كان أحمد بن الخاركي بخيلا، وكان نفّاجا «١» . وهذا أغيظ ما يكون. وكان يتخذّ لكل جبّة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبّتين.
ويشتري الأعذاق «٢» والعراجين «٣» والسعف «٤» من الكلّاء، فإذا جاء به الحمّال إلى بابه تركه ساعة يوهم الناس أنّ له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها. وكان يكتري قدور الخمّارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرّى أعظمها، ويهرب من الحمالين بالكراء»؟ كي يصيحوا بالباب:
«ويشربون الداذيّ «٥» والسّكر، ويحبسون الحمّالين بالكراء» وليس له في منزله رطل دبس. وسمع قول الشاعر:
رأيت الخبز عزّ لديك حتى حسبت الخبز في جوّ السحاب
وما روّحتنا «٦» لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب
فقال: ولم ذبّ عنهم لعنه الله؟ والله ما أعلم إلا أنه شهيّ اليهم الطعام، ونظف لهم القصاع «٧»، وفرّغهم له، وسحرّهم عليه. ثم ألا تركهم تقع في قصاعهم وتسقط على انافهم وعيونهم؟ هو والله أهل لما هو أعظم من هذا. كم ترون من مرّة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى يتقزّر «٨» بعضهم، أو يكفي الله شرّه.
[ ١٦٨ ]
قال: وأما قوله:
«رأيت الخبز عزّ لديك حتى»
قال: فإذا لم أعزّ هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات «١»، وأمير الأغذية، فأيّ شيء أعزّ. أي والله، إنّي أعزّه، وأعزّه، وأعزّه، وأعزّه، مدى النفس، ما حملت عيني الماء.
وبلغ من نفجه مع ذلك ما خبّرني به إبراهيم بن هانيء «٢» قال: كنت عنده يوما، إذ مرّ به بعض الباعة، فصاح: «الخوخ الخوخ» . فقلت: «وقد جاء الخوخ بعد»؟ قال: «نعم قد جاء، وقد أكثرنا منه»، فدعاني الغيظ عليه الى أن دعوت البيّاع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: «ويحك نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد اكثرت منه؟ وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك»، ثم أقبلت على البياع فقلت: «كيف تبيع الخوخ؟»، فقال: «ستة بدرهم» . قلت: «أنت ممن يشتري ستّ خوخات بدرهم، وأنت تعلم أنه يباع بعد أيام مائتين بدرهم»؟
ثم تقول: «وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم» . قال: «وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء» .