إن توفُر الشرح على هذا الكمّ من المصادر وتنوُّعها لدليل على استقصاء الجذامي لمادة الشرح، وإن إيراده لها لدليل على أمانته العلمية، وكذا تنوُّع مخزونه الثقافي. ومنها ما ذكر مرة واحدة، ومنها ما تكرر ذكره، ومنها ما ذكر مرة واحدة رغم أن الجذامي أخذ منها نقولًا كثيرة.
كما نقل من مصادر أخرى لم يذكرها البتة، أو ذكرها دون أن ينسبها إلى أصحابها ومنها كتاب: "كتاب الأبواب" و"كتاب الأجناس" للأصمعي، وعنوانه: "كتاب الأجناس في أصول الفقه" ذكره صاحب "كشف الظنون" (^١). و"كتاب الموعب": وهو لابن التياني وقد اختلف في تسميته، وهو مما لم نعثر عليه، وقد استأنسنا بقول السيوطي فيه: "عمل كتابه العظيم الفائدة الذي سماه "الموعب" بفتح العين، وأتى فيه بما في "العين" من صحيح اللغة، إلا أن هذا الديوان قليل الوجود لم يعرج الناس على نسخه، بل مالوا إلى "جمهرة ابن دريد"، و"محكم ابن سيدة" ولم يعرجوا أيضًا على "بارع" أبي علي البغدادي و"موعب" أبي غالب بن التياني المذكور، وهما من أصحّ ما
_________________
(١) كشف الظنون لحاجي خليفة: ١/ ١١.
[ ١ / ١٠٣ ]
ألّف في اللغة على حروف المعجم والكتب التي مالوا إلى الاعتناء بها قد تكلم العلماء فيها" (^١). كتاب "الحكم" وهو الحكم والأمثال لابن قتيبة ذكره حاجي خليفة (^٢).
وقد اعترضتنا صعوبة كثيرة في التوثيق من بعض هذه المصادر لكونها إما مفقودة كلها أو مفقود جزء منها، أو لكونها مخطوطة كلها أو مخطوط جزء منها. فمن المفقود: كتاب "الموعب" لابن التياني، وكتاب "الطير الكبير"، وكتاب "الإبل" لأبي حاتم السجستاني (^٣)، و"النوادر" لابن الأعرابي. ومن المصادر التي فقد جزء منها: كتاب "البارع" لأبي علي القالي. ومن المخطوطة: كتاب "الوشاح" لابن دريد، وهو مخطوط بمعهد مخطوطات جامعة الدول العربية، وهما ورقتان في ميكروفيلم رقم ١٨٩٥ في مجموعة من مكتبة الأسكوريال، وكتاب "الدلائل" لقاسم بن ثابت (^٤) وهو مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، قسم الوثائق ١٩٧ ق. ومنها ما كان جزء منها مخطوطًا كـ "مختصر العين" للزبيدي (^٥) الذي حقق جزء منه فقط، وجزء من "المحكم" لابن سيدة.
ومن الملاحظ أن الجذامي قد يضع لنفس المصدر عدة عناوين مثلًا: يقول في "أدب الكتاب"، "كتاب الأدب"، أو "الأدب"، أو هذا الكتاب. وفي "الغريب المصنف" لأبي عبيد يقول: "الغريب" أو "المصنف". وفي "اليواقيت" يقول: "الياقوت" وهو نفسه للمطرز. ويسمى "كتاب المعاني
_________________
(١) المزهر في اللغة للسيوطي: ١/ ٨٨، وما قاله عبد العالي في كتاب: أبي علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية بالأندلس: ٣١٩ - ٣٩٨.
(٢) كشف الظنون: ١/ ٦٧٥.
(٣) انظر: البحث الذي قدمته الطالبة أمينة بوعسرية، نصوص النقد الأدبي وقضاياه عند أبي حاتم بشأن كتب أبي حاتم.
(٤) الدلائل في شرح غريب الحديث مما أغفله ابن قتيبة وأبو عبيد في غريبيهما، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط قسم الوثائق: ١٩٧ ق.
(٥) مختصر العين لأبي بكر الزبيدي، مخطوط بخزانة القرويين بفاس على ميكروفيلم، رقم: ٣٢٦.
[ ١ / ١٠٤ ]
الكبير" لابن قتيبة: "معاني الشعر"، أو "المعاني"، وهذا راجع إلى أن الأسماء تتكرر كثيرًا، وقد يغني هذا الاختصار.
وقد غير بعض أسماء المصادر فمثلًا أطلق: "طبقات الشعراء" على كتاب "الشعر والشعراء". وأطلق "كتاب الحروف" لأبي عمرو الشيباني على كتاب "الجيم". وغير اسم كتب قاسم بن ثابت فأطلق اسم "شرح غريب الحديث" على "كتاب الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة في غريب الحديث".
وذكر كتاب "آلة الكتاب" لابن قتيبة وقد وجدناه باسم آخر وهو "رسالة في الخط والقلم" ونرى أنه الكتاب نفسه تغيّر عنوانه (^١).
كما أنه لم يذكر في كثير من الأحيان اسم الكتاب واكتفى بإضافته إلى كاتبه فقط، مثل قوله: "كتاب أبي عيسى الترمذي" (^٢)، "مسند أحمد بن خالد" (^٣)، و"كتاب ابن سيّد" (^٤).
وللجذامي خاصية متميزة في نسبة المصدر إلى صاحبه فقد يضيفه له تأكيدًا على أنه من تأليفه كقوله: "قال ابن القوطية في "أفعاله" (^٥)، وقال أبو علي في "أماليه" (^٦)، وقال الفارسي في "مسائله الحلبية" (^٧). أو قوله: "قال ابن ولاد في "المقصور والممدود" له (^٨)، قال الصولي في "أدب الكتاب" له (^٩)، وذلك إذا تعلق الأمر بعناوين متشابهة مما يستدعي تمييز الكتاب بذكر
_________________
(١) رسالة في الخط والقلم لابن قتيبة، تحقيق حاتم صالح الضامن، مجلة المجمع العلمي العراقي ج ٤، المجلد: ٣٩، ١٤٠٩ - ١٩٨٨ م، ٢٦٢ - ٢٩٦.
(٢) الانتخاب: ١٢٢.
(٣) الانتخاب: ١٧٦.
(٤) الانتخاب: ٥٥٧.
(٥) الانتخاب: ٥٦٢.
(٦) الانتخاب: ٢٧٠ - ٣٠٨.
(٧) الانتخاب: ٦٩٥.
(٨) الانتخاب: ٣٥٢ - ٦٩٢.
(٩) الانتخاب: ٣٥٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
صاحبه. وفي حالات كثيرة قد يستغني عن ذكر اسم المؤلف فيقول: قال صاحب "الجمهرة" (^١)، قال صاحب "العين (^٢).
والملاحظة أيضًا أنه قد يستعمل لفظة "كتاب" على الإطلاق كقوله: وفي "كتاب ابن قتيبة" أو في "كتاب يعقوب". وقد لا يعني الكتاب المؤلف، وقد يعني الرواية فقط مثل: "كتاب أبي نصر"، "كتاب ابن صاحب الأجناس"، "كتاب ابن أبي الحباب" وهي روايات "أدب الكتاب" يعتمد عليها الجذامي للمقارنة بين الروايات في تصحيح اللغة أو النحو.
ومما يلاحظ أيضًا أن الجذامي لم يغفل مصنّفات ابن قتيبة الأخرى لذلك نجده يذكر: "غريب الحديث"، و"المشكل"، و"المعاني"، و"آلة الكتاب"، وكان بذلك أكثر إحاطة بأسلوب ابن قتيبة وبما أراده من معاني قريبة أو بعيدة مما ساهم في توفقه في شرحه.
كما اتجه إلى تلخيص عناوين بعض المصادر مثلًا: "الزاهر"، وعنوانه: "الزاهر في تأويل مستعمل كلام الناس"، و"المجاز" وعنوانه: "مجاز القرآن"، و"الزينة" وهو "كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية" لأبي حاتم الرازي، وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لم نعثر عليه محققًا وعلمنا أنه قيد التحقيق تعمل الدكتورة نبيلة عبد المنعم داود والدكتور عبد الله سلوم على تحقيقه في خبر نشرته مجلة أخبار التراث (^٣).
والملاحظ أيضًا أن الجذامي نقل عن البطليوسي كل كتابه، وعن الزجاجي شرحه لمقدمة "أدب الكتاب" إلا أنه لم يذكر الكتابين أبدًا واكتفى بالإشارة إلى صاحبيهما، وقال في إشارة وحيدة: "وكذلك جاء زباء في كتاب ابن سيد" (^٤).
كما أن الجذامي نقل عن البطليوسي ما نقله بدوره عن أبي عبيدة في
_________________
(١) الانتخاب: ٣٤١.
(٢) الانتخاب: ٣٦١.
(٣) مجلة أخبار التراث المجلد ١٦، العدد: ٩، ١٩٨٣ م.
(٤) الانتخاب: ٥٥٧.
[ ١ / ١٠٦ ]
كتاب "الديباجة" وهو كتاب أثار جدلًا حول موضوعه أو نسبته إلى أبي عبيدة، وقد وجدنا كتاب "الديباج" لأبي عبيدة بتحقيق عبد الله بن سليمان الجربوع وعبد الرحمن سليمان العثيمين، فلم نستطع توثيق النقول منه؛ لأن موضوعه كان بعيدًا جدًا عن مواضيع النقول، وقرأنا في تقديم الكتاب ما نصه: "وخلط الأستاذ المرحوم عبد السلام هارون في مقدمة "العققة والبررة" بين كتاب "الديباج" و"الديباجة" وظن أن كتاب الديباج هو الذي ذكره ابن السيد في "الاقتضاب" والصحيح أن كتاب الديباجة في الخيل كتاب مختلف عن كتابنا هذا لا صلة له به وعنه نقول تبين مضمونه وتكشف عن حقيقته" (^١)، فإن كان هذا كذلك فإننا نرجح أن كتاب الخيل هو نفسه "الديباجة في الخيل" لأن النقول التي وثقناها مطابقة لما في كتاب الخيل.
كما لم تكن مصادره مشرقية بحتة، بل كان للأندلسيين نصيب منها وهي: "كتاب الأفعال" لابن القوطية، و"مختصر العين" للزبيدي، و"الدلائل" لقاسم بن ثابت، و"المحكم" لابن سيده، و"شرح سقط الزند" و"شرح البطليوسي"، و"طبقات اللغويين والنحويين" للزبيدي.
والمستفاد من هذه الدراسة للمصادر المذكورة في الشرح هو إضاءة جانب مهم من ثقافة الجذامي، فكتاب "الانتخاب" وثيقة شاهد على ما ساد من الكتب في عصره، وشاهد على أنه اطلع عليها، كما أنها تحيلنا على مصادر لها علاقة بنفس موضوعات "أدب الكتاب" وكذا على شروحه، والتعليقات والتهذيبات التي كانت كلها مكملات للشرح ومعينات على فهمه، ومنها تعليقات القالي على "أدب الكتاب"، وكذلك تعليقات أبي داود بن يزيد السعدي، وكذلك تعليقات الوقشي على "الكامل" للمبرد وهي مادة مهمة لو جمعت لكوّنت شرحًا وتصانيف ذات قيمة علمية.
وما نود الإشارة إليه في هذا المقام هو أن مصادر الجذامي في كتاب "الانتخاب" قد فاقت مصادره في "شرح المقامات" التي بلغت فيها ثلاثة
_________________
(١) مقدمة الديباج لأبي عبيدة: ١٥ وفيه تفصيل لنسبة الكتاب إلى أبي عبيدة والكتب التي أثبتت ذلك.
[ ١ / ١٠٧ ]
وثلاثين مصدرًا، وقد تكرر ذكر أغلبها في كلا الشرحين.
كما لا يفوتنا أن نذكر هنا مصدرين وجدناهما في طرة أسفل صفحة رقم: ١٠٣ من المخطوط، وهما: "المعيار" وهو "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب" لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي المتوفى سنة (٩١٤ هـ) بفاس، وكتاب "العاقبة" وهو لعبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، أبو محمد المعروف بابن الخراط (ت ٥٨١ هـ). وقد أدرجنا الكتابين في باب المصادر للاستئناس فقط وذلك أنهما من الهامش مما قيّده الناسخ في أسفل الصفحة.
وإن ما يؤاخذ عليه الجذامي هو أنه نقل من كتب كثيرة لم يذكرها ومنها: كتابي "الاقتضاب" للبطليوسي، وكتاب "تفسير رسالة أدب الكتاب" للزجاجي، وكلاهما مما أخذ منه جلّ مادة، شرحه، ولكنه اكتفى بالإشارة إلى صاحبيهما، ونرى ذلك إجحافًا في حق الكتابين.
[ ١ / ١٠٨ ]