قالوا: كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن «٢» قد استخفى بالبصرة، في عبد القيس «٣»، من أمير المؤمنين أبي جعفر وعمّاله. وكان في غرفة قدامها جناح «٤» . وكان لا يطلع رأسه منها. فلما سكن الطلب شيئا، وثبت عنده حسن جوار القوم، صار يجلس في الجناح، يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص، لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة، فلما طالت به الأيام، ومرّت أيام السلامة،
[ ٢٥٩ ]
جعل في الجناح خرقا بقدر عينه. فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسمورا. ثم ما زال يفتحه الأول فالأول، إلى أن صار يخرج رأسه، ويبدي وجهه. فلما لم ير شيئا يريبه، قعد في الدهليز، فلما ازداد في الأنس، جلس على باب الدار، ثم صلّى معهم في مصلاهم ودخل، ثم صىّ بعد ذلك وجلس. والقوم عرب، فكانوا يفيضون في الحديث، ويذكرون من الشّعر الشاهد والمثل، ومن الخبر الأيام والمقامات. وهو في ذلك ساكت، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم، خرج عن أدبهم، وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم، فقال له: «يا شيخ إنا قوم نخوض في ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، وأنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك. ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كها، وأخبار المثالب «١» بأسرها، لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك. فلو عرّفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك، ومن مدح عدوّك» . فلطمه شيخ منهم وقال: «لا أمّ لك! محنة كمحنة الخوارج، وتنقير كتنقير العيّابين «٢» . ولم لا تدع ما يريبك الى ما لا يريبك، فسكت إلا عما توقن بأنه يسرّه»؟
قال: وقال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر، فتحولت الى شقّ بني تميم. فنزلت برجل، فأخذته بالثقة، وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم. وكان للرجل كنيف إلى جانب داره، يشرع في طريق لا ينفذ، إلا من مرّ به في ذلك الشارع رأى مسقك الغائط من خلاء ذلك الجناح. وكان صاحب الدار ضيّق لعيش، فاتّسع بنزولي عليه.
فكان القوم إذا مرّوا به، ينظرون إلى موضع الزبل والغائط، فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه. فبينا أنا جالس ذات يوم، إذ أنا
[ ٢٦٠ ]
بأصوات ملتفّة على الباب، وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر، وإذا الجيران قد اجتمعوا إليه، وقالوا: ما هذا الثلط «١» الذي يسقط من جناحك، بعد أن كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك. وهذا ثلط يعبّر عن كل غضّ. ولولا أنك انتجعت «٢» على بعض من تستر وتوارى لأظهرته. وقد قال الأول:
السّتر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر
ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى. فلسنا نأمن من أن يجرّ على الحيّ بليّة، ولست تبالي إذا حسنت حالك في عاجل أيامك الام يفضي بك الحال، وما تلقى عشيرتك. فأمّا أن تخرجه إلينا، وإما أن تخرجه عنا» .
قال عبد النور: فقلت: «هذه والله القيافة، ولا قيافة بني مدلج «٣» . إنا لله! خرجت من الجنة إلى النار» . وقلت: «هذا وعيد وقد أعذر من أنذر» .
فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء، ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك «٤» .