وحدّثني المصري وكان جار الدار دريشي، وماله لا يحصى، قال:
فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده، ثم وقف آخر فانتهره، إلا أن ذلك بغيظ وحنق «٥» . قال: فأقبلت عليه فقلت له: «ما أبغض إليك
[ ١٧٦ ]
السؤال» قال: «أجل عامة من ترى منهم أيسر مني» . قال: فقلت:
«ما أظنك أبغضتهم إلا لهذا» . قال: «كل هؤلاء لو قدروا على داري هدموها، وعلى حياتي لنزعوها. أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كلما سألوني، كنت قد صرت مثلهم منذ زمان. فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا» .
وكان أخوه شريكه في كل شيء، وكان في البخل مثله، فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا، ونحن على بابه، طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين، فبينما نحن نأكل إذ جاء أخوه، فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار. فأنكرنا ذلك، وكان يفرط في إظهار البشر، ويجعل البشر وقاية دون ماله. وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع والكبر قتل. قال: ولم نعرف علته، ولم يعرفها أخوه.
فلّما كان الجمعة الأخرى، دعا أيضا أخوه بطبق رطب، فبينا نحن نأكل، إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف، فأنكرنا ذلك، ولم ندر أيضا ما قصته. فلما أن كان في الجمعة، ورأى مثل ذلك، كتب إلى أخيه: «يا أخي كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد، ومع الكثرة يقع الإختلاف. ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه.
وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها، وصامت «١» في منزلي وصامت في منزلك، لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض. وإن طرقنا أمر الله، ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية، وطال الصخب بين هؤلاء النسوة. فالرأي أن نتقدّم اليوم فيما يحسم عنهم هذا السبب» .
فلما قرأ أخوه كتابه، تعاظمه ذلك وهاله. وقلب الرأي ظهرا لبطن، فلم يزده التقليب إلا جهلا. فجمع ولده وغلّظ عليهم، وقال: «عسى
[ ١٧٧ ]
أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة، أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء» . فلما عرف براءة ساحة القوم، تمشى اليه حافيا راجلا، فقال: «ما يدعوك إلى القسمة والتمييز؟ ادع صلحاء أهل المسجد الساعة، حتى أشهدهم بأني وكيل لك في هذه الضياع. وحوّل كلّ شيء في منزلي الى منزلك. وجرّب ذلك مني الساعة، فإن وجدتني أروغ «١» وأعتّل، فدونك «٢» . فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي» . قال: «مالك من ذنب، وما من القسمة من بد» . فأقام عنده يناشده الى نصف النهار، ثم أقام يومه ذلك الى نصف الليل، يناشده ويطلب إليه.
فلما طال عليه الأمر، وبلغ منه الجهد، قال له: «حدّثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك، وإحضارك الماء البارد، وجمعك الناس على بابي في كل جمعة، كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا. إنك إذا أطعمتهم اليوم البرنيّ «٣» أطعمتهم غدا السكر، وبعد غد الهلباثا «٤» . ثم يصير ذلك بعد أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع، ثم يتحوّل الرّطب إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء. ثم تصير الى الكساء ثم الأجداء «٥» ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع. والله إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا، فكيف بمال تاجر جمعه من الحبّات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف؟»؛ قال: «جعلت فداك تريد أن لا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ذلك؟ وأخرى فلا والله لا كلّمتهم أبدا» . قال: إياك أن تخطىء مرّتين: مرّة في إطماعهم فيك،
[ ١٧٨ ]
ومرّة في إكتساب عدواتهم. أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه. وتسلّم تسلم «١»» .