وتغدّى محمد بن الأشعث «٣» عند يحيى بن خالد، فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن، وفضل ما بين الانفاق وزيت الماء «٤» . فقال محمد: «عندي زيت لم ير الناس مثله» . قال يحيى: «لا يؤتى منه بشيء»؟ فدعا محمد غلامه فقال: «إذا دخلت الخزانة، فانظر الجرّة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه بشيء» . قال يحيى: «ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه» .
وقرّب خبّاز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجا. وكان يعجبه ما رطب «٥» من الشواء؛ فقال لخبّازه:
«أتظنّ أن صنيعك يخفى عليّ؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه» . فبلغت أخاه فقال:
«ربّ جهل خير من علم» .
[ ١٩٣ ]
وكان رجل يغشى طعام الجوهريّ، وكان يتحرّى وقته ولا يخطيء.
فإذا دخل، والقوم يأكلون وحين وضع الخوان، قال: «لعن الله القدرية «١»، من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ إني سآكله»؟ فلما أكثر من ذلك، قال له رياح:
«تعال بالعشيّ أو بالغداة فإن وجدت شيئا فالعن القدريّة والعن آباءهم وأمهاتهم» «٢» .
وجاء غلام إلى خالد بن صفوان «٣» بطبق خوخ؛ إمّا أن يكون هدية، وإما أن غلامه جاء به من البستان؛ فلما وضعه بين يديه قال:
«لولا أني أعلم أنك أكلت منه لأطعمتك واحدة» .
وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية «٤»، وكنت في الذّنب وكان في الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة وفرخا واحدا مبرّدا، وأقبل بأكل ويتحدث ولا يعرّض عليّ.
وليس في السفينة غيري وغيره. فرآني أنظر اليه مرة، وإلى ما بين يديه مرة.
فتوهم أني أشتهيه واستبطئه، فقال لي: «لم تحدّق النظر؟ من كان عنده أكل مثلي، ومن لم يكن عنده نظر مثلك» . قال: ثم نظر إليّ وأنا أنظر إليه، فقال: «يا هناه أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيّب الطعام
[ ١٩٤ ]
وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة. وعين مثلك سريعة، فاصرف عني وجهك» قال: فوثبت عليه، فقبضت على لحيته اليسرى، ثوم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى، فما زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي.
ثم تحوّل إلى مكاني، فمسح وجهه ولحيته، ثم أقبل عليّ فقال: «قد أخبرتك أن عينك مالحة «١»، وأنك ستصيبني بعين» . قلت: «وما شبه هذا من العين»؟ قال: «إنما العين مكروه يحدث. فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه» . فضحكت ضحكا ما ضحكت مثله، وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا، وحتى كأني لم أفرط عليه «٢» .
هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا.
فأما أحاديث الأصمعي، وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد فيها ما يصلح لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب، وهي بضعة عشر حديثا:
قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي «٣»، وهو على الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسّه، إذ كان هو لا يمسّه. فأقدم عليه إعرابي يوما، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه، فلم يرض بأكل لحمه، حتّى تعرّق عظمه. فقال له المغيرة: «يا هذا، تطالب عظام هذا الجدي بذحل «٤»؟ هل نطحتك أمّة»؟ وكان الأصمعي يقول: إنما قال: «يا هذا تطالب عظام هذا البائس بذحل؟ هل نطحتك أمه»؟
[ ١٩٥ ]
قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق، فقال لرجل من الشرط: «إن أقدمت على جدي الأمير، أسقطت عنك نوبة سنة «١»» .
فبلغه ذلك، فشكاه إلى الحجّاج «٢» فعزله، وولى مكانه زياد بن جرير فكان أثقل عليه من عبد الرحمن. ولم يقدر على عزله، إذ كان قبل الحجاج. فكان المغيرة إذا خطب قال: «يا أهل الكوفة من بغاكم الغوائل «٣» وسعى بكم إلى أميركم، فلعنه الله ولعن أمه العوراء» .
وكانت أمّ زياد عوراء. فكان الناس يقولون: «ما رأينا تعريضا قظ أطيب من تعريضه» .
قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسّه، ولا يمسّه أحد. فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب. فعرض أشعب «٤» للجدي من بينهم.
فقال زياد: «أما لأهل السجن إما يصلي بهم»؟ قالوا: «لا» . قال:
«فليصلّ بهم أشعب» . فقال أشعب: «أو غير هذا أصلح الله الأمير» .
قال: «وما هو»؟ قال: أحلف بالمحرجات «٥» أن لا آكل لحم جدي أبدا» .
قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل البصرة، وكان عبد الملك بخيلا على الطعام جوادا بالدراهم،
[ ١٩٦ ]
فاستصحب الرجل شاكرا «١»، فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا. فأقبل عليه، فقال له: «ألف درهم خير لك من احتباسك علينا» . فاحتمل غرم ألف درهم، ولم يحتمل أكل رغيف.
وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك «٢» دجاجة، فقال له: «يكفيك ما بين يديك وما يليك» . قال الأعرابي: «ومنها شيء حمى «٣»»؟ قال: «فخذها لا بورك لك فيها» .
قالوا: وكان معاوية تعجبه القبة «٤» . وتغدّى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان «٥»، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية؛ قال معاوية: «إنك لبعيد النّجعة «٦»» . قال صعصعة: «من أجدب انتجع «٧»» .
[ ١٩٧ ]
وقالوا: دخل هشام بن عبد الملك «١» حائطا له «٢»، فيه فاكهة وأشجار وثمار، ومعه أصحابه؛ فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة. فقال هشام: «يا غلام اقلع هذا واغرس مكانه زيتون» .
قالوا: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه.
فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النوى في طست، فسمع صوت نواتين فقال: «من هذا الذي يلعب بالكعبين «٣»»؟
وقالوا: باع حويطب بن عبد العزّى «٤» دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار؛ فقيل له: «أصبحت كثير المال» . قال: «وما منفعة خمسة وأربعين ألفا مع ستة من العيال»؟
وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهما، فاستقله السائل.
فقال: «يا أحمق إن الدرهم عشر العشرة، وإن العشرة عشر المائة، وإن المائة عشر الألف، وإن الألف عشر العشرة آلاف. أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى ديّة «٥» مسلم»؟
[ ١٩٨ ]
قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام، وهو والي البصرة.
فوصفوا له الإستنقاع «١» في السمن. فكان إذا فرغ من الجلوس فيه أمر ببيعه. فاجتنب الناس في تلك السنة أكل السمن. وكان يفطر الناس في شهر رمضان، فكانوا يجلسون حلقا «٢»، وتوضع لهم الموائد، فإذا أقام المؤذن نهض بلال الى الصلاة، ويستحي الآخرون. فإذا قاموا الى الصلاة جاء الخبّازون فرفعوا الطعام.
قالوا: واحتقن عمرو بن يزيد الأسدي «٣» هو أحد الزعماء المشهورين في أيام الأمويين بحقنة فيها أدهان؛ فلما حرّكته بطنه، كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك الأدهان، فكان يجلس في الطست ويقول: «صفوا هذا، فإنه يصلح للسّراج» .
قالوا: وخبرنا جار له، قال: «رأيته يتخلل «٤» من الطعام بخلال واحد شهرا، كلما تغدّى حذف من رأسه شيئا، ثم تخلّل به، ثم وضعه في مجرى دواته.
وقالوا: كان ذراع الذرّاع مع خالد بن صفوان، فوضعوا بين يديه دجاجة، وبين يديه شيء من زيتون. فجعل يلحظ الدجاجة، فقال:
«كأنك تهم بها»، قال: «ومن يمنعني»؟ قال: «إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء» .
قالوا: مدّ يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرّة السعدي، فقال: «إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره» .
[ ١٩٩ ]
قالوا: ومات وعليه للدقّاق «١» وحده ثمانون ألف درهم، لكثرة طعامه.
وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجّاج على البصرة، فاستعمل على العرق «٢» جرير بن بيهس المازني، ولقب جرير العطرّق.
فخرج الحكم يتنزه، وهو باليمامة «٣»، فدعا العطرّق الى غدائه، فأكل معه، فتناول درّاجة «٤» كانت بين يديه، فعزله، وولى مكانه نويرة المازنّي، فقال: نويرة، وهو ابن عم العطرّق:
قد كان في العرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن درّاجة الحكم
وفي عوارض لا تنفكّ تأكلها لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم «٥»
وفي وطاب مملّاة مثمّمة فيها الصريح الذي يشفي من القرم
فلما ولى مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له فعزله، فقال نويرة:
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ونصحي، إذا ما بعتني بالمحلّق «٦»
ولا أنهل سرّاق العراقة صالح عليّ، ولا كلّفت ذنب العطرّق «٧»
فذهبت مثلا.
[ ٢٠٠ ]
وتناول رجل من قدّام أمير كان لنا «١» ضخم، بيضة، فقال: «خذها فإنها بيضة العقر «٢»» . فلم يزل محجوبا حتى مات.
وأتى ضيعة له يتنزه اليها، ومعه خمسة رجال من خاصّته، وقد حملوا معه طعام خمسمائة. وثقل عليه أن يأكلوا معه؛ واشتد جوعه؛ فجلس على مشارة «٣» بقل، فأقبل ينتزع الفجلة، فيطوي جزرتها بعرقها، ثم يأكلها من غير أن تغسل، من كلب «٤» الجوع، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا: «لو قد ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا» .
قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة «٥» على خوان معاوية، فرأى لقم «٦» عبد الرحمن. فلما كان بالعشّي، وراح إليه أبو بكرة، قال: ما فعل ابنك التّلقامة «٧»»؟ قال: «مثله لا يعدم العلة» .
وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقما منكرا، وهاله ما يصنع.
قال له: «ما اسمك»؟ قال: «لقمان» . قال: «صدق أهلك. أنت لقمان» «٨» .
[ ٢٠١ ]
قالوا: «وكان له دكان لا يسع إلا مقعده، وطبيقا «١» يوضع بين يده.
وجعله مرتفعا، ولم يجعل له عتبا، كي لا يرتقي اليه أحد. قالوا: فكان أعرابي يتحيّن وقته، ويأتيه على فرس، فيصير كأنه معه على الدكان. فأخذ دبّة وجعل فيها حصى، واتكأ عليها. فإذا رأى الأعرابي قد أقبل، أراه كأنه يحوّل متكأه، فإذا قعقعت الدبّة «٢» بالحصى نفر الفرس. قالوا: فلم يزل الأعرابي يدنّيه ويقعقع هو به، حتى نفر به فصرعه. فكان لا يعود بعد ذلك إليه.
[ ٢٠٢ ]