كان أبو الهذيل «٢» أهدى إلى مويس «٣» دجاجة. وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذّ لمويس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجّب من سمنها وطيب لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد. فقال:
«وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة»؟ قال: «كانت عجبا من العجب»، فيقول: «وتدري ما جنسها؟ وتدري ما سنّها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسنّ. وتدري بأيّ شيء كنّا نسمنها وفي أي مكان كنا نعلفها؟» . فلا يزال في هذا، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل.
وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة. فإن ذكروا دجاجة قال: «أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة؟»، فإن ذكروا بطة أو عناقا «٤» أو جزروا «٥» أو بقرة قال:
«فأين كانت هذه الجزور في الجزر، من تلك الدجاجة في الدجاج؟»، وان استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم قال: «لا والله ولا تلك الدجاجة»، وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج»،
[ ١٧٩ ]
وإن ذكروا ميلاد شيء، أو قدوم إنسان قال: «كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة، إلا يوم» . وكانت مثلا في كل شيء، وتاريخا في كل شيء.
وأقبل مرّة على محمد بن الجهم «١»، وأنا وأصحابنا عنده، فقال:
«إني رجل منخرق الكفين «٢»، لا أليق شيئا. ويدي هذه صناع في الكسب، ولكنها في الإنفاق خرقاء. كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الأخوان في مجلس؟ أبو عثمان يعلم ذلك. أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟»، فقلت: «يا أبا هذيل ما نشك فيما تقول» .
فلم يرض بإحضاري هذا لكلام حتى استشهدني «٣» ولم يرض باستشهادي حتى استحلفني.