حدّثني جعفر ابن أخت واصل، قال:
قلت لأبي عيينة «٤»: قد أحسن الذي سأل إمرأته عن اللحم، فقالت أكله السنّور «٥»، فوزن السنور، ثم قال: «هذا اللحم فأين السنّور»؟
قال: «كأنك تعرّض بي» . قال؛ قلت: «إنك والله أهل ذلك. شيخ قد قارب المائة، وغلته فاضلة «٦»، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، والعلم لذّته وصناعته، ثم يرقى إلى جوف منزله. وأنت رجل لك في البستان، ورجل في أصحاب الفسيل «٧»، ورجل في السوق،
[ ١٩٠ ]
ورجل في الكلّاء «١» . تطلب من هذا وقر «٢» جصّ «٣»، ومن هزا وقر آجرّ، ومن هذا قطعة ساج «٤»، ومن هذا هكذا. ما هذا الحرص؟ وما هذا الكدّ؟ وما هذا الشغل؟ لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون؟
ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار» .
قال: «كم أجمجم؛ بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة عنها، فقيل لك أكلها السنّور، فرميت بباقي القطعة قدّام السنّور، لتمتحن صدقهم من كذبهم، فلما لم يأكله، غرّمتهم ثمن البطّيخة كما هي. قالوا لك كان الليل، فإن لا تكن التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت اليه بالقطعة وهو شبعان منه. فأنظرنا «٥» ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه. فأبيت إلا إغرامهم» .
قال: «ويلك إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض الفساد. وقد قال زياد في خطبته «٦»: «والله إنّي ما أصل منكم الى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا» . وأما ما لمتني عليه آنفا فإنما ذهبت الى قوله: «لو أن في يدي فسيلة، ثم قيل لي إن القيامة تقوم الساعة، لبادرتها فغرستها» . وقد قال أبو الدرداء «٧» في وجعه الذي
[ ١٩١ ]
مات فيه: «زوّجوني، فإني أكره أن ألقى الله عزبا» «١» . والعرب تقول: «من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء» . قال مكرز «٢»: «العجز فراش وطيء، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور «٣»» .
وقال عبد الله بن وهب «٤»: «حبّ الهوينا يكسب النصب «٥»» . وقال عمر بن الخطّاب ﵁: «إياكم والراحة، فإنها عقلة «٦»» وقال: «لو أن الصبر والشكر بعيران، ما باليت أيهما أركب» . وقال:
«تمعددوا واخشوشنوا «٧»»، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا «٨»» .
وقال لعمرو بن معدي كرب «٩»، حين شكا إليه الحقاء «١٠»: «كذبت عليك الظهائر» «١١»، وقال: «احتفوا، فانكم لا تدرون متى تكون الجفلة «١٢»» . وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة» . وقال
[ ١٩٢ ]
لسعيد بن حاتم: «احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي» . وقال: «أحذّركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل» . وقال أكثم بن صيفي «١»: «ما أحبّ أني مكفّي كل أمر الدنيا» . قالوا: «وإن أسمنت وألبنت «٢»»؟ قال: «نعم أكره عادة العجز» . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟!