُذُونَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ، وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا الضِّلْعَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَيَأْخُذُونَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ، وَيَضْرِبُونَ النِّصْفَ فِي النِّصْفِ. وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ الْمُعَيَّنُ، فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبٍ نِصْفِ أَحَدٍ قُطْرَيْهِ فِي الْقُطْرِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبِ قُطْرِهِ فِي مِثْلِهِ وَإِسْقَاطُ سُبُعٍ مَا يَجْتَمِعُ وَنِصْفِ سُبُعِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: مُدَوَّرٌ قُطْرُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَإِنَّكَ تَضْرِبُ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي مِثْلِهَا فَتَكُونُ مِائةً وَسِتَّةً وَتِسْعِينَ، فَتُلْقِيَ مِنْ ذَلِكَ سُبُعَهُ وَنِصْفَ سُبُعِهِ، وَذَلِكَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، فَيَبقَى مِائِةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ، فَهُوَ تَكْسِيرُهُ، وَإِنْ عَرَفْتَ تَكْسِيرَهُ وَلَمْ تَعْرِفْ قُطْرَهُ وَأَرَدْتَ مَعْرِفَتَهُ مِنَ التَّكْسِيرِ، فَاضْرِبِ التَّكْسِيرَ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَاقْسِمْهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ، فَمَا خَرَجَ فَخُذْ حِذْرَهُ فَهُوَ الْقُطْرُ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الدَّوْرِ فَاضْرِبِ الْقُطْرَ فِي ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِ فَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ الدَّوْرُ".
ز: "تَكْسِيرُ الْمُدَوَّرَاتِ بِأَنْ تَضْرِبَ نِصْفَ الْقُطْرِ فِي نِصْفِ الدَّوْرِ، فَهُوَ تَكْسِيرُهَا. والدَّوْرُ إِذَا قُسِمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسُبُعٍ، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ الْقُطْرُ. وَكُلُّ قِطْعَةٍ شَبِيهَةٍ بِقَوْسٍ، فَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْقَوْسِ مِثْلَ نِصْفِ الوَتْرِ فَهِيَ دَائِرَةٌ. وَإِنْ كَانَ السَّهْمُ أَقَلَّ مِنْ نَصْفِ الْوَتَرِ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةِ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْوَتَرِ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ" (^١).
وقوله: "والدَّوَالِي وَالنَّوَاعِيرُ" (^٢).
ط: "الدَّوَالِي: جَمْعُ دَالِيَةٍ، وهي التي يقال لها: الْخَطَّارَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١٥٤.
(٢) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٧٥ ]
لأَنَّهَا يُدْلَى بِهَا الْمَاءُ، يقال: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إِذَ أَدْخَلْتَهَا فِي الْبِئْرِ لِتَمْلَأَهَا، وَدَلَوْتُهَا: إِذَا أَخْرَجْتَهَا. قَالَ مِسْكِينُ الدَّارِمِيُّ (^١): (بسيط)
بِأَيْدِيهِمْ مَغَارِفُ مِنْ حَدِيدٍ … أُشَبِّهُهَا مُغَيَّرَةَ الدَّوَالِي (^٢) " (^٣)
ع: هِيَ خَشَبَةٌ يُرْبَطُ فِيهَا الدَّلْوُ. وَفِي الْجَانِبِ الآخَرِ صَخْرَةٌ، وَيُسْتَقَى بِهَا الْمَاءُ، وَهِيَ الْخَطَّارَةُ.
وقوله: "وَلَابُدَّ لَهُ مِنَ النَّظَرِ فِي الْفِقْهِ" (^٤)، إلى آخر الفصل.
ط: "قَوْلُهُ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (^٥) الْخَرَاجُ وَالْخَرْجُ سَوَاءٌ، وَقُرِئَ بِهَا جميعًا في قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ (^٦).
وَمَعْنَى الْخَرَاج بِالضَّمَانِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَغَلَّهُ مُدَّةً ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَجِبُ (^٧) لَدَيْهِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يَرُدُّ ما اسْتَغَلَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ضَمَانِهِ لَوْ تَلَفَ عِنْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ الْعَيْبِ بِهِ" (^٨).
د: فَكَأَنَّ الْبَاءَ فِيهِ بِالْمُجَازَاةِ كقولك: "هَذَا بِهَذَا"، و"ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ".
وقال أبو عُبَيدٍ (^٩): "مَعْنَى الْخَرَاج فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَلَّةُ الْعَبْدِ، فَجَعَلَ
_________________
(١) ربيعة بن عامر بن أنيف بن شريح الدارمي التميمي، شاعر عراقي شجاع، لقب مسكينًا لأبيات قالها، له ديون شعر، توفي سنة (٨٩ هـ). الشعر والشعراء: ٥٤٤؛ تهذيب ابن عساكر: ٥/ ٣٠٠؛ معجم الأدباء: ٢٠٤؛ خزانة الأدب: ٣/ ٦٩؛ الأعلام: ٣/ ١٦.
(٢) البيت في ديوانه: ٥٠؛ وفي شرح ديوان الحماسة: ٢/ ١٧٠٦.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٨٧.
(٤) أدب الكتاب: ١٣.
(٥) الحديث رواه أبو داود، بيوع: ٧١ (ح ٣٥٠٨) ٣/ ٢٤٨؛ والإمام أحمد: ٦/ ٤٩؛ والترمذي، باب: ٥٣ (ح ١٣٠٤) ٢/ ٣٧٧؛ والنسائي: بيوع ٧/ ٢٥٤؛ وابن ماجه، تجارات: ٤٣ (ح ٢٢٠٣) ٢/ ٧٥٤.
(٦) سورة المؤمنون (٢٣): الآية ٧٥.
(٧) كذا في (خ).
(٨) الاقتضاب: ١/ ٨٧.
(٩) أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء، الخرساني البغدادي، =
[ ٢ / ٧٦ ]
التَّمْثيلَ بِالْعَبْدِ لَا بِكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَيْبُ، يقال: خَارَجَ فُلَانٌ عَبْدَهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى ضَرِيبَةٍ يَأْخُذُهَا السَّيِّدُ مِنَ الْعَبْدِ مُنَاجَمَةً" (^١).
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَجُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ" (^٢):
ط: "الْعَجْمَاءُ: الْبَهِيْمَةُ سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ لِاسْتِعْجَامِهَا عَنِ الْكَلَامِ. وَالْجُبَارُ: الْهَدْرُ الَّذِي لَا دِيَةَ فِيهِ، ومعناه: أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ الدَّابَّهُ هَدْرٌ لَا دِيَةَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَائِدٌ وَلَا رَاكِبٌ وَلَا سَائِقٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ مَأْخُوذًا بِمَا أَحْدَثَتْهُ إِلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) (^٣) " (^٤).
ز: "وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) (^٥).
قِيلَ: مَنْ وَقَعَ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مَنْ انْهَارَا عَلَيْهِ لأَنَّهُ عَمِلَ فِيهِمَا بِالْأُجْرَةِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ بِالْأُجْرَةِ أَنَّهُ هَدْرٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَهُ،
_________________
(١) = أبو عبيد من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه، من أهل هراة ولد بها سنة (١٥٧ هـ) وكان مؤدبًا، رحل إلى بغداد وتوفي سنة (٢٢٤ هـ). التذكرة: ٢/ ٤١٧؛ الوفيات: ١/ ٤١٨؛ إنباه الرواة: ٣/ ١٢؛ تهذيب التهذيب: ٧/ ٣١٥؛ بغية الوعاة: ٢/ ٢٤٣؛ الأعلام: ٥/ ١٧٦.
(٢) غريب الحديث: ٣/ ٣٧.
(٣) جزء من حديث رواه البخاري، ديات: ٢٨ (ح ٢٦ و٥١) ٨/ ٢١؛ ومسلم، حدود: (ح ٤٥) ٣/ ١٣٣٤؛ أبو داود، ديات: ٣٠ (ح ٤٥٩٣) ٤/ ١٩٦؛ ابن ماجه، ديات: ٢٧ (ح ٢٦٧٣) ٢/ ٨٩١؛ والنسائي، زكاة ٥/ ٤٥؛ والدارمي، زكاة: ٣٠، ديات: ١٩، ٢/ ١٩٦؛ وأحمد: ٢/ ٢٢٨؛ والترمذي: زكاة ١٦ (ح ٦٣٧): ٢/ ٧٧، بلفظ آخر، ومالك: عقول: ٤٤، ٧٥٤؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٤) الحديث رواه أبي داود، ديات: ٢٧ (ح ٤٥٩٢) ٤/ ١٩٦.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٨٨.
(٦) الحديث رواه مسلم: حدود ١١ (ح ٤٥) ٣/ ١٣٣٤؛ والترمذي، زكاة: ١٦ (ح ٦٣٧) ٢/ ٧٧؛ والنسائي، زكاة: ٥/ ٤٥؛ والدارمي، ديات: ١٩، ٢/ ١٩٦؛ وابن ماجه، ديات: (ح ٢٦٧٣) ٢/ ٨٩١؛ وأحمد: ٢/ ٢٢٨؛ ومالك، عقول: ٤٤ - ٧٤٥.
[ ٢ / ٧٧ ]
وقيل في البِئْرِ: هي الْبِئْرُ الْقَدِيمَةُ لَا يُعْرَفُ مَنْ حَفَرَهَا، فَمَنْ وَقَعَ فِيهَا فَهُوَ جُبَارٌ" (^١).
وقوله: "وَلَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (^٢).
ط: "يقال: غَلِقَ الرَّهْنُ: إِذَا لَمْ يُفَكَّ. وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مَا يُمْسِكُهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَصْرِفُهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٣) كَانَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَيَأْبَى الْبَائِعُ مِنْ تَأْخِيرِهِ إِلَّا بِرَهْنٍ، فَإِذَا رَأَى الرَّهْنَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَهُ لَّمْ يَصْرِفْهُ عَلَيْهِ. والمعنى الآخر: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرْهَنُ الرَّهْنَ ثُمَّ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَكَّهُ إِذَا رَأَى أَنَّ رَهْنَهُ لَا يُسَاوِي الْقِيمَةَ الَّتِي عَلَيْهِ. وَهُوَ عَكْسُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وكِلَاهُمَا قد فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ" (^٤).
والأَوَّلُ أَظْهَرُ، ومِنْ هَذَا المعنى الثَّانِي مَا رُوِيَ في تَفْسِيرِ قولهم في الْمَثَلِ: "أَهْوَنُ مِنْ قُعَيْسٍ عَلَى عَمَّتِهِ" (^٥). وأَصْلُهُ أَنَّ قُعَيْسًا (^٦) رهَنَتَهُ عَمَّتُهُ فِي جُرْزَةِ بَقْلٍ اشْتَرَتْهَا ثُمَّ لَمْ تَفْتَكَّهُ وقالت: غَلِقَ الرَّهْنُ" (^٧).
ز: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ: أَيْ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ إِذَا أَدَّى فِكَاكَهُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَغْلَقْتُ الْبَابَ" (^٨).
_________________
(١) تفسير الزجاجي: ١٣٢.
(٢) الحديث رواه ابن ماجه، رهون: ٣ (ح ٢٤٤١) ٢/ ٨١٦؛ ومالك، أقضية: ١٦/ ٦٢٤؛ غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١١٥؛ الفائق: ٣/ ٧٢؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٣) الجاهلية هي الزمان الذي كثر فيه الجهال، وهي ما قبل الإسلام، وقيل: أيام الفترة بين الرسولين وقد تطلق على زمن الكفر مطلقًا. بلوغ الأدب: ١/ ١٥.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٨٨.
(٥) المثل في مجمع الأمثال: ٢/ ٢٢٤؛ المستقصى: ١٧٨؛ جمهرة الأمثال: ٢/ ١٧٣.
(٦) هو قعيس بن مقاعس بن عمرو، من بني تميم، رهنته عمته على طعام ولم تفتكه فاستعبد. جمهور أمثال العرب: ٢/ ٣٧٣؛ مجمع الأمثال: ٣/ ٥٠٦؛ الأغاني: ١٩٨؛ اللسان مادة (قعس).
(٧) الاقتضاب: ١/ ٨٨ - ٨٩.
(٨) كتاب فعلت وأفعلت، الزجاج: ٧١.
[ ٢ / ٧٨ ]
والفُقَهَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي الرَّهْنِ إِذَا تَلَفَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَا عَلَيْهِ.
ومنهم من يقول: هُوَ مَالُ الرَّاهِنِ لَهُ فَضْلُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ.
ع: كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ يَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ) (^١)، أَيْ لَا يَبْطُلُ وَيَهْلَكُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، يُقَالُ: غَلِقَ الشَّيْءُ، إِذَا هَلَكَ، وفي حديثٍ آخر: (لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) (^٢)، فالرَّهْنُ لَهُ وَالشَّرْطُ مُنْفَسِخٌ.
قوله: "وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ" (^٣).
ط: "الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ الشَّاةُ أَوِ النَّاقَةُ يُعِيرُهَا الرَّجُلُ صَاحِبَهُ لِيَنْتَفِعَ بِلَبَنِهَا مُدَّةً ثُمَّ يَرُدُّهَا، فَأَرَادَ أَنْ إِعْطَاءَهُ إِيَّاهَا لَيْسَ يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا إِلَّا أَنْ يَهَبَهَا لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا لقوله ﵇: (الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالرَّاجِعِ في قَيْئِهِ) (^٤) " (^٥).
ز: "أَصْلُ مَنَحْتُ الرَّجُلَ مَالًا مِنْ هَذَا، يَعْنِي كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْهَيْآتِ وَالصِّلَاتِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتَّى قِيلَ: مَنَحْتُهُ وُدِّي وَنُصْحِي، وَكِلَاهُمَا اتِّسَاعٌ. وَالْأَصْلُ الشَّاةُ كَمَا ذَكَرْتُ" (^٦).
_________________
(١) تخريج الحديث: ٧٨؛ الموطأ: ٤/ ٥٠٠؛ سنن ابن ماجه: ٧/ ٢٩٠؛ عون المعبود: ٨/ ٢٢.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٠/ ١١٠؛ غريب الحديث لابن قتيبة؛ ١/ ١٩٢؛ اللسان (غرم)، الفائق: ٣/ ٧٢.
(٣) جزء من الحديث الذي رواه أبو داود، بيوع: ٨٨ (ح ٣٥٦٥) ٣/ ٢٩٧؛ وأحمد: ٥/ ٢٦٥؛ والترمذي، وصايا: ٤ (ح ٢٢٠٣) ٣/ ٢٩٣؛ وابن ماجه، صدقات: ٥ (٢٣٩٨) ٢/ ٨٠١؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٤) الحديث رواه البخاري، الهبة: ٣٠ (ح ٥٣ - ٥٥) ٣/ ٣٢٥؛ ومسلم، هبات: ٣/ ١٢٤١؛ وأبو داود، بيوع: ٨١ (ح ٣٥٣٨) ٣/ ٢٩١ بلفظ آخر، وابن ماجه، صدقات: ١ (ح ٢٣٩١) ٢/ ٧٩٩؛ وأحمد ٢/ ٧٨ بلفظ آخر.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٨٩.
(٦) تفسير الزجاجي: ١٣٣.
[ ٢ / ٧٩ ]
وقوله: "وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ" (^١).
ط: "يَقُولُ: إِعَارَتُهَا لَا تُخْرِجُهَا عَنْ مُلْكِ صَاحِبِهَا مِثْلَ الْمِنْحَةِ، وَالْعَارِيَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمِنْحَةِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَاهُ الْإِنْسَانُ إِعْطَاءً يَنْوِي اسْتِرْجَاعَهُ إِذَا قَضَى الْمُسْتَعِيرُ مِنْهُ حَاجَتَهُ، واشْتِقَاقُهَا مِنَ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّدَاوُلُ، يقال: عَاوَرْتُهُ الشَّيْءَ مُعَاوَرَةً، وَعِوَارً، كَمَا تَقُولُ: دَاوَلْتُهُ الشَّيْءَ مُدَاوَلَةً، وَدِوَالًا، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (طويل)
وَسِقْطٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتِي … أَبَاهَا وَهَيَّأْنَا لِمَوْقِعِهَا وَكْرَا (^٢)
وَزْنُهَا عَلَى هَذَا: "فَعَلِيَّةٌ" وَأَصْلُهَا: عَوَرِيَّةٌ انْقَلَبَتْ وَاوُهَا أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلِهَا وَقَوْلُهُمْ: عَوَارِيٌّ فِي الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وقال بعضهم: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ لأَنَّ اسْتِعَارَتَهَا عَارٌ عَلَى مُسْتَعِيرِهَا، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَدِ اسْتَعَارَ دِرْعًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَّيَّةَ (^٣)، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَارًا لَمَا فَعْلَهُ (^٤).
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: عَيَّرْتُهُ كَذَا وَعَيْنُ العَارِيَةُ واوٌ" (^٥).
وقوله: "وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ" (^٦).
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٣. وهو جزء من الحديث الذي سبق تخريجه.
(٢) ديوانه: ٣/ ١٤٢٦؛ روايته: صَاحِبي. المخصص: ١٧/ ٢١؛ السمط: ٧٦٠؛ تأويل مشكل القرآن: ٦٩، ل والتارج: (عور).
(٣) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي، صاحبي فصيح جواد، توفي سنة (٤١ هـ). المحبر: ١٤٠؛ الاستيعاب: ٢/ ٧١٨؛ الإصابة: ت ٤٠٦٨؛ تهذيب التهذيب: ٤/ ٤٢٤.
(٤) انظر: القصة في كتب السيرة.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٩٠.
(٦) الحديث رواه ابن ماجه، صدقات: ٩ (ح ٢٤٠٥) ٢/ ٨٠٤؛ والترمذي، بيوع: =
[ ٢ / ٨٠ ]
ط: "الزَّعِيمُ: الضَّامِنُ، يقال: زَعَمْتُ بِالشَّيْءِ، أَزْعُمُ، قال أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ (^١): (متقارب)
وَإِنِّي زَعِيمٌ لَكُمْ أَنَّهُ … سَيُنْجِزُ رَبُّكُمْ مَا زَعَمْ (^٢) " (^٣)
قوله: "وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (^٤).
ط: "مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَيْسَ لِمَنْ يَرِثُهُ مِنْ مَسَاكِينِ أَهْلِهِ حَظٌّ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي مِيرَاثِهِ" (^٥).
ابن القوطية: كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَام قَدْ نَزَلَ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٦)، ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْفَرَائِضُ لِأَهْلِهَا عَامَ الْفَتْحِ، فَقال رسول الله ﷺ في خُطْبَتِهِ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (^٧)، فَأَبْطَلَ الوَصِيَّة لِلْوَرَثَةِ وَبَقِيَتْ لِلْأَقارِبِ مِمَّنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ وَلِغَيْرِهِمْ، وَبِهَذَا أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (^٨) في دَفْعِ غَيْرِ الْعُصْبَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُعْطِ إِلَّا مَنْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُ
_________________
(١) = ٣٩ (ح ١٢٨٥) ٢/ ٣٦٨؛ وأحمد: ٥/ ٢٢٧؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٢) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، توفي سنة (٥ هـ). الشعر والشعراء: ٤٥٩؛ الأغاني: ٤/ ١٢٠؛ تهذيب ابن عساكر: ٣/ ١١٥؛ الخزانة: ١/ ٢٤٧؛ الأعلام: ٢/ ٢٣.
(٣) ديوانه: ٤٩٨؛ روايته: وإني أذين لكم، وفي مفاتيح الغيب: ٣/ ٢٧٤؛ ل (زعم).
(٤) الاقتضاب: ١/ ٩٠.
(٥) أدب الكتاب: ١٣.
(٦) الاقتضاب: ١/ ٩٠.
(٧) سورة البقرة (٢): الآية ١٧٩.
(٨) الحديث رواه أبو داود: وصايا (ح ٢٨٧٠) ٣/ ١١٤، والترمذي، (ح ٢٢٠٣) ٣/ ٢٩٣؛ وابن ماجه (ح ٢٧١٣) ٢/ ٩٠٥؛ والدارمي: ٢/ ٤١٩؛ وأحمد: ٤/ ١٨٦؛ وكلها في كتاب الوصايا.
(٩) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة، صاحبي، كاتب الوحي، قاضي مفتي، توفي سنة (٤٥ هـ). صفة الصفوة: ١/ ٢٩٤؛ الإصابة (ت ٢٨٨٠)؛ غاية النهاية: ١/ ٢٩٦؛ الأعلام: ٤/ ٥٧.
[ ٢ / ٨١ ]
وَسَمَّاهُ: وذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى تَوْرِيثِ الْأَقَارِبِ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^١).
وقوله: "وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ" (^٢).
ط: الْكَثَرُ: الْجُمَّارُ، ومعناه أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ ثَمَرًا مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ كَثَرًا مِنْ نَخْلَةٍ وَلَمْ تَكُنْ تَحْتَ ثِقَافٍ وَحِرْزٍ لَمْ يَلْزَمُهُ قَطْعُ يَدِهِ ولَكِنْ يُؤَدَّبُ بِما يَرَاهُ الْإِمَامُ. فإن كان ذَلِكَ تَحْتَ حِرْزٍ وَثِقَافٍ وَسَرَقَ مِنْهُ قَدْرَ رُبْعِ دِينَارٍ لَزِمَهُ قَطْعُ يَدِهِ" (^٣).
وقوله: "وَلَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ" (^٤).
ط: الْقَوْدُ: الْقِصَاصُ، ومَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قَتَلَ رَجُلًا بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، فَإِنَّمَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالسَّيْفِ. وَمِنَ الفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ، والأول: مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، والثَّانِي: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ" (^٥).
ع: وفي الحديث: (الْمَرْءُ مَقْتُولٌ بِمَا قَتَلَ بِهِ، إِنْ سَيْفًا فَسَيْفٌ، وَإِنْ خَنْجَرًا فَخَنْجَرٌ) (^٦).
وقوله: "وَالْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ" (^٧).
ط: أَي تُسَاوِيهِ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ غُرْمُ الدِّيَةِ، فإذا بَلَغَ الْعَقْلُ ثُلُثَ الدِّيَةِ
_________________
(١) سورة الأنفال (٨): الآية ٧٦.
(٢) الحديث رواه أبو داود، حدود: ١٢ (ح ٤٣٨٨) ٤/ ١٣٧)؛ وأحمد: ٣/ ٤٦٣، والترمذي، حدود: ١٩ (ح ١٤٧٣) ٣/ ٥؛ والنسائي، قطع السارق: ٨/ ٨٦، وابن ماجه، حدود: ٢٧ (ح ٢٥٩٣) ٢/ ٨٦٥؛ ومالك، حدود: ٢٢، ٧١٩؛ والدارمي، حدود: ٧، ٢/ ١٧٤، وهو في غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٢٨٧؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٩٠.
(٤) أدب الكتاب: ١٣. والحديث: لا قود إلا بالسيف، ورواه ابن ماجه، ديات: ٢٥ (ح ٢٦٦٧) ٢/ ٨٨٩.
(٥) الاقتضاب: ١/ ٩١.
(٦) الحديث في الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ١٩٥؛ الخصائص: ١/ ٢١٣؛ الكتاب: ١/ ٥٣؛ شرح الرضي: ٢/ ١٤٧؛ حاشية الصبان: ١/ ٤٨٧.
(٧) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٨٢ ]
أَخَذَتْ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ لِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالدِّيَةُ مِائَةُ بَعِيرٍ أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا إِصْبَعُ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا إِصْبَعَانِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ. وَكَذَلِكَ يَأخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلاثِينَ، فَإِنْ قُطِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُ أَصَابِعَ أَخَذَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَدْ تَجَاوَزَتِ الثُّلُثَ" (^١).
ع: هَذَا فِي الْخَطَإِ خَاصَّةً، وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ أَوِ الصُّلْحُ.
قوله: "وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا" (^٢).
ط: "العَاقِلَةُ: أَهْلُ الرَّجُلِ وَقَرَابَتُهُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، أَيْ يَغْرِمُونَ عَنْهُ الدِّيَةَ، أَيْ إِنَّمَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ إِذَا قُتِلَ خَطَأً، فَإِذَا قَتَلَ عَمْدًا فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِ فِي صَمِيمِ مَالِهِ إِذَا رَضِيَ بِذلِكَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ. ومَعْنَى عَبْدًا: أَن يَقْتُلَ الرَّجُلُ عَبْدًا لِغَيْرِهِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فِي صَمِيم مَالِهِ، وَالصُّلْحُ: أَنْ يُصَالِحَ الْجَانِي أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ على شَيْءٍ يُعْطِيهِمْ إيَّاهُ، وَالاعْتِرَافُ: أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَتَلَ خَطأً فَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَيْضًا" (^٣).
ز: "إِلَّا صَدَّقَتْهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ تَطَوَّعَتْ" (^٤).
وقوله: "وَلَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" (^٥).
ط: "الْإِغْلَاقُ: الْإِكْرَاهُ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَغْلَقْتُ البَابَ إِغْلَاقًا، كأن
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٩١.
(٢) أدب الكتاب: ١٣، والقول جامع لأحكام متفرقة وهو من باب العاقلة في صحيح البخاري، ديات: ٢٤؛ وسنن ابن ماجه، ديات: ١٢، وفي غريب الحديث وأبي عبيد: ٤/ ٤٤٦.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٩١.
(٤) تفسير الزجاجي: ١٣٥.
(٥) أدب الكتاب: ١٣؛ والحديث رواه أبو داود، طلاق: ٨ (ح ٢١٦٣) ٢/ ٢٥٩؛ وأحمد: ٦/ ٢٧٦؛ وابن ماجه، طلاق: ١٦ (ح ٢٠٤٦) ١/ ٦٦٠؛ وفي الفائق: ٣/ ٧٢.
[ ٢ / ٨٣ ]
المُكْرَهَ سُدَّتْ عَلَيْهِ الأَبْوَابُ والسُّبُلُ فلم يَجِدْ بُدًّا مِنَ الطَّلَاقِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الإِغْلَاقَ: الْغَضَبُ، وَالْإِغْلَاقُ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ فَلَيْسَ المُرَادُ هُنَا بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لم يَلْزَمْ أَحَدًا طَلَاقٌ؛ لأن كل مُطَلِّقٍ لا يُطَلِّقُ إِلا وهو غَضْبَانٌ عَلَى عِرْسِهِ غَير رَاضٍ عنْهَا" (^١).
وقوله: "وَالْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرقَا" (^٢).
ط: "يَعْنِي بِالْبَيِّعَيْنِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي كَلَام الْعَرَبِ مِنَ الأَضْدَادِ، ويقال لكل واحد مِنْهُمَا: بَائِعٌ وبَيِّعٌ، واخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْاِفْتِرَاقِ، فمنهم مَنْ يرى أنه تَبَاعُدُ الأشخاص وتَبَايُنُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أن الافْتِرَاقَ بِالْعَقْدِ وَانْقِطَاعِ الْكَلَامِ وإِن لَمْ تَفْتَرِقِ الْأَشْخَاصُ" (^٣).
وقوله: "وَالْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" (^٤).
يريد بِذَلِكَ الشُّفْعَةَ، وبهذا الحديث أَوْجَبَ العِرَاقِيُّونَ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ، وَأَمَّا الْحِجَازِيُّونَ مِنَ الفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ لا يَرَوْنَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ. والصَّقَبُ على وجهين: يَكُونُ الْقُرْبَ، وَيَكُونُ الشَّيْءَ القَرِيبَ نَفْسَهُ.
وقوله: "والطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ" (^٥).
ع: الباء مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنُوطٍ أَوْ مُعَلَّقٍ. وقال الهَرَوِيُّ: "تَقْدِيرُهُ وَالطَّلَاقُ يُعْتَبَرُ بالرِّجَالِ، والعِدَّةُ تُعْتَبَرُ بِالنِّسَاءِ" (^٦).
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٩٢.
(٢) الحديث رواه البخاري: ١٩؛ ومسلم (ح ٣) ١١٦٣؛ والترمذي: ٢/ ٣٥٨؛ وأبو داود: (ح ٣٤٥٤) ٣/ ٢٧٣؛ وأحمد: ٢/ ٤؛ والنسائي: ٧/ ٢٤٧؛ والدارمي: ٢/ ٢٥٠؛ ومالك: ٥٥٩، والحديث في كتاب البيوع؛ أدب الكتاب: ١٣.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٩٢.
(٤) أدب الكتاب: ١٣؛ والحديث رواه البخاري، خيل: (ح ٢٤) ٩/ ٥٠؛ وأحمد: ٦/ ٣٩٠؛ وفي غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٢٣٥.
(٥) أدب الكتاب: ١٣؛ والحديث رواه مالك، طلاق: ٦١، ٤٨٣؛ وفي الغريبين: ١/ ٢٤١.
(٦) الغريبين للهروي: ١/ ٢٤١؛ غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ٤٣٢.
[ ٢ / ٨٤ ]
ط: "هذا مَذْهَبُ عُثْمَانَ بْن عَفَّانٍ ﵁. ومعناه: أَنَّ الْحُرَّةَ إِذَا كَانَتْ تحت مَمْلُوكٍ بَانَتْ بطَلْقَتَيْنِ لأن تطليق المَمْلُوكِ ثِنْتَانِ وَاعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَهَيَ الْأَطْهَارُ على مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ، والْحِيَضِ على مَذْهَبِ العِرَاقِيِّينَ. وإذا كانت مَمْلُوكَةً تحت حُرٍّ بَانَتْ عَنْهُ بِثَلَاثِ تَطلِيقَاتٍ واعْتَدَّتْ قُرْءَيْنِ، فَيُنْظَرُ في الطلاقِ إلى الرَّجُل وفي العِدَّةِ إلَى الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ﵁ فقال: "الطَّلَاقُ بِالنِّسَاءِ وَالعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، لَا يُنظَرُ إِلى الرَّجُلِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّلَاقِ، فإن كانت حُرَّةً تَحْتَ مَمْلُوكٍ بَانَتْ عنه بثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَاعْتَدَّتْ ثلاثة قُرُوءٍ، وإن كانت مملوكةً تَحْتَ حُرٍّ بَانَتْ عَنْهُ بِطَلْقَتَيْنِ وَاعْتَدَّتْ قُرْءَيْنِ" (^١).
فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الْحِجَازِيُّونَ، فَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ عَثْمَانَ فَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ. وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الْعِرَاقِيُّونَ، فأخذوا بمذهب عَلِيٍّ فَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ" (^٢).
وقوله: "وَكَنَهْيِهِ فِي الْبُيُوعِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ" (^٣).
ط: "الْمُخَابَرَةُ: الْمُزَارَعَةُ عَلَى جُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ كَالْثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي اشْتِقَاقِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْخُبْرَةِ، وهي النَّصِيبُ. والخُبْرَةُ أيضًا: أَنْ يَشْتَرِي قوم شَاةً فَيَقْسِمُونَهَا. قال عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ (^٤): (طويل)
إِذَا مَا جَعَلْتَ الشَّاةَ لِلْقَوْمِ خُبْرَةً … فَشَأنَكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِي (^٥)
_________________
(١) الغريبين: ١/ ٢٤١.
(٢) الاقتضاب: ١/ ٩٣.
(٣) أدب الكتاب: ١٣، ورواه البخاري، مساقاة: (ح ٢٣٨١) ٥/ ٥٠؛ ومسلم، بيوع: ١٦ (ح ١١٨٤) ٣/ ١١٧٤؛ والترمذي، بيوع: ٢/ ٣٨٨؛ النسائي، بيوع: ٧/ ٢٦٣؛ وأبو داود، بيوع: (٣٤٠٤) ٣/ ٢٦٢؛ والدارمي، بيوع: (٧٢) ٢/ ٢٧٠؛ وأحمد: ٥/ ١٨٧؛ وغريب الحديث: ١/ ٢٣٠.
(٤) عروة بن الورد بن زيد العبسي، من غطفان، شاعر جاهلي، لقب بعروة الصعاليك، وله ديوان شعر، توفي نحو (٣٠ ق. هـ). الشعر والشعراء: ٦٥٧؛ الأغاني: ٣/ ٧٣؛ الأعلام: ٤/ ٢٢٧.
(٥) البيت ليس في ديوانه، وهو في غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٩٦؛ المعاني الكبير: ١/ ١٦١.
[ ٢ / ٨٥ ]
والثاني: قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، كان يزعم أنها مشتقة مِنْ خَيْبَرَ (^١)؛ لأَنَّ رسول الله ﷺ أَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا حِينَ افْتَتَحَهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ منهم نِصْفَ غَلَّاتِهِمْ ثُمَّ تَنَازَعُوا فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ" (^٢).
ويُقَالُ لِلْأَكَّارِ: خَبِيرٌ، ويقال لِلْمُخَابَرَةِ: خِبْرَةٌ بكسر الخاء.
والْمُحَاقَلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أقوال، قَالَ قَوْمٌ: هي بَيْعُ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا.
وَقِيلَ: هِيَ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الطَّعَام. وقيل: هِيَ مِثْلُ الْمُخَابَرَةِ، وهذا الْقَوْلُ أَشْبَهَ بِهَا مِنْ طريق اللُّغَةِ؛ لأنها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ الْقَرَاحُ" (^٣).
وَالْقَرَاحُ: قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ، وهو الفَدَّانُ في لُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ. ويقال: المَحْقَلُ أَيْضًا، قال الراجز:
يَخْطِرُ بِالْمِنْجَلِ وَسْطَ الْمَحْقَلِ (^٤)
وقوله: "وَالْمُزَابَنَةُ" (^٥): بَيْعُ التَّمْرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ، يقال: زَبَنَتِ النَّاقَةُ الْحَالِبَ، إذا ضَرَبَتْهُ بِرِجْلِهَا عِندَ الْحَلْبِ.
وَتَزَابَنَ الرَّجُلَانِ: إِذَا تَخَاصَمَا، وَمِنْهُ قِيلَ: حَرْبٌ زَبُونٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَفِرُّونَ عَنْهَا فَكَأَنَّهَا تَزبِنُهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لَهَا: زَبُونٌ لأن كلَّ واحِدٍ من الفَرِيقَيْنِ يَزْبِنُ صَاحِبَهُ، فنُسِبَ الزَّبْنُ إِلَيْهَا، والمراد أهلها الذين يَتَزَابَنُونَ كَمَا
_________________
(١) هي الموضع المذكور في غزاة النبي ﵇ سنة (٧ هـ)، وهي قريبة من المدينة سميت بخيبر بن قانية بن إرم بن سام بن نوح ﵇ وهي منازل بني صخر من طيء. نهاية الأرب (ق): ٢٨٦، معجم البلدان: ٢/ ٤١٠.
(٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٩٦.
(٣) الاقتضاب: ١/ ٩٤.
(٤) البيت للأخطل في ديوانه: ٢/ ٧٠٥؛ الكتاب: ١/ ٨٥، شرح شواهد الكشاف: ٨٨.
(٥) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٨٦ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ (^١)، وإنما الْكَذِبُ وَالْخَطَأُ لِصَاحِبِهَا.
قَالَ أَبُو الْغُولِ الطُّهَوِيُّ (^٢): (وافر)
فَوَارِسُ لَا يَمَلُّونَ الْمَنَايَا … إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ (^٣)
فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ مُزَابَنَةً؛ لإنَّ الْمُشْتَرِي إِذَا بَانَ (^٤) لَهُ أَنَّهُ مَغْبُونٌ (^٥) أَرَادَ فَسْخَ الْبَيْعِ وأَرَادَ الْبَائِعُ إِمْضَاءَهُ فَتَزَابَنَا، أَيْ تَدَافَعَا وَتَخَاصَمَا.
وكان مَالِكٌ (^٦) ﵀ يَجْعَلُ الْمُزَابَنَةَ وَاقِعَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمَّى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ" (^٧).
ز: "إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْكَيْلَ، وليس يجوز شَيْءٌ مِنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَدُا بِيَدٍ" (^٨).
ط: "وَالْمُعَاوَمَةُ (^٩) فِيهَا قَوْلَانِ، قَالَ قَوْمٌ: هِيَ بيعُ عِنَبِ الْكَرْمِ لِعَامَيْنِ، وكذلك حَمْلُ النَّخْلِ ونَحْوَهُ مِنَ الشَّجَرِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
_________________
(١) سورة العلق (٩٦): الآية ١٦.
(٢) جندل بن المثنى الطهوي، من تميم، شاعر راجز، عاصر الراعي النميري وهاجاه. توفي سنة (٩٠ هـ). السمط: ٦٤٤؛ الأعلام: ٢/ ١٤٠.
(٣) البيت في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٤٠١؛ الأمالي: ١/ ٢٦٠؛ الخزانة: ٦/ ٤٣٩؛ السمط: ٥٧٩.
(٤) بان: ظهر، ل (بين).
(٥) المغبون: المخدوع، ل (غبن).
(٦) مالك بن أنس الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، صنف الموطأ، توفي سنة (١٧٩ هـ). حلية الأولياء: ٦/ ٣١٦؛ صفة الصفوة: ٢/ ٩٩؛ الوفيات: ١/ ٤٣٩؛ تهذيب التهذيب: ١٠/ ٥.
(٧) الاقتضاب: ١/ ٩٥.
(٨) تفسير الزجاجي: ١٣٢.
(٩) أدب الكتاب: ١٣.
[ ٢ / ٨٧ ]
وقال قوم: هِيَ مُبَايَعَةٌ كَانَتْ في الجَاهِلِيَّةِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ السِّلْعَةَ مُؤَجَّلًا عَلَيْهِ ثَمَنُهَا إِلَى انْقِضَاءِ عَامٍ، فإذا انْقَضَى الْعَامُ وَاقْتَضَاهُ الثَّمَنَ قَالَ: ليس عِنْدِي مَالٌ ولكِنْ أَضْعِفْ عَلَيَّ الْعَدَدَ وَأَجِّلْنِي بِهِ إِلَى انْقِضَاءِ عَامٍ آخَرٍ" (^١).
ع: يقال عَاوَمْتُ فُلَانًا مُعَاوَمَةً، وسَانَيْتُهُ مُسَانَاةً، مِنَ السَّنَةِ، وَسَانَهْتُهُ مُسَانَهَةً، وكذلك مُشَاهَرَةً، وَمُيَاوَمَةً، وَمُسَاوَعَةً أَي عَامَلْتُهُ لِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ.
ط: "وَالثُّنْيَا: بَيْعُ الشَّيْءِ الْمَجْهُولِ الكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وذلك غير جَائِزٌ لأَنَّ المُسْتَثْنَى مِنْهُ رُبَّمَا أَتَى عَلَى جَمِيعِهِ. فَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُهُ لَا فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ.
ومنهم مَنْ يُجِيزُهُ إذا كَانَ المُسْتَثْنَى الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَض (^٢): أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ. وَإِنْ بَاعَهُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّمُنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَهُوَ رِبْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ (^٣).
والبَيْعُ وَالسَّلَفُ (^٤) أن يقول الرَّجُلُ لصَاحِبِهِ: أَبِيعُكَ هذه السِّلْعَةَ بِكَذَا وكذا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ تُسَلِفَنِي كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنْ أن يكونَ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا مِنْ أَجْلِ الْقَرْضِ.
وشَرْطَانِ فِي بَيْعٍ (^٥): أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: أَبَيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ إِلَى شَهْرٍ بِدِينَارٍ، وإلى شهريْنِ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وهو يشبه بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ٩٥.
(٢) هو مجموعة أحاديث وردت في باب النهي عن بيع الطعام قبل ما لم يقبض، رواها ابن ماجه، تجارات: ٣٧ (ح ٢٢٢٦ - ٢٢٢٨) ٢/ ٧٥٠.
(٣) جزء من حديث رواه أبو داود: (ح ٣٥٠٣) ٣/ ٢٨٣؛ وأحمد: ٢/ ١٧٥؛ والترمذي: (ح ١٢٥٢) ٢/ ٣٥١؛ وابن ماجه: (ح ٢١٨٨) ٢/ ٧٣٧؛ والدارمي: ٢/ ٢٥٣.
(٤) أدب الكتاب: ١٤.
(٥) نهى عنه رسول الله ﷺ، والحديث رواه أبو داود: (ح ٣٥٠٣) ٣/ ٢٨٣؛ والدارمي: ٢/ ٢٥٣؛ والنسائي: ٧/ ٢٨٨؛ الاستذكار: ٩/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٨٨ ]
جَائِزٍ. فأما بَيْعٌ وَشَرْطٌ فَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (^١): وَرَدْتُ مَكَّة (^٢) حَاجًا، فَأَلْفَيْتُ فِيهَا أَبَا حَنِيفَةً (^٣)، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى (^٤)، وَابْنَ شُبْرُمَةً (^٥) فَقُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: ما تقول في رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَشَرَطَ شَرْطًا؟
فقال: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ، فقال: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبُرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ فقال: الْبَيْعُ جَائِزٌ، والشَّرْطُ جَائِزٌ. فقلت: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ لا يَتَّفِقُونَ فِي مَسْأَلَةٍ.
قال: فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بما قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: مَا أَدْرِي مَا قَالَا! حدثني عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ (^٦) عَنْ أَبِيهِ عن جَدِّهِ قال: نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا
_________________
(١) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء، أبو الحارث، إمام أهل مصر حديثًا وفقهًا، من خراسان، توفي بالقاهرة سنة (١٧٥ هـ)؛ تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٢٤؛ حلية الأولياء؛ ٧/ ٣١٨؛ الوفيات: ١/ ٤٣٨؛ ميزان الاعتدال: ٢/ ٤٢٣؛ الأعلام: ٥/ ٢٤٨. ووجدنا في الاقتضاب عبد الوارث بن سعيد والصواب ما أثبتناه.
(٢) هي بيت الله الحرام، وهي بكة، والنساسة، وأم رحيم، وأم القرى، ومعاذ، والحاطمة، والبيت العتيق، بناها إبراهيم ﵇؛ معجم البلدان: ٥/ ١٨٢.
(٣) النعمان بن ثابت التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة الفقيه، أحد الأئمة، ولد ونشأ بالكوفة وتوفي بها سنة (١٥٠ هـ). تاريخ بغداد: ١٣/ ٣٢٣؛ وفيات الأعيان: ٥/ ٤٠٥؛ البداية والنهاية: ١٠/ ١٠٧؛ النجوم الزاهرة: ٢/ ١٢؛ الأعلام: ٨/ ٣٦.
(٤) أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى، القاضي، من أكابر تابعي الكوفة، ولاه الحجاج القضاء ثم عزله، توفي سنة (٨٣ هـ). طبقات ابن سعد: ٦/ ١٠٩؛ تاريخ بغداد: ١٠/ ١٩٩؛ تذكرة الحفاظ: ٥٨؛ العبر للذهبي: ١/ ٩٦؛ غاية النهاية: ١/ ٣٧٦؛ تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٦٠؛ شذرات الذهب: ١/ ٩٢؛ وفيات الأعيان: ٣/ ١٢٦.
(٥) عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي، الكوفي القاضي، ولاه أبو جعفر المنصور قضاء الكوفة، توفي سنة (١٤٤ هـ). تاريخ الطبري: ٣/ ٥٦٦؛ جمهرة أنساب العرب: ٢٠٤؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٥٠.
(٦) عمرو بن شعيب بن محمد السهمي القرشي، أبو إبراهيم، من رجال الحديث، سكن مكة، وتوفي بالطائف سنة (١١٨ هـ)، ميزان الاعتدال: ٣/ ٢٦٣؛ تهذيب التهذيب: ٨/ ٤٨، ٥٥؛ الأعلام: ٥/ ٧٩.
[ ٢ / ٨٩ ]
قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةٍ (^١) عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (^٢) قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِي بَرِيرَةَ (^٣) فَأُعْتِقَهَا (^٤)، الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. قال: فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: ما أَدْرِي مَا قَالَا لَكَ، حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ (^٥) عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ (^٦) عَنْ جَابِرٍ (^٧) قَالَ: بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ بَعِيرًا وَشَرَطَ لِي حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ (^٨). فالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ وَيُرْوَى نَاقَةً.
وبَيْعُ الْغَرَرِ يَقَعُ فِي أَشْيَاء كَثِيرَةٍ كَبَيْعِ الْجَنين فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ فِي حِينِ إِبَاقِهِ، وَبَيْعِ عَصِيرِ الْكَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ.
_________________
(١) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر، تابعي من أئمة الحديث من علماء المدينة: نسب قريش: ٢٤٨؛ تاريخ بغداد: ١٤/ ٣٧؛ وفيات الأعيان: ٢/ ١٩٤؛ الأعلام: ٨/ ٨٧.
(٢) عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين زوجة النبي ﷺ، أفقه النساء وأعلمهن بالدين والأدب. طبقات ابن سعد: ٨/ ١٠؛ حلية الأولياء: ٢/ ٤٣؛ الإصابة: كتاب النساء، ٨/ ١٣٠ (ت ٧٠١)؛ صبح الأعشى: ٥/ ٤٣٥؛ الأعلام: ٣/ ٢٤٠.
(٣) جارية أعتقتها عائشة ﵂، وقصتها في كتب الحديث.
(٤) الحديث رواه البخاري: مكاتب (ح ٤٢): ٣/ ٣٠١؛ ومسلم، وفي كتاب العتق: ٢ (ح ٦) ٢/ ١١٤١؛ والإمام أحمد: ٢/ ٣٠؛ والنسائي الطلاق: ٦/ ١٦٢؛ والترمذي، وصايا: ٧ (ح ٢٢٠٧) ٣/ ٢٩٥، وأبو داود، عتق: ٢ (ح ٣٩٢٩) ٤/ ٢١؛ ومالك، عتق: ١٥/ ٦٦٨.
(٥) مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي، أبو سلمة، من ثقات أهل الحديث، كوفي، كان مرجئًا، توفي بمكة سنة (١٥٢ هـ). حلية الأولياء: ٦/ ٢٠٩؛ تهذيب التهذيب: ١٠/ ١١٣؛ الأعلام: ٧/ ٢١٦.
(٦) محارب بن دثار بن كردوس، السدوسي، الشيباني الكوفي، أبو المطرف، قاضي الكوفة، من المرجئة، توفي سنة (١١٦ هـ)، تهذيب التهذيب: ١٠/ ٤٩؛ النجوم الزاهرة: ١/ ٢٨٧؛ شذرات الذهب: ١/ ١٥٢؛ الأعلام: ٥/ ٢٨١.
(٧) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السلمي، أبو عبد الله، روى عن النبي ﷺ، توفي سنة (٧٣ هـ)، تهذيب التهذيب: ٢/ ٤٢.
(٨) الحديث رواه أبو داود: البيوع، باب شرط في بيع: (ح ٣٥٠٥) ٣/ ٢٨٣؛ والإمام أحمد: ٣/ ٢٩٩.
[ ٢ / ٩٠ ]
وبَيْعُ الْمُوَاصَفَةِ (^١): أَنْ يَبيعَ الشَّيْء بِالصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَيْهِ. وَبَيْعُ الْكَالِيءِ بِالْكَالِيء (^٢): بيع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَالرَّجُلِ يُسَلِّمُ فِي طَعَام إِلَى رَجُلٍ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ تَقَاضِي الطَّعَام قال له الْمُسْلِّمُ إِلَيْهِ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ أَعْطِيكَهُ وَلَكِنْ بِعْهُ مِنِّي. فَإِذَا بَاعَهُ مِنْهُ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ ولكن أجِّلْنِي بِالثَّمَنِ شَهْرًا.
وكان الأَصْمَعِيُّ لَا يَهْمِزُ الْكَالِئَ، ويحتج بقول الشاعر: (مجزوء الكامل)
وَإِذَا تُبَاشِرُكَ الْهُمُو … مُ فَإِنَّهَا كَالٍ وَنَاجِزْ (^٣)
وأما أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى (^٤) فَإِنَّهُ كَانَ يَهْمِزُهُ، ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ: (رجز)
وَعَيْنُهُ كَالْكَالِيءِ الضِّمَارِ (^٥)
أَيْ يُشَاهِدُهُ كَالْغَائِبِ لِلْغَرَرِ. والذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةً هُوَ الصَّحِيحُ، ودَلِيلُهُ قولُهُمْ: تَكَلَّأْتُ، كَلأَةً: إذا أَخَذْتَ نَسِيئَةً بِالْهَمْزِ فِيهَا.
وَكَلَأَ الشَّيْءُ: بَلَغَ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتَهُ. قال الشاعر: (طويل)
تَعَفَّفْتُ عَنْهَا فِي الْعُصُورِ الَّتِي خَلَتْ … فَكَيْفَ الْتَّصَابِي بَعْدَمَا كَلَأَ الْعُمْرُ (^٦)
فأما الْبَيْتُ الذي أَنْشَدَهُ الْأَصْمَعِيُّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَلى تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ، كما قال الآخر: (مجزوء الكامل)
_________________
(١) نهى رسول الله ﷺ عنه. انظر الحديث في: الفائق: ٤/ ٦٤؛ النهاية: ٥/ ١٩١؛ أدب الكتاب: ١٤.
(٢) في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الكاليء بالكالئ، الفائق: ٣/ ٢٧٣؛ النهاية: ٤/ ١٩٤؛ أدب الكتاب: ١٤.
(٣) البيت لعبيد بن الأبرص ديوانه: ٨٣؛ الأمالي: ١/ ٢٢٥، ل (كلأ).
(٤) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد بالبصرة سنة (١١٠ هـ)، وتوفي بها سنة (٢٠٩ هـ)، له كتب كثيرة. تاريخ بغداد: ١٣/ ٢٥٢؛ نزهة الألباء: ١٠٤؛ معجم الأدباء: ٧/ ١٦٤؛ الإنباه: ٣/ ٣٦٢؛ الوفيات: ٢/ ١٠٥؛ الأعلام؛ ٧/ ٢٧٢.
(٥) الرجز في غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٢٠؛ ل (كلا، ضمر، عين).
(٦) البيت لأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي، وهو في: الشعر والشعراء: ٢١٤ الأغاني: ٢٠/ ٢٦٩؛ الأمالي: ١/ ٧٨، ل (كلأ).
[ ٢ / ٩١ ]
وَكُنْتَ أَذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعٍ … يُشَجِّجُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجٍ (^١)
أَرَادَ وَاجِيءٍ، فَخَفَّفَ.
وقوله: "عَنْ تَلَقِّى الرُّكْبَانِ" (^٢).
كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الرِّفَاقِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمَصْرِ، فَيَبْتَاعُونَ السِّلَعَ بِأَقَلَّ مِنْ أَثْمَانِهَا وَيَخْدَعُونَ الْأَعْرَابَ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهَا الْمَصْرَ، فَيَبِيعُونَهَا وَيُغْلُونَ في أَثْمَانِهَا، وَلَوْ وَرَدَ الْأَعْرَابُ لَاشْتُرِيَتْ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَنُهُوا عَنْهُ. وقال ﷺ: (دَعُوا عِبَادَ الله يُصِبْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (^٣) " (^٤).
وقوله: "وَتَفَهَّمَ مَعَانِيهَا وَتَدَبَّرَهَا" (^٥).
ع: مَعْنَى الشَّيء: مَا دَلَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ عَنَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا قَصَدْتَهُ.
وَالْأَشْبَاهُ: النَّظَائِرُ وَالْمِثَالَاتُ، وَاحِدُهَا شَبَهٌ وَشِبْهٌ، وتَدَبَّرَهَا: مأخوذ من الدُّبُرِ، وهو آخِرُ الشَّيْءِ: أي عَرَفَ آخِرَهَا وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ.
وَالنَّاسُ: اسْمٌ وَاقِعٌ على الْخَلْقِ خَاصَّةً، وجمع نَاسٍ: أَنْوَاسٌ. وتَصْغُيرُ نَاسٍ: نُوَيْسٌ لِأَنَّ أَلِفَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، فَعَادَتْ فِي التَّصْغِيرِ. وسِيبَوَيْهُ يَقُولُ: "أَصْلُهُ أُنَاسٌ، على فُعَالٍ، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، فَتَصْغِيرُهُ على مَذْهَبِهِ أُنَيْسٌ" (^٦).
وأَخْبَارُ النَّاسِ (^٧): آدابُهُمْ وَسِيَرُهُمْ.
_________________
(١) البيت لعبد الرحمن بن حسان في ديوانه: ١٨؛ محاضرات الأدباء: ١/ ٣٠٧؛ المستقصى؛ ١/ ١٣٦؛ الكامل: ١/ ٢٦٣؛ المخصص: ١٤/ ١٤؛ المقتضب: ١/ ١٦٦؛ الخصائص: ٣/ ١٥٢.
(٢) أدب الكتاب: ١٤.
(٣) الحديث رواه البخاري بلفظ آخر: بيوع (ح ١٠٧) ٣/ ١٤٩؛ ومسلم، بيوع: ٣/ ١١٥٤؛ وأبو داود، بيوع: ٨٢، ٥٦٩؛ وأحمد: ١/ ١٦٣؛ والترمذي، بيوع: (ح ١٢٤) ٢/ ٣٤٧؛ والنسائي، بيوع: ٧/ ٢٥٦؛ وابن ماجه، تجارات: ١٥ (ح ٢١٧٦) ٢/ ٧٣٤.
(٤) الاقتضاب: ٢ من ٩٥ إلى ٩٩.
(٥) أدب الكتاب: ١٤.
(٦) الكتاب: ٢/ ١٩٦.
(٧) أدب الكتاب: ١٤.
[ ٢ / ٩٢ ]
وتَحَفُّظُ الشَّيْءِ (^١): تَتَبُّعُ حِفْظِهِ وَمُلَازَمَتُهُ.
وقوله: "فِي تَضَاعِيفِ أَسْطَارِهِ" (^٢).
ط: "يُرِيدُ بَيْنَ أَسْطَارِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا، وَاحِدُهَا تَضْعِيفٌ، وَهُوَ ما تَضَعَّفَ، أي اجْتَمَعَ. وعَيْنُ كُلِّ شَيْءٍ: أَفْضَلُهُ. قال الشاعر: (بسيط)
قَالُوا خُذِ الْعَيْنَ مِنْ كُلٍّ، فَقُلْتُ لَهُمْ … فِي الْعَيْنِ فَضْلٌ وَلَكِنْ نَاظِرُ الْعَيْنِ
حَرْفَانِ فِي أَلْفٍ طُومَارٍ مُسَوَّدَةٍ … وَرُبَّمَا لَمْ تَجِدْ فِي الْأَلْفِ حَرْفَيْنِ (^٣) " (^٤)
وقوله: "إِذَا حَاوَرَ" (^٥).
ط: "الْمُحَاوَرَةُ: الْمُرَاجَعَةُ فِي الْكَلَامِ، يقال: حَاوَرْتُهُ مُحَاوَرَةً وحِوَارًا، قال عَنْتَرَةُ (^٦): (بسيط)
لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى … أَوْ كَانَ يَدْرِي مَا جَوَابُ تَكَلَّمِ (^٧)
وقال النابغة: (بسيط)
بِتَكَلُّمٍ لَعوْ تَسْتَطِيعُ حِوَارَهُ … لَدَنَتْ لَهُ أَرْوَى الْهِضَابِ الصُّخَّدِ (^٨) " (^٩)
وقوله: "ومَدَارُ الْأَمْرِ" (^١٠):
ع: الْمَدَارُ: الدَّوَرَانُ، ومَوْضِعُ الدَّوَرَانِ أَيْضًا.
_________________
(١) نفسه.
(٢) أدب الكتاب: ١٤.
(٣) البيتان بدون نسبة في الاقتضاب: ١/ ٩٩. وهما لمنصور الفقيه في يتيمة الدهر: ٢/ ١٣٤؛ التمثيل والمحاضرة: ١/ ٣٧؛ بهجة المجالس: ١/ ١؛ ثمار القلوب: ١/ ١٠١؛ ربيع الأبرار: ١/ ٣٢٢.
(٤) الاقتضاب: ١/ ٩٩.
(٥) أدب الكتاب: ١٤.
(٦) عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، فارس شاعر أسود، توفي نحو (٢٢ ق. هـ). الشعر والشعراء: ٢٥٠؛ الأغاني: ٨/ ٢٣٧؛ الخزانة: ٦/ ٤٠٦؛ الأعلام: ٥/ ٩١.
(٧) البيت في ديوانه: ٢٠؛ جمهرة أشعار العرب: ٣٧٢؛ الحماسة البصرية: ١/ ٨٠.
(٨) ديوانه: ٨٩، روايته: لو تستطيع كلامه.
(٩) الاقتضاب: ١/ ٩٩.
(١٠) أدب الكتاب: ١٤.
[ ٢ / ٩٣ ]
ط: "أَصْلُ الْقُطْبِ: مَا تَدُورُ عَلَيْهِ الرَّحَى، وَمَا تَدُورُ عَلَيْهِ البَكَرَةُ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: قُطْبٌ، قِطْبٌ، قَطْبٌ، قُطُبٌ" (^١).
ع: وَالْقُطْبُ أَفْصَحُهَا.
ط: "وجَعَلَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ قُطُبًا لَهُ لأَنَّ مَدَارَ الرَّحَى عَلَى قُطْبِهَا" (^٢).
ع: وَوَقَعَ فِي "كتابِ" أَبِي عَلِيٍّ: وجُوْدَةِ: بِكَسْرِ الْهَاءِ كَأَنه عَطْفٌ عَلَى الْقُطْبِ، والأَحْسَنُ رَفْعُهُ عَطْفًا على العَقْلِ.
والْقَرِيحَةُ: الطَّبِيعَةُ الْخَالِصَةُ، أُخِذَتْ مِنَ الْقَرَاحِ وهو المَاءُ الْخَالِصُ الَّذِي لَمْ يُمْزَجْ بِشَيْءٍ.
ع: القَرِيحَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ الْاِقْتِرَاحِ، وَهُوَ الاِسْتِخْرَاجُ، وَأَصْلُ الْقَرِيحَةِ: الْبِئْرُ تُحْفَرُ فَيُسْتخْرَجُ الْمَاءُ، ثم وُضِعَتْ مَوْضِعَ الطَّبِيعَةِ، وَائْتَمَّ بِكُتُبِنَا: جَعَلَهَا إِمَامًا.
وقوله: "أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ" الكلام (^٣).
ط: "هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَدَبُ النَّفْسِ خَيْرٌ مِنْ أَدَبِ الدَّرْسِ" (^٤).
ويقال: الْأَدَبُ أَدَبَانِ، أَدَبُ خِبْرَةٍ وَأَدَبُ عِشْرَةٍ. قال الشاعر: (رجز)
يَا سَائِلِي عَنْ أَدَبِ الْخِبْرَة … أَحْسَنُ مِنْهُ أَدَبُ الْعِشَرَة
كَمْ مِنْ فَتًى تَكْثُرُ آدَابُهُ … أخْلاقُهُ مِنْ عِلْمِهِ صِفُرَةْ (^٥)
وَالْخَطَلُ مِنَ الْقَوْلِ: الْكَثِيرُ فِي فَسَادٍ، يقال: رَجُلٌ أَخْطَلٌ: إِذا كَانَ بَذِيَّ اللِّسَانِ، وبه سُمِّيَ الْأَخْطَلُ (^٦) في بعض الأقْوَالِ" (^٧).
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ١٠٠.
(٢) نفسه.
(٣) أدب الكتاب: ١٤.
(٤) انظر المثل في اللسان (أدب): ١/ ٢٠٦.
(٥) البيت بدون نسبة في الاقتضاب: ١/ ١٠٠.
(٦) غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو، أبو مالك، شاعر تغلب، توفي سنة (٩٠ هـ). الشعر والشعراء: ٤٧٣؛ الأغاني: ٨/ ٢٨٠؛ الخزانة: ١/ ١٠٩؛ الأعلام: ٥/ ١٢٣.
(٧) الاقتضاب: ١/ ١٠٠.
[ ٢ / ٩٤ ]
ع: وَيُهَذِّبُ: يُخْلِّصُ وَيُصَفِّي. وَالْغَيْبَةُ: مِنَ الْغَيْبِ، يقال: اغْتَابَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا ذَكَرَ عُيُوبَهُ فِي غَيْبَتِهِ، ثم اسْتُعْمِلَ فِي ذِكْرِهِ فِي الْغَيْبِ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ حَقًّا ولم يك فِي الحَقِيقَةِ عَيْبًا.
والرَّفَثُ: الْفُحْشُ فِي الْكَلَام. وَالشَّنِيعُ وَالشَّنِعُ (^١): مَا أُنْكِرَ من قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وفعله: شَنُعَ، وشَنِعَ، وفِعْلُ الرَّفَثِ: رَفِثَ الرَّجُلُ، يَرْفَثُ رَفَثًا، فَهُوَ رَافِثٌ.
ط: "رَفَثُ الْمَزْحِ (^٢): مَا كان فِيهِ ذِكْرُ النِّكَاحِ وَالسَّوْءَاتِ.
والْإِسْوَةُ، بكسر الهَمْزَةِ وَضَمِّهَا: القُدْوَةُ. والدَّعَابَةُ: الْفُكَاهَةُ وَالْمِزَاحُ، ويقال: مَزْحٌ، وَمُزَاحٌ، ومِزَاحٌ، ومِزَاحَةٌ، ومُمَازَحَةٌ بمعنًى" (^٣).
وقوله: "وَمَازَحَ عَجُوزًا" (^٤).
ع: الْعَجُوزُ هي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (^٥) أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام (^٦)، قالت للنبي ﵇: سَلْ لِي الْجَنَّةَ، فَدَاعَبَهَا بهذا الكلام. أي: (لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ إِلَّا شَوَابَّ (^٧».
لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ (^٨).
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٤.
(٢) نفسه.
(٣) الاقتضاب: ١/ ١٠١.
(٤) أدب الكتاب: ١٤.
(٥) صفية بنت عبد المطلب بن هاشم، سيدة قرشية وشاعرة باسلة، عمة النبي ﷺ. طبقات ابن سعد: ٨/ ٨٠؛ الإصابة: (ت ٦٥١)؛ الأعلام: ٣/ ٢٩٦.
(٦) الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله الصحابي الشجاع وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ولد سنة (٢٨ ق. هـ)، وتوفي سنة (٣٦ هـ). حلية الأولياء: ١/ ٨٩؛ تهذيب ابن عساكر: ٥/ ٣٥٣؛ صفة الصفوة: ١/ ١٣٢؛ الأعلام: ٣/ ٤٣.
(٧) الحديث رواه أبو داود: في كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح: (ح ٤٩٩٨) ٤/ ٣٠٠ بصيغة أخرى.
(٨) سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٥ - ٣٧.
[ ٢ / ٩٥ ]
وَقَالَ لِأمْرَأَةٍ قَالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي يَا رَسُولَ الله عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَ: "أَحْمِلُكِ عَلَى ابْنِ الْبَعِيرِ. فقالت: إِنَّهُ لَا يَحْمِلُنِي. فقال: (أَلَيْسَ كُلُّ بَعِيرٍ ابْنُ بَعِيرٍ) " (^١).
ع: ابْنُ سِيرِينَ (^٢)، هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مات بَعْدَ الْحَسَنِ (^٣) بِمِائَةِ لَيْلَةٍ، وهو ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وكان يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، وصلى عَلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ عَمْرٍو.
وقال مَالِكٌ ﵁ في ابْنِ سِيرِينَ: هُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ المَشْرِقِ بِالْحَلَالِ والحَرَامِ، فَقَدَّمَهُ عَلَى الْحَسَنِ، وَالشِّعْبِيِّ (^٤)، والنَّخَعِيِّ (^٥) ﵏، وكان عَالِمًا بِالرُّؤْيَا وَوَاحِدًا فِي دِينِهِ.
ط: "يقال: تُوُفِّيَ الرَّجُلُ (^٦)، إِذَا مَاتَ، وتوفي: إِذَا نَامَ لأن حَالَ النَّوْم تُضَارعُ حَالَ الْمَوْتِ كَمَا أَنَّ الْيَقَظَةَ تُضَارِعُ حَالَ الْحَيَاةِ" (^٧)، وَلِذَلِكَ قَالَ الشاعِرُ: (طويل)
نَمُوتُ وَنَحْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَلَابُدَّ يَوْمًا أَنْ نَمُوتَ وَلَا نَحْيَا (^٨)
_________________
(١) وقفنا على الحديث بصيغة أخرى.
(٢) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، أبو بكر، إمام وقته في علوم الدين، تابعي من أشراف الكتاب، ولد سنة (٣٣ هـ)، وتوفي سنة (١١٠ هـ). المحبر: (٣٧٩)؛ الحلية: ٢/ ٢٦٣؛ الوفيات: ١/ ٤٥٣؛ الأعلام: ٢/ ٢١٤.
(٣) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، إمام أهل البصرة وحبر الأمة، ولد بالمدينة سنة (٢١ هـ)، توفي سنة (١١٠ هـ). حلية الأولياء: ٢/ ١٣١؛ تهذيب التهذيب: ٢/ ٢٦٣.
(٤) عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الحميري، أبو عمرو، راوية من التابعين وحافظ، مات بالكوفة سنة (١٠٣ هـ). الحلية: ٤/ ٣١٠؛ تاريخ بغداد: ١٢/ ٢٢٧؛ الوفيات: ١/ ٢٤٤؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ٦٥؛ الأعلام: ٤/ ٢٥١.
(٥) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران، من أكابر التابعين صلاحًا وصدق رواية وحفظًا للحديث، من أهل الكوفة، توفي سنة (٩٦ هـ). جمهرة الأنساب: ٤١٥؛ الطبقات: ٦/ ١٨٨؛ الحلية: ٤/ ٢١٩، الأعلام: ١/ ٨٠.
(٦) أدب الكتاب: ١٥.
(٧) الاقتضاب: ١/ ١٠٢.
(٨) لم أقف عليه.
[ ٢ / ٩٦ ]
وقال الْمَعَرِّي: (طويل)
وَبَيْنَ الرَّدَى وَالْنَّوْمِ قُرْبَى وَنِسْبَةٌ … وَشَتَّانَ بُرْءٌ لِلنُّفُوسِ وَإعْلَالُ (^١)
وَالرَّجُلُ الذِي سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ حَسَانٍ (^٢)، غاب عن مجلس ابْنِ سِيرِينَ، فقال رَجُلٌ أَحْسِبُهُ غَالِبًا التَّمَّارَ: أَرَى هِشَامًا قَدْ غَابَ الْيَوْمَ عَنْ مَجْلِسِنَا! فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ الْبَارْحَةَ؟
ع: البَارِحَةُ: صفَةُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَبِذَلِكَ سَاغَ أَنْ تكُونَ ظَرْفًا، وبَرِحَتْ: زَالَتْ، ولا يُقَالُ لِلنَّهَارِ إِذا مَضَى: الْبَارِحُ.
وقوله: "وَمَازَحَ مُعَاوِيَةُ (^٣) الْأَحْنَف بن قَيْسٍ" إلى آخر الفصل (^٤).
ط: "الذي اقْتَضَى ذِكْرَ الشَّيْءِ الْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ وذِكْرَ السَّخِينَةِ فِي هَذِهِ الْمُمَازَحَةِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قُرَشِيًّا، وكانت قُرَيْشُ (^٥) تُعَيَّرُ بِأَكل السَّخِينَةِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَفُرُوا بِهِ دَعَا عَلَيْهِمْ وقال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّي يُوسُفَ) فَأَجْدَبُوا سَبْعَ سِنِينَ (^٦) فَكَانُوا يَأْكُلُونَ الْوَبْرَ بِالدَّمِ وَيُسَمُّونَهُ: الْعِلْهِزَ. وَكَانَ أَكْثَرُ قُرْيْشٍ إِذْ ذَاكَ يَأْكُلُونَ
_________________
(١) شروح سقط الزند: ١٦٩٠.
(٢) هشام بن حسان الأزدي، أبو عبد الله القردوسي، محدث أهل البصرة، من المكثرين عن الحسن البصري، توفي سنة (١٤٧ هـ). تذكرة الحفاظ: ١/ ١٦٣؛ تهذيب التهذيب: ١١/ ٣٤؛ الأعلام: ٨/ ٨٥.
(٣) معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي، مؤسس الدولة الأموية في الشام، ولد بمكة سنة (٢٠ ق. هـ)، وتوفي سنة (٦٠ هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٨٨؛ تاريخ الطبري: ٦/ ١٨٠؛ الكامل لابن الأثير: ٣/ ١٤١؛ الأعلام: ٧/ ٢٦٢.
(٤) أدب الكتاب: ١٥.
(٥) بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، من عدنان، وهم بطون كثيرة. جمهرة الأنساب: ٤٦٤؛ الأنساب للسمعاني: ٤/ ٤٧٠.
(٦) هو يوسف النبي ﵇ وقصته في القرآن الكريم، والحديث رواه البخاري: استسقاء (ح ٤٩) ٢/ ٧٤؛ جهاد (ح ١٤٣) ٤/ ١١٧؛ وأبو داود: وتر ١٠ (ح ١٤٤٢) ٢/ ٦٨؛ والدارمي: صلاة ١/ ٣٧٤. انظر: تفسير سورة يوسف وسورة الأنبياء وفيها: على مضر.
[ ٢ / ٩٧ ]
السَّخِينَةَ، فَكَانَتْ قُرَيْشُ تُلَقَبُ "سَخِينَةً" تَعْيِيرًا لَهُمْ بها" (^١)، وفي ذلك يقول حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ (^٢): (كامل)
زَعَمَتْ سَخِينَةٌ أَنْ سَيَغْلِبُ رَبَّهَا … وَلَيَغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الْغُلَّابِ (^٣)
ر: س: مُحَمَّد بْنُ سَلَّامٍ (^٤) عن عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِي (^٥) وغيره. قال رسول الله ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (^٦): (أَتُرَى اللَّهَ نَسِيَ لَكَ قَوْلَكَ): (كامل)
زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا … وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ (^٧) " (^٨)
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُلَقَّبُ سَخِينَةً لأكْلِهِمُ السَّخْنَ، وأنه لَقَبٌ لَزِمَهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ النبيِّ ﵇، ويَدُلُّ على صِحَّةِ ما قاله قَوْلُ خِدَاشِ بْنِ زُهَيْرٍ (^٩)، ولم يُدْرِكِ الْإِسْلامَ: (بسيط)
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ١٠٢.
(٢) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، صحابي وشاعر مخضرم، توفي سنة (٥٤ هـ). الشعر والشعراء: ٣٠٥؛ الأغاني: ٤/ ١٣٤؛ تهذيب ابن عساكر: ٤/ ١٢٥؛ الإصابة: ١/ ٣٢٦؛ الخزانة: ١/ ٦؛ الأعلام: ٢/ ١٧٦.
(٣) ديوانه: ٣٧٣ وهو بيت مفرد مما أضيف إلى شعره.
(٤) محمد بن سلام بن عبيد الله الجبحي بالولاء، إمام في الأدب من البصرة، مات سنة (٢٣٢ هـ). طبقات الزبيدي: ١٩٧؛ فهرست ابن النديم: ١٣؛ تاريخ بغداد: ٥/ ٣٢٧؛ الإنباه: ٣/ ١٤٣؛ الأعلام: ٦/ ١٤٦.
(٥) عمرو بن معاذ المعمري البصري، راوية الشعر، من مشايخ ابن سلام. الشعر والشعراء: ١/ ٢٠٢؛ الخزانة: ٤/ ٣٧٩؛ العمدة: ١/ ١٩٣.
(٦) كعب بن مالك بن عمر بن القين الأنصاري الخزرجي، صحابي شاعر، توفي سنة (٥٠ هـ). الأغاني: ١٥/ ٢٩؛ الإصابة: ت ٧٤٣٣؛ الخزانة: ١/ ٤١٧؛ الأعلام: ٥/ ٢٢٨.
(٧) البيت في ديوانه: ق ٧/ ب ٢١، ص ١٨٢ فيه: جاءت … كي تغالب ربها. . . فليغلب. وفي الأغاني: ١٦/ ١٦٩، همت … أن تغالب، السمط: ٢/ ٨٦٤؛ خزانة الأدب: ٦/ ٢٥٢؛ نسب لحسان بن ثابت، العقد الفريد: ٥/ ٩٥؛ الشعر والشعراء: ٢٤٢.
(٨) الخبر في الأغاني: ١٦/ ١٦٩.
(٩) خداش بن زهير العامري، شاعر جاهلي، من أشراف بني عامر بن صعصعة، الشعر والشعراء: ٦٤٥؛ السمط: ٧٠٤؛ الإصابة: ت ٢٣٢٣؛ الأعلام: ٢/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٩٨ ]
يَا شَدَّةَ مَا شَدَدْنَا يَوْمَ ذَاكَ عَلَى … ذَوِي سَخِينَةَ لَوْلَا اللَّيْلُ والْحَرَمُ (^١)
وأَنْشَدَ الْجَاحِظُ (^٢): (بسيط)
يَا شَدَّة مَا شَدَدْنَا غَيْرَ كَاذِبَةٍ … عَلَى سَخِينَةٍ لَوْلَا اللَّيْلُ وَالْحَرَمُ (^٣)
وقال: "هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشُّعُوبِيَّةِ (^٤): أَنَّ الْعَرَبِ كَانَتْ لَا تُقَاتِلُ بِاللَّيْلِ، ولا تعرف ذلك حُجَّةً وَإِنْ كانَتْ قد تُقَاتِلُ بِاللَّيْلِ، وقد جاء ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ" (^٥).
ط: "وَأَمَّا الْأَحْنَفُ فإِنَّهُ كان تَمِيمِيًا وكانَتْ تَمِيمُ (^٦) تُعَيَّرُ بِحُبِّ الطَّعَامِ وَشِدَّةِ الشَّرَهِ إِلَيْهِ
وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ الْمُنْذِرِ (^٧) أَخَا عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ (^٨) كَانَ
_________________
(١) ديوانه: ١٣، وفي الأغاني: ١٩/ ٧٦؛ حماسة ابن الشجري: ٣١؛ البيان والتبيان؛ ٣/ ١٩؛ خزانة الأدب: ٦/ ٥٢٨؛ الأغاني: ٢٢/ ٦٧.
(٢) عمرو بن بحر بن محبوب الكتاني بالولاء، أبو عثمان الجاحظ، إمام في الأدب ورئيس فرقة معتزلية، مولده بالبصرة سنة (١٦٣ هـ)، ووفاته بها سنة (٢٥٥ هـ)، له مصنفات كثيرة منها: الحيوان، البيان والتبيين، البخلاء. تاريخ بغداد: ١/ ٢١٢؛ نزهة الألباء: ٢٥٤؛ معجم الأدباء: ١٦/ ٧٤؛ الوفيات: ٣/ ٤٧٠؛ لسان الميزان: ٤/ ٣٥٥؛ الأعلام: ٥/ ٧٤.
(٣) البيان والتبيان: ٣/ ١٩.
(٤) وهم أجناس غير عرب كانوا أيام الدولة العباسية، وكانوا يصغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلًا على غيرهم. اللسان (شعب).
(٥) البيان والتبيان: ٣/ ١٧ - ١٩.
(٦) بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان؛ جمهرة الأنساب: ٤٨٠؛ نهاية الأرب؛ ١٨٨.
(٧) أسعد بن عمرو بن المنذر رباه حاجب بن زرارة وقتله سويد الدارمي، والقصة في الكامل لابن الأثير: ١/ ٣٣٥.
(٨) عمرو بن المنذر اللخمي، مالك الحيرة في الجاهلية، ولد النبي ﷺ في عهده، حكم ١٥ عامًا، قتل سنة (٣٥ ق. هـ). الكامل لابن الأثير: ١/ ٢٤٦؛ تاريخ ابن خلدون: ٢/ ٢٦٥؛ الأعلام: ٥/ ٨٦.
[ ٢ / ٩٩ ]
مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي دَارِمٍ (^١) فِي حِجْرِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ (^٢)، فَخَرَجَ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا، فَنَزَلَ بِإِبِلِ سُوَيْدِ بْنِ رَبِيعَةَ الدَّارِمِيِّ (^٣) فَنَحَرَ مِنْهَا بَكْرَةً، فَقَتَلَهُ سُوْيَدٌ، فَغَزَاهُمْ عَمْرُو يَوْمَ الْقُصَيْبَةَ، وَيَوْمَ أُوَارَةِ (^٤)، ثُمَّ أَقْسَمَ لَيَحْرِقَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فبذلك سُمِّيَ "مُحَرِّقًا" فَأَخَذَ مِنْهُم تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَقَذِفِهُمْ فِي النَّارِ وَأَرَادَ أَنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ بِعَجُوزٍ مِنْهُمْ، فَمَرَّ وَافِدُ الْبَرَاجِم (^٥) فَاشْتَمَّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ، فَظَنَّ أَن الملِكَ يَتَّخِذُ طَعَامًا، وَأَدْرَكَهُ النَّهَمُ وَالشَّرَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فقال: وَافِدُ البَرَاجِمِ، فقال عَمْرٌو: "إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ" (^٦)، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، ثم أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي النَّارِ. ففي ذلك يقول جَرِيرٌ (^٧) لِلْفَرَزْدَقِ: (طويل)
وأَخْزَاكُمْ عَمْرُو كَمَا قَدْ خَزَيْتُمْ … وَأدْرَكَ عَمَّارًا شَقِي الْبَرَاجِمِ (^٨)
وَعُيِّرَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِحُبِّ الطَّعَامِ لِطَمَعِ البُرْجُمِيِّ فِي الْأَكْلِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ
_________________
(١) دارم بن مالك بن حنظلة التميمي، من عدنان، جد جاهلي، بنوه من أشراف تميم، منهم مجاشع وسدوس. معجم القبائل: ١/ ٣٧٠؛ نهاية الأرب: ٢٠٩؛ الخزانة: ١/ ٣٠٧؛ الأعلام: ٢/ ٣٢٩.
(٢) حاجب بن زرارة بن عدس الدارمي التميمي، من سادات عرب الجاهلية، رأس تميمًا في مواقع عديدة، توفي نحو (٣ هـ). الإصابة: ١/ ٢٨٦؛ الأغاني: ١٠/ ١٥٠.
(٣) سويد بن ربيعة التميمي، فاتك جاهلي. مجمع الأمثال: ١/ ١٣؛ الأعلام؛ ٣/ ١٤٥.
(٤) هما يوم واحد، وكان حين غزا عمرو بن المنذر بني دارم، ويسمى يوم أوارة الأول، الكامل لابن الأثير: ١/ ٣٣٤؛ أيام العرب قبل الإسلام: ٢/ ٥٨٤؛ الخزانة: ٣/ ١٤٠؛ مجمع الأمثال: ١/ ٣٩٤.
(٥) عمار الدارمي التميمي من بني مالك بن حنظلة، جاهلي يضرب به المثل في الشقاء، الجمهرة: ٢٢٢؛ الخزانة: ٦/ ٥٢٦؛ الأعلام: ٥/ ٣٦.
(٦) المثل في: مجمع الأمثال: ٢/ ٢٠٣؛ الأيام العرب لأبي عبيد: ٢/ ٥٨٦؛ جمهرة الأمثال: ١/ ٥٦٤.
(٧) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى اليربوعي التميمي، ولد باليمامة، وتوفي بها سنة (١١٠ هـ). الأغاني: م ٨؛ الشعر والشعراء: ٤٦٤؛ الوفيات: ١/ ١٠٢؛ الخزانة: ٧٥؛ الأعلام؛ ٢/ ١١٩.
(٨) ديوانه: ٤٢٨، روايته: وأخزاكم عوف … ترات البراجم
[ ٢ / ١٠٠ ]
عَمْرٍ وابْنِ الصَّعِقِ (^١): (وافر)
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ … بِآيَةِ مَا يُحِبُّونَ الطَّعَامَا (^٢) " (^٣)
ع: قِيلَ إِنَّمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ يَتَعَرَّضُ الأَكْفَاءَ ومن يَعْلَمُ أَنه لَا يُمْسِكُ عَنِ الانْتِصَافِ مِنْهُ، لِيَعْلَمَ بذلك صَبْرَهُ وَسَعَةَ خُلُقِهِ وَيَمْتَحِنَهُمَا. والسَّخِينَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعَلَةٍ، مِنَ "السَّخَانَةِ" أَيْ أَنَّهَا أُسْخِنَتْ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
ط: "وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ مُعَاوِيةَ وَالْأَحْنَفِ يُسَمَّى "التَّعْرِيضُ" لأن كل واحد منهما عَرَّضَ لِصَاحِبِهِ بِمَا تُسَبُّ بِهِ قَبِيلَتُهُ مِنْ غير تَصْرِيحٍ. ونَظِيرُهُ ما يُحْكَى أن رجلًا مِنْ بَنِي نُمَيرٍ (^٤) قال لِرَجُلٍ من بَنِي فَقْعَسَ (^٥): مَا لَكَ لا تَزُورُنَا! فقال النُّمَيْرِيُّ: والله إنِّي لآتِيكَ زَائِرًا مِرَارًا كَثِيرَةً، ولكني أَجِدُ عَلَى بَابِكَ خُرْءًا فَأَنْصَرِفُ. فقال له الْفُقْعَسِيُّ: اخْرَحْ عَلَيْهِ شَيْئًا من تُرَابٍ وَادْخُلْ. عَرَّض لَهُ النُّمَيْرِيُّ بقول الشاعر: (وافر)
يَنَامَ الفَقْعَسِيُّ وَلَا يُصَلِّي … وَيَخْرُؤُ فَوْقَ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ (^٦)
وعَرَّضَ لَهُ الْفَقْعَسِيُّ بقول جرير: (وافر)
وَلَوْ وَطِئَتْ نِسَاءُ بَنِي نُمَيْرٍ … عَلَى تِبْرَاكَ أَخْبَثْنَ التُّرَابَا (^٧)
_________________
(١) يزيد بن عمرو بن خويلد الصعق بن نفيل بن عمر الكلابي، شاعر وفارس جاهلي. معجم الشعراء: ٤٨٠؛ خزانة الأدب: ١/ ٤٣٠؛ الأعلام: ٨/ ١٨٥.
(٢) البيت في: معاني القرآن للأخفش: ١/ ٩٤؛ الخزانة: ٦/ ٥١٢، روايته: ألا من مبلغ عني تميمًا. الكتاب: ١/ ٤٦٠؛ شرح المفصل: ٣/ ١٨؛ الكامل: ٩٨.
(٣) الاقتضاب: ١/ ١٠٤.
(٤) بنو نمير بن عامر بن صعصعة. الاشتقاق: ٢٩٣؛ نهاية الأرب: ٤٣٣.
(٥) بنو فقعس بن طريف بن عمرو بن تعين بن الحارث، وهم بطن من أسد، من العدنانية. جمهرة الأنساب: ٤٦٦؛ النهاية: ٣٩٣؛ نهاية الأرب (ق): ٣٥٣.
(٦) البيت في الاقتضاب: ١/ ١٠٨. نهاية الأرب: ١/ ٣٠٠؛ التذكرة الحمدونية: ٣/ ٣٢.
(٧) ديوانه: ٦١، روايته: إذا حلت خبثت، وتبراك: ماء لبني العنبر، معجم البلدان: ٢/ ١١.
[ ٢ / ١٠١ ]
وشَبيهٌ بهذا أيضًا ما يُرْوَى مِنْ أن شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ النُّمَيْرِيِّ (^١) سَايَرَ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ (^٢) يَوْمًا، فَبَدَرَتْ بَغْلَةُ شَرِيكٍ، فقال له ابْنُ هُبَيْرَةَ: غُضَّ مِنْ لِجَامِهَا، فقال شريك: إنها مَكْتُوبَةٌ أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ، فَضَحِكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وقال: لَمْ أُرِدْ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ (^٣). عَرَّضَ لَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ بقول جرير: (وافر)
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلابَا (^٤)
وعَرَّضَ له شِريكٌ بِقَوْلِ سَالِمٍ بْنِ دَارَةَ (^٥): (بسيط)
لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًا مَرَرْتَ بِهِ … عَلَى قَلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ (^٦)
وكَانَ بَنُو فَزَارَةَ (^٧) يُنْسَبُونَ إِلَى غِشْيَانِ الإِبلِ" (^٨).
وقوله: "إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ (^٩) ".
ط: "هُوَ أَبُو المُهَوِّشِ الْأَسَدِيُّ (^١٠) عَلَى مَا ذَكَرَهُ الجَاحِظُ، وقيل يَزِيدُ بْنُ
_________________
(١) ينظر خبره في خزانة الأدب: ٢/ ٤٣٧؛ زهر الآداب: ١/ ٣؛ معاهد التنصيص: ١/ ٤٤١.
(٢) عمر بن هبيرة بن سعد بن عدي الفزاري، أبو المثنى، أمير أهل الشام لبني أمية، تولى على دمشق ثم الجزيرة ثم العراق وخراسان ثم عزل، توفي سنة (١١٠ هـ). الكامل لابن الأثير: ٣/ ٣٧؛ رغبة الآمل: ٢/ ٧٧؛ الأعلام: ٥/ ٦٨.
(٣) القصة في: خزانة الأدب: ٦/ ٥٣١؛ السمط: ٨٦١؛ لباب الآداب: ١/ ٢١.
(٤) ديوانه: ٦١؛ الأغاني: ٨/ ٦، ٢٣/ ٣٥٢؛ المقتضب: ٢٤٠؛ الكتاب: ٢/ ١٦٠؛ الخزانة: ١/ ٣٥؛ محاضرات الأدباء: ١/ ٨٩.
(٥) سالم بن مسافع بن عقبة الجشمي، الغطفاني المعروف بابن دارة، شاعر مخضرم، توفي نحو (٣٠ هـ)، له ديوان شعر. الأعلام: ٣/ ٦٥.
(٦) ديوانه: ٢٠؛ الخزانة: ٦/ ٥٣١؛ المعاني الكبير: ١/ ٥٧٩؛ عيون الأخبار: ٢/ ٢٠٣؛ محاضرات الأدباء: ١/ ٣٤١.
(٧) بنو فزارة بن ذبيان بطن من غطفان، من القحطانية، منازلهم بنجد وواد القرى. نهاية الأرب: ٣٩٢؛ جمهرة الأنساب: ٢٥٥؛ نهاية الأرب (ق): ٣٥٢.
(٨) الاقتضاب: ١/ ١٠٨.
(٩) تمامه: فسرك أن يعيش فجئ بزاد. وهو في الكامل: ٩٨؛ الأمثال: ١/ ٤٠٧؛ أدب الكتاب: ١٥.
(١٠) حوط بن رئاب الأسدي المشهور بأبي المهوش، شاعر مخضرم، وشعره قليل متفرق، =
[ ٢ / ١٠٢ ]
عَمْرِو بْنِ الصَّعِقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، وَرَدَّ أُبُو حَاتِمٍ السَّجَسْتَانِي (^١) قَوْلَ النَّاسِ: "مَاتَ الْمَيِّتُ"، وقال: هو خَطَأٌ والصوابُ: "مَاتَ الْحَيُّ" (^٢). وفي هذا البَيْتِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا أَنْكَرَ غَيْرُ مُنْكَرٍ. قَدْ يُسَمَّى مَيِّتًا لِأَنَّ أَمْرَهُ يَؤُولُ إِلَى المَوْتِ كَمَا يُقَالُ لِلزَّرْع: قَصِيلٌ لِأَنَّهُ يُقَصَلُ، أَي يُقْطَعُ، وتَقُولُ الْعَرَبُ: بِئْسَ الرَّمِيَّةُ الْأَرْنَبُ، فَيُسَمُونَهَا "رَمِيَّةً" لأنها مِمَّا يُرْمَى. ويقال لِلْكَبْشِ الَّذِي يُرَادُ ذَبْحُهُ: "ذَبِيحٌ" وَهُوَ لَمْ يُذْبَحْ، و"أَضْحِيَةٌ" وَهُوَ لَمْ يُضَحَّ بِهِ، وقال الله ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (^٣) وقال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (^٤). وَإِنَّمَا يُعْصَرُ الْعِنَبُ. وهذا في كلام العرب كثيرٌ.
وقَدْ فَرَّقَ قَوْمُ فقالوا: الْمَيِّتُ المشدد، مَا سَيَمُوتُ. والمَيْتُ الْمُخَفَّفُ، مَا قَدْ مَاتَ، وهذا أيضًا خطأٌ في القياس مُخَالِفٌ لِلسَّمَاعِ، فإنما مَيْتٌ الْمُخَفَّفُ، خُفِّفَ مِنَ الْمُشَدَّدِ كَمَا قَالُوا: "هَيْنٌ وَلَينٌ" فِي "هَيِّنٍ وَلَيْنٍ"، وَأَمَّا السَّمَاعُ فإن العَرَبَ لَمْ تَجْعَل بينهما فَرْقًا. قال الشاعر: (خفيف)
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ (^٥)
والمُلَفَّفُ فِي الْبِجَادِ (^٦): وَطْبُ اللَّبَنِ يُتْرَكُ فِيهِ حَتَّى يَرُوبَ. وَالْوَطْبُ: زِقُّ اللَّبَن خَاصَّةً. وَالْبَجَادُ: كِسَاءٌ فِيهِ خَطُوطٌ. وإِنَّمَا ذَكَرَ لُقْمَانَ بْنَ
_________________
(١) = توفي نحو (١٥ هـ)، السمط: ٨٦٣؛ الإصابة: ت ٢٠١٩؛ الخزانة: ٦/ ٣٦٩؛ الأعلام: ٢/ ٢٨٩.
(٢) سهل بن محمد بن عثمان الجشمي أبو حاتم، من كبار العلماء باللغة والشعر، بصري، توفي سنة (٢٤٨ هـ). الإنباه: ٢/ ٥٨؛ الوفيات: ١/ ٢١٨؛ بغية الوعاة: ١/ ٦٠٦؛ الأعلام: ٣/ ١٤٣.
(٣) ذيل الأمالي: ٣/ ٢٨.
(٤) سورة الزمر (٣٩): الآية ٣٠.
(٥) سورة يوسف (١٢): الآية ٣٦.
(٦) البيت لعدي بن الرعلاء الغساني وهو في: الأصمعيات: ١٥٢؛ الخزانة: ٤/ ١٨٧؛ الحيوان: ٦/ ٥٠٧؛ الأغاني: ٢١/ ٣٢٩ بدون نسبة، أمالي ابن الشجري: ١/ ٢٣٢، ل (موت).
(٧) أدب الكتاب: ١٥.
[ ٢ / ١٠٣ ]
عَادٍ (^١) لِخَلَاقَتِهِ وَعِظَمِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ، لشدة نَهَمِهِ وَشَرَهِهِ إِذَا ظَفِرَ بِأَكْلَةٍ فَكَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِرَأْسِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُزْهَى بِمَا فَعَلَ ويَفْخَرُ بِمَا أَدْرَكَ: "كَأَنَّهُ جَاءَ بِرَأْسِ خَاقَانَ" (^٢).
ع: خُصَّ رَأْسُ لُقْمَانَ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَكِبَرِ جِسْمِهِ.
ط: "وإذا: ظَرْفٌ مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، يَجْرِي مَجْرَى أَدَوَاتِ الشَّرْطِ فِي أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى جُمْلَتَيْنِ فَيَرْبِطُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَيُصَيِّرُ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا جَوَابًا لِلْأُولَى، وَيُخَالِفُهَا فِي أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ كما تَجْزِمُ وأن العَامِلَ فِيهِ جَوَابُهُ ولا يصح أن يَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ الذِي هُوَ شَرْطُهُ.
وأما الْأَسْمَاءُ الَّتِي يُشْرَطُ بِهَا فَالْعَوَامِلُ فِيهَا شُرُوطُهَا، ولا يَصِحُّ أن تَعْمَلَ فِيهَا أَجْوِبَتُهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ "إِذَا" مِنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ الذي هُوَ شَرْطُهُ لأنه في تَقْدِيرِ الْإِضَافَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْمُضَافِ. ولا يُجَازَى بِهِ عَنْدَ الْبَصَرِيِّينَ إِلَّا فِي الشِّعْرِ.
ولَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ الْمُجَازَاةَ بِهِ إِذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ مَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتِ الْمُجَازَاةُ بِهِ عند البَصْرِيِّينَ؛ لأَنَّ الْمُجَازَاةَ سَبِيلُهَا أن تَكُونَ بِالْمُمْكِنِ الذي يجوز أن يَقَعَ وألا يَقَعَ، والفِعْلُ المشروطُ بِهِ بَعْدَ "إِذَا" مضمُونُ الْوُقُوعِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذا قلت: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ آتِيكَ" فَكَوْنُ يَوْمِ الجُمُعَةِ مَوْجُودٌ لَا مَحَالَةَ. وإذا قلت: "إِنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ"، فَمُمْكِنٌ أن يكون ذَلِكَ، وَمُمْكِنٌ أَلَّا يَكُونَ، فلما خَالَفَ أدَوَاتِ الشَّرْطِ في المعنى خَالَفَهَا فِي الْعَمَلِ.
والعَامِلُ في "إذا" مِنْ قوله:"إذا مَا مَاتَ مَيْتٌ" فِيمَن مَذْهَبُهُ المُجَازَاةُ بِهِ إذا زيدت عليه "ما" قوله: "مَاتَ" لأنه إِذَا أجْرَاهُ مَجْرَى الأسماء المجَازَى بِهَا
_________________
(١) لقمان بن عاد بن ملطاط، من بني وائل، من حمير، معمر جاهلي ملك اليمن ويلقب بالرائش الأكبر. شرح ديوان زهير: ٢٨٨، الأعلام: ٥/ ٢٤٣.
(٢) وذلك أن سعيد بن عمرو الحرشي قتل خاقان وأتى برأسه إلى هشام بن عبد الملك. انظر الحادث في تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٣١٧؛ ومجمع الأمثال: ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ١٠٤ ]
لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْجُمْلَةِ التِي بَعْدَهُ، كَمَا لَا تُضَافُ أَسْمَاءُ الجَزَاءِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الفِعْلُ الذِي هُوَ شَرْطُهُ. وفيمن كان مَذْهَبُهُ أن لَا يُجْرِيهِ مَجْرَى أدَوَاتِ الشَّرْطِ قوله: فَجِئْ بِزَادٍ.
وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَجْعَلُ الْفَاءَ في مِثْلَ هَذَا زَائِدَةً؛ لأن مَا بَدَ الْفَاءِ عِنْدَهُ لا يجوز أن يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا (^١).
وَقَدْ أَجَازَ سِيبَوَيْهُ: "زَيْدًا فَاضْرِبْ وَبِعَمْرٍو فَامْرُرْ، عَلَى إِعْمَالِ مَا بَعْدَ الفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا" (^٢).
قَالَ السَّيْرَافِيُّ (^٣): تَقْدِيرُ الْكَلَام: "تَأَهَّبُ، فَاضْرِبْ زَيْدًا" أو "تَعَمَّدْ فَاضْرِبْ زَيْدًا"، فَلَمَّا حَذَفْتَ الفِعْلَ قَدَّمْتَ زَيْدًا لِيَكُونَ عَوَضًا مِنَ الْمَحْذُوفِ، وَأَعْمَلْتَ فِيهِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ كَمَا أَعْمَلْتَ مَا بَعْد الفَاءِ في جوابِ "أَمَّا" فِيمَا قَبْلَهَا، وقَدَّمْتَ الاسْمَ عَوَضًا مِنَ الفِعْلِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي قَامَتْ "أَمَّا" مَقَامَهُ وَهُوَ قَوْلُكَ: "مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ ضَرَبْتُ زَيْدًا. وإذا نَقَلْتَهُ إلى "أَمَّا"، قُلْتَ: "أمَّا زَيْدًا فَقَدْ ضَرَبْتُ"، قال: والدَّلِيلُ على جَوَازِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "بِزَيْدِ فَامْرُوْ"، فلولا أَنَّ مَا بَعْدَ الفَاءِ عَمِلَ فِيمَا قَبْلَهَا مَا دَخَلَتِ الْبَاءُ عَلَى زَيْدٍ لِأَنَّ الْبَاءَ صِلَةُ الْمُرُورِ، وَلَا يَصْلُحُ أنْ تُضْمِرَ فِعْلًا آخَرَ؛ لأَنَّ مَا كَانَ من الأفعالِ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفِ جَرِّ لَا يُضْمَرُ.
وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي "إِذَا" فِي نَحْوِ هَذِهِ المَوَاضِعِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ" (^٤).
_________________
(١) معاني القرآن للأخفش: ٣٦، حالة الفاء زائدة.
(٢) الكتاب: ١/ ١٣٥، في باب الاستفهام يكون الاسم فيه رفعًا لأنك تبتدئه لتنبيه المخاطب ثم تستفهم بعد ذلك.
(٣) يوسف بن الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو محمد، أديب لغوي، من بغداد، ولد سنة (٣٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٨٥ هـ)، له تصانيف. الوفيات: ٢/ ٣٥٠؛ إنباه الرواة: ٤/ ٦٧؛ مرأة الجنان: ٢/ ٤٢٩؛ بغية الوعاة: ٢/ ٣٥٥؛ الأعلام: ٨/ ٢٢٣.
(٤) الاقتضاب: ٣/ ١٠.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ر: وإذا ارْتَفَعَ الاِسْمُ بَعْدَ "إِذَا" فَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهَا الاِبْتِدَاءُ والخَبرُ، كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (^١). وإنما قُدِّرَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا؛ لأَنَّ مَعْنَى الْجَزَاءِ مَوْجُودٌ فِيهَا. ولا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، والعامِلُ فِي "إِذَا" على هذا الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ، ولا يجوز أن يَعْمَل فِيهَا الظَّاهِرُ لأَنَّهُ تَفْسِيرٌ، والتَّفْسِيرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ كَالمُلْغَى إِذْ لا مَوْضِعَ لَهُ من الإِعْرَابِ.
ط: "وَأَمَّا حُرُوفُ الْجَرِّ المذكورَةُ فِي هَذَا الشِّعْرِ فَمِنْهَا مَا لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ وَمِنْهَا مَا لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرٍ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُضْمَرٍ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ حَرْفِ جَرٍّ وَقَعَ خَبَرًا، أَوْ صِفَةً، أَوْ صِلَةً، أَوْ حَالًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ أَبْدًا بِمَحْذُوفٍ.
وَمَا نَابَ مِنْهَا مَنَابَ صِفَةٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ حَالٍ، قِيْلَ فِيهِ: إِنَّ لَهُ مَوْضِعًا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِظَاهِرٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ.
وَلَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّ لَهُ مَوْضِعًا، فَقَوْلُهُ: "مِنْ تَمِيمٍ" "مِنْ" هاهنا لَهَا مَوْضِعٌ لأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ، والتقدير "مَيْتٌ كَائِنٌ مِنْ تَمِيمٍ"، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصِّفَةِ الْمَحْذُوفَةِ الَّتِي قَامَتْ مَقَامَهَا.
وَسَائِرَ حُرُوفِ الجَرِّ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الشِّعْرِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ منها مُتَعَلِّقٌ بِالظَّاهِرِ، فَالْبَاءُ في قوله: "بِزَادٍ" متعلقة بجِئْ، و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ "بِالْمُلَفَّفِ"، واللَّام في قوله: "لِيَأْكُل" متعلقة "بيُطَوِّفُ"، وأَمَّا الْبَاءُ في قوله: "بِخُبْزٍ" أَوْ "بِتَمْرٍ" ففيها خلاف؛ لأن "خبزًا" هاهنا بَدَلٌ من زَادٍ، أُعِيدَ معه حَرْفُ الْجَرِّ كما أعيد في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (^٢). وَكَإِعَادَتِهِ في قول الشاعر: (طويل)
_________________
(١) سورة التكوير (٨١): الآية ١.
(٢) سورة الأعراف (٧): الآية ٧٤.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أَلَا بَكْرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (^١)
فَمَنْ كان مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ البَدَلَ من جُمْلَةٍ ثَانِيَةٍ، وَاسْتَدَلَّ على ذلك بِجَوَازِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ مَعَهُ، وهو رَأْيُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، جَازَ عَلى قِيَاسِ قَوْلِهِ، أن تكون الباء في قوله: "بِخُبْزِ" مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ الذِي هُوَ "جِئْ" ولا مَوْضِعَ لَهَا. وَمَنْ كَانَ يَرَى أَنَّ البَدَلَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى ولا يُقَدِّرُ مَعَهُ إِعَادَةَ الْعَامِلِ، فَالْبَاءُ في قوله: "بِخُبْزٍ" متعلقة "بِجِئْ".
ومعنى قوله: أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ: "فَجِئْ "بِزَادٍ" لا مَوْضِعَ لَهَا، أَنها لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَ صِفَةٍ، ولا حَالٍ، وَلَا خَبَرٍ، ولَسْتُ أُرِيدُ أَنَّ المجرور لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإعْرَابِ؛ لأن المجرورَ، هاهنا، مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى.
وقوله: يُطَوِّفُ (^٢)، في موضع الحال مِنَ الضَّمِيرِ المفعول في "تَرَاهُ". وَحِرْصًا، يَنْتَصِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مفعولًا مِنْ أَجْلِهِ. والثاني: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُطَوِّفُ كأنه قال: "يُطَوِّفُ الْآفَاقَ حَرِيصًا، فيكون بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جِئْتُهُ رَكْضًا أَيْ رَاكِضًا" (^٣).
وقوله: "تُعَيَّرُ بِأَكْلِ السَّخِينَةِ" (^٤).
ط: "هكذا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هذا الكتاب؛ لأنه قَالَ: وتقول: عَيَّرْتَنِي كَذَا ولا تقول: عَيَّرْتَنِي بِكَذَا. وأنشد للنابغة: (بسيط)
_________________
(١) البيت لبنت معبد بن نضلة ترثي به خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود الأسديان. وهو في الخزانة: ٢٦٩١١؛ نوادر أبو يعلي: ١٩٥؛ البيان والتبيين: ١/ ١٠٨؛ ذيل الأمالي: ٣/ ١٩٥؛ الأغاني: ٢٣/ ٤١٦؛ شروح سقط الزند: ١٨١٦؛ اللسان (صمد، خير).
(٢) أدب الكتاب: ١٥.
(٣) الاقتضاب: ٣/ ٩ - ١٠ - ١١ - ١٢.
(٤) أدب الكتاب: ١٦.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَغَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ … وَهَلْ عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ (^١)
وَقَدْ تَأَمَّلْتُهُ في عِدَّةٍ مِنَ النسخ المَضْبُوطَةِ، فَوَجَدْتُهُ بِالْبَاءِ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ وَإِسْقَاطُ الْبَاءِ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ.
الحَسَاءُ، وَالْحَسْوُ (^٢): وهما اسْمُ مَا حُسِيَ.
والْعَجَفُ (^٣): الضُّعْفُ وَالْهُزَالُ. وأراد بِالْمَالِ، هَاهُنَا، الْحَيَوَانَ، وكذلك تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ في أكثر كَلَامِهَا، وقد يَجْعَلُونَ الْمَالَ اسْمًا لِكُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَاطِقٍ وَصَامِتٍ. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٤)، وقال ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٥)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (^٦). فَالْمَالُ في هَذِهِ الآيَاتِ عَامٌّ لِكُلِّ مَا يُمْلَكُ، لَا يَخُصُّ شيئًا دُونَ شَيْءٍ.
وَكَلَبُ الزَّمَانِ (^٧): شِدَّتُهُ، وَأَصْلُ الْكَلَبِ سُعَارٌ يُصِيبُ الْكِلابَ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلزَّمَانِ الذِي يَذْهَبُ بالأَمْوَالِ وَيَتَعَرَّقُ الْأَجْسَامَ، كَمَا سَمُّوا السَّنَةَ الشَّدِيدَةَ ضَبُعًا تَشْبِيهَا لَهَا بِالضَّبُعِ، فَقَالُوا: أَكَلَهُ الدَّهْرُ وَتَعَرَّقَهُ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ (^٨): (بسيط)
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ (^٩) " (^١٠)
_________________
(١) ديوانه: ١٢٤.
(٢) أدب الكتاب: ١٦.
(٣) نفسه.
(٤) سورة النساء (٤): الآية ٢.
(٥) سورة النساء (٤): الآية ٥.
(٦) سورة الذاريات (٧٠): آيتان ٢٤ - ٢٥.
(٧) أدب الكتاب: ١٦.
(٨) في (خ): أبو العباس، والصواب العباس وهو: العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، من مضر، أبو الهيثم، سيد وشاعر، أمه الخنساء الشاعرة وهو مخضرم، له ديوان شعر، توفي نحو (١٨ هـ). معجم الشعراء: ١٠٢؛ تهذيب التهذيب: ٥/ ١٣٠؛ تهذيب ابن عساكر: ٧/ ٢٥٥؛ الإصابة: ت ٤٥٠٣؛ الأعلام: ٣/ ٢٦٧.
(٩) سبق تخريج البيت ص ١١.
(١٠) الاقتضاب: ١/ ١١٠.
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَالسِّبَابُ (^١): الْمُشَاتَمَةُ، وَهِيَ مَصْدَرُ: سَابَّ. وخِسَاسُ الْعَبِيدِ (^٢): أَدْنِيَاؤُهُمْ وَحُقَرَاؤُهُمْ.
وَالسَّلَفُ: الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْآبَاءِ، وَاحِدُهُمْ سَالِفٌ.
طـ: "قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّقْعِيرُ (^٣) أَنْ يَتَكَلَّمَ بِأَقْصَى قَعْرِ فَمِهِ. يقال: قَعَّرَ فِي كَلَامِهِ تَقْعِيرًا، وهو مأخُوذٌ من قَوْلِهِمْ: قَعَّرْتُ الْبِئْرَ، وَأَقْعَرْتُهَا: إِذَا عَظَّمْتَ قَعْرَهَا. وَإِنَاءٌ قَعْرَانٌ: إذا كان عَظِيمَ الْقَعْرِ، فَكَأَنَّ الْمُتَقَعِّرَ: الَّذِي يَتَوَسَّعُ فِي الْكَلَامِ، وَيَتَشَدَّقُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَعَرْتُ النَّخْلَةَ فَانْقَعَرَتْ، إِذَا قَلَعْتَهَا مِنْ أَصْلِهَا فلم تُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا، فيكون مَعْنَى الْمُتَقَعِّرِ مِنَ الرِّجَالِ: الذي لا يُبْقِي غَايَةً مِنَ الْفَصَاحَةِ إِلَّا أَتَى عَلَيْهَا.
والتَّقْعِيبُ: أَنْ يَصِيرَ فَمُهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ كَأَنَّهُ قَعْبٌ، وَهُوَ الْقَدَحُ الصَّغِيرُ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَبِيرَ" (^٤).
وقوله: "أَأَنْ سَأَلَتْكَ ثَمَنَ شَكْرِهَا وَشَبْرِكَ (^٥) ": الشَّكْرُ: الْفَرْجُ، وَالشَّبْرُ: النِّكَاحُ، يُقَالُ: شَبَرَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ إِذَا عَلَاهَا، وفي الحديث (^٦) أَنَّهُ نُهِيَ (^٧) عَنْ شَبْرِ الْفَحْلِ، والمعنى: عَنْ ثَمَنِ شَبْرِ الْفَحْلِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مقَامَهُ" (^٨)، ومن دُعَائِهِ ﵇ لِعَلِيٍّ وفَاطِمَةَ (^٩): (جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَكُمَا وَبَارَكَ فِي
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٦. والجملة من: "السباب … لحق" من هامش (خ).
(٢) نفسه.
(٣) أدب الكتاب: ١٦.
(٤) الاقتضاب: ١/ ١١٠.
(٥) غريب الحديث أبو عبيد: ٢/ ٨١٥؛ الفائق: ٢/ ٢٥٩؛ النهاية: ٢/ ٤٩٤.
(٦) الحديث رواه النسائي، بيوع: ٩٤، ٧/ ٣١٠؛ وأحمد، مساقاة: ٣٥، ٣/ ١١٩٧. وفيه: نهى عن.
(٧) في الاقتضاب: "تهى" ١/ ١٦.
(٨) الاقتضاب: ١/ ١٦.
(٩) فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وزوجة علي ﵁، ولدت سنة (١٨ ق. هـ)، وتوفيت في =
[ ٢ / ١٠٩ ]
شَبْرِكُمَا) (^١).
وأَنْشَأْتَ: أَقْبَلْتَ وَابْتَدَأْتَ، ومنه يقال: أَنْشَأَ الشَّاعِرُ يَقُولُ كَذَا، ومنه قول الراجز: (الرجز)
يَا لَيْتَ أُمَّ الْغَمْرِ كَانَتْ صَاحِبِي … مَكَانَ مَنْ أَنْشَأَ عَلَى الرَّكَائِبِ (^٢)
ومَعْنَى تَطُلُّهَا (^٣): تَسْعَى فِي بُطْلَانِ حَقِّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: طُلَّ دَمُهُ وَأُطِلَّ، إذا ذَهَبَ هَدَرًا، ويجوز أن يريد: تُقَلِّلَ لَهَا الْعَطَاءَ، فيكون مَأْخُوذًا مِنَ الطَّلِّ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْمَطَرِ، يقال: طُلَّتِ الرَّوْضَةُ، إذا أَصَابَهَا الطَّلُّ فِهَي مَطْلُولَةٌ، وقوله: تَضْهَلُهَا: أَي تُعْطِيهَا حَقَّهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ضَهُولٌ: إِذَا كَانَ مَاؤُهَا يَخْرُجُ مِنْ جَالِهَا وَهُوَ نَاحِيَتُهَا، وَإِنَّمَا يَكْثُرُ مَاؤُهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ قَعْرِهَا.
ع: الشَّكْرُ: الرَّضَاعُ عَنِ الْمُبَرَّدِ (^٤)، وقيل: الْفَرْجُ.
قَالَ الْهَذَلِي (^٥): (طويل)
صَنَاعٌ بِإِشْفَاهَا، حَصَانٌ بِشَكْرِهَا … جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ (^٦)
د: وحُكِي عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الشَّكْرَ وَالشَّبْرَ: الْفَرْجَانِ (^٧)، وذَكَرَهُ أَيْضًا
_________________
(١) = سنة (١١ هـ). طبقات ابن سعد: ٨/ ٣١؛ حلية الأولياء: ٢/ ٣٩؛ صفة الصفوة: ٢/ ٩؛ الإصابة، كتاب النساء: ت ٢٦؛ الأعلام: ٥/ ١٣٢.
(٢) رواه الإمام أحمد: ٦/ ٢٩٩؛ الفائق: ٢/ ٢١٧.
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه: ٤٨؛ الأمالي: ١/ ١٤٦؛ روايته: يا ليت أم الفيض؛ ذيل الأمالي: ٣٥؛ أمالي ابن الشجري: ١/ ٢٣٥؛ الإنصاف: ٣١٦؛ شرح المفصل: ١/ ٤٤؛ إصلاح المنطق: ٢٦٢.
(٤) أدب الكتاب: ١٦.
(٥) الكامل: ١/ ٧٣.
(٦) هو أبو شهاب المازني الهذلي: ديوان الهذليين: ٢/ ٦٩٥.
(٧) البيت في: ديوان الهذليين شعر أبي شهاب المازني: ٢/ ٦٩٥؛ تهذيب إصلاح المنطق: ١/ ٢١١؛ الأضداد لابن الأنباري: ٢٧٩؛ المخصص: ٢/ ٣٧؛ اللسان (جود، صنع، شكر).
(٨) المخصص لابن سيدة: ٢/ ٣٧.
[ ٢ / ١١٠ ]
أبُو عُبَيْدَةَ في كِتَابِ "الْمَجَازِ" له (^١).
وقال الخَلِيلُ: "الشَّبْرُ: حَقُّ النِّكَاحِ" (^٢).
وقوله:"وَكَقَوْلِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ (^٣) وَابْنُ هُبَيرَةَ يَضْرِبُهُ بِالسَّيَاطِ" (^٤).
أبو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ في "طَبَقَاتُ اللُّغَوِيِّينَ والنحويين" قال: "قال الأصْمَعِيُّ: كان ابْنُ هُبَيْرَةَ اتَّهَمَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُمَّالِ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا، فَضَرَبَهُ نَحْوًا من أَلْفِ سَوْطٍ، فجعل يَقُولُ لَهُ: مَا عِنْدَكَ؟ فيقول: وَاللَّهُ مَا كَانَتْ إِلَّا أَثْيَابًا فِي أُسَيْفَاطٍ قَبَضَهَا عَشَّارُوكَ، فيقول عمر: إِنَّكَ لَخَبِيثٌ. وقال عَنِ الأصمعيِّ: كَانَ بَعْضُ جُلَسَاءِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (^٥)، عِنْدَ وُقُوعِ البَلِيَّةِ بِخَالِدٍ (^٦)، قَدِ اسْتَوْدَعَ عِيسَى وَدِيعَةً، فَنُمِي ذَلِكَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ (^٧) فَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ ضَرَبَهُ فَجَزَعَ وَقَالَ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ، فَوَكَّلَ بِهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ حَتَّى أُخِذَتْ مِنْهُ (^٨) " (^٩).
_________________
(١) لم نجده في كتاب المجاز، وهو في غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٥٨١.
(٢) كتاب العين: ٧/ ٢٥٨ مادة (شبر).
(٣) عيسى بن عمر الثقفي بالولاء، أبو سليمان، من أئمة اللغة، وهو شيخ الخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء وأول من هذب النحو، توفي سنة (١٤٩ هـ)، له كتاب: الجامع، والإكمال في النحو. نزهة الألباء: ٢١؛ معجم الأدباء: ٦/ ١٠٠؛ الوفيات: ١/ ٣٩٣؛ صبح الأعشى: ٢/ ٢٣٢؛ الخزانة: ١/ ١١٦، الأعلام: ٥/ ١٠٦.
(٤) أدب الكتاب: ١٦.
(٥) خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري، أبو الهيثم أحد خطباء العرب وأجوادهم، يماني الأصل من أهل دمشق ولي مكة سنة (٨٩ هـ) للوليد بن عبد الملك، ثم ولاه هشام العراقيين سنة (١٠٥ هـ)، رمي بالزندقة فعذبه يوسف بن عمر توفي سنة (١٢٦ هـ). الأغاني: ١٩/ ٥٣؛ تهذيب ابن عساكر: ٥/ ٦٧؛ الكامل: ٤/ ١١١؛ الوفيات: ١/ ١٦٩؛ تاريخ ابن خلدون: ٣/ ١٠٥؛ الأعلام: ٢/ ٢٩٧.
(٦) ذكر ابن الأثير محنة خالد بن عبد الله مفصلة في كتابه الكامل في التاريخ: ٤/ ٢٦٢.
(٧) يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم، أبو يعقوب الثقفي، أمير من الجبابرة في العهد الأموي، أهله في البلقاء بشرقي الأردن. الوفيات: ٢/ ٣٦٠؛ الأعلام: ٨/ ٢٤٣.
(٨) بياض في الأصل (خ).
(٩) طبقات اللغويين والنحويين: ٤١.
[ ٢ / ١١١ ]
ط: "كَذَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ هُبَيْرَةَ الضَّارِبَ لِعِيسَى بْنِ عُمَرَ، إِنَّمَا الضَّارِبُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ فِي وِلَايَتِهِ العِرَاقَ بَعْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله الْقَسْرِيِّ، وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْن هُبَيْرَةَ يَضْرِبُهُ بِالسِّيَاطِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَكَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ.
وَكَانَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ هَذَا شَدِيدَ التَّقْعِيرِ فِي كَلَامِهِ، وَمِمَّا يُحْكَى مِنْ تَشَادُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ الْحَسَنَ الْبَصِرِيَّ مُجْرَمِّزًا حَتَّى اقْعَنْبَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ (^١)، مَا الطَّلْعُ؟
فَقَالَ: هُوَ الطِّبِّيعُ فِي كُفُرَّاهُ، ولعمري إن الآية لَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ" (^٢).
والطَّلْعُ: أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ فِي النَّخْلَةِ مِنْ حَمْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَنشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ الَّذِي يَسْتُرُهُ، فَإِذَا انْشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ قِيلَ لَهُ: الضَّحْكُ لِأَنَّهُ أَبْيَضٌ، فَشَبَّهَ انْشِقَاقَهُ وَبُرُوزَهُ بِظُهُورِ الْأَسْنَانِ عِنْدَ الضَّحِكِ، والطِّبِّيعُ: بكسر الطَّاءِ وَالْبَاءِ وتَشْدِيدِهِمَا، الطَّلْعُ بِعَيْنِهِ ويقال له: الطَّبيعُ أَيْضًا بِفَتْح الطَّاءِ وتَخْفِيفِ الْبَاءِ" (^٣). [أَوَّلُ التَّمْرِ طَلْعٌ ثُمَّ ظَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رَطْبٌ ثُمَّ تَمْرٌ] (^٤).
ع: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِامْتِلَائِهِ وَاحْتِشَاءِ قِشْرِهِ. يقال: هذَا طِبْعُ الإناء، أي مِلؤُهُ.
وَالنَّضِيدُ: الْمُجْتَمِعُ الْحَبِّ المَضْمُومُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، يقال: نَضَدْتُ الْمُتَاعَ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى نَضِيدًا مَا لَمْ يَنْشَقَّ وَتَتَفَرَّقَ شَمَارِيخُهُ.
_________________
(١) سورة ق (٥٠): الآية ١٠.
(٢) الفائق: ١/ ٢٠٧؛ النهاية: ١/ ٢٦٣، ل (جرمز).
(٣) الاقتضاب: ١/ ١١١.
(٤) طرة إلى الجانب الأيمن من الأصل (خ).
[ ٢ / ١١٢ ]
ط: "وَالْكُفُرَّى: بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا: الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الطَّلْعُ، ويقال له أيضًا: الْكَمَامُ وَالْكَمُّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (^١).
وَالْمُجْرَمِّزُ: الْمُسْرِعُ، وَقَالَ الْخَطَّابِي (^٢): الْمُجْرَمِّزُ: الْمُتَقَبِّضُ الْمُجْتَمِعُ. يقال: ضَمَّ جَرَامِيزَهُ، إِذَا اسْتَعَدَّ لِلْأَمْرِ. ومعنى اقْعَنْبَيْتُ: جَلَسْتُ جِلْسَةَ مُسْتَوْفِزٍ (^٣).
وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُتَقَعِّرِينَ، مَرِضَتْ أُمُّهُ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَيَسْأَلَ النَّاسَ الدُّعَاءَ لَهَا، فَكَتَبَ فِي حِيطَانِ الْمَسْجِدِ: "صِينَ وَأُعِينَ رَجُلٌ دَعَا لامْرَأَةٍ مُقْسَئِنَّةٍ عَقِيلَةٍ، بُلِيَتْ بِأَكْلِ هَذَا الطُّرْمُوقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بالاطرِغْشَاشٍ وَالابْرِغْشَاشِ". فَمَا قَرَأَ الْكِتَابَ أَحَدٌ إِلَّا لَعَنَهُ وَأُمُّهُ. يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: صِينَ وَأُعِينَ: صَانَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، على مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَالْمُقْسَئِنَّةُ: الْمُتَنَاهِيَةُ في الهَرَمِ وَالشَّيَخ، يقال: اقْسَأَنَّ الْعُودُ، إِذَا اشْتَدَّ وَصَلُبَ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرُّطُوبَةُ واللِّينُ. وَالطُّرْمُوقُ: الطَّفْلُ، فإذا قلت: الطُّمْرُوقَ، بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الرَّاءِ، فَهُوَ الْخُفَّاشُ.
ويقال: اطْرَغْشَّ مِنْ مَرَضِهِ وَابْرَغَشَّ، وَتَقَشْقَشَ، إِذَا أَفَاقَ وَبَرُأَ، وكان يقال لِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٤) وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (^٥): الْمُقَشْقِشَتَانِ، يُرَادُ أَنَّهُمَا يُبْرئَانِ حَافِظَهُمَا مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ قال الشاعر: (وافر)
أُعِيذُكَ بِالْمُقَشْقِشَتَيْنِ مِمَّا … أُحَاذِرُهُ وَمِنْ شَرِّ الْعُيُونِ (^٦)
_________________
(١) سورة فصلت (٤١): الآية ٤٦.
(٢) حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان، فقيه محدث من كابل، توفي سنة (٣٨٨ هـ). يتيمة الدهر: ٤/ ٣٣٤؛ معجم الأدباء: ٤/ ٢٤٦؛ الإنباه: ١/ ١٦٠؛ الوفيات: ١/ ١٦٦؛ البغية: ١/ ١٤٦؛ الخزانة: ٢/ ١٢٣؛ الأعلام: ٢/ ٢٧٣.
(٣) غريب الحديث للخطابي: ٢/ ١٠٢.
(٤) سورة الإخلاص (١١٢): الآية ١.
(٥) سورة الكافرون (١٠٩): الآية ١.
(٦) البيت في إصلاح المنطق: ٤١٥.
[ ٢ / ١١٣ ]
وكان أَبُو عَلْقَمَةَ النَّحْوِيُّ (^١) مِمَّنْ يَنْحُو نَحْوَ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وكان يَعْتَرِيهِ هَيْجَانُ مِرَارٍ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَهَاجَ بِهِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَظَنُّوهُ مَجْنُونًا، فلما ذَهَبَ ما كان بِهِ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ إلى الناس يَزْدَحِمُونَ حَوالَيْهِ فقال: مَا لَكُمْ تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَيَّ، كَمَا تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَى ذِي جِنَّةٍ، افْرَنْقِعُوا عَنِّي، فقال رجل منهم: دَعُوهُ، إِنَّ شَيْطَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْهِنْدِيَّةِ" (^٢).
يُقَالُ: تَكَأَكَأَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذَا انْحَنَى وَتَقَاصَرَ. وَمِنْهَا قِيلَ لِلْقَصِيرِ مُتَكَأْكئٌ، وَتَكَأْكَأَ الْقَوْمُ: إِذَا تَضَايَقُوا وَازْدَحَمُوا، فَإِذَا قِيلَ: تَكَأْكَأَ عَنِ الشَّيْء، فَمَعْنَاهُ: ارْتَدَعَ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَالْإِفْرِنْقَاعُ: الزَّوَالُ عَنِ الشَّيْءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَخْبَارِ الْمُتَقَعِّرِينَ أَنَّ الْجَرْجَرَائِيَّ (^٣) كَانَ لَهُ كَاتِبٌ يَتَقَعَّرُ فِي كَلَامِهِ، فَدَخَلَ الْحَمَّامَ فِي السَّحَرِ، فَوَجَدَهُ خَالِيًا فقال لِبَعْضِ الْخَدَمَةِ: نَاوِلْنِي الْحَدِيدَةَ الَّتِي تُمْتَلَخُ بِهَا الطُّؤْطُؤَةُ مِنَ الْإِخْقِيقِ، فَلَمْ يَفْهُمْ قَوْلَهُ وَعَلِمَ بِهَيَأَةِ الْحَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّعَرَ عَنْ عَانَتِهِ، فَأَخَذَ كُسْتُبَانَ النُّورَةِ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ وَشَكَا بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ فَأَمَرَ بِالْخَادِم إِلَى السِّجْنِ، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْجَرْجَرَائِي فَضَحِكَ وَاسْتَظْرَفَ مَا جَرَى وَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَأُطْلِقَ وَأَلْحَقَهُ بِجُمْلَةِ أَتْبَاعِهِ. تُمْتَلَخُ: تُنْزَعُ، مِنْ قَوْلِهِم: امْتَلَخْتُ غُصْنًا مِنَ الشَّجَرَةِ إِذَا قَطَعْتَهُ، وَمَلَخْتُ اللِّجَامَ عَنْ رَأْسِ الْفَرَسِ: إِذَا نَزَعْتَهُ، وَالطُّؤْطُؤَةُ: شَعَرُ الْعَانَةِ وَيُقَالُ لَهُ: الشِّعْرَةَ أَيْضًا، وَالْإخْقِيقُ: الشَّقُّ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا الشَّقَّ الذِي يَكُونُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ، وَيُقَالُ اسْتَحَدَّ الرَّجُلُ وَاسْتَعَانَ إِذَا حَلَقَ عَانَتَهُ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْمُطَرِّزِ، وَيُقَالُ مِنَ النُّورَةِ: انْتَارَ الرَّجُلُ انْتِيَارًا، وَانْتَوَرَ انْتِوَارًا، وَتَنَوَّرَ، تَنَوُّرًا.
_________________
(١) من القدماء، عارف باللغة كان يتقعر في كلامه ويتعمد الحوشي والغريب. الإنباه: ٤/ ١٥٢؛ معجم الأدباء: ١٢/ ٢٠٥؛ البغية: ٢/ ١٣٢.
(٢) القصة في الخزانة: ١/ ١١٦.
(٣) سبق تخريجه فى: ٥٢. الإحالة ٦.
[ ٢ / ١١٤ ]
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبُ يُنْكِرُ تَنَوَّرَ فِي هَذَا وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ تَنَوَّرَ إِلَّا إِذَا نَظَرَ إِلَى نَارٍ" (^١).
وَأَنْشَدَ أَبُو تَمَّامِ فِي "الْحَمَاسَةِ": (طويل)
أَجِدَّكُمَا لَمْ تَعْلَمَا أَنَّ جَارَنَا … أَبَا الْحِسْلِ بِالْبَيْدَاءِ لَا يَتَنَوَّرُ
وَلَمْ تَعْلَمَا حَمَّامَنَا فِي بِلَادِنَا … إِذَا جَعَلَ الْحِرْبَاءُ فِي الْعُودِ يَخْطِرُ (^٢)
ع: وَأُثَيَابٌ تَصْغِيرُ أَثْوَابٍ، وَأُسَيْفَاظٌ: تَصْغِيرُ أَسْفَاطٍ، وَالْغَرَضُ بِتَصْغِيرِ الْجَمْعِ تَقْلِيلُهُ، وَالْعَشَّارُونَ: الذين يَأخُذونَ الْأَعْشَارَ مِنَ النَّاسِ، وَاحِدُهُمْ عَشَّارٌ.
وَالْغَضُّ (^٣): الطَّرِيُّ الْجَدِيدُ.
وقوله: "والزَّمَانُ زَمَانٌ" (^٤) هَذَا يُسَمَّى التَّأْكِيدَ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ كَمَا يُقَالُ: "كَانَ ذَلِكَ وَالنَّاسُ النَّاسُ" قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل)
[بِلَادٌ لَنَا كَانَتْ وَكُنَّا نُحِبُّهَا] … إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلادُ بِلادُ (^٥)
وَقَوْهُ: "وَيُنَافِسُونَ فِي الْعِلْمِ" (^٦).
ط: "الْمُنَافَسَةُ أَنْ تَشْتَدَّ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ حَتَّى يَحْسُدَ غَيْرَهُ وَيَغْبِطَهُ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّفْسِ: يُرَادُ بِهَا مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الْأَمْرِ وَحِرْصُهَا عَلَيْهِ" (^٧).
وقوله: "وَيَتَحَلَّوْنَ بِالْفَصْاحَةِ" (^٨): أي يَتَزَيَّنُون بِهَا كَمَا يُتَزَيَّنُ بِالْحُلِيِّ.
_________________
(١) الاقتضاب: ١/ ١١٣، ل (نور).
(٢) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٨٥٨، روايته: بالصحراء لا يتنور، ببلادنا. . بالجذل يخطر.
(٣) أدب الكتاب: ١٦.
(٤) نفسه.
(٥) الزيادة من الهامش في الأصل (خ). والبيت لرجل من عاد في: أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٧٣؛ الأغاني: ٢١/ ٩٣؛ المغني: ٨٦٣؛ الخصائص: ٣/ ٣٣٧.
(٦) أدب الكتاب: ١٦.
(٧) الاقتضاب: ١/ ١١٦.
(٨) أدب الكتاب: ١٦.
[ ٢ / ١١٥ ]
وقوله: "وَيَرَوْنَهُ تِلْوَ الْمِقْدَارِ" (^١).
ط: "التِّلْوُ: التَّابِعُ بِكَسْرِ التَّاءِ، فَإِذَا قُلْتَ: تَلْوٌ بِفَتْح التَّاءِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ مِنْ تَلَوْتُهُ، أَتْلُوهُ تَلْوًا. وَالْمِقْدَارُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْقَضَاءَ السَّابِقَ.
وَمَعْنَى كَوْنُ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمِقْدَارِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ عِزًّا لِصَاحِبِهِ وَشَرَفًا وَالْجَهْلُ ذُلًّا وَمَهَانَةً، وَإِنَّمَا أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْله ﷺ: (مَا اسْتَرْذَلَ الله عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) (^٢)، وَقَدْ أَلَمَّ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّيُّ لِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: (متقارب)
كَأَنَّ نَوَالَكَ بَعْضُ الْقَضَاءِ … فَمَا تُعْطِ مِنْهُ نَجِدْهُ جُدُودًا (^٣)
وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمِقْدَارِ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ كَمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي قَدْرٌ وَقَدَرٌ وَمِقْدَارٌ، أَي قِيمَةٌ فَتَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: (بسيط)
قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ (^٤)
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: "وَيَرَوْنَ الْمِقْدَارَ تِلْوَ الْعِلْمِ" لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّجُلِ تَابِعَةٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا يَصِحُّ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ أَنَّ الله تَعَالَى يَهَبُ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ، وهذا نَحْو مِنْ قَوْلِ النبي ﵇: (مَا اسْتَرْذَلَ اللهُ عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَهُ عِنْدَ النَّاسِ فَيَكُونُ قَدْ أَجْرَى "التِّلْوَ" الَّذِي
_________________
(١) نفسه.
(٢) الحديث، مسند الشهاب للقضاعي: ٣/ ٢٢٤؛ فيض القدير: ٥/ ٥٣٤؛ كشف الخفاء: ٢/ ١٨٠؛ كنز العمال: ١٠/ ١٧٨.
(٣) ديوانه: ٢/ ٨٨.
(٤) البيت: وَقِيمَةُ المَرْءِ مَا قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ … وَالجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ ديوانه: ٧ نهج البلاغة: ٤١٧/ ١٥.
[ ٢ / ١١٦ ]
هُوَ اسْمٌ مُجْرَى التِّلْوِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ كَمَا أَجْرَى الْقُطَامِيُّ (^١) "الْعَطَاءَ" مُجْرَى "الْإِعْظَاءِ" فِي قَوْلِهِ: (وافر)
وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا (^٢)
وَيَكُونُ قَدْ جَعَلَ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَمَا قَالُوا: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَرَوْنَهُ مَتْلُوَّ الْمِقْدَارِ، أَي الشَّيْءَ الَّذِي يَتْلُوهُ الْمِقْدَارُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا كَانَتْ قِيمَةُ الْإِنْسَانِ مُرْتَبِطَةً بِعِلْمِهِ صَارَ عِلْمُهُ أَيْضًا مُرْتَبِطًا بِهَا كَالشَّيْأَيْنِ الْمُتلازِمَيْنِ الذَيْنِ يُوجَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوُجُودِ الْآخَرِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخرَى" (^٣).
ع: ابْنُ سِيدَةَ فِي "الْمُحْكَم": "يُقَالُ رَجُلٌ تِلْوُ الْمِقْدَارِ: أَي رَفِيعُهُ لُغَةٌ"، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَة: وَيَرَوْنَهُ تِلْوَ الْمِقْدَرِ. وَدَرَكُ الشَّيْءِ (^٤): إِدْرَاكُهُ، وَيُقَالُ فِيهِ: دَرَكٌ وَدَرْكٌ مَعًا.
وقوله: "الثَّرْثَارُونَ" (^٥).
الْمُتَنَطِّعُونَ فِي الْكَلَامِ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ثَرْثَارَةٌ، إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَاءِ، وَضَرْعٌ ثَرْثَارٌ إِذَا كَانَ غَزِيرَ اللَّبَنِ، قَالَ الرَّاجِزُ يَصفُ نَاقَةً.
_________________
(١) عمير بن شييم بن عمرو بن عباد من بني جشم بن بكر، أبو سعيد التغلبي الملقب بالقطامي، شاعر غزل فحل، نصراني من العراق، توفي نحو (١٣٠ هـ). الشعر والشعراء: ٧٢٣؛ طبقات الشعراء: ١٢١؛ معجم الشعراء: ٤٧؛ الأعلام: ٥/ ٨٩.
(٢) صدره: أَكُفْرا بَعْدَ رَدِ المُوتِ عَنِّي والبيت في ديوان القطامي: ٣٨، وفي الأغاني: ٢٣/ ٢٠٥؛ الخزانة: ١٨/ ١٣٦؛ طبقات فحول الشعراء: ٥٣٧ روايته: أَأَكْفُرْ بَعْدَ دَفْع؛ الشعر والشعراء: ٢٧٧ أَأَكْفُرُ بَعْدَ؛ أمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٩٦؛ كتاب الشعر: ٢٢٩.
(٣) الاقتضاب: ١/ ١١٧.
(٤) أدب الكتاب: ١٦.
(٥) نفسه.
[ ٢ / ١١٧ ]
لِشُحْبِهَا فِي الصَّحْنِ ذِي الْأَعْشَارِ
بَرْبَرَةٌ كَصَخَبِ الْمَمَارِي
مِنْ قادِمٍ مُنْهَمِرٍ ثَرْثَارِ (^١)
وَاشْتِقَاقُ الْمُتَفَيْهِقِينَ مِنْ فَهَقَ الْغَدِيرُ، يَفْهَقُ، إذا امْتَلأَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعُ مَزِيدٍ، قَالَ الْأَعْشَى: (طويل)
كَجَابِيَةِ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تَفْهَقُ (^٢)
وَاشْتِقَاقُ الْمُتَشَدِّقِينَ مِنَ الشِّدْقَيْنِ، يُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَفْتَحُونَ أَشْدَاقَهُمْ بِالْقَوْلِ، يُقَالُ: رَجُل أَشْدَقُ، إِذَا كَانَ وَاسِعَ الشِّدْقَيْنِ جَهِيرَ الصَّوْتِ مُتَنَطِّعًا فِي الْكَلَامِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ (^٣) وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: (طويل)
تَشَدَّقَ حَتَّى مَالَ بِالْقَوْلِ شِدْقُهُ … وَكُلُّ خَطِيبٍ لَا أَبُا لَكَ أَشْدَقُ (^٤)
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) (^٥).
وَهَذَا الْخَبَرُ غَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ الْمُعْجَبَ بِنَفْسِهِ يَدْعُوهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ وَتَكَبُّرُهُ إِلَى التَّنَطُّعِ فِي كَلَامِهِ.
ع: د: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "الْمُتَفَيْهِقُونَ: أَصْلُهُ مِنَ الْفَهْقَةِ وَهِيَ الدَّأْيَةُ التِي
_________________
(١) الرجز في سمط اللآلي: ١/ ٢٦٩ منسوبة لوزر العنبري؛ الأمالي: ١/ ٢٧٠.
(٢) صدره: نَفَى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُجَلِّقِ جَفْنَةً في ديوانه: ٥/ ٢٧؛ الأمالي: ٢/ ٢٩٦.
(٣) عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، أبو أمية، أمير من الخطباء ولي مكة والمدينة لمعاوية وابنه يزيد، قتله عبد الملك سنة (٧٠ هـ). الكامل لابن الأثير: ٤/ ١١٦؛ فوات الوفيات: ٣/ ١٦١ (ت ٣٨٤)؛ الإصابة؛ ٤/ ٣٠٠؛ شذرات الذهب: ١/ ٦٥.
(٤) البيت دون نسبة فى: البيان والتبيين: ١/ ١٢١؛ غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٤٩٦ روايته: بالشدق قوله.
(٥) الحديث رواه الترمذي: بر (٧٠) (ح ٢٠٨٧) ٣/ ٢٤٩؛ وأحمد: ٤/ ١٩٣.
[ ٢ / ١١٨ ]
هِيَ مُرَكَّبُ الرَّأْسِ فِي الْعُنُقِ، فَالْمُتَفَيْهقُ: الَّذِي يَعْقِدُ عُنُقَهُ فِيهَا وَكِبْرًا" (^١).
وقوله: "وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ بِكَلامِهِ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ مُسْتَثْقَلَ الْإِعْرَابِ" (^٢).
ط: "هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ عَوَامِّ النَّاسِ لِأَنَّهُ إِن فَعَلَ ذَلكَ صَارَ هُزْءَةً لَهُمْ بَلْ يَقْصِدُ الْأَلْفَاظَ السَّهْلَةَ وَالْإِعْرَابَ السَّهْلَ، وَتَكُونُ عَلَى كَلَامِهِ دِيبَاجَةٌ وَطَلَاوَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَأَدِّبٌ، وَيَجْعَلُ لِكَلَامِهِ مَرْتَبَةً بَيْنَ الْأَلْفَاظِ السُّوقِيَّةِ وَالْأَلْفَاظِ الْوَحْشِيَّةِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا (^٣) " (^٤).
وقوله: "وَكَانَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (^٥) سَامَ نَفْسَهُ" إلى آخر الفصل (^٦).
ط: "اللَّثَعُ فِى اللِّسَانِ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالْحَرْفِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَقْلِبَهُ حَرْفًا آخَرَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْحُرُوفِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَافِ وَالْكَافِ وَالسِّينِ وَاللَّام وَالرَّاءِ، وَقَدْ تُوجَدُ فِي الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ" (^٧).
فَاللُّثْعَةُ فِي السِّينِ بِأَنْ تُبْدَلَ ثَاءً فَيُقَالَ فِي: بِسْمِ اللَّهِ بِثْمِ اللهِ، وَفِي الْقَافِ بأَنْ تُبْدَلَ طَاءَ فَيُقَال في: قَالَ، طَالَ، وَتَكُونُ أَيْضًا بِأَنْ تُبْدَلَ كَافًا فيقالَ فِي: قَالَ: كَالَ، وَفِي الْكَافِ بِأَنْ تُبْدَلَ هَمْزَةٌ فَيُقَالَ فِي: كَانَ كَذَا، آنَّ كَذَا، وَفِي اللَّامِ بِأَنْ تُحَوَّلَ يَاءَ فَيُقَالَ فِي: جَمَلٌ، جَمَيٌ.
وَقَدْ تَكُونُ بِأَنْ تُبْدَلَ كافًا فَيُقَالَ فِي: جَمَلٌ جَمَكٌ، كَمَا حَكَى الْجَاحِظُ
_________________
(١) اللسان: (فهق).
(٢) أدب الكتاب: ١٧ ونستحب له.
(٣) الحديث في جامع الأصول: ١/ ٥٣؛ المقاصد الحسنة ١/ ١١٢؛ تذكرة الموضوعات: ١/ ١٨٩.
(٤) الاقتضاب: ١/ ١١٩.
(٥) واصل بن عطاء الغزال، أبو حذيفة، من موالي بني ضبة أبو بني مخزوم، رأس المعتزلة، من أئمة البلغاء والمتكلمين، ولد بالمدينة سنة (٨٠ هـ) ونشأ بالبصرة وتوفي سنة (١٣١ هـ). له كتب كثيرة. مروج الذهب: ٢/ ٢٩٨؛ معجم الأدباء: ١٤/ ٢٤٣؛ الوفيات: ٢/ ١٧٠؛ لسان الميزان ٦/ ٢١٤؛ شذرات الذهب: ١/ ١٨٢.
(٦) أدب الكتاب: ١٧.
(٧) الاقتضاب: ١/ ١١٩.
[ ٢ / ١١٩ ]
عَنْ عُمَرَ أَخِي بِلَالٍ (^١) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا الْعِلَّةُ فِي كَذَا، مَكْعَكَّةُ فِي كَذَا.
وَأَمَّا اللُّثْعَةُ الَّتِي تَعْرِضُ فِي الرَّاءِ فَذَكَرَ الْجَاحِظُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي سِتَّةِ أَحْرُفٍ: الْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالذَّالُ وَالْيَاءُ وَاللَّامُ وَالضَّادُ الْمُعْجَمَةُ (^٢). وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْهَمْزَةِ (^٣).
وَكَانَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ حَسَنَ النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ كُلِّهَا إِلَّا الرَّاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَخْرَجِهَا فَأَسْقَطَهَا مِنْ كَلَامِهِ فَلَمْ تُسْمَعْ فِي مَنْطِقِهِ رَاءٌ، فَكَانَ أَمْرُهُ أَحَدَ الْأَعَاجِيبِ.
ع: "وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَكَانَ يُسَمَّى الْغَزَّالَ لمُلَازَمَتِهِ سُوقَ الْغَزْلِ لِيَعْرِفَ الْمُتَعَفِّفَاتِ وَأَهْلَ الْحَياءِ مِنَ النِّسَاءِ فَيَضَعُ صَدَقَتَهُ فِيهِنَّ، وَكَانَ مِنْ رُؤسَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ (^٤) " (^٥).
ع: وَسَامَ نَفْسَهُ: كَلَّفَهَا.
وقوله: "حَتَّى انْقَادَ لَهُ طِبَاعَهُ" (^٦).
ط: "قال أبو حَاتِمٍ: "الطِّبَاعُ: وَاحِدٌ مُذَكَّرٌ بِمَعْنَى الطَّبْعِ، وَمَنْ أَنَّثَهُ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنَى الطَّبِيعَةِ، وقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبْعٍ بِمَنْزِلَةِ كَلْبٍ وَكِلَابٍ" (^٧).
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "الطِّبَاعُ، طِبَاعُ الرَّجُلِ أُنْثَى، يُقَالُ: إِنَّ طِبَاعَهُ لَكَرِيمَةٌ، وَهِيَ وَاحِدٌ لَا تُجْمَعُ مِثْل النَّجَارِ، إِلَّا أَنَّ النَّجَارِ مُذَكَّرٌ، وَرُبَّمَا ذُكِّرَتِ
_________________
(١) في البيان والتبيين: عمر أخي هلال: ١/ ٣٥.
(٢) البيان والتبيين: ١/ ٣٥، ٣٧.
(٣) ل (لثغ).
(٤) هي فرقة كلامية، يذكر في سبب تسميتهم أن واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري، فسمي هو وأصحابه بها، ولهم مواقف في مذهبهم. انظر: مروج الذهب: ٣/ ١٥٢؛ الملل والنحل: ٦٧؛ الأنساب: ٣٥.
(٥) الكامل للمبرد: ٣/ ١٩٢.
(٦) أدب الكتاب: ١٧. حتى انقادت له طباعه.
(٧) الاقتضاب: ١/ ١٢٤.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الطِّبَاعُ" (^١)
وَوَحْشِيُّ الْغَرِيبِ (^٢): مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ أَوْ كَانَ قَلِيلَ الاِسْتِعْمَالِ، شُبِّهَ بالوَحْشِيِّ مِنَ الْحَيَوانِ، وَهُوَ مَا نَفَرَ مِنَ الْإِنْسَانِ وَلَمْ يَأْنَسْ بِهِ فَكَأَنَّ النُّفُوسَ تُنَافِرُهُ.
وَالْغَرِيبُ: مَا غَرُبَ مِنَ الْكَلَامِ أَيْ بَعُدَ.
وتَعْقِيدُ الْكَلَامِ (^٣): اسْتِصْعَابُهُ وَهُوَ مِنْ عَقَدْتُ الشَّيْءَ.
وقوله: "وَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى أَنْ تُنَفِّذَ إِلَيَّ جَيْشًا لَجِبًا عَرَمْرَمًا" (^٤).
ط: لا أَعْلَمُ مَنِ الْقَائِلَ لِهَذَا الْكَاتِبَ بِهِ، وَالْجَيْشُ: الْعَسْكَرُ، سُمِّيَ جَيْشًا مِنَ الْحَرَكَةِ وَالْاضْطِرَابِ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاشَتِ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ وَثَارَتْ، وَجَاشَ صَدْرُهُ بِالْحُزْنِ، يَجِيشُ: إِذَا كَثُرَ قَلَقُهُ. وَجَاشَتِ النَّفْسُ، تَجِيشُ: إِذَا هَمَّتْ بِالْخُرُوجِ" (^٥)، قَالَ ابْنُ الْإِطْنَابَةِ: (وافر)
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي (^٦)
وَاللَّجَبُ (^٧): الْكَثِيرُ الْأَصْوَاتِ وَالْجُلَبَةِ.
وَالْعَرَمْرَمُ (^٨) فِي قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ: الْكَثِيرُ الْعَدَدِ (^٩). وفي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ الْبَأْسِ (^١٠)، مَأخُوذَةٌ مِنَ الْعَرَامَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ. وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَشْبَهُ
_________________
(١) المذكر والمؤنث للفراء: ٩٠؛ المذكر والمؤنث لابن الأنباري: ١/ ٤٠٧.
(٢) أدب الكتاب: ١٧.
(٣) نفسه.
(٤) نفسه إلى أن تنفذ دون تشديد.
(٥) الاقتضاب: ١/ ١٢٤.
(٦) البيت في: الخزانة: ٢/ ٤٣٨؛ الأمالي: ١/ ٢٦٠، روايته: رويدك؛ العقد الفريد: ١/ ٢٩.
(٧) أدب الكتاب: ١٧.
(٨) نفسه.
(٩) فقه اللغة: ٢٢٧ ل (عرم).
(١٠) نفسه.
[ ٢ / ١٢١ ]
بِالاشْتِقَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ رَاجِعًا إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وقوله: "وَكَقَوْلِ آخَرَ فِي كِتَابِهِ: "عَضَبَ عَارِضٌ أَلَمَّ"" (^١).
ط: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْكَاتِبَ مَنْ هُوَ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ شُرَيْحٍ الْكَاتِبُ (^٢). وَمَعْنَى عَضَبَ: قَطَعَ، وَالْأَلَمُ: الْمَرَضُ، وَعَارِضُهُ: مَا يَعْرِضُ لِلْمَرِيضِ مِنْهُ، وَأَلَمَّ: نَزَلَ.
وقوله: "فَأَنْهَيْتُهُ عُذْرًا" (^٣): أَيْ جَعَلْتُهُ النِّهَايَةَ فِي الْعُذْرِ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَذَا رَجُلٌ كَانَ كَلَّفَهُ أَمْرًا فَتَضَمَّنَ لَهُ السَّعْيَ فِيهِ، فَقَطَعَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَرَضٌ عَرَضَ لَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَعْتَذِرُ مِنْ تَأَخُّرِ سَعْيِهِ فِيهِ بِالْمَرَضِ الذِي عَاقَهُ عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا الْكَلَامَ فِي "آلَةِ الْكُتَّابِ" وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِ فَلَمْ يُسَمَّ قَائِلُهُ. وَالْبَسْطَةُ السَّعَةُ وَالانْبِسَاطُ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ" (^٤).
ع: عَضَبَ (^٥): قَطَعَ، وَالْعَضْبُ: الْقَطْعُ اسْمُ مَا عُضِبَ أَيْ قُطِعَ مثل النَّفَضِ.
وَالْأَلَمُ (^٦): الْوَجَعُ، وأَنْهَيْتُهُ: أَوْصَلْتُهُ وَبَلَّغْتُهُ، يقال: أَنْهَيْتُ السَّهْمَ إِلَى الْغَرَضِ، أَيْ أَوْصَلْتُهُ.
وَعُذْرًا: مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِنْهَاءِ أَوْ حَالٌ. فَأَمَّا النَّهْيُ فَالزَّجْرُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْعَقْلُ نُهْيَةً لأَنَّهُ يَنْهَى صَاحِبَهُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ.
وقوله: "طُغْيَانٌ فِي الْقَلَمِ" (^٧).
كَذَا وَقَعَ في النُّسَخِ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي يَقُولُ: "حِفْظِي طُغْيَانَ
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٧.
(٢) لم نقف على ترجمته.
(٣) أدب الكتاب: ١٧.
(٤) الاقتضاب: ١/ ١٢٥.
(٥) أدب الكتاب: ١٧.
(٦) نفسه.
(٧) نفسه.
[ ٢ / ١٢٢ ]
الْقَلَمِ". وَالْعَرَبُ تَخْتَلِفُ فِي تَصْرِيفِ الْفِعْلِ مِنَ الطُّغْيَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: طَغَيْتَ يَا رَجُلُ، ومنهم من يقول: طَغَوْتَ بِالْوَاوِ ولم يَخْتَلِفُوا فِي الطُّغْيَانِ أَنَّهُ بِالْيَاءِ. ومِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الطَّاءَ فيقول: طِغْيَانٌ، حَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ.
ع: الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ (^١) أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ، وَكَانَ وَزِيرَ الْمَأْمُونِ (^٢) وَيُدْعَى ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ وَعَلَيْهِ وَلَاءٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَتَزَوَّجَ الْمَأْمُونُ ابْنَتَهُ بُورَان (^٣).
والطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ، وَارْتِفَاعُ الْمَاءِ أَيْضًا، قَالَ الله ﷿: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (^٤).
وقوله: "أَنْ يُنَزِّلَ أَلْفَاظَهُ" (^٥).
ط: "تَنْزِيلُ الْكَلَامِ: تَرْتِيبُهُ وَوَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ وَذِكْرُهُ فِي الْوَقْتِ الذِي يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ" (^٦) قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (^٧).
أَنْشَدَ الْجَاحِظُ لِمَكِيِّ بْنِ سَوَادَةَ (^٨) فِي صِفَةِ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ
_________________
(١) الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي، أبو محمد، وزير المأمون العباسي ووالد زوجته، ولد سنة: (١٦٦ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٢ هـ). تاريخ بغداد: ٧/ ٣١٩؛ الوفيات: ١/ ١٤١؛ الأعلام: ٢/ ١٩٢.
(٢) عبد الله هارون الرشيد أبو العباس، ولد سنة (١٧٠ هـ) ولي الخلافة بعد أخيه الأمين وتوفي سنة (٢١٨ هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٤٤٤؛ مروج الذهب: ٣/ ٤١٦؛ تاريخ الطبري: ١/ ٢٩٣؛ الكامل لابن الأثير: ٥/ ١٣٦؛ تاريخ بغداد: ١٠/ ١٨٣؛ فوات الوفيات: ١/ ٢٣٩؛ الأعلام: ٤/ ١٤٢.
(٣) بوران بنت الحسن بن سهل زوجة المأمون العباسي اسمها خديجة، من أكمل النساء أدبًا وأخلاقًا. بنى بها المأمون في "فم الصلح" وأنفق على زواجها ما لم ينفق قط سنة (٢٠٩ هـ). وتوفيت ببغداد سنة (٢٧١ هـ). مروج الذهب: ٣/ ٤٤٣؛ وفيات الأعيان: ١/ ٩٢؛ الأعلام: ٢/ ٧٧.
(٤) سورة الحاقة (٦٩): الآية ١٠.
(٥) أدب الكتاب: ١٨.
(٦) الاقتضاب: ١/ ١٢٥.
(٧) سورة الإسراء (١٧): الآية ١٠٦.
(٨) مكي بن سوادة البرجمي البصري، صحب أبا عمر الجاحظ. معجم الشعراء: ٤٥٧؛ البيان والتبيين: ١/ ٣٤٠؛ الحيوان: ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الْأَهْتَمِيّ (^١) وَكَانَ خَالِدٌ أَذْكَرَ النَّاسِ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِكُلِّ شَيْءٍ سَلَفَ مِنْ مَنْطِقِهِ عَلَى فَصَاحَتِهِ: (طويل)
عَلِيمٌ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ مُلَقَّنٌ … ذكُورٌ لِمَا سَدَاهُ أَوَّلَ أَوَّلَا
يَبُذُّ قَرِيعَ الْقَوْمِ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ … وَلَوْ كَانَ سَحْبَانَ الْخَطِيبَ وَدَغْفَلَا
تَرَى خُطَبَاءَ النَّاسِ يَوْمَ ارْتِجَالِهِ … كَأَنَّهُمُ الْكَرْوَانُ عَايَنَّ أَجْدَلَا (^٢)
وقوله: "وَرَأْيَكَ إِنَّمَا يُكْتَبُ بِهَا إِلَى الْأَكْفَاءِ" (^٣).
ع: إِنَّمَا كُتِبَ بِهَا إِلَى الْأَكْفَاءِ لِأَنَّهَا مَنْصُوبَة بِفِعْلِ الْأَمْرِ وَالتَّقْدِيرُ: فَرَأْيَكَ.
وَالْأَمْرُ لِمَنْ يُكَافِئُكَ وَيُسَاوِيكَ عَرْضٌ وَطَلِبَةٌ، وَلَمَنْ فَوْقَكَ رَغْبَةٌ وَتَضَرُّعٌ، وَلَمَنْ دُونَكَ أَمْرٌ وَجَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ.
ط: "الْأَكْفَاءُ: النُّظَرَاءَ، وَاحِدُهُمْ كُفْءٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَسْكِينِ الْفَاءِ، وَكَفْءٌ وَكِفْءٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ، وَكُفُؤٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْفَاءِ، وَكَفِيءٌ عَلَى مِثَالِ نَبِيءٍ، وَكِفَاءٌ عَلَى مِثَالِ رِوَاءٌ" (^٤).
وَالْأَسْتَاذُ (^٥): لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ عَرَّبَتْهَا الْعَرَبُ، وَالْفُرْسُ يُوقِعُونَهَا عَلَى الْعَالِمِ بالشَّيْءِ الْمَاهِرِ فِيهِ الَّذِي يُبَصِّرُ غَيْرَهُ وَيُسَدِّدُهُ، ومِثْلُهُ مَنْ كَلَام الْعَرَبِ: الرَّبَّانِي وَهُوَ الْعَالِمُ وَالْمُعَلِّمُ، قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (^٦).
_________________
(١) خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمر بن الأهتم التميمي المنقري، من فصحاء العرب، كان يجالس عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك وله أخبار. ولد ونشأ بالبصرة ومات سنة (١٣٣ هـ).
(٢) الحيوان: ٢/ ١٥٧، وسحبان هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، توفي سنة (٥٤ هـ). انظر ترجمته في: الأعلام: ٣/ ٧٩.
(٣) أدب الكتاب: ١٨.
(٤) الاقتضاب: ١/ ١٢٦.
(٥) أدب الكتاب: ١٨.
(٦) سورة آل عمران (٣): الآية ٧٨.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقوله: "وَلَيْسَ يَفْرُقُونَ بَيْنَ مَنْ يُكْتَبُ إِلَيْهِ "أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ" وَبَيْنَ مَنْ يُكتبُ إِلَيْهِ "وَنَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ"" (^١).
ع: إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمْ مِنَ النَّاقِل.
ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ: وَالصَّوَابُ بَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْ نَفْسِهِ: "أَنَا فَعَلْتُ" وَبَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْ نَفْسِهِ: "نَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا" لأنَّ هَذَا أَمْرٌ يَخُصُّ الكَاتِبُ دُونَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ" (^٢).
وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ الصَّحْيحُ الَّذِي لَا مَدْفَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ لَهُ وَجْهٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَاتِبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَنْ نَفْسِهِ: "وَنَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ" إِلَّا إِلَى مَنْ هُوَ كُفْءٌ لَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ أَوْ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِمَّنْ يُعَظِّمُهُ وَيُوَقِّرُهُ، إِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَغِّرَ نَفْسَهُ وَيَضَعَ مِنْهَا، فَإِذَا حُمِلَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا صَحَّ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلرَّئيسِ وَالْعَالِم أَنْ يَقُولَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا: "نَحْنُ نَقُولُ كَذَا، وَنَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا" لإنَّ الرَّئِيسَ يُطَاعُ أَمْرُهُ وَلَهُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فَكَأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَنْ يَتْبَعُهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الجَلِيلَ الْقَدْرِ يَنُوبُ مَنَابَ جَمَاعَةٍ، "كُلُّ، الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَراءِ" (^٣)، وَقَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ (^٤).
وَالْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَاءُ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَالْأَشْهَرُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْهَمْزُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ أَجَلُّ مَا يَصِيدُهُ الصَّائِدُ، فَإِذَا صَادَهُ فَكَأَنَّهُ
_________________
(١) أدب الكتاب: ١٨. فيه: ولا يفرقون.
(٢) الاقتضاب: ١/ ١٢٦.
(٣) الممثل في: الغريبين للهروي: ١/ ٣٨٨؛ الفائق: ١/ ٢٢٣.
(٤) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، صحابي من سادات قريش في الجاهلية، توفي سنة (٣١ هـ). المحبر: ٢٤٦؛ الأغاني: ٦/ ٨٩؛ تهذيب ابن عساكر: ٦/ ٣٨٦؛ الإصابة: (ت ٤٠٤١)؛ الأعلام: ٣/ ٢٠١.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قَدْ صَادَ جَمِيعَ الصَّيْدِ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ أَبُو نُوَاسٍ (^١): (مجزوء البسيط)
وَلَيْسَ لِلّهِ بِمُسْتَنْكِرٍ … أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ (^٢)
وَقَالَ أَبُو عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيُّ (^٣): (طويل)
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتُوا … إِلَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ (^٤)
وَأَخَذَهُ أَبُو الطَّيِّبَ فَقَالَ: (طويل)
مَضَى وَبَنُوهُ وَانْفَرَدْتَ بِفَضْلِهِمْ … وَأَلْفٌ إِذَا مَا جُمِّعَتْ وَاحِدًا فَرْدُ (^٥)
وقوله: "وَعَلَى هَذَا الْابْتِدَاءِ خُوطِبُوا فِي الْجَوَابِ" (^٦).
يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ يُخَاطَبُ عَلَى حَسَبِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: "نَحْنُ فَعَلْنَا" قِيلَ لَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ: "أَنْتُمْ فَعَلْتُم"، وَإِذَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: "أَنَا فَعَلْتُ" قِيلَ لَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ: "أَنْتَ فَعَلْتَ"، وَلَمَا كَانَ الله ﷿ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِإِخْبَارِ الْجَمَاعَةِ فَيَقُولُ: ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (^٧) و﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٨) خَاطَبَهُ الْكَافِرُ بِمُخَاطَبَةِ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ:
_________________
(١) الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء، أبو نواس، شاعر العراق في عصره ولد في الأهواز سنة (١٤٦ هـ) ونشأ بالبصرة، وتوفي سنة (١٩٨ هـ). تاريخ بغداد: ٧/ ٣٦٤؛ تهذيب ابن عساكر: ٤/ ٢٥٤؛ الوفيات: ١/ ١٣٥؛ الخزانة: ١/ ٣٧٤؛ الأعلام: ٢/ ٢٢٥.
(٢) ديوانه: ٣٤٩؛ الحماسة البصرية: ١/ ٦٠٦؛ زهر الآداب: ٢/ ٢٦٣؛ الصناعتين: ٢١٦.
(٣) الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي، أبو عبادة البحتري، شاعر كبير، ولد بمنبج سنة (٢٠٦ هـ) وتوفي بها سنة (٢٨٤ هـ)، له ديوان شعر.
(٤) ديوانه: ١/ ٦٥، روايته: تَفَاوَتَتْ - إِلَى الْفَضْلِ.
(٥) ديوانه: ١/ ٣٨١.
(٦) أدب الكتاب: ١٨.
(٧) سورة الحجر (١٥): الآية ٩.
(٨) سورة يوسف (١٢): الآية ٣.
[ ٢ / ١٢٦ ]
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (^١) وَلَمْ يَقُلْ: رَبِّ أَرْجَعْنِي.
ع: وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: "أَرَادَ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي" فَلَمَّا كَرَّرَ جَمَعَ، كَمَا قِيلَ فِي "قِفَا نَبْكِ" (^٢) أَرَادَ قِفْ قِفْ فَثَنَّى".
ط: "يُقَالُ أَبْرَوَازُ، وَأَبْرَوَيْزُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَأَبْرَوِيزُ بِكَسْرِهَا" (^٣).
ط: "تَنْزِيلُ الْكَلَام (^٤): تَرْتِيبُهُ وَوَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَنْزِلَتَهُ اللَّائِقَةَ بهِ" (^٥).
وَيُقَالُ: إِنَّ كِسْرَى (^٦) هَذَا الْأَخِيرَ الذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﵇: (إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) (^٧) هُوَ أَبْرَوَازُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ: "هُوَ الْمَلِكُ الَّذِي قَتَلَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ (^٨) مِنْ أَكَاسِرَةِ فَارِسَ".
ع: سُؤَالُكَ عَنِ الشَّيْءِ (^٩): هُوَ الاسْتِفْهَامُ، وَسُؤَالُكَ الشَّيْءَ (^١٠) هُوَ
_________________
(١) سورة المؤمنون (٢٣): الآية ١٠٠.
(٢) البيت: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ … بِسْقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ (طويل) وهو لامرئ القيس في ديوانه: ١٧. وهو من الشواهد النحوية في الكتاب: ٢/ ٢٩٨؛ الخزانة: ١/ ٣٣٢؛ أمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٤١؛ الإنصاف: ٢٥٦؛ المغني: ٢١٤.
(٣) الاقتضاب: ١/ ١٢٩.
(٤) في (خ): الكمام، والصواب: الكلام، من أدب الكتاب: ١٩.
(٥) الاقتضاب: ١/ ١٢٥.
(٦) هو لقب ملوك فارس وآخرهم أبرويز، انظر: تاريخ اليعقوبي: ١/ ١٥٨؛ الكامل لابن الأثير: ١/ ٢٥٥.
(٧) الحديث رواه البخاري، أيمان: ٣١ (ح ٨) ٨/ ٢٣١؛ وأحمد: ٢/ ٢٣٣؛ والترمذي: فتن ٣٥ (ح ٢٣١٣) ٣/ ٣٣٧.
(٨) النعمان الثالث بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي أبو قابوس، من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية دهاء وإقدامًا، توفي نحو (١٥ ق. هـ). تاريخ اليعقوبي: ١/ ١٧٣؛ الكامل لابن الأثير: ١/ ٢٨٦؛ تاريخ ابن خلدون: ١/ ٢٤٢؛ الخزانة: ١/ ٣٨٦؛ الأعلام: ٨/ ٤٣.
(٩) أدب الكتاب: ١٩.
(١٠) نفسه.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الطَّلَبُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ قَدْ قَسَّمَهُ فِي الرِّسَالَةِ حِينَ قَالَ: وَالْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ: أَمْرٌ، اسْتِخْبَارٌ، خَبَرٌ وَرَغْبَةٌ (^١) وَجَعَلَهَا هُنَالِكَ "هَذَيَانًا"، وَهُنَا حَاصِرَةً لِأَصْنَافِ الْكَلَام وَدَعَائِمَ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَصْنَافَ الكَلَام وَدَعَائِمَهُ خَمْسَةٌ: مَا ذَكَرَ وَالنِّداءُ، وَهَذِهِ لَا يُوجَدُ لَهَا سَادِسٌ، وَقَدْ نَبِّهتُ عَلَيْهَا قَبْلُ.
ط: "دَعَائِمُ الْمَقَالَاتِ: أُصُولُهَا الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ الْاخْتِلَافَ فِيهَا" (^٢).
وقوله: "فَأَسْجِحْ" (^٣).
أَيْ اُرْفُقْ وَسَهِّلْ، قَالَ عُقَيْبَةُ الْأَسْدِيُّ (^٤): (وافر)
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ (^٥)
وقوله: "فَأَوْضِحْ" (^٦).
أَي بَيِّنْ سُؤَالَكَ.
وقوله: "وَإِذَا أَمَرْتَ فَأَحْكِمْ" (^٧).
كَذَا رَوَيْنَاهُ مَقْطُوعَ الْهَمْزَةِ مَكْسُورَ الْكَافِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: "فَاحْكُمْ" مَوْصُولَ الْهَمْزَةِ مَضْمُومَ الْكَافِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ يُقَالُ: حَكَمْتُ الرَّجُلَ وَأَحْكَمْتُهُ إِذَا أَدَّبْتُهُ وَعَلَّمْتُهُ الْحِكْمَةَ، وَاشْتِقَاقُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَكَمْتُ الدَّابَّةَ
_________________
(١) نفسه.
(٢) الاقتضاب: ١/ ١٢٩.
(٣) أدب الكتاب: ١٩.
(٤) عقيبة بن هبيرة الأسدي، شاعر مخضرم، توفي نحو سنة (٥٠ هـ). سمط اللآلئ: ١٤٩؛ الخزانة: ٢/ ٢٦٠؛ الأعلام: ٤/ ٢٤١.
(٥) عجزه: فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا وهو من الشواهد النحوية في: الكتاب: ١/ ٣٤؛ الخزانة: ٢/ ٢٦٠؛ الأمالي بدون نسبة: ١/ ٣٦؛ المغني: ٦٢١؛ المقتضب: ٢/ ٣٣٨.
(٦) أدب الكتاب: ١٩.
(٧) نفسه.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وَأَحْكَمْتُهَا، إِذَا جَعَلْتَ لَهَا حَكَمَةً لِأَنَّ الْحِكْمَةَ تَمْنَعُ مُتَعَلِّمَهَا مِنَ الْقَبِيحِ كَمَا تَمْنَعُ الْحَكَمَةُ الدَّابَّةَ مِنَ الْاضْطِرَابِ وَالنَّزَقِ، ومِنْهُ قِيلَ: أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَتْقَنتَهُ. وَحَكَمَ الرَّجُلُ، يَحْكُمُ: إِذَا صَارَ حَكِيمًا، قال النَّمْرُ بْنُ تَوْلَبٍ (^١): (متقارب)
وَأَحْبِبْ حَبِيبَكَ حُبُّا رُوَيْدًا … فلَيْسَ يَهْولُكَ أَنْ تَصْرِمَا
وَأَبْغَضْ بَغِيضَكَ بُغْضًا رُوَيْدًا … إذا أَنْتَ حَاوَلتَ أَنْ تَحْكُمَا (^٢)
وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا قَوْلَ الْنَّابِغَةِ: (بسيط)
اُحْكُمْ كَحُكُم فَتَاةِ الْحَيِّ (^٣)
وقوله: "وَلَكِنَّهُ أَطالَ الْكَلَامَ" (^٤).
ع: الْأَوْلَى فِي هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَلَكِنَّهُ أَطَالَ تَارَةً لِلْإِفْهَامِ وَحَذَفَ تَارَةً لِلْإِيجَازِ وَكَرَّرَ تَارَةً لِلتَّوْكِيدِ.
وقوله: "وَلَيْسَ يَجُوزُ لِمَنْ قَامَ مَقَامًا فِي تَحْضِيضِ" الكلام.
ط: التَّحْضِيضُ والْحَضُّ: الْإِغْرَاءُ بِالشَّيْءِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ.
الْحَمَالَةُ: الْكَفَالَةُ يُقَالُ: تَحَمَّلْتُ بِالشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: تَكَلَّفْتُ بِهِ، وَفُلَانٌ حمِيلٌ بِكَذَا وَكَفِيلٌ بِمَعْنَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ حَمَالَةٌ لِدَمٍ بِاللَّامِ،
_________________
(١) النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي، شاعر مخضرم، له ديوان شعر، توفي نحو (١٤ هـ). طبقات فحول الشعراء: ١٥٩؛ الإصابة: (ت ٨٨٠٤)؛ الخزانة: ١/ ٣٢١؛ الأعلام: ٨/ ٤٨.
(٢) البيتين في كتاب: شعراء إسلاميون: شعر النمر بن تولب: ٣٧٩، وفي ديوانه: ١٠٥؛ الأغاني: ٢٢/ ٢٩٧ روايته: فليس يَهُولكَ أنْ تَصْرِمَا مجمع الأمثال: ١/ ٢٠٩، ل والتاج والتهذيب (حكم).
(٣) تمامه: إِذْ نَظَرَتْ … إِلَى حَمَامِ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمّدِ وهو في ديوانه: ٨٤؛ الكتاب: ١/ ٨٥؛ الخزانة: ١٠/ ٢٥٣؛ أمالي ابن الشجري: ٣/ ٢٩.
(٤) أدب الكتاب: ١٩.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وَبِالْبَاءِ وَقَعَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَلَا أَعْرِفُ ذَلِكَ مَرْوِيًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعِ يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِكَ: "حَمَلْتُ الشَّيْءَ عَنِ الرَّجُلِ"، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ اللَّامُ الَّتِي فِيهِ هِيَ اللَّامُ الَّتِي تُزَادُ فِي الْمَفْعُولِ تَأْكِيدًا لِلْعَامِل وَأَكْثَرَ مَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَفْعُولِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (^١).
وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ (^٢) وَعَلَى هَذَا تَقُولُ: "أَعْجَبَنِي الضَّرْبُ لِزَيْدٍ"، وَمِثْلُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ (^٣): (طويل)
أُريدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا … تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ (^٤)
وَالْعَشَائِرُ (^٥): الْقَبَائِلُ، وَاحِدَتُهَا عَشِيرَةٌ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْمُعَاشَرَةِ وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، يقال: فُلَانٌ عَشِيري وَشَعِيري أَيْ صَاحِبِي، وَعَشِيرُ الْمَرْأَةِ: زَوْجُهَا" (^٦).
وَالاسْتِصْلَاحُ (^٧): اسْتِجْلَابُ الصُّلْحِ. وَالْفَتْحُ: النَّصْرُ قَالَ الله ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٨) أَيْ إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ النَّصْرُ، وَفِي الْحَدِيثِ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) (^٩) أَيْ يَسْتَنْصِرُ.
_________________
(١) سورة يوسف (١٢): الآية ٤٣.
(٢) سورة النمل (٢٧): الآية ٧٤.
(٣) كثير بن عبد الرحمن الأسود بن عامر الخزاعي، أبو صخر، شاعر متيم من أهل المدينة، توفي سنة (١٠٥ هـ). الأغاني: ٨/ ٢٥؛ عيون الأخبار: ٢/ ١٤٤؛ الوفيات: ١/ ٤٣٣؛ الخزانة: ٥/ ٢٢١؛ الأعلام: ٥/ ٢١٩.
(٤) البيت في ديوانه: ١٠٨؛ الأغاني: ٤/ ٢٦٧؛ أمالي القالي: ٣/ ١٢٠؛ المغني: ٢٨٥؛ الخزانة: ٤/ ٣٣٠؛ الخصائص: ٢/ ٩٧. روايته: بكل مكان، الكامل: ٣/ ٩٧.
(٥) أدب الكتاب: ٢٠.
(٦) الاقتضاب: ١/ ١٣١.
(٧) أدب الكتاب: ٢٠.
(٨) سورة الأنفال (٨): الآية ١٩.
(٩) الحديث رواه الإمام أحمد: ٢/ ١٣٢؛ غريب الحديث للهروي: ١/ ٢٤٨؛ النهاية: ١/ ٣٧١؛ الفائق: ٢/ ٢٤٦.
[ ٢ / ١٣٠ ]
قوله: "كِتَابُ يَزِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ (^١) " (^٢).
ط: "قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُكْنَى أَبَا خَالِدٍ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاقِصِ لِأَنَّهُ نَقَصَ الْجُنْدَ أُعْطِيَاتِهِمْ عِنْدَ وِلَايَتِهِ (^٣). وَقِيلَ: لَقَّبَهُ بِذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ (^٤) الْمَعْرُوفِ بِالْجَعْدِيِّ وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ يَزيدُ بِمَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَمَرْوَانُ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْمَشْرِقِ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأُمُّهُ لَوْعَةٌ سُرِّيَّةٌ مِنَ الْكُرْدِ (^٥). وَقِيلَ: بَلْ أُمُّهُ رَيَّا، جارِيَةٌ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ (^٦) فَصَارَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ (^٧) يَوْمَ قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِ مُحَمَّد بْنِ مَرْوَانَ، وَقُتِلَ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ سِنِينَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لُقِّبَ يَزِيدُ النَّاقِصَ لِفَرْطِ كَمَالِهِ كَمَا يُقَالُ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو
_________________
(١) يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، من ملوك بني مروان بالشام، ولي الخلافة سنة (١٢٦ هـ) وتوفي بعدها بستة أشهر. تاريخ اليعقوبي: ٣/ ٧٤؛ تاريخ الطبري: حوادث سنة (١٢٦)؛ الكامل لابن الأثير: (٤/ ٢٧٨)؛ النجوم الزاهرة: ١/ ١٦٢؛ الأعلام: ٨/ ١٩١.
(٢) أدب الكتاب: ٢٠.
(٣) مروج الذهب: ٣/ ٧٤؛ تاريخ ابن خلدون: ٣/ ١٠٦؛ الكامل لابن الأثير: ٥/ ١١٥.
(٤) مروان بن محمد بن مروان بن الحاكم الأموي، أبو عبد الملك القائم بحق الله، آخر ملوك بني أمية بالشام، توفي سنة (١٣٢ هـ). تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٦٦؛ الكامل: ٢/ ٥١؛ النجوم الزاهرة: ١/ ١٩٦؛ الأعلام: ٧/ ٢٠٨.
(٥) شعب كبير متفرق وأصلهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان أو من مضر بن نزار. انظر: مروج الذهب: ٢/ ١٠٠، ٣/ ٢٩٣.
(٦) إبراهيم بن مالك الأشتر بن الحارث النخعي قائد شجاع من أصحاب مصعب وابن الزبير، توفي سنة (٧١ هـ). الكامل لابن الأثير: ٤/ ١١.
(٧) محمد بن مروان بن الحكم الأموي، أمير من الشجعان، ولي الموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان، اشتهر بقوة البأس توفي سنة (١٠١ هـ). لسان الميزان: ٥/ ٣٧٥؛ الكامل: ٤/ ١٦٥؛ الأعلام: ٧/ ٩٥.
[ ٢ / ١٣١ ]
الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَعْمَى: بَصِيرٌ (^١)، وَكَذَا قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ (^٢).
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَلَيْلَتَيْنِ، وَأُمُّهُ أَعْجَمِيَّةٌ وَهِيَ شَاهَفْرَيْدُ (^٣) بِنْتُ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجَرْدَ، وَهِيَ أَوَّلُ سُرِّيَّةٍ وَلَدَتْ مَلِكًا فِي الْإِسْلَام وَهُوَ الْقَائِلُ: (رجز)
أَنَا ابْنُ كِسَرَى وَبُنَيُّ مَرْوَانُ … وَقَيْصَرُ جَدِّي وَجَدِّي خَاقَانْ (^٤)
وَمَعْنَى شَاهَفْرَيْدَ بِالْفَارِسِيَّةِ: سَيِّدَةُ الْبَنَاتِ" (^٥).
وَالتَّلكُؤُ (^٦): الْإِبْطاءُ وَالتَّأخُّرُ.
وقوله: "وَسُكُونِ الطَّائِرِ" (^٧).
ط: "الطَّائِرُ يُسْتَعْمَلُ فِي كَلَام الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلْوَقَارِ وَالرَّكَانَةِ، يُرَادُ أَنَّهُ لِشِدَّةِ وَقَارِهِ لَوْ نَزَلَ عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ لَمْ يَطِرْ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَاهُنا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَضْرُوبًا لِلذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ يُرَادُ أَنَّهُ لِذُلِّهِ لَا يَتَحَرَّكُ وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ: (وافر)
إِذَا نَزَلَتْ بَنُو تَيْمٍ عُكَاظًا … رَأَيْتَ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الْغُرَابَا (^٨)
_________________
(١) انظر الكامل: ٤/ ٢٧٨؛ تاريخ الطبري: ٧/ ٢٩٨.
(٢) خليفة بن خياط الشيباني العصفري البصري، أبو عمر، ويعرف بشباب محدث نسابة إخباري، توفي سنة (٢٤٠ هـ). تذكرة الحفاظ: ٢/ ٤٣٦؛ الوفيات: ١/ ١٧٢؛ الأعلام: ٢/ ٣١٢.
(٣) جاء ذكرها مقترنًا بيزيد بن الوليد، حفيدة شهريار بن كسرى. تاريخ الطبري: ٧/ ٢٦٨؛ الكامل: ٤/ ٢٧٨.
(٤) البيت ليزيد بن الوليد وهو في: الكامل: ٤/ ٢٧٨؛ وتاريخ الطبري: ٧/ ٢٩٨.
(٥) الاقتضاب: ١/ ١٣٢.
(٦) أدب الكتاب: ٢٠.
(٧) أدب الكتاب: ٢٠.
(٨) البيت لأبي المورق الهذلي في: شرح أشعار الهذلين: ٧٧٩ وروايته: إِذَا نَزَلَتْ بَنُو لَيْثٍ؛ وفي غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٥٠٦. وعكاظ اسم سوق من أسواق الجاهلية، وقال الأصمعي: نخل بينه وبين الطائف ليلة، انظر: معجم البلدان: ٤/ ١٤٣.
[ ٢ / ١٣٢ ]
أَمَّا قَوْلُ جَوَّاسٍ الضَّبِيِّ (^١): (طويل)
كَأَنَّ خُرُوءَ الطَّيْرِ فَوْقَ رُؤْسِهِمْ … إِذَا اجْتَمَعَتْ قَيْسٌ مَعًا وَتَمِيمُ (^٢)
فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ الْمُبَرَّدُ: يَصِفُ قَوْمًا قُرْعًا شَبَّهَ بَيَاضَ قُرْعِهِمْ بِخُرْءِ الطَّيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ الذُّلَّ وَالْخُضُوعَ، كَمَا قَالَ الآخَرُ: (طويل)
أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ … لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ (^٣) " (^٤)
وقوله: "وَخَفْضِ الْجَنَاحِ" (^٥).
ط: "هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلِينِ الْجَانِبِ وَالتَّعَطُّفِ وَالْإِشْفَاقِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الطَّائِرَ يَضَعُ جَنَاحَيْهِ عَلَى فِرَاخِهِ وَيَخْفِضُهُمَا عَلَيْهَا، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (^٦) وَلِذَلِكَ قَالُوا: فُلَانٌ مُوَطَّأُ الْأَكْنَافِ. وَقَدْ يُضْرَبُ الْجَنَاحُ مَثَلًا فِي الْعَوْنِ عَلَى الْأُمُورِ كَمَا قَالَ مِسْكِينُ الدَّارِمِيُّ: (طويل):
وَإِنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَرْءِ فَاعْلَمْ جَنَاحُهُ … وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ (^٧)
وَالْمَجْدُ" (^٨): الشَّرَفُ، وَذِرْوَتُهُ: أَعْلَاهُ، وَكَذَلِكَ ذِرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ، ويُقَالُ: ذِرْوَةٌ وَذُرْوَةٌ، وَالْجَمْعُ ذُرًى فِي اللَّغَتَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ قُتَيْبَةَ "فِي ذُرًى" بِالْجَمْعِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: "فِي ذروة المجد".
_________________
(١) جواس بن نعيم، من بني حرثان بن ثعلبة بن ذؤيب الضبي، له أشعار. المؤتلف والمختلف للآمدي: ٩٣، ل (خرا).
(٢) البيت في: شرح ديوان الحماسة: ٢/ ١٤٥٤، ل (خرأ).
(٣) البيت مختلف في نسبته، فيروى لراشد بن عبد الله في حماسة ابن الشجري: ١/ ١٢٠؛ والمغني: ١٦٢؛ الحيوان: ٦/ ٣٠٤، ل: ١/ ٢٣٠؛ أمالي ابن الشجري: ٢/ ٦١٥؛ الإصابة: ٢/ ٤٣٥، ويروى لعباس بن مرداس السلمي في ديوانه: ١٦٧.
(٤) الاقتضاب: ١/ ١٢٤.
(٥) أدب الكتاب: ٢٠.
(٦) سورة الإسراء (١٧): الآية ٢٤.
(٧) البيت في ديوانه: ٣٠، الأغاني: ٢٠/ ١٧١؛ الحماسة البصرية: ١/ ٣٩١؛ معجم الشعراء: ١٩٩؛ مجمع الأمثال: ١/ ١٤٨ يروى لقيس بن عاصم أيضًا.
(٨) أدب الكتاب: ٢٠.
[ ٢ / ١٣٣ ]
وقوله: "الْحَاوِي قَصَبَ السَّبْقِ" (^١).
ط: "هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلتَّقَدُّم وَالتَّبْرِيزِ عَلَى الْأَكْفَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَسَابَقُوا إِلَى غَايَةٍ وَخَاطَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَضَعُوا الْخَطَرَ عَلَى رَأْسِ قَصَبَةٍ أَوْ فِي جَوْفِهَا وَرَكَّزُوهَا فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَتَجَاوَزُونَ إِلَيْهَا، فَمَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا أَخَذَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ غُولِبَ فَغَلَبَ.
وَالسَّبْقُ: بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمَصْدَرُ، وَالسَّبَقُ بِفَتْحِهَا: الْخَطَرُ بِعَيْنِهِ. قَالَ رُؤْبَةُ: (رجز)
تَضْمِيرُكَ السَّابِقَ يُطْوَى لِلسَّبَق (^٢) " (^٣)
ع: كَانُوا يَجْعَلُونَ ثَلَاثَ قَصَبَاتٍ يُجْعَلُ عَلَى الْقَصَبَةِ الْأُولَى خَطَرٌ مَا، فَمَنْ لَحِقَهُ بِفَرَسِهِ أَوَّلًا أَخَذَهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، فَالَّذِي يَجْمَعُهَا كُلَّهَا فَقَدْ حَوَى قَصَبَ السَّبْقِ ثُمَّ ضُرِبَ مَثَلًا فِيمَنْ حَوَى الْكَمَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
_________________
(١) نفسه.
(٢) أدب الكتاب: الرجز في ديوانه: ١٠٤؛ المقاصد النحوية: ١/ ٣٩ روايته: تلويحك.
(٣) الاقتضاب: ١/ ١٣٤.
[ ٢ / ١٣٤ ]