وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة «٥»، هو خالويه المكدّي «٦»، وكان
[ ٧١ ]
فد بلغ في البخل والتكدية، وفي كثرة المال، المبالغ التي لم يبلغها أحد؛ وكان ينزل في شقّ بني تميم «١»، فلم يعرفوه. فوقف عليه ذات يوم سائل، وهو في مجلس من مجالسهم، فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا؛ وفلوس البصرة كبار، فغلط بدرهم بغلي «٢»، فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل. فلما فطن استردّه، وأعطاه الفلس. فقيل له: هذا لا نظنه يحل، وهو بعد بمثلك قبيح. قال: قبيح عندكم وأما أنا فإني لم أجمع هذا المال بعقولكم، فأفرّقه بعقولكم. ليس هذا من مساكين الدراهم، هذا من مساكين الفلوس. والله ما أعرفه إلا بالفراسة «٣» .
قالوا: وإنك لتعرف المكدّين؟ قال: وكيف لا أعرفهم؟ وأنا كنت كاجار «٤» في حداثة سنّي. ثم لم يبق في الأرض مخطراني «٥»، ولا مستعرض أقفية «٦»، ولا شحّاذ ولا كاغاني ولا بانوان، ولا قرسي ولا عوّاء، ولا مشعب، ولا فلور، ولا مزيدي ولا إسطبل إلا وكان تحت يدي. ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة؛ ولم يبق في الأرض كعبيّ ولا مكدّ، إلا وقد أخذت العرافة عليه، حتى خضع إلى إسحق قتال الحر «٧»، وبنجويه شعر الجمل، وعمرو القوقيل، وجعفر كردي كلك، وقرن أيره، وحمّويه عين الفيل، وشهرام حمار أيوب، وسعدويه نائك أمه «٨» . وإنما أراد بهذا أن يؤسهم من ماله، حين عرف حرصهم
[ ٧٢ ]
وجشعهم، وسوء جوارهم. وكان قاصّا متكلما بليغا داهيا، وكان أبو سليمان الأعور، وأبو سعيد المدائني القاصّان من غلمانه. وهو الذي قال لابنه عند موته:
«إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته، وما لا تأكله إن ضيّعته.
ولما ورّثتك من العرف الصالح، وأشهدتك من صواب التدبير، وعوّدتك من عيش المقتصدين، خير لك من هذا المال. ولو دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة، ثم لم يكن لك معين من نفسك، لما انتفعت بشيء من ذلك. بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك، وذلك المنع تهجينا لطاعتك.
قد بلغت في البّر منقطع التراب، وفي البحر أقصى مبلغ السفن.
فلا عليك ألا ترى ذا القرنين؛ ودع عنك مذاهب ابن شرية «١»، فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر. ولو رآني تميم الداريّ «٢»، لأخذ عنيّ صفة الروم.
ولأنا أهدى من القطا، ومن دعيميص «٣»، ومن رافع المخش، «٤» إني قد بتّ بالقفر مع الغول، وتزوّجت السّعلاة «٥»، وجاوبت الهاتف، ورغت «٦» عن الجنّ الى الحنّ «٧»، واصطدت الشقّ «٨»، وجاوبت النسناس «٩»، وصحبني الرئي «١٠»، وعرفت خدع الكاهن، وتدسيس العرّاف، وإلى ما
[ ٧٣ ]
يذهب الخطّاط والعيّاف، وما يقول أصحاب الأكتاف «١»، وعرفت التنجيم والزّجر، والطرق والفكر «٢» .
إنّ هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدّية، ومن احتيال النهار، ومكابدة الليل»
. ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب البحر، أو من عمل سلطان، أو من كيمياء الذهب والفضة، وقد عرفت الرأس «٤» حقّ معرفته، وفهمت كسر الإكسير «٥» على حقيقته. ولولا علمي بضيق صدرك، ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك، لعلّمتك الساعة الشيء الذي بلغ به قارون، وبه تبنكتّ خاتون «٦» . والله ما يتّسع صدرك عندي لسر صديق، فكيف ما لا يحتمله عزم، ولا يتسع له صدر. وخزن سر الحديث، وحبس كنوز الجواهر، أهون من خزن العلم. ولو كنت عندي مأمونا على نفسك، لأجريت الأرواح في الأجساد، وأنت تبصر، إذ كنت لا تفهمه بالوصف، ولا تحقّه بالذكر. ولكني سألقي عليك علم الإدراك، وسبك الرخام، وصنعة الفسيفساء، وأسرار السيوف القلعيّة، وعقاقير السيوف اليمانية «٧»، وعمل الفرعوني، وصنعة التلطيف على وجهه، إن أقامني الله من صرعتي هذه.
ولست أرضاك، وإن كنت فوق البنين، ولا أثق بك، وإن كنت لا حقا بالآباء لأني لم أبالغ في محنتك. إني قد لا بست السلاطين
[ ٧٤ ]
والمساكين، وخدمت الخلفاء والمكدّين، وخالطت النسّاك والفتّاك «١» وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر، وحلبت الدهر أشطره «٢» وصادفت دهرا كثير الأعاجيب، فلولا أني دخلت من كل باب، وجريت مع كل ريح، وعرفت السراء والضرّاء «٣»، حتّى مثّلث لي التجارب عواقب الأمور، وقرّبتني من غوامض التدبير، لما أمكنني جمع ما أخلّفه لك، ولا حفظ ما حبسته عليك، ولم أحمد نفسي على جمعه، كما حمدتها على حفظه، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس «٤»، قد حفظته عليك من فتنة البناء، ومن فتنة النساء، ومن فتنة الثناء، ومن فتنة الرياء «٥»، ومن أيدي الوكلاء، فإنهم الداء العياء «٦» .
ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك، ولكن بفضل بغضي للقاضي. إن الله، ﷿، لم يسلّط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد، لأن أباه، إن كان غنيا قادرا، أحبّ أن يريه غناه وقدرته، وإن كان فقيرا عاجزا، أحبّ أن يستريح من شينه ومن حمل مؤونته، وإن كان خارجا من الحالين، أحبّ أن يستريح من مداراته، فلا هم شكروا من جمع لهم، وكفاهم، ووقاهم، وغرسهم، ولا هم صبروا على من أوجب الله حقّه عليهم. والحقّ لا يوصف عاجله بالحلاوة، كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة. فإن كنت منهم، فالقاضي لك، وإن لم تكن منهم فالله لك. فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك، وصرت الحافظ على غيرك. وإن خالفت سبيلي صار
[ ٧٥ ]
مالك وديعة عند غيرك، وصار غيرك الحافظ عليك. وإنك يوم تطمع أن تضيع مالك، ويحفظه غيرك، لجشع الطمع، مخذول الأمل. احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف، فاحتالت القضاة على أولادهم بالإستبحاث «١» ما أسرعهم الى إطلاق الحجر، وإلى إيناس الرّشد، إذا أرداوا الشراء منهم. وأبطأهم عنهم، إذا أرداوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم.
يا ابن الخبيثة، إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان، فإن الكفاية قد مسختك، ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك؛ وزاد في ذلك أن كنت بكرى، وعجزة أمّك «٢» .
أنا لو ذهب مالي لجلست قاصّا، أو طفت في الآفاق، كما كنت، مكدّيا. اللحية وافرة بيضاء، والحلق جهيز طل، والسمت «٣» حسن، والقبول عليّ واقع. إن سألت عيني الدمع أجابت، والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير، وصرت محتالا بالنهار، واستعملت صناعة الليل. أو خرجت قاطع طريق، أو صرت للقوم عينا ولهم مجهرا «٤» . سل عني صعاليك الجبل «٥» وزواقيل «٦» الشام وزطّ الآجام «٧»، ورؤوس الأكراد، ومردة الأعراب، وفتّاك نهربطّ «٨»، ولصوص القفص «٩»، وسل
[ ٧٦ ]
عني القيقانية «١» والقطرية «٢»، وسل عني المتشبهة وذبّاحي الجزيرة «٣»، وكيف بطشي ساعة البطش، وكيف حيلتي ساعة الحيلة، وكيف أنا عند الجولة، وكيف ثبات جناني عند رؤية الطليعة، وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة «٤»، وكيف كلامي عند السلطان إذا أخذت، وكيف صبري إذا جلدت، وكيف قلة ضجري إذا حبست، وكيف رسفاني في القيد إذا أثقلت. فكم من ديماس «٥» قد نقبته، وكم من مطبق «٦» قد أفضيته، وكم من سجن قد كابدته. لم تشهدني وكردويه الأقطع أيام سندان «٧»، ولا شهدتني في فتنة سرنديب «٨»، ولا رأيتني أيام حرب المولتان «٩» سل عني الكتيفية والخربيّة والبلالية، وبقية أصحاب صخر ومصخر، وبقية أصحاب فاس وراس ومقلاس، ومن لقي أزهر أبا النقم. كان آخر من صادفني حمدويه أبو الأرطال. وأنا مجيب مردويه بن أبي فاطمة، وأنا خلفعت بني هانيء. وأنا أول من شرب الغربى حارّا، والبزيل باردا؛ وأول من شرب بالعراق بالكبرة «١٠»، وجعل القنقل «١١» قرعة. وأول من ضرب «الشاهسبرم» «١٢» على ورق القرع، وأول من لعب باليرمع ١»
[ ٧٧ ]
في البدو، وأسقط الدفّ المربّع من بين الدفاف، وما كان النقاب إلا هدّاما، حتى نشأت، وما كان الاستقفاء إلا استلابا «١» حتى بلغت.
وأنت غلام، لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق حزمك، لم تعجمك الضرّاء، ولم تزل في السرّاء والمال واسع، وذرعك ضيّق. وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس، فأتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، وخف عباد الله على حسب ما ترجو الله.
فأول ما أوقع في روعي أن مالي محفوظ عليّ، وأن النماء لازم لي، وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي، أني لما غلبتني يوما شهوتي، وأخرجت يوما درهما لقضاء وطري «٢»، ووقعت عيني على سكّته، وعلى اسم الله المكتوب عليه، قلت في نفسي: إني إذا لمن الخاسرين الضالّين، لئن أنا خرجت من يدي، ومن بيتي شيئا عليه: «لا إله إلا الله» وأخذت بدله شيئا ليس عليه شيء. والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده، وعليه، «حسبي الله» أو: «توكلت على الله» فيظن أنه قد خرج من كنف الله، جلّ ذكره، حتى يردّ الخاتم في موضعه. وإنما هو خاتم واحد، وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو؟ إن هذا لعظيم» .
ومات من ساعته، وكفّنه إبنه ببعض خلقانه، وغسله بماء البئر.
ودفنه من غير أن يضرح له، أو يلحد له «٣»، ورجع.
فلما صار في المنزل نظر الى جرّة خضراء معلقة. قال: أيّ شيء في هذه الجرّة؟ قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأيّ شيء كان فيها قبل
[ ٧٨ ]
اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنّا في الشتاء نلقي له في البرمة «١» شيئا من دقيق نعمله له، فكان ربّما برّمة «٢» بشيء من سمن. قال: يقولون ولا يفعلون. السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم الا في السمن والعسل؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره. قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنّا نظن أن فوقه مزيدا.
المخطراني: الذي يأتيك في زيّ ناسك، ويريك أن بابك «٣» قدقوّر لسانه من أصله لأنه كان مؤذنا هناك. ثم يفتح فاه كما يصنع من يتثاءب، فلا ترى له لسانا البتة. ولسانه في الحقيقة كلسان الثور. وأنا أحد من خدع بذلك. ولا بد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبّر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصتّه.
والكاغاني: الذي يتجنّن ويتصارع ويزبد «٤»، حتى لا يشكّ أنه مجنون لا دواء له، لشدّة ما ينزل بنفسه، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علّته.
- والبانوان: الذي يقف على الباب ويسل الغلق «٥»، ويقول: بانوا.
وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي.
- والقرسيّ: الذي يعصب «٦» ساقه وذراعه عصبا شديدا، ويبيت
[ ٧٩ ]
على ذلك ليلة. فإذا تورّم واختنق الدم، مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين «١» وقطر عليه شيئا من سمن، وأطبق عليه خرقة، وكشف بعضه. فلا يشكّ من رآه أن به الأكلة «٢»، أو بليّة شبة الأكلة.
- والمشعّب: الذي يحتال للصبيّ حين يولد، بأن يعميه أو يجعله أعسم «٣» أو أعضد «٤»، ليسأل الناس به أهله. وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم الثقيل، لأنه حينئذ عقدة «٥» وغلّة. فإمّا أن يكتسبا به، وإمّا أن يكرياه بكراء «٦» معلوم. وربما أكروا أولادهم ممّن يمضي إلى أفريقية، فيسأل بهم الطريق أجمع، بالمال العظيم. فإن كان ثقة مليئا، وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا.
- والفلّور: الذي يحتال لخصيته، حتي يريك أنه آدر «٧» . وربما أراك أن بها سرطانا أو خرّاجا أو غربا أو ربما أرى ذلك في دبره بأن يدخل فيه حلقوما ببعض الرئة. وربما فعلت ذلك المرأة بفرجها.
- والكاغان: الغلام المكدّي إذا واجر «٨»، وكان عليه مسحة جمال، وعمل العملين معا.
- والعوّاء: الذي يسأل بين المغرب والعشاء. وربما طرّب، إذا كان له صوت حسن وحلق شجيّ.
[ ٨٠ ]
- والإسطيل: هو المتعامي: إن شاء أراك أنه منخسف العينين، وإن شاء أراك أن بهما ماء، وإن شاء أراك أنه لا يبصر، لخسف ولريح السبل «١» .
- والمزيدي: الذي يدور ومعه الدريهمات، ويقول: هذه دراهم قد جمعت لي في ثمن قطيفة «٢»، فزيدوني فيها رحكمك الله. وربما احتمل صبيا على أنه لقيط. وربما طلب في الكفن.
- والمستعرض: الذي يعارضك وهو ذو هيئة، وفي ثياب صالحة.
وكأنه قد مات من الحياء، ويخاف أن يراه معرفة «٣» . ثم يعترضك اعتراضا، ويكلّمك خفيّا.
- والمقدّس: الذي يقف على الميّت يسأل في كفنه. ويقف في طريق مكّة على الحمار الميّت، والبعير الميت فيدعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر «٤» . وقد تعلّم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية، وتعرّف تلك المدن والسكك والرجال. وهو، متى شاء كان أفريقيا، ومتى شاء كان من أهل فرغانة «٥»، ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء.
- والمكديّ: صاحب الكداء «٦» .
- والكعبي: أضيف إلى إبن أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء.
- والزكوري: هو خبز الصدقة، كان على سجين أو على سائل.
[ ٨١ ]
هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط. وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد.
ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء.