فلمّا بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من المنافسة «١» والمباينة «٢»، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب هذه، وبعث بها الى الثقفي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا لأنه، إن أجابنا، لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا على قوله الأول، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا، خرجنا الى التهاتر، وصرنا الى التخاير «٣» . ومن خرج الى ذلك، فقد رضي باللجاج «٤» حظا، وبالسخف نصيبا.
وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء التكفي وسحفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طبائعه وتساوت خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الإقتصاد، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط، لأن الموزون لا يولد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا. فالمتتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف، والمتكفّي ليس له مأتى، ولا جهة، ولا له رقية «٥»، ولا
[ ٢٢٢ ]
فيه حيلة. وكل متلّون في الأرض فمنحل العقد، ميسّر لكل ربح.
فدع عنك خلطة الإمّعة، فإنه حارض «١» لا خير فيه، واجتنب ركوب الجموع فإن غايته قبل الذواق. ولا خير في المتلوّن ذي البدوات، ولا في الحرون «٢» ذي التصميم. والمتلوّن شرّ من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق، لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكة، ومذاهبه محصورة معدودة، وليس لتدبير الأحمق وحيلة جهة واحدة، ومن أخطأها كذب، والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد، والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلوّن قتله بالتعذيب.
فإن قلنا فليس إليه نقصد، وإن احتججنا فلسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة. وقد قالوا: «إحفظ سرّك، فإن سرّك من دمك» . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: «ليس بكبير ما أصلحه المال» . وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور، ولهذا قالوا في الإبل:
«لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم «٣»»، فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشدّ من جمعه.
ولذلك قال الشاعر:
وحفظك مالا قد عنيت بجمعه أشد من الجمع الذي أنت طالبه
[ ٢٢٣ ]
ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: «دفعتها «١» إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المؤونة» قال: «دفعتها إليك بطيئة الإجتماع، سريعة التفرق» .
والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلّص من نزوات «٢» الدرهم وتفلته والتحرز من سكر الغنى، وتقلبه شديد، فلو كان إذا تفلت كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لردّه في عقاله، ولشده بوثاقه. ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده. ولا تغتّر بقولهم:
«مال صامت» «٣»، فإنه أنطق من كل خطيب، وأنمّ من كل نمّام. فلا تكترث بقولهم: «هذين الحجرين «٤»»، وتتوهم جمودهما وسكونهما، وقلة ظعنهما، وطول إقامتهما، فإن عملهما وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع، وهما ثابتان، أكثر من صنيع السّم الناقع «٥»، والسبع العادي. فإن كنت لا تكتفي بصنعة حتى تفقده، ولا تحتال فيه حتى تحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من الذل.
وقولي هذا مرّ يعقب حلاوة الأبد، وقول أبي العاص حلو يعقب مرارة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة، ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك، فإن الشاعر يقول:
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا «٦»
[ ٢٢٤ ]
واحذر أن تخرج من مالك درهما، حتى ترى مكانه خيرا منه. ولا تنظر إلى كثرته، فإن رمل عالج «١» لو أخذ منه، ولم يرّد عليه، لذهب عن آخره.
إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله، وفي ذكر الكرم وتشريفه، وسمّوا السرف جودا وجعلوه كرما. وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضّعف والنفج «٢»؟ وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم؟ وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما. والسرف، حفظك الله، معصية، وإذا كانت معصية الله كرما، كانت طاعته لؤما. ولئن جمعهما إسم واحد، وشملهما حكم واحد (ومضادة الحق للباطل، كمضادة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، والجور للعدل، والعلم للجهل) ليجمعن هذه الخصال اسم واحد، وليشملنها حكم واحد.
وقد وجدنا الله عاب السرّف، وعاب الحميّة «٣»، وعاب العصبية، ووجدناه قد خص السرف بما لم يخص به الحمية، لأنه ليس حب المرء لرهطه من العصبية، ولا أنفته من الضيم من حمية الجاهلية. وإنما العصبيّة ما جاوز الحق، والحمية المعيبة ما تعدى القصد. فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا اسم العصبية ولا اسم السرف يقع أبدا إلا مذموما «٤» وإنما يسرّ باسم السرف جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسر به لأن أحدا لا يسميه مسرفا، حتى يكون عنده قد جاوز حدّ الجود، وحكم له بالحق، ثم أردفه بالباطل. فإن سرّ من غير هذا الوجه، فقد شارك المادح في الخطأ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه.
[ ٢٢٥ ]
وقد أكثروا في ذكر الكرم. وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم، وليس شيء يخلو من بعض النقص والوهن. وقد زعم الأولون أن الكرم بسبب الغنى «١»، وأن الغنى يسبب البله «٢»، وأنه ليس وراء الأبله إلا المعتوه. وقد حكوا عن كسرى أنه قال: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع»، وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف، أم جاع فكذب وضرع وأسفّ «٣»، وسواء جاع فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه، والظلم لؤم. وإن كان الظلم ليس بلؤم فالإنصاف ليس بكرم. وإن كان الجود، على من لا يستحق الجود كرما، فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم. فالجود إذا كان لله فكان شكرا له، والشكر كرم. فكيف يكون الجود، إذا كان معصية كرما، وكيف يتكرّم من يتوصّل بأياديك الى معصيتك، وبنعمك الى سخطك؟ فليس الكرم إلا الطاعة، وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز الحق كريما، ليكونن المقصّر دونه كريما.
فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصّل ولا يفكر ولا يمثّل «٤»؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء، وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء، فما قبّحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه، أو نتشاغل باستقصائه. على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللوم. ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى يراد بها نفس ذلك المعطى «٥» . ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد. وكل من كان جوده يرجع إليه، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك
[ ٢٢٦ ]
المعنى في سواك لما قصد إليك، فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته، ومركبا لبلوغ محبته. ولولا بعض القول لوجب لك الحق عليه حق يجب به الشكر. فليس يجبّ لمنّ كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذا كان لنفسه عمل. لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك، لما تخطّاه اليك.
وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع، على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم، فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبّد، وقد تعبد الله بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسنّ منا وإن كنا أفضل منهم. والآخر لأن النفس ما لم تحصّل الأمور وتميز المعاني، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها.
ووجدنا عطيّة الرجل لصاحبه لا تخلو أن تكون لله، أو لغير الله. فإن كانت لله، فثوابه على الله. وكيف يجب عليّ في حجة العقل شكره، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني، وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر، فإذا كان الأمر كذلك، فإنما جعلني سلّما الى تجارته، وسببا إلى بغيته، أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة، ولما يجد في فؤاده من العصر والألم، فإن كان لذلك أعطى، فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذي رفّه من خناقه «١» . وإن كان إنما أعطاني على طلب المجازاة وحب المكافأة فأمر هذا معروف، وإن كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني، أو اجترار معونتي ونصرتي، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصّلنا.
فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز «٢» . فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الإسم. وما كان لله كان ممدوحا، وكان لله
[ ٢٢٧ ]
طاعة. وإذا لم تكن العطية من الله ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سموه جودا، فما ظنك بما سمّوه سرفا؟.
أفهم ما أنا مورده عليك وواصفه لك: إن التربّح «١»، والتكسّب، والاستئكال «٢» بالخديعة، والطعم الخبيثة، فاشية غالبة، ومستفيضة ظاهرة.
على أن كثيرا مّمن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرّم، والى الصيانة والتوقي، لبأخذ من ذلك بنصيب وافر، وبمدّ واف. فما ظنّك بدهماء «٣» الناس وجمهورهم؟ بل ما ظنّك بالشعراء والخطباء الذين إنّما تعلّموا المنطق لصناعة التكسّب؟ وهؤلاء قوم بودّهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حدّ السلامة الى الغفلة، حتى لا يكون للأموال حارس ولا دونها مانع. فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزّة «٤» أحدهم، فإن المسكين أقنع منه، ولا تنظر إلى مركبه فإن السائل أعفّ منه «٥» . وأعلم أنه في مسك مسكين، إن كان في ثياب جياد، وروحه روح نذل، وإن كان في جرم ملك «٦» وكلهم وإن اختلفت وجوه مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين. إلا أن واحدا يطلب العلق «٧»، وآخر يطلب الخرق «٨»، وآخر يطلب الدوانيق «٩»، وآخر يطلب الألوف. فجهة هذا هي جهة هذا، وطعمة هذا هي طعمة هذا. وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون، على قدر الحذق والسبب. فاحذر رقاهم «١٠»، وما نصبوا لك من الشرك، واحرس
[ ٢٢٨ ]
نعمتك وما دسّوا لها من الدواهي. واعمل على أن سحرهم يسترّق الذهن ويختطف البصر. قال رسول الله ﷺ: «إن من البيان سحرا»، وسمع عمر بن عبد العزيز يتكلم في حاجة فقال: «هذا والله السحر الحلال»، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا خلابة «١»» . واحذر احتمال مديحهم، فإن محتمل المديح في وجهه، كمادح نفسه.
إن مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضى طالبيه. ولو أرضيتهم باسخاط مثلهم، لكان ذلك خسرانا مبينا. فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى، وهجاء الساخط أضرّ من فقد مديح الراضي؟ وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم «٢»، لم تر ممن أرضيته في أسخاطهم أحدا يناضل عنك ولا يهاجي شاعرا دونك، بل يخليك غرضا لسهامهم ودريئة لنبالهم، ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم؟ فكيف يرضيهم، ورضى الجميع شيء لا ينال؟ وقد قال الأول: وكيف يتفق لك رضى المختلفين؟ وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع.
إني أحذّرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذّر الأمور، ويتجرّع «٣» مرار العيش، ويتحمّل ثقل الكد، ويشرب بكأس الذل، حتى كاد يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه. وفقر مثلك مضاعف الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشد. ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير موعظة لغيره، وحديثا يبقى ذكره، ويعلنه بعد الممات ولده.
دعني من حكايات المستأكلين ورقى الخادعين، فما زال الناس يحفظون
[ ٢٢٩ ]
أموالهم من مواقع السّرف، ويجنّبونها وجوه التبذير. ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلّفة والأخبار المولّدة والكتب الموضوعة، فقد قال بعض أهل زماننا: «ذهبت المكارم إلا من الكتب» . فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا تعلم.
هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره أنه سلّم عليهم حين افتقر فردوا عليه فضلا على غير ذلك؟ أولست قد رأيتهم بين محمّق «١» ومحتجب عنه، وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضّله ويقدّمه ويؤثره ويخصّه؟ ثم لعلّ بعضهم أن يتجنّى عليه ذنوبا ليجعلها عذرا في منعه وسببا إلى حرمانه.
قال الله جل ذكره: «يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون» «٢» . فأنا القائم عليك بالموعظة والزّجر والأمر والنهي، وأنت سالم العقل والعرض، وافر المال حسن الحال. فاتّق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع والتعبير وبالتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب مختلّ العرض «٣»، عديم من المال سيء الحال.
ليس جهد البلاء «٤» مدّ الأعناق وانتظار وقع السيوف، لأن الوقت قصير والحسّ مغمور «٥» . ولكنّ جهد البلاء أن تظهر الخلّة «٦» وتطول المدة وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد
[ ٢٣٠ ]
تحوّل عدوّا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة «١»، وعبدا يحقرك وولدا ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من هذا البلاء.
على أن الثناء طعم «٢» ولعلك ألا تطعمه، والحمد أرزاق ولعلك أن تحرمه، وما يضيع من إحسان الناس أكثر. وعلى أن الحفظ «٣» قد ذهب بموت أهله ألا ترى أنّ الشعر لما كسد «٤» أفحم أهله؟ ولما دخل النقص على كل شيء أخذ الشعر منه بنصيبه؟ ولما تحوّلت الدولة في العجم «٥»، والعجم لا تحوط الأنساب، ولا تتحفّظ المقامات «٦» . لأنّ من كان في الريف والكفاية، وكان مغمورا بسكر الغنى، كثر نسيانه وقلّت خواطره «٧»، ومن احتاج تحركت همّته وكثر تنقيره. وعيب الغنى أنه يورث البلدة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر.
وإن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى، وسكر الغنى شيئة المستأكلين وتضرية الخدّاعين «٨» وإن كنت لا ترضى بحظ النائم وبعيش
[ ٢٣١ ]
البهائم، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري، ومع عزّ الغنى وسرور القدرة، فطنة المخفّ، وخواطر المقل، ومعرفة الهارب واستدلال الطالب «١»، اقتصدت في الإنفاق، وكنت معدّا للحدثان، ومحترسا من كل خدّاع.
ليست تبلغ حيل لصوص النهار، وحيل سرّاق الليل، وحيل طرّاق البلدان، وحيل أصحاب الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصنّاع في جميع الصناعات، وحيل أصحاب الحروب «٢»، وحيل المستأكلين والمتكسّبين. ولو جمعت الجفر «٣» والسحر والتمائم «٤» والسمّ، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا، وأعرض «٥» وأسرى في عمق البدن، وأدخل الى سويداء القلب وإلى أمّ الدماغ «٦» وإلى صميم الكبد ولهي أدّق مسلكا وأبعد غاية من العرق الساري والشبه النازع، «٧»، ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال المحكمة الوثيقة، ولو اتخذت الممارق والجواسق «٨» والأبواب الشداد، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف، وتركت التقدّم فيما هو أحضر ضررا وأدوم شرا ولا غرم عليك في الحراسة فيه، ولا مشقة عليك في التحفّظ منه.
إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سمّ الخياط «٩»، جعلوا فيه طريقا نهجا
[ ٢٣٢ ]
ولقما «١» رحبا فاحكم بابك، ثم أدم إصفاقه «٢»، بل أدم إغلاقه، فهو أولى بك.
بل إن قدرت على مصمت «٣» لا حيلة فيه فذلك أشبه بحزمك. ولو جعلت الباب مبهما والقفل مصمتا لتسوّروا عليك من فوقك، ولو رفعت سمكه الى العيّوق «٤» لنقبوا عليك من تحتك. قال أبو الدرداء: «نعم صومعة المؤمن بيته» . قال ابن سيرين: «العزلة عبادة» .
وحلاوة حديثهم تدعو إلى الإستكثار منهم، وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم. فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: «أكل رخلة «٥»، وشرب مشعلا «٦»، ثم تجشّأ «٧» واحدة لو أن عليها رحا «٨» لطحنت» . ومن ذلك قول الآخر، حين دخل على قوم وهم يشربون، وعندهم قيان، فقالوا: «أقترح أيّ صوت شئت»؟ قال: «أقترح نشيش «٩» مقلي» . ومن ذلك قول المديني: «من تصبّح بسبع موزات، وبقدح من لبن الأوارك تجشأ بخور الكعبة «١٠»» . ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء، وقدّامهم خبيص «١١»: «أيما أطيب، هذا أو الفالوذج أو
[ ٢٣٣ ]
اللوزينج «١»»؟ قال: «لا أقضي على غائب» . ومن ذلك قول أبي الحارث جمّين لبعض الملوك: «جعلت فداك أيّ شيء في تلك السلّة»؟
قال: «بظر أمك»، قال: «فأعضّني به» . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة لبلال بن أبي بردة، حين قال له: «صف عبد الأعلى «٢» وطعامه»، قال: «يأتيه الخبّاز فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟ فيقول:
عندي جدي كذا، وعناق «٣» كذا، وبطة كذا، حتى يأتي على جميع ما عنده» . قال: «وما يدعوه إلى هذا» قال: «ليقتصر كل امرىء في الأكل، حتى إذا أتي بالذي يشتهي بلغ منه حاجته» . قال: «ثم ماذا»؟
قال: «ثم يؤتى بالمائدة فيتسعون ويتضايق ويجدون ويعذّر «٤»، حتى إذا فتروا خوّى تخوية الظليم «٥»، وأكل أكل الجائع المقرور «٦»» . وقال آخر:
«أشتهي ثريدة دكناء «٧» من الفلفل، ورقطاء «٨» من الحمّص، ذات حفافين «٩» من اللحم، لها جناحان من العراق، اضرب فيها ضرب اليتيم عند وصيّ السوء» . وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام، وما قسم لكلّ قوم منه، فقال: «ذهبت الروم بالحشو والحسو «١٠»، وذهبت
[ ٢٣٤ ]
فارس بالبارد والحلو»، وقال عمر: «لفارس الشفارق «١» والحموض «٢»»؛ وقال دوسر المديني: «لنا الهرائس والقلايا، ولأهل البدو اللبأ والسّلاء والجراد والكمأة والخبزة «٣» في الرائب والتمر بالزبد» . وقد قال الشاعر:
ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا وخيلا من البرني فرسانها الزبد «٤»
ولهم البريقة والخلاصة والحيس والوطيئة. وقال اعرابي: «أتينا ببّر كأفواه النغران «٥» فخبزنا منه خبزة زيت في النار: فجعل الجمر يتحدّر عنها تحدّر الحشو عن البطنان «٦»، ثم ثردها فجعل الثريد يجول في الإهالة «٧» جولان الضبعان «٨» في الضّفرة «٩»؛ ثم أتانا بتمر كأعناق الورلان «١٠»، يوحل فيه الضرس» . وعيب السويق «١١» بحضرة إعرابي، فقال: «لا تعبه، فإنه من عدد المسافر، وطعام العجلان، وغذاء
[ ٢٣٥ ]
المبكّر «١»، وبلغة المريض «٢»، وبسرو فؤاد الحزين، ويردّ من نفس المحدود، وجيّد في التسمين ومنعوت في الطب. قفاره «٣» يجلو البلغم، ومسمونه يصفّي الدم. إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان شاربا» . وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والشناغيف والمفقّعين «٤»، ورئي سمينا: «ما أسمنك»؟ قال: «أكلي الحارّ، وشربي القارّ «٥»، والإتكّاء على شمالي.
وأكلي من غير مالي» . وقد قال الشاعر:
إنّ امتلاء البطن في حسب الغنى قليل الغناء، وهو في الجسم صالح
وقيل لآخر: «ما أسمنك»؟ قال: «قلة الفكرة، وطول الدّعة، والنوم على الكظّة «٦»» . وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري: «ما أسمنك»؟
قال: «القيد والرتعة، ومن كان في ضيافة الأمير سمن» . وقيل لاخر: «إنك لحسن السحنة» ! قال: «آكل لباب البرّ، وصغار المعز، وأدّهن بخام البنفسج «٧» وألبس الكتّان» .
والله لو كان من يسأل يعطي لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار الصواب على طيب المكسبة، والإقتصاد في النفقة: وقد قال بعض العرب:
«اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق» حين رأى نافجة «٨» من ماله، من صداق أمّه.
[ ٢٣٦ ]
وأي سأئل كان ألحف من الحطيئة ولا الأم؟ ومن الأم من جرير بن الخطفي «١» وأبخل؟ ومن أمنع من كثير «٢»، وأشحّ من أبن هرمة «٣»؟ ومن كان يشقّ غبار ابن أبي حفصة «٤»؟ ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية «٥»؟ ومن كان كأبي نوّاس «٦» في بخله، أو كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه؟ ومن كان أكثر نحرا لجزرة «٧» لم تخلق من ابن هرمة، وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام لم يزرع، من الخريمي «٨»؟ فأين أنت عن ابن يسير «٩» وأين تذهب عن ابن أبي كريمة؟ ولم تقصّر في ذكر الرقاشي ومن لم يذكر شرّه؟
والأعرابي شرّ من الحاضر: سائل جبّار، وثابة ملّاق. إن مدح كذب، وإن هجا كذب، وإن أيس كذب، وإن طمع كذب. لا يقربه إلا نطف «١٠» أحمق، ولا يعطيه إلا من يحبّه، ولا يحبّه إلا من هو في طباعه.
ما أبطأكم عن البذل في الحق، وأسرعكم إلى البذل في الباطل. فإن كنتم الشعراء تفضّلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر:
[ ٢٣٧ ]
فقد قال الشاعر:
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير على الفساد
وقد قال الشمّاخ بن ضرار: «١»
لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعفّ من القنوع «٢»
وقال احيحة «٣»:
استغن أومت ولا يغررك ذو شب من ابن عم ولا عمّ ولا خال «٤»
اني أكبّ على الزورّاء أعمرها إن الكريم على الأقوام ذو المال «٥»
وقال أيضا:
استغن عن كل ذي قربى وذي رحم إن الغني من استغنى عن الناس
والبس عدوّك في رفق وفي دعة لباس ذي إربة للدهر لبّاس «٦»
ولا تغرّنك أضغان مزمّلة قد يضرب الدّبر الدامي بإحلاس «٧»
وقال سهل بن هارون:
أذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي من أن يراني غنيا عنه بالياس «٨»
فلا يراني إذا لم يرع آصرتي مستمريا دررا منه بإبساس
[ ٢٣٨ ]
لا أطلب المال كي أغنى بفضلته ما كان مطلبه فقرا الى الناس
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صا حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ساعة مجّك فوه «١»
وقال أحيحة بن الحلاج:
فلو أني أشاء نعمت بالا وباكرني صبوح أو نشيل «٢»
ولا عبني على الأنماط لعس على أنيابهن الزنجبيل «٣»
ولكني خلقت إذا لمال فأبخل بعد ذلك أو أنيل
وقال آخر:
أبا مصلح أصلح ولاتك مفسدا فإنّ صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أن المرء يزداد عزّة على قومه أن يعلموا أنه مثري
وقال عروة بن الورد «٤»:
ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرّهم الفقير «٥»
أبعدهم وأهونهم عليهم وإن أمسى له حسب وخير «٦»
[ ٢٣٩ ]
ويقصيه النديّ وتزدريه حليلته وينهره الصغير «١»
وتلقى ذا الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّ ولكن الغنى ربّ غفور
وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «٢»:
تلك عرساي تنطقان على عم د لي اليوم قول زور وهتر «٣»
سألتاني الطلاق أن رأتا ما لي قليلا. قد جئتماني بنكر «٤»
فلعلّي أن يكثر المال عندي ويعرّى من المغارم ظهري
ويرى أعبد لنا وأواق ومناصيف من خوادم عشر «٥»
وتجرّ الأذيال في نعمة زو ل تقولان ضع عصاك لدهر «٦»
وي كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ «٧»
ويجنّب سرّ النجيّ ولك نّ أخا المال محضر كل شرّ «٨»
وقال الآخر:
وللمال منّي جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب
وقال الأخنس بن شهاب: «٩»
وقد عشت دهرا والغواة صحابتي أولئك إخواني الذين أصاحب «١٠»
[ ٢٤٠ ]
فأدّيت عني ما استعرت من الصبا وللمال مني اليوم راع وكاسب
وقال ابن الذئبة الثقفي: «١»
أطعت النفس في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عند عبد «٢»
إذا ما جئتها قد بعت عذقا تعانق أو تقبّل أو تفدّي «٣»
فمن وجد الغنى فليصطنعه ذخيرته ويجهد كلّ جهد «٤»
وقال:
من يجمع المال ولا يثب به ويترك العام لعام جدبه «٥»
يهن على الناس هوان كلبه وقد قيل في المثل: «الكدّ قبل المدّ «٦»» . وقال لقيط: «الغزو أدرّ للقاح وأحدّ للسلاح» «٧» . وقال ابن المعافى:
إن التواني أنكح العجز بنته وساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا، ثم قال لها اتّكي فقصر كما لا بد أن تلدا الفقرا
وقال عثمان بن أبي العاص «٨»: «ساعة لدنياك، وساعة لآخرتك» .
وقال رسول الله ﷺ: أنها كم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»،
[ ٢٤١ ]
وقال: «خير الصدقة غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى «١»، وابدأ بمن تعول»، وقال النبي ﷺ: «الثلث والثلث كثير. إنك إن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكفّفوا الناس»، وقال ابن عبّاس «٢»: «وددت أن الناس غضّوا من الثلث شيئا، لقول النبي ﵇: الثلث والثلث كثير»، وقال النبي ﷺ:
«كفى بالمرء إثما يضيع من يقوت» . وأنتم ترون أن المجد والكرم إن أفقر نفسي بإغناء غيري، وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي. وقال في ذلك إبن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا «٣»
وقال آخر:
كمفسد أدناه ومصلح غيره ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح «٤»
وقال الآخر:
كمرضعة أولاد أخرى، وضيّعت بنيها، ولم ترقع بذلك مرقعا «٥»
وقال الله ﵎: «ولا تبذّر تبذيرا، إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين»، وقال: «ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو» فأذن في العفو، ولم يأذن في الجهد، وأذن في الفضول، ولم يأذن في الأصول. وأراد كعب بن مالك «٦» أن يتصدّق بماله، فقال له النبي ﷺ: «أمسك عليك مالك»، فالنبي ﷺ يمنعه من إخراج ماله في الصدقة، وأنتم تأمرونه بإخراجه في السرف
[ ٢٤٢ ]
والتبذير. وخرج غيلان بن سلمة «١» من جميع ماله فأكرهه عمر على الرجوع فيه، وقال: «لو متّ لرجمت قبرك، كما يرجم قبر أبي رغال» . وقال الله جل وعز: «لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه فلينفق مما آتاه الله» . وقال النبي ﷺ: «يكفيك ما بلّغك المحلّ» . وقال: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال الله ﵎: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا
«٢» . وقال النبي ﷺ: «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى «٣»» . وقال الله جل ذكره: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً «٤» إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا
ولذلك قالوا: «خير مالك ما نفعك، وخير الأمور أوساطها، وسرّ السير الحقحقة «٥» . والحسنة بين السيّئتين»، وقالوا: «دين الله بين المقصّر والغالي»، وقالوا في المثل: «بينهما يرمي الرامي»، وقالوا: «عليك بالسداد والإقتصاد ولا وكس ولا شطط» «٦»، وقالوا: «بين الممخّة والعجفاء «٧»»، وقالوا: «لا تكن حلوا فتبتلع ولا مرّا فتلفظ» وقالوا في المثل: «ليس الريّ عن التشاف «٨»» .
[ ٢٤٣ ]
وقالوا: «يا عاقد اذكر حلا «١»»، وقالوا: «الرشيف أنقع للظمآن «٢»» .
وقالوا: «القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع» . وقال أبو الدرداء: «إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها» . وقال الشاعر:
وإني لحلو تعتريني مرارة وإني لصعب الرأس غير جموح «٣»
وقالوا في عذل المصلح، ولائمة المقتصد: «الشحيح أعذر من الظالم» .
وقالوا: «ليس من العدل سرعة العذل»، وقالوا: «لعل له عذرا وأنت تلوم»، وقالوا: «ربّ لائم مليم»، وقال الأحنف: «رب ملوم لا ذنب له» .
وقال: «إعطاء السائل تضرية «٤»، وإعطاء الملحف مشاركة «٥»» . وقال النبي ﷺ: «لا تصلح المسألة إلا في ثلاث: فقر مدقع «٦»، وغرم مفظع «٧»، ودم موجع» . وقال الشاعر:
الحرّ يلحى، والعصا للعبد وليس للملحف غير الردّ «٨»
وقالوا: «إذا جدّ السؤال جدّ المنع»، وقالوا: «إحذر إعطاء المخدوعين، وبذل المغبونين، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور» . ولذلك قالوا: «لا تكن أدنى العيرين الى السهم «٩»» يقول: إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك
[ ٢٤٤ ]
أظهر لأعدائك من مقاتلهم. وقالوا: «الفرار بقراب أكيس»، وقال أبو الأسود: «ليس من العز أن تتعرّض للذلّ، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم» . ومن أخرج ماله من يده افتقر، ومن افتقر فلا بدّ له أن يضرع، والضرع «١» لؤم. وإن كان الجود شقيق الكرم، فالأنفة أولى بالكرم. وقد قال الأول: «اللهم لا تثر لي ماء سوء فأكون أمرأ سوء» . وقد قال الشاعر:
واخط مع الدهر إذا ما خطا واجر مع الدهر كما يجري
وقد قال الآخر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع «٢»
وقد صدق قول القائل: «من احتاج اغتفر، ومن اقتضى تجوّز «٣»»، وقيل لديسموس «٤»: «تأكل في السوق»؟ قال: «إن جاع ديسموس في السوق أكل في السوق»، وقال: «من أجدب انتجع، ومن جاع خشع»، وقال:
«احذروا نفار النعمة فإنها نوار. وليس كل شارد بمردود، ولا كل نادّ بمصرود «٥»» وقال عليّ بن أبي طالب: «قلّ ما ادبر «٦» شيء فاقبل» . وقالوا:
[ ٢٤٥ ]
«ربّ أكلة تمنع أكلات. وربّ عجلة تهب ريثا «١»»، وعابوا من قال: «أكلة وموتة»، وقالوا: «لا تطلب أثرا بعد عين» . وقالوا: «لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن» . فانظر كيف تخرج الدرهم، ولم تخرجه. وقالوا: «شرّ من المرزئة «٢» سوء الخلف» . وقال الشاعر:
إن يكن ما به أصبت جليلا فذهاب العزاء فيه أجلّ
ولأن تفتقر بجائحة «٣» نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة. ومن كان سببا لذهاب وفره، لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من غيره، وقلة الرحمة وكثرة الشماتة، مع الإثم الموبق «٤» والهوان على الصاحب.
وذكر عمر بن الخطاب فتيان قريش وسرفهم في الإنفاق، ومسابقتهم في التبذير، فقال: «لحرفة أحدهم أشدّ عليّ من عيلته «٥»» . يقول: إن إغناء الفقير أهون عليّ من إصلاح الفاسد.
ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة «٦»، وعلى أهلك أشأم من البسوس «٧»، وعلى قومك أشأم من عطر منشم «٨» . ومن سلّط الشهوات على ماله، وحكم الهوى في ذات يده، فبقي حسيرا، فلا يلومنّ إلا نفسه. وطوبى لك يوم تقدر على قدم تنتفع به. وقال بعض الشعراء:
[ ٢٤٦ ]
أرى كلّ قوم يمنعون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم «١»
أخوهم ما دارت الكأس بينهم وكلهم رث الوصال سؤوم «٢»
فهذا بياني لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم
وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد، فأما اليوم فقد استوى الناس. قال الأضبط بن قريع «٣»، لّما انتقل في القبائل، فأساؤوا جواره، بعد أن تأذّى ببني سعد: «بكل واد بنو سعد» .
خذ بقولي، ودع قول أبي العاص. وخذ بقول من قال: «عشّ ولا تغترّ»، ويقول من قال: «لا تطلب أثرا بعد عين»، ويقول من قال: «املأ حبّك من أول مطرة» و«دع ما يريبك الى ما لا يريبك» . أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة عقلك، ولم يأتك من جهة شهوتك. وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك، ولم تأمن لائمته إياك في غدك. وقال الآخر:
إن أخاك الصدق من لم يخدعك ومن يضير نفسه لينفعك «٤»
وقد قال عبيد بن الأبرص: «٥»
وأعلمن علما يقينا أنه ليس يرجى لك من ليس معك
ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وعين من عقلك على طباعك «٦»، أو ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق، والزوجة الصالحة عون صدق. والسعيد من وعظ بغيره. فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال خصلة واحدة، فلا بدّ لك من نكبة موجعة يبقى أثرها، ويلوح لك ذكرها، ولذلك
[ ٢٤٧ ]
قالوا: «خير مالك ما نفعك»، ولذلك قالوا: «لم يذهب من مالك ما وعظك» .
إن المال محروص عليه، ومطلوب في قعر البحار وفي رؤوس الجبال وفي دغل الغياض «١»، ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السهولة، وسواء فيها بطون الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها. فطلبت بالعز وطلبت بالذل، وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر، وطلبت بالنسك كما طلبت بالفتك «٢»، وطلبت بالصدق وطلبت بالكذب، وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق. فلم تترك فيها حيلة ولا رقية، حتى طلبت بالكفر بالله كما طلبت بالإيمان، وطلبت بالسخف كما طلبت بالنّبل. فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع، ونصبوا الشرك بكل ريع «٣» . وقد طلبك من لا يقصّر دون الظفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء. وقد يهدأ الطالب الطوائل «٤»، والمطلوب بذات نفسه، ولا يهدأ الحريص.
يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة، ولا نائية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، إلا وأنت واجد بها المديني والبصري والحيري «٥»، وقد ترى شنف «٦» الفقراء للأغنياء، وتسرّع الرغبة الى الملوك، وبغض الماشي للراكب، وعموم الجسد في المتفاوتين. فإن لم تستعمل الحذر، وتأخذ بنصيبك من المداراة، وتتعلم الحزم وتجالس أصحاب الإقتصاد، وتعرّف الدهور ودهرك خاصة، وتمثل لنفسك الغير حتى تتوهّم نفسك فقيرا ضائعا، وحتى تتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، ولا يكون أحد اتهم عند
[ ٢٤٨ ]
نفسك من ثقتك، ولا أولى بأخذ الحذر. منه من أمينك، اختطفت اختطافا واستلبت استلابا وذوّبوا مالك وتحيّفوه «١»، وألزموه السل ولم يداووه.
وقد قالوا: تلّى المال ربه وإن كان أحمق، فلا تكونّن دون ذلك الأحمق.
وقالوا: لا تعدم امرأة صناع ثلة «٢»، فلا تكونن دون تلك المرأة. وقد قال الأول في المال المضيّع المسلّط عليه شهوات العيال: ليس لها راع ولكن حلبة «٣» .
وليس مالك المال المعفى من الأضراس، فيقال فيه: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير. فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم بملء بطنك وبحقائقك، وبما ينوبك.
ولا يقال للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب؛ فكس في أمرك «٤»، وتقدّم في حفظ مالك، فإنّ من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين. والأكرمان بالدين والعرض. وقد قيل: «للرمي يراش السهم «٥» . وعند النطاح تغلب القرناء» «٦» . وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا «٧» قالت: «ليس عليك نسجه، فاسحق وخرّق «٨»» . وقد قال رسول الله ﷺ: الناس كلّهم سواء كأسنان المشط، والمرء كثير بأخيه. ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. فتعرّف شأن أصحابك، ومعنى جلسائك؛ فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم، وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك.
إني لست آمرك إلا بما أمرك به القرآن: ولست أوصيك إلا بما أوصاك به
[ ٢٤٩ ]
الرسول، ولا أعظّك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا. قال رسول الله ﷺ: «أعقلها وتوكّل «١»» . وقال مطرّف بن الشّخير «٢»: «من نام تحت صدف مائل وهو ينوي التوكّل، فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكّل «٣»» .
فأين التوقّي الذي أمر الله به؟ وأين التغرير «٤» الذي نهى عنه؟ ومن طمع في السلامة من غير تسلّم فقد وضع الطمع في موضع الأمانّي. وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر الله به، وإنما يحقق من الأمل ما كان هو المسبّب له. وفرّ عمر من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: «أتفرّ من قدر الله»؟ قال: «نعم إلى قدر الله» . وقيل له: «ينفع الحذر من القدر» ! فقال: «لو كان لحذر لا ينفع لكان الأمر به لغوا» . فإبلاء «٥» العذر هو التوكّل. وقال رسول الله ﷺ لرجل قال في خصومة: حسبي الله: «أبل الله عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: حسبي الله» . وقال لشاعر:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال الآخر:
فإن يكن القاضي قضى غير عادل فبعد أمور لا ألوم لها نفسي
وقال زهير البابّي: «إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف، وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي، ومتى ما لم أحفظ أيقنت بأنه محفوظ، فإني أشهدكم إني لم أتوكل قط. إنما التوكّل أن تعلم أنك متى أخذت
[ ٢٥٠ ]
بأدب الله أنك تتقلب في الخيرة مجزى «١» بذلك إما عاجلا وإما آجلا»، ثم قال: «فلم تجر أبو بكر؟ ولم تجر عمر؟ ولم تجر عثمان؟ ولم تجر الزبير «٢»؟ ولم تجر عبد الرحمن؟ ولم علّم الناس يتّجرون، وكيف يشترون ويبيعون؟ ولم قال عمر:
إذا اشتريت حملا فاجعله ضخما، فإن لم يبعه الخبر «٣» باعه المنظر؟ ولم قال عمر:
«فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين»؟ ولم قال عثمان، حين سئل عن كثرة أرباحه، قال: «لم أردّ من ربح قطّ»؟ ولم قيل: لا تشتر عيبا ولا شيبا؟
وهل حجر عليّ بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر «٤» إلا في إخراج المال في غير حقّه، وإعطائه في هواه؟ وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر، والتماس الشكر؟ وهل قال أحد ان إنفاقه كان في الخمور والقمار، وفي الفسولة «٥» والفجور؟ وهل كان إلا فيما تسمّونه جودا وتعدّونه كرما؟ ومن رأى أن يحجر على الكرام لكرمهم، رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم. وأيّ إمام بعد أبي بكر تريدون؟ وبأيّ سلف بعد عليّ تقتدون»؟
وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق، والصبر على النائبة، من عند لعموظ «٦» مستأكل وملّاق مخادع ومنهوم بالطعام شره، لا يبالي بأيّ شيء أخذ الدرهم، ومن أيّ وجه أصاب الدينار، ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما منقوما عليه، وليس يبالي إذا أكل كيف كان ذلك الطعام، وكيف كان سببه وما حكمه. فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك، وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل عدة لنوائبك. ولا يأمن الأيام إلا المضلّل، ولا يغتّر بالسلامة إلا المغفّل. فاحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء. سمنك في أديمك،
[ ٢٥١ ]
وغثّك «١» خير من سمن غيرك لو وجدته، فكيف ودونه أسل حداد «٢» وأبواب شداد.
قالت إمرأة لبعض العرب: «إن تزوّجتني كفيتك»، فأنشأ يقول:
إذا لم يكن لي غير مالك مسّني خصاص «٣» وبان الحمد مني والأجر
وما خير مال ليس نافع أهله وليس لشيخ الحي في أمره أمر
وقال المعلوط القريعي:
أبا هانيء لا تسأل الناس والتمس بكفّيك ستر الله، فالله واسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا إذا قلت: هاتوا، أن يملّوا فيمنعوا
عود إلى طرائف البخلاء:
ثم رجع الحديث إلى أحاديث البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم: