كان ثمامة يحتشم «٤» أن يقعد على خوانه من لا يأنس به، ومن رأيه أن يأكل بعض غلمانه معه. فحبس قاسم التمّار يوما على غدائه بعض من يحتشمه فاحتمل ذلك ثمامة في نفسه. ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها، ففعل ذلك مرارا حتّى ضجّ ثمامة، واستفرغ صبره. فأقبل عليه فقال: «ما
[ ٢٥٦ ]
يدعوك إلى هذا؟ لو أردتهم لكان لساني مطلقا، وكان رسولي يؤدي عني.
فلم تحبس على طعامي من لا آنس به»؟ قال: «إنما أريد أن أسخّيك، فأنفي عنك التبخيل وسوء الظنّ» . فلما أن كان بعد ذلك، أراد بعضهم الانصراف، فقال له قاسم: «أين تريد»؟ قال: «قد تحرّك بطني، فأريد المنزل» قال: «فلم لا تتوضأ ههنا؟ فإن الكنيف «١» خال نظيف، والغلام فارغ نشيط، وليس من أبي معن «٢» حشمة، ومنزله منزل إخوانه»، فدخل الرجل يتوضأ؛ فلما كان بعد أيام حبس آخر، فلما كان بعد ذلك حبس آخر، فاغتاظ ثمامة، وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن على مثله قط، ثم قال: «هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخّيني. يحبسهم على أن يخرأوا عندي لمه؟ لأن من لم يخرأ عنده فهو بخيل على الطعام؟
وقد سمعتهم يقولون فلان يكره أن يؤكل عنده، ولم أسمع أحدا قط قال: فلان يكره أن يخرأ عنده» .
وكان قاسم شديد الأكل، شديد الحبط «٣» قذر المؤاكلة. وكان أسخى الناس على طعام غيره، وأبخل الناس على طعام نفسه، وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمّل قط. فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة، حتى يجر معه إبنه إبراهيم. وكان بينه وبين إبراهيم إبنه في القذر بقدر ما بينه وبين جميع العالمين. فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظّ في الطّيبات.
فأتوه يوما بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة باكليل من عراق، بأكثر ما يكون من العراق «٤» . فأخذ قاسم الذي يستقبله، ثم
[ ٢٥٧ ]
أخذ يمنة، وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة، حتى لم يدع إلّا عرقا قدّام ثمامة، ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع.
وعارضه ابنه وحكاه. فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع، مسلوبة عارية، واللحم كله بين يده وبين يدي إبنه، إلا قطعة واحدة بين يديه، تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه. فلم يدفعها واحتسب بها في الكرامة والبرّ.
فقال قاسم لما فرغ من غدائه: «أما رأيتم إكرام ثمامة لإبني، وكيف خصّه» فلما حكي هذا لي، قلت: «ويلك أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه. هذا أخرجه الغيظ، وهذا الغيظ لا يتركه حتّى يتشفّى منك. فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت، وإن لم يقدر عليه أقدره لك الغيظ. وأبواب التجنّي كثيرة، وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت تجعله ذنبا جعلته، فكيف ذنوب من قرنك إلى قدمك» ! وكان ثمامة يفطر، أيام كان في أصحاب الفساطيط «١»، ناسا، فكثروا عليه، وأتوه بالرقاع «٢» والشفاعات. وفي حشوة المتكلمّين «٣» أخلاق قبيحة، وفيهم على أهل الكلام، وعلى أرباب الصناعات، محنة عظيمة. فلما رأى ثمامة ما قد دهمه، أقبل عليهم وهم يتعشون فقال:
«إن الله ﷿ لا يستحي من الحق، كلكم واجب الحق، ومن لم تجئنا شفاعته فالحرمة كمن تقدمت شفاعته. كما أنا لو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ لم يكن بعضكم أحق بذلك من بعض، فكذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم بالحرمان من بعض، أو بالحمل عليه «٤»، أو بالإعتذار اليه، من بعض. ومتى قرّبتكم وفتحت بابي لكم، وباعدت
[ ٢٥٨ ]
من هو أكثر منكم عددا، وأغلقت بابي دونهم، لم يكن إدخالي إياكم عذرا لي، ولا في منع الآخرين حجّة» . فانصرفوا ولم يعودوا.
قال أبو محمد العروضّي: وقعت بين قوم عربدة، فقام المغنّي يحجز بينهم، وكان شيخا معتلا بخيلا، فمسك رجل بحلقه فعصره، فصاح:
معيشتي معيشتي، فتبسم.
وحدثني ابن أبي كريمة، قال: وهبوا للكناني المغنّي خابية فارغة؛ كان عند انصرافه وضعوها له على الباب، ولم يكن عنده كراء حمّالها، وأدركه ما يدرك المغنّين من التّيه، فلم يحملها، فكان يركلها ركلة «١»، فتتدحرج وتدور بمبلغ حميّة الركلة. ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان، ويرى ما تصنع، ثم يدنو منها ثم يركله أخرى، فتتدحرج وتدور، ويقف من ناحية. فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ بها المنزل.