وأما قوله: «الواغل «٢» أهون عليّ من الراشن «٣»» فإنه يزعم أن
[ ١٠٩ ]
طفيلي الشراب أهون عليّ من طفيلي الطعام.
وقول الناس: «فلان طفيلي»، ليس من أصول كلام العرب، ليس كالراشن اللّعموظ «١» . وأهل مكة يسمونه البرقيّ.
وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان، يسمى «طفيل» «٢»: كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس، فقيل له لذلك «طفيل العرائس»، وصار ذلك نبزا «٣» له، ولقبا لا يعرف بغيره. فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له «طفيلي» . هذا من قول أبي اليقظان «٤» .
ثم قال الحارثي:
وأعجب من كل عجب، وأطرف من كل طريف، أنكم تشيرون عليّ بإطعام الأكلة، ودفعي الى الناس مالي. وأنتم أترك لهذا مني. فإن زعمتم أني أكثر مالا، وأعد عدة، فليس بين حالي وحالكم في التقارب، أن أطعم أبدا، وأنتم تأكلون أبدا. فإذا أتيتم في أموالكم من البذل والإطعام، على قدر احتمالكم، عرفت بذلك أن الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم. وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره. بل أنتم كما قال الشاعر:
يحبّ الخمر من مال الندامى ويكره أن تفارقه الفلوس
ثم قال: والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم، إلا لسوء رعة عليّ الأسواري، لتركته. وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرّقا، فبلع ضرسه، وهو لا يعلم. فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب، مولى
[ ١١٠ ]
سليم. وكان إذا أكل، ذهب عقله، وجحظت عينه «١»، وسكر، وسدر «٢»، وانبهر «٣»، وتربد وجهه «٤»، وعصب «٥» ولم يسمع، ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلي. ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفّه سفا، وحساه حسوا، وزدا به زدوا «٦» . ولا وجده كنيزا الا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ بحضنيها، ويقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها جميعا. ثم لا يقع غصبه إلا على الإنصاف والاثلاث. ولم يفصل تمرة قط من تمرة. وكان صاحب جمل، ولم يكن يرضى بالتفاريق. ولا رمى بنواة قط، ولا نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتشه مخافة السوس والدود. ثم ما رأيته قط، إلا وكأنه طالب ثأر، وشحشحان «٧» صاحب طائلة «٨» . وكأنه عاشق مغتلم «٩»، أو جائع مقرور «١٠» .
والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة «١١»، ويضيع ماء البحر، لصرفت عنه وجهي. فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة، هذه سيرتهم، وهكذا أدبهم، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون، ولا يبلغ من الأدب حيث يبلغون؟!
[ ١١١ ]