حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب «بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلّمكم الخير، وجعلكم من أهله.
قال الأحنف بن قيس «١»: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا الى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلّهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون:
إذا أردت أن ترى العيوب جمّة، فتأمّل عيّابا، فإنه إنما يعيب، بفضل ما فيه من العيب؛ وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب؛ وقبيح أن تنهي عن مرشد، أو تغري بمشفق. وما أردنا، بما قلنا، إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم. ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية، فيما بيننا وبينكم. ثم قد تعلمون أنّا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، فما كان أحقّكم، في تقديم حرمتنا بكم- أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم، فلا
[ ٢٧ ]
العذر المبسوط «١» عرفتم، ولا بواجب الحرمة قمتم.
ولو كان ذكر العيوب برّا وفضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا.
وإنّ من أعظم الشّقوة، وأبعد من السعادة، ألّا يزال يتذكر زلل «٢» المعلمين، ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غاط العاذلين «٣» ولا يحفل بعمد «٤» المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب لطعمه؛ وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطّاب، ﵁ ورحمه، لأهله: املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين.
وعبتم عليّ قولي: من لم يعرف مواقع السرف «٥» في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الإقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية وأشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، والى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الإقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون به في إبتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذلك، وشنّعتموه بجهدكم وقبّحتموه. وقد قال الحسن «٦» عند ذكر السّرف: إنه ليكون في الماعونين «٧»: الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء،
[ ٢٨ ]
حتى أردفه بالكلأ.
وعبتموني حين ختمت على سدّ «١» عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة لكعاء «٢»، وزوجة خرقاء. «٣»
وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فنّ، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات.
وكيف وهم لا يفقدون، من ذلك، وما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن وأعلف حماره السمسم المقشّر.
فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وختم على كيس فارغ، وقال: «طينة خير من طنّة «٤»» . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء.
وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين التأدّم «٥» باللحم والمرق، ولنجمع، مع الارتفاق «٦»، بالمرق
[ ٢٩ ]
الطيب؛ وقد قال النبي ﷺ: إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا.
وعبتموني بخصف النعال «١»، وبتصدير القميص «٢»، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى، وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الإجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع.
وقد كان النبي ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع «٣» إصبعه، ويقول: لو أتيت بذراع لأكلت، ولودعيت الى كراع لأجبت «٤» . ولقد لفّقت سعدى إبنة عوف إزار طلحة، وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض «٥» .
وكان في ثوب عمر رقاع أدم «٦» . وقال: من لم يستحي من الحلال، خفّت مؤونته، وقلّ كبره. وقالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» .
وبعث زياد رجلا يرتاد «٧» له محدّثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: «أكنت ذا معرفة به»؟ قال: «لا ولا رأيته قبل ساعته» . قال: «أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور، قبل أن توصله إليّ»؟ قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته»؟
قال: «يومنا يوم قائظ، ولم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا «٨»، فظننت به الحزم» .
[ ٣٠ ]
وقد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق؛ وقد جعل الله ﷿ لكل شيء قدرا وبوّأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا بالسمّ، وأمات بالغذاء، وأغصّ بالماء، وقتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع، مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع، مع الإسراف، التكبر. وقد زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف يد عنز، وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة، قال: إن كان لا بدّ فاجعلها بيّاضة. وعد أبو الدرداء «١» العراق «٢» جزر البهيمة «٣» .
وعتموني حين قلت: «لا يغترّنّ أحد بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقة عظمه، ووهن «٤» قوته، أن يرى أكرومته، ولا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمرّا، وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبّات الدهور، مما لا يخطر على البال، ولا تدركه العقول، فيستردّه ممن لا يرّده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب وأقبح ما يكون به الكسب» . فعبتموني بذلك، وقد قال عمرو بن العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك من يموت غدا» «٥» .
وعبتموني حين زعمت أن التبذير الى مال القمار، ومال الميراث،
[ ٣١ ]
وإلى مال الإلتقاط، وحباء «١» الملوك، أسرع، وأن الحفظ الى المال المكتسب والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب «٢» البدن، واهتمام القلب أسرع، وأن من لم يحسب ذهاب نفقته، لم يحسب الدخل، فقد أضاع الأصل، وأن من لم يعرف قدره، فقد أذن بالفقر وطاب نفسا بالذّل.
وزعمت أن كسب الحلال مضمّن بالإنفاق في الحلال؛ وأن الخبيث ينزع الى الخبيث؛ وأن الطيّب يدعو الى الطيّب؛ وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق؛ وأن الإنفاق في الحقوق، حجاز دون الهوى. فعبتم عليّ هذا القول؛ وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا والى جانبه حق مضيّع. وقد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث ينفق في السّرف.
وقلت لكم، بالشفقة مني عليكم، وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم، ولما يحب في جواركم، وفي ممالحتكم، وملابستكم: «أنتم في دار الآفات، والجوائح «٣» غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال عمر ﵁، في العبد والأمة، وفي ملك الشاة والبعير، وفي الشيء الحقير اليسير: «فرّقوا بين المنايا» . وقال ابن سيرين لبعض البحريين: «كيف تصنعون بأموالكم»؟
قال: «نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أنّ السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر» . قال ابن سيرين: تحسبها «خرقاء «٤» وهي صناع» «٥» .
[ ٣٢ ]
وقلت لكم، عند إشفاقي عليكم: «إنّ للغنى سكرا، وان للمال نزوة، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى، فقد أضاعه؛ ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد أهمله» .
فعبتموني بذلك؛ وقال زيد بن جبلة «١»: «ليس أحد أفقر من غنّي أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر» .
وقلتم: «قد لزم الحثّ على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره، بعد رسائلة، وفي خطبه، بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه منوع إذا ما منعه كان أحزما!
ومن ذلك قوله في محمد بن زياد:
وخليقتان: تقى وفضل تحرّم وإهانة، في حقه، للمال!
وعبتموني حين زعمت أنّي أقدم المال على العلم؛ لأن المال به يغاث العالم، وبه تقوم النفوس، قبل أن تعرف فضيلة العلم. وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأني قلت: «وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلّة «٢» نعمى» . وقلتم: «وكيف تقول هذا، وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم» . فقلت: حالهما هي الفاصلة بينهما؛ وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه، وشيء يغني بعضهم فيه عن بعض»؟.
وعبتموني حين قلت: «إن فضل الغني على القوت، إنما هو كفضل الآلة
[ ٣٣ ]
تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدّة» .
وقد قال الحضين بن المنذر «١»: «وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء» . قيل: «فما ينفعك من ذلك»؟ قال: «لكثرة من يخدمني عليه» .
وقال أيضا: «عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما» .
ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب الأهواء. كان رسول الله ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقالوا: «درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك» . فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع، الدرهم. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه ورضوانه: «إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم»، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين «٢» . وكان هشام يقول: «ضع الدرهم على الدرهم، يكّون مالا. ونهى أبو الأسود الدؤلي «٣»، وكان حكيما أديبا، وداهيا أريبا، عن وجودكم هذا المولّد، وعن كرمكم هذا المستحدث، فقال لإبنه: «إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض «٤»، ولا تجاود «٥» الله، فإن الله أجود منك» . وقال: «درهم من حلّ يخرج في حق، خير من عشرة آلاف قبضا» . وتلقّط عرجدا «٦» من برم فقال: «تضيعون مثل هذا، وهو قوت امرىء مسلم يوما إلى الليل»؟! وتلقط أبو الدرداء حبّات حنطة، فنهاه بعض المسرفين، فقال: «إيها، ابن العبسية، إن فقه المرء رفقه في معيشته» .
[ ٣٤ ]
فلستم عليّ تردّون ولا رأيي تفندون «١»، فقدّموا النظر قبل العزم، وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. والسلام» .
[ ٣٥ ]