بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
تولّاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت، حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص «١» النهار، وفي تفصيل حيل سرّاق الليل، وأنك سددت به كل خلل «٢»، وحصّنت «٣» به كل عورة «٤»، وتقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، ونبّهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا يبلغه كيد، ولا يجوزه مكر.
وذكرت أن قدر نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب. وقلت:
أذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، والراحة جماما «٥»، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بدّ لمن التمس نفعه من مراجعته.
[ ١٥ ]
وذكرت ملح «الحرامي» «١»، واحتجاج «الكندي» «٢»، ورسالة «سهل بن هارون» «٣»، وكلام «ابن غزوان» «٤»، وخطبة «الحارثي» «٥»، وكلّ ما حضرني من أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم؛ ولم سموا البخل اصلاحا والشحّ اقتصادا، ولم حاموا على المنع «٦»، ونسبوه إلى الحزم؛ ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع؟ ولم جعلوا الجود سرفا، والأثرة جهلا «٧»؟ ولم زهدوا في الحمد، وقلّ احتفالهم بالذم؟ ولم استضعفوا من هش «٨» للذكر، وارتاح للبذل؟ ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل الى ثناء «٩»، ولا ينحرف عن هجاء؟ ولم احتجوا لظلف العيش «١٠» على لينه، ولمرّه على حلوه؟ ولم لم يستحيوا من رفض الطيّبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم؟ ولم تتابعوا في البخل؟ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الإسم، مع أنفتهم من ذلك الإسم؟ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؟ ولم عملوا، في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى؟ ولم وفروا نصيب
[ ١٦ ]
الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة، وشمول العافية؟
والمعافى أكثر من المبتلى؛ وليست الفوائد أقل من الحوائج «١» .
بل كيف يدعو الى السعادة من خصّ نفسه بالشقوة، فكيف ينتحل نصيحة العامة، من بدأ بغشّ الخاصة؟ ولم احتجوا، مع شدة عقولهم، لما أجمعت الأمة على تقبيحه؟ ولم فخروا، مع اتساع معرفتهم، بما أطبقوا على تهجينه «٢»؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل «٣» عند الاحتجاج عنه، إلى الغايات عنه، الى الغايات البعيدة والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، وخمول ذكره وسوء أثره على أهله.
وكيف، وهو الذي يجمع له بين الكد، وقلة المرزئة «٤»، وبين السهر، وخشونة المضجع، وبين طول الاغتراب، وطول قلة الانتفاع، ومع علمه بأن وارثه أعدى له من عدّوه، وأنه أحقّ بماله من وليّه، أوليس هو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل الغفلة والحماقة، ثم احتجّ لذلك بالمعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة الإختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، فكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذّبا لما ظهر من جهله ونقصانه. ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، ويغبى عن القريب الجليل؟!.
وقلت: فبيّن لي ما الشيء الذي خبّل «٥» عقولهم، وأفسد أذهانهم، وأغشى تلك الأبصار، ونقض ذلك الإعتدال؟ وما الشيء الذي له
[ ١٧ ]
عاندوا الحق، وخالفوا الأمم «١»؟ وما هذا التركيب المتضاد، والمزاج المتنافي؟ وما هذا الغباء الشديد الذي الى جنبه فطنة عجيبة؟ وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح، وأدرك به الجليل الغامض؟! وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل، وأبدى صفحته للذمّ، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم، ولا من الإحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله، مسخّر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، وعرف إفراط شحّه، وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغالب طبعه، ولربما ظن أن قد فطن له، وعرف ما عنده، فموّه شيئا لا يقبل التمويه، ورقع خرقا لا يقبل الرقع. فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، وعن تقويم أخلاقه، وعن استرجاع ما سلف من عاداته، وعن قلبه أخلاقه المدخولة «٢» إلى أن تعود سليمة، لترك تكلّف ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمّه، ولما وضع على نفسه الرقباء، ولا أحضر مائدته الشعراء، ولا خالط برد «٣» الآفاق، ولا لابس الموكلين بالأخبار، ولاستراح من كدّ الكلفة، ودخل في غمار الأمة.
وبعد، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم؟ وإن كان عيبه مكشوفا، وعيب من أطعمه مستورا؟
ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر «٤»، وشحّت بالقليل من الطعم؟ وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، وأنه، لو شاء أن
[ ١٨ ]
يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيدا «١»، ويسيرا موجودا.
وقلت: ولا بدّ من أن تعرفني الهنات «٢» التي نمت على المتكلفين «٣»، ودلّت على حقائق المتموهّين، وهتكت عزّ أستار الأدعياء، وفرّقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين المقهور المنزجر «٤»، والمطبوع المبتهل «٥»، لتقف، كما زعمت، عندها، ولتعرض نفسك عليها ولتتوهّم مواقعها وعواقبها.
فإن نبّهك التصفّح بها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته، فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك، نظرت؛ فإن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم؛ وإن كان اكتراثك غامر الإجتهاد، سترت نفسك وانفردت بطيّب زادك، ودخلت مع الغمار «٦» وعشت عيش المستورين. وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا، وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا، أجبت الحزم الى ترك التعرّض، وأجبت الإحتياط إلى رفض التكلّف، ورأيت أنّ من حصّل السلامة من الذمّ، فقد غنم؛ وأنّ من آثر «٧» الثقة على التغرير، فقد حزم.
وذكرت أنك الى معرفة هذا الباب أحوج، وأنّ ذا المروءة الى هذا العلم أفقر؛ وإني إن حصّنت من الذمّ عرضك، بعد أن حصّنت من
[ ١٩ ]
اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، ولا أم رؤوم.
وسألت أن أكتب لك علّة «خبّاب» «١» في نفي الغيرة، وأن بذل الزوجة داخل في باب المؤاساة والأثرة؛ وأن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ وأن الزوجة في كثير من معانيها كالأمّة، وأنّ الأمة مال كالذهب والفضة، وأن الرجل أحقّ ببنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد؛ وأن البعيد أحقّ بالغيرة، والقريب أولى بالأنفة، وأنّ الإستزادة في النسل كالإستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، والديانة هي التي حرّمته، ولأن الناس يتزيّدون أيضا في استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
وعلّة «الجهجاه» «٢» في تحسين الكذب في مواضع، وفي تقبيح الصدق في مواضع، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، وفي حطّ الصدق الى موضع الكذب. وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه «٣»، وتذكّر مثالبه «٤»، ويحابون «٥» الصدق بتذكّر منافعه، وبتناسي مضارّه.
وأنهم لو وازنوا بين مرافقهما، وعدّلوا بين خصالهما، لّما فرّقوا بينهما هذا التفريق، ولما رأوهما بهذه العيون.
ومذهب «صحصح» «٦» في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأن الغباء، في الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، وأنّ عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، من عيش العقلاء؛ وأنك لو أسمنت بهيمة، ورجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل وهمّة، وأخرى ذات غباء وغفلة،
[ ٢٠ ]
لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمّة أبطأ؛ ولأن العقل مقرون بالحذر والإهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو «١» شحما في الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء، وأن سلم منه، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء. ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصوّرة في كتابي الذي سمّي «كتاب المسائل» «٢» لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.
فأما ما سألت من احتجاج الأشحّاء، ونوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في قصصهم، إن شاء الله تعالى، مفرّقا وفي احتجاجهم مجملا، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي، دون ما انتهى إليّ من أخبارهم، على وجهها. وعلى أن الكتاب أيضا يصير أقصر، ويصير العار فيه أقل.
ونبتدىء برسالة «سهل بن هارون» ثم بطرف أهل «خراسان»، لإكثار الناس في أهل خراسان.
ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه، إذا شئت، وفي لهو، إذا مللت الجدّ.
وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبّة «٣»، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، وربما عدّ من الوفاء، وشدّة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون.
[ ٢١ ]
وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبيّ له: لا تجزع، فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره.
وضرب «عامر بن عبد قيس» «١» بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة «٢»، لا تندى «٣» .
وقيل: «لصفوان بن محرز» «٤»، عند طول بكائه، وتذكّر أحزانه:
«إن طول البكاء يورث العمى»؛ فقال: «ذلك لها شهادة» فبكى حتى عمي.
وقد مدح بالبكاء ناس كثير، منهم «يحيى البكّاء»، وهيثم البكّاء» .
وكان «صفوان بن محرز» يسمى: «البكاء» . وإذا كان البكاء (وما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء، وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السّخف، وقضي على صاحبه بالهلع، وشبّه بالأمة اللكعاء «٥» وبالحدث الضّرع) «٦» كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، الى أن ينقطع عنه سببه.
ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك، وقبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنيّ: «كأنه يضحك ضحكا» .
وقد قال الله جل ذكره: «وأنه هو أضحك وأبكى وأنه قد أمات وأحيا»، فوضع الضحك بحذاء الحياة «٧»، ووضع البكاء بحذاء الموت؛
[ ٢٢ ]
وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص.
وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، ومن مصلحة الطباع كبيرا، وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب؟ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وبه تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علّة سروره، ومادة قوّته.
ولفضل خصال الضحك عند العرب، تسمّي أولادها «بالضحّاك» و«ببسام» و«بطلق» و«بطليق» .
وقد ضحك النبي، ﷺ، ومزح، وضحك الصالحون ومزحوا، وإذا مدحوا قالوا: «هو ضحوك السنّ، وبسّام العشيّات «١»، وهشّ الى الضيف، وذو أريحية «٢» واهتزاز، وإذا ذموا قالوا: «هو عبوس، وهو كالح «٣»، وهو قطوب، وهم شتم المحيا، وهو مكفهّر أبدا، وهو كريه، ومقبّض الوجه، وحامض الوجه، وكأنما وجهه بالخجل منضوج» !.
وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصّر عنهما أحد، صار الفاضل خطلا «٤»، والتقصير نقصا.
فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، والضحك وقارا.
وهذا كتاب لا أغرّك منه، ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن
[ ٢٣ ]
يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقّه، كما ينبغي له. لأنّ ههنا أحاديث كثيرة، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها، وإن لم نسمّهم، ولم نرد ذلك بهم وسواء سميّناهم، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق والوليّ والمستور والمتجمّل، وليس يفي حسن الفائدة لكم، بقبح الجناية عليهم.
فهذا باب يسقط البتّة، ويختلّ به الكتاب لا محالة، وهو أكثرها بابا، وأعجبها منك موقعا. وأحاديث أخر ليس لها شهرة، ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها، ولا هي مقيّدة أصحابها، وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها، واللائقين بها؛ وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها، سقوط نصف الملحة «١»، وذهاب شطر النادرة.
ولو أن رجلا ألزق نادرة «بأبي الحارث جمّين» «٢»، «والهيثم بن مطهر» «٣»، و«بمزبّد» «٤»، و«ابن أحمر» «٥»، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون.
ولو ولّد نادرة حارّة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى «صالح بن حنين» «٦» والى «ابن النواء» «٧»، والى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فان الفاتر شرّ من البارد.
وكما أنك لو ولّدت كلاما في الزهد، وموعظة الناس، ثم قلت: هذا
[ ٢٤ ]
من كلام «بكر بن عبد الله المزنىّ» و«عامر بن عبد قيس العنبري»، و«مؤرق العجلي» و«يزيد الرقاشي» «١»، لتضاعف حسنه، ولا حدث له ذلك النسب نضارة «٢» ورفعة لم تكن له.
ولو قلت: قالها «أبو كعب الصوفي» «٣»، أو «عبد المؤمن» «٤» أو «أبو نواس» «٥» الشاعر أو «حسين الخليع» «٦»، لما كان لها إلا ما لها في نفسها، وبالحري أن تغلط في مقدارها، فتبخس «٧» من حقّها.
وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، أما بالخوف منهم، وأما بالإكرام لهم.
ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلّفته، ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة، فإن كانت لائمة أو عجز، فعليك، وإن كان عذر، فلي دونك.
[ ٢٥ ]