«نبدأ بأهل خراسان»، لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل «مرو» «١»، بقدر ما خصوا به:
قال أصحابنا: يقول المروزي «٢» للزائر، إذا أتاه، وللجليس، إذا طال جلوسه: «تغدّيت اليوم»؟ فإن قال «نعم»، قال: «لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بغداء طيب»؛ وإن قال: «لا» . قال: «لو كنت تغديت، لسقيتك خمسة أقداح» . فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير.
وكنت في منزل «ابن أبي كريمة» «٣» وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز «٤» خزف، فقال: «سبحان الله تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة»؟ قلت: «ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر» . قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة» . فلم أدر كيف أتخلص منه.
وحدثني عمرو بن نهيوي «٥» قال: «تغدّيت يوما عند الكندي،
[ ٣٧ ]
فدخل عليه رجل كان له جارا، وكان لي صديقا، فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل (وكان أبخل من خلق الله)، قال: «فاستحييت منه»، فقلت: «سبحان الله! لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل» . قال:
«قد والله فعلت» . فقال الكندي: «ما بعد الله شيء» . قال عمرو:
«فكتفه، والله كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه، ولو مدّ يده لكان كافرا، أو لكان قد جعل مع الله، جلّ ذكره، شيئا» .
وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول.
وقال ثمامة «١»: «لم أر الديك في بلدة قطّ إلا وهو لا قط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب» . قال: «فعلمت إن بخلهم شيء في طبع البلاد، وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم» .
فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: «كنت عند شيخ من أهل مرو، وصبيّ له صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثا وإما ممتحنا: «أطعمني من خبزكم» . قال: «لا تريده، هو مرّ» . فقلت:
«فاسقني من مائكم» قال: «لا تريده، هو مالح» . قلت: «هات لي من كذا وكذا» قال: لا تريده، هو كذا وكذا» . إلى أن عددت أصنافا كثيرة، كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إليّ. فضحك أبوه وقال: «ما ذنبنا؟
هذا من علّمه ما تسمع»؟ يعني أن البخل طبع فيهم، وفي إعراقهم، وطينتهم.
وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل، وصبروا عن
[ ٣٨ ]
الارتفاق «١» بالمصباح ما أمكن الصبر. ثم أنهم تناهدوا «٢» وتخارجوا «٣»، وأبى واحد منهم أن يعينهم، وأن يدخل في الغرم «٤» معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدّوا عينه بمنديل؛ ولا يزال ولا يزالون كذلك، إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح، فإذا أطفأوه أطلقوا عينيه.
ورأيت أنا حمّارة منهم، زهاء خمسين رجلا، يتغدون على مباقل «٥» بحضرة قرية الأعراب، في طريق الكوفة، وهم حجّاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا، وهم في ذلك متقاربون، يحدّث بعضهم بعضا. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.
حدّثني مويس بن عمران «٦» قال: «قال رجل منهم لصاحبه، وكانا إمّا متزاملين «٧»، وإما مترافقين، «لم لا نتطاعم «٨»؟ فان يد الله مع الجماعة، وفي الإجتماع البركة»؛ وما زالوا يقولون: «طعام الإثنين لا يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة لا يكفي الأربعة» . فقال له صاحبه:
«لولا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة» .
فلما كان الغد، وأعاد عليه القول، قال له: «يا عبد الله معك رغيف، ومعي رغيف؛ ولولا أنك تريد الشرّ، ما كان حرصك على مؤاكلتي.
تريد الحديث والمؤانسة؟ اجعل الطبق واحدا، ويكون رغيف كل منّا قدّام صاحبه. وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك، ونصف رغيفي،
[ ٣٩ ]
ستجده مباركا. إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا، لا أنت.
وقال خاقان بن صبيح «١»: «دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا، وإذا هو قد أتانا بمسرجة «٢»، فيها فتيلة في غاية الدقّة، وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح «٣»، وقد علّق على عمود المنارة عودا بخيط، وقد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرّباط. فكان المصباح، إذا كاد ينطفىء أشخص «٤» رأس الفتيلة بذلك» . قال: «فقلت له: ما بال العود مربوطا»؟ قال: «هذا عود قد تشرّب الدهن، فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان، فإذا كان هذا دأبنا «٥» ودأبه، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة» . قال: «فبينا أنا أتعجبّ في نفسي، وأسأل الله جلّ وذكره العافية والستر، إذ دخل شيخ من أهل مرو، فنظر الى العود فقال: «يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شيء. أما تعلم أن الريح والشمس تأخذوان من سائر الأشياء؟ أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى «٦»، وهو عند إسراجك الليلة أعطش «٧»؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفّقني الله إلى ما هو أرشد! اربط، عافاك الله، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة. وعلى أن العود والخلال «٨» والقصبة ربما تعلّقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها فيشخص لها. وربما كان ذلك سببا لا نطفاء السراج. والحديد أملس، وهو مع ذلك غير نشاف» . قال خاقان: «ففي تلك الليلة عرفت فضل اهل خراسان
[ ٤٠ ]
على سائر الناس، وفضل أهل مرو على سائر أهل خراسان» .
قال مثنّى بن بشير «١»: دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان، وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف، من هذه الخزفيّة الخضر. فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك، من صالح أبدا. عاتبتك في مسارج الحجارة، فأعتبتني بالخزف. أو ما علمت أن الخزف والحجارة يحسوان «٢» الدهن حسوا؟ قال جعلت فداك! دفعتها إلى حريف «٣» لي، دهّان، فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت، من الدهن، ريّا لا تحتاج معه أبدا الى شيء. قال: ليس هذا أريد؛ هذا دواؤه يسير، وقد وقعت عليه. ولكن ما علمت أن موضع النار من المسرجة، في طرف الفتيلة، لا ينفكّ من إحراق النار، وتجفيفه، ونشف ما فيه؛ ومتى ابتلّ بالدّهن وتسقاه، عادت النار عليه فأكلته؟ هذا دأبهما. فلو قسمت ما يتشرّب ذلك المكان، من الدهن، بما يستمده طرف الفتيلة منه، لعلمت أن ذلك أكثر. وبعد هذا، فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة، لا يزال سائلا جاريا؛ ويقال إنك متى وضعت مسرجة، فيها مصباح، وأخرى لا مصباح فيها، لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهنا.
واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة، والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها، كيف تجدهما ينعصران دهنا. وهذا كله خسران وغبن، لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد. على أن المفسدين إنما يطعمون الناس، ويسقون ناس، وهم على حال يستخلفون «٤» شيئا، وإن كان دونا. وأنت إنما تطعم النار، وتسقي النار، ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار. قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك؟ قال:
[ ٤١ ]
تتخذ قنديلا؛ فإن الزجاج أحفظ من غيره، والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف، ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد، أو بإحراق النار؛ وأيهما ما كان، فإنه يعيد المسرجة الى العطش الأول.
والزجاج أبقى على الماء والتراب، من الذهب الإبريز «١»؛ وهو مع ذلك مصنوع، والذهب مخلوق، فإن فضله الذهب بالصلابة، فضله الزجاج بالصفاء؛ والزجاج مجلّ، والذهب ستّار. ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه، فلا تحمّى جوانبه بوهج المصباح، كما تحمى بموضع النار من المسرجة. وإذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج، صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، وردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة، أو على وجه الماء، أو على الزجاجة؛ ثم انظر كيف يتضاعف نوره؛ وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه، وربما أعماه. وقال الله جلّ ذكره: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ «٢» فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
. والزيت في الزجاجة نور على نور، وضوء على ضوء مضاعف. هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف.
وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق، وأملحهم بخلا، وأشدهم رياء، أدخل على ذي اليمينين، طاهر بن الحسين، وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام، فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق، يا أبا عبد الله؟ فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة. قال: فضحك طاهر، وقال: سألناك يا أبا عبد الله عن
[ ٤٢ ]
مسألة، فأجبتنا عن مسألتين.