رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أميّة بن عبد الله بن أسيد، رغيفا من خوانه «١» بيده، ثم رطله «٢»، والقوم يأكلون، ثم قال: يزعمون أن خبزي صغار. أي إبن زانية يأكل من هذا الخبز رغيفين؟
وكنت أنا وأبو إسحاق، إبراهيم بن سيّار النظام، وقطرب النحوي «٣»، وأبو الفتح، مؤدّب منصور بن زياد، على خوان فلان بن فلان. والخوان من جزعة «٤»، والغضار «٥» صيني ملمّع، أو خلنجية كيماكيّة «٦»، والألوان طيّبة شهيّة، وغذية قدية، وكل رغيف في بياض الفضة، كأنه البدر، وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على قدر عدد الرؤوس.
فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة. ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يمدّوا بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة. وإنما هم في تنقير وتنتيف «٧» .
فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح، وتحت القصعة رقاقة «٨»، فقال: «يا أبا الفتح، خذ ذلك الرغيف فقطّعه، واقسمه على
[ ٨٢ ]
أصحابنا» فتغافل أبو الفتح، ثم أعاد عليه القول: فتغافل، فلما أعاد عيه القول: فتغافل، فلما أعاد عليه القول، الرابعة، قال: مالك، ويلك، لا تقطّعه بينهم؟ قطع الله أوصالك! قال: تبتلى على يدي غيري، أصلحك الله فخجّلناه مرّة، وضحكنا مرة، وما ضحك صاحبنا ولا خجل.
وزرته أنا والمكي، وكنت أنا على حمار مكاريّ، والمكّي على حمار مستعار. فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزّور»
. فكلّم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه، اسقوه ماء فقط. فسقوه ماء بئر، فلم يشربه الحمار، وقد مات عطشا. فأقبل المكّي عليه، فقال:
أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة؛ فهو لا يعرف إلا العذب. قال: فامزجوه له يا غلام.
فمزجوه، فلم يشربه. فأعاد المسألة، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي.
وقال لي مرة: يا أخي، إنّ أناسا من الناس يغمسون اللقمة الى أصبارها «٢» في المري، فأقول هؤلاء قوم يحبّون الملوحة، ولا يعجبون بالحامض. فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة «٣»، فيغمسها في الخل الحاذق، ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل، بعد التغريق، ساعة، فأقول: هؤلاء قوم يجمعون حبّ الحموضة الى حب الملوحة. ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل.
والخردل لا يرام: قل لي أي شيء طبائع هؤلاء؟ وأي ضرب هم؟ وما دواؤهم؟ وأي شيء علاجهم؟
[ ٨٣ ]
فلما رأيت مذهبه وحمقه، وغلبة البخل عليه، وقهره له، قلت: ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصبّاغ كله. قال: لا والله إن هو غيره! وصديق لنا آخر، كنا قد ابتلينا بمؤاكلته، وقد كان ظنّ أنّا قد عرفناه بالبخل على الطعام، وهجس ذلك في نفسه، وتوهّم أنّا قد تذاكرنا أمره.
فكان يتزيّد في تكثير الطعام، وفي إظهار الحرص على أن يؤكل، حتى قال: من رفع يده، قبل القوم، غرّمناه دينارا فيرى بعضهم أن غرم دينار أولى، فذلك منه محتمل في رضى نفسه، وما يرجو من نفع ذلك له.
ولقد خبّرني خبّاز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز، وأنه قال له: إنضج خبزي الذي يوضع بين يديّ، واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين. وأما خبز العيال والضيف، فلا تقرّبنّه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفا، وبقدر ما يتماسك فقط. فكلفّه العويص «١»، فلما أعجزه ذلك، جلده حدّ الزاني الحرّ.
فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي «٢»، فقال: ألم تعرف شأن الجدي؟ ضرب الشّواء ثمانين سوطا، لمكان الإنضاج. وذلك أنه قال له:
ضع الجدي في التنور، حين نضع الخوان، حتى أستبطئك أنا في إنضاجه، وتقول أنت: بقي قليل. ثم تجيئنا به، وكأني قد أعجلتك.
فماذا وضع بين أيديهم غير منضج، احتسبت عليهم بإحضار الجدي.
فإذا لم يأكلوه، أعدته الى التنور، ثم أحضرتناه، الغد، باردا، فيقوم الجدي الواحد مقام جديين. فجاء به الشوّاء يوما نضيجا، فعمل فيه القوم. فجلده ثمانن جلدة، جلد القاذف الحرّة.
حدثني أحمد بن المثنى، عن صديق لي وله، ضخم البدن، كثير
[ ٨٤ ]
العلم، فاشي الغلّة، عظيم الولايات، إنه إذا دعي على مائدته بفضل دجاجة، أو بفضل رقاق، أو غير ذلك، ردّ الخادم مع الخبّاز الى القهرمان «١»، حتى يصكّ «٢» له بذلك الى صاحب المطبخ.
ولقد رأيته، وقد تناول دجاجة، فشقّها نصفين، فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه، ونصفها الى الذي عن شماله. ثم قال: يا غلام جئني بواحدة رخصة، فإن هذه كانت عضلة «٣» جدا. فحسبت أن أقلّ ما عند الرجلين ألا يعود الى مائدته أبدا. فوجدتهما قد فخرا عليّ بما حباهما به، من ذلك، دوني.
وكانوا ربما خصّوه، فوضعوا بين يديه الدرّاجة «٤» السمينة، والدجاجة الرخصة. فانطفأت الشمعة في ليلة، من تلك الليالي، فأغار عليّ الأسواري «٥» على بعض ما بين يديه، واغتنم الظلمة، وعمل على أن الليل أخفى للويل. ففطن له، وما هو بالفطن إلا في هذا الباب، وقال:
كذلك الملوك، كانت لا تأكل مع السوقة.
وحدثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق «٦» التي ترفع عن مائدته، فما كان منها ملطخا دلك ذلك دلكا شديدا، وما كان منها قد ذهب جانب منه، قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك، لئلا يشكّ من رآه أنهم قد تعمّلوا ذلك، وما كان من الأنصاف والأرباع، جعل بعضه للثريد «٧»، وقطع بعضه كالأصابع، وجعل مع بعض القلايا.
[ ٨٥ ]
ولقد رأيت رجلا ضخما، فخم اللفظ، فخم المعاني، تربية في ظل ملك، مع علم جم ولسان عضب «١»، ومعرفة بالغامض من العيوب، والدقيق من المحاسن، مع شدّة تسرّع الى أعراض الناس، وضيق صدر بما يعرف من عيوبهم، وأن ثريدته لبلقاء «٢»، إلا أن بياضها ناصع، ولونها الآخر أصهب «٣» . فرأيت ذلك مرّة أو مرّتين. وكنت قد هممت قبل ذلك، أن أعاتبه على الشيء يستأثر به «٤»، ويخص به، وإن احتمل ثقل تلك النصيحة، وبشاعتها في حظّه، وفي النظر له. ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من حاقّ الإخلاص «٥»، ومن فرط الإخاء بين الأخوان.
فلما رأيت البلقة «٦»، هان عليّ التحجيل والغرّة «٧» . ورأيت أن ترك الكلام أفضل، وأن الموعظة لغو «٨» .
وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء.
ولعل ذلك أن يكون باطلا؛ وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما أخبرك به. وهو شيء لم أره إلا فيه، ولا سمعت به في غيره.
ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين، ولا في غيرهم من المستورين، في شيء. أما الصاحب، فإنّا لا نسميه لحرمته، وواجب حقه، والآخر لا نسمّيه لستر الله عليه، ولما يجب لمن كان في مثل حاله، وإنما نسمّي من خرج من هاتين الحالين، ولربما سميّنا الصاحب إذا كان
[ ٨٦ ]
ممن يمازح بهذا كثيرا، ورأيناه يتظرّف «١» به، ويجعل ذلك الظرف سلّما إلى منع شينه «٢» .