أما قوله: الفتى لا يكون نشّالا؛ «فالنشّال»، عنده، الذي يتناول
[ ١٠٦ ]
من القدر، ويأكل قبل النضج، وقبل أن تنزل القدر، ويتتامّ القوم «١» .
و«النشّاف»، الذي يأخذ حرف الجردقة، فيفتحه، ثم يغمسه في رأس القدر، ويشرّبه الدسم. يستأثر بذلك دون أصحابه.
و«المرسال» رجلان: أحدهما إذا وضع في فيه لقمة هريسة، أو ثريدة، أو حيسة، أو أرزّة «٢»، أرسلها في جوف حلقه إرسالا. والوجه الآخر: هو الذي إذا مشى في أشب من فسيل أو شجر، قبض على رأس السّعفة «٣»، أو على رأس الغصن، لينحيّها عن وجه، فإذا قضى وطره «٤»، أرسلها من يده. فهي لا محالة تصكّ وجه صاحبه الذي يتلوه، لا يحفل بذلك، ولا يعرف ما فيه.
وأما «اللكّام»، فالذي في فيه اللقمة، ثم يلكمها بأخرى، قبل إجادة مضغها، أو ابتلاعها.
و«المصّاص»، الذي يمصّ جوف قصبة العظم، بعد أن استخرج مخّه، واستأثر به دون أصحابه.
وأما «النفّاض»، فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست، نفض يديه من الماء، فنضح على أصحابه.
وأما «الدلّاك»، فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان «٥»، ويجيد دلكها
[ ١٠٧ ]
بالمنديل. وله أيضا تفسير آخر، وليس هو الذي تظنه، وهو مليح، وسيقع في موضعه، إن شاء الله.
و«المقوّر»، الذي يقوّر الجرادق، ويستأثر بالأوساط، ويدع لأصحابه الحروف.
و«المغربل»، الذي يأخذ وعاء الملح، فيديره إدارة الغربال ليجمع أبازيره، يستأثر به دون أصحابه. لا يبالي أن يدع ملحهم بلا أبزار «١» .
و«المحلقم»، الذي يتكلم، واللقمة قد بلغت حلقومه. نقول لهذا: قبيح! دع الكلام الى وقت إمكانه.
و«المسوّغ» الذي يعظم اللقم، فلا يزال قد غصّ، ولا يزال يسيغه بالماء.
و«الملغّم»: الذي يأخذ حروف الرغيف، أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه، ليحملا له من الزبد والسّمن، ومن اللّبأ «٢» واللبن، ومن البيض النيمبرشت «٣»، أكثر.
و«المخضّر»، الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر «٤» والودك «٥»، حتى إذا أخضّر واسودّ من الدرن، دلك به شفته.
هذا تفسير ما ذكر الحارثيّ من كلام أبي فاتك. فأما ما ذكره هو:
فإن «اللطاع» معروف، وهو الذي يلطع إصبعه، ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم، وما أشبه ذلك.
[ ١٠٨ ]
و«القطّاع»، الذي يعضّ على اللقمة، فيقطع نصفها، ثم يغمس النصف الآخر في الصباغ.
و«النهّاش»، هو معروف، وهو الذي ينهش، كما ينهش السبع.
و«المداد»، الذي ربما عض على العصبة «١» التي لم تنضج، وهو يمدها بفيه، ويده توترها له. فربما قطعها بنترة، فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل. وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب، أو التمر، أو الهريسة، أو الأرزة، فأتى على ما بين يديه، مد ما بين أيديهم إليه.
و«الدفّاع»، الذي إذا وقع في القصعة عظم، فصار مما يليه، نحاه بلقمة من الخبز، حتى تصير مكانه قطعة من لحم. وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق، دون إراغة اللحم.
و«المحوّل»، هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه، احتال له حتى يخلطه بنوى صاحبه. وأما ما ذكره من الضيف والضيفن، فإن الضيفن ضيف الضيف. وأنشد أبو زيد:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن.
يقول: الأكيل لا يكون إلا يكون إلا بمالعاينة، وقد يكون الضيف (وإن كان معه الضيفن) لا يؤاكل من أضافه. يقول: فأكل الكثير من حيث لا أراه، أهون عليّ.