قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار الكتاب
[ ٢٧٣ ]
طويلا كبيرا، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون به وما يتهاجمون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب طويلا كبيرا، الى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، يتمادحون به وما يتهاجون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب.
الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزلّة «١» . ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر «٢»
وجاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله» . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن: «أو لم ولو بشاة»، وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمّان عمرو بن عبيد «٣» ويقولان: «لا يجيب الولائم» . يجعلان طعام الإملاك والإعراس والسبوع «٤» والختان وليمة.
والعرس معروف، إلا أن المفضّل الضبّي «٥» زعم أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: «لا عطر بعد عروس» . وكان الأصمعي يجعل العروس
[ ٢٧٤ ]
رجلا بعينه، كان بنى على أهله فلم يتعطر له، فسمّي بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الإسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في الخبر.
وأما الخرس «١» فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء.
وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة، والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء:
«تخرسي لا مخرّسة لك» . وفي الخرسة يقول مساور الوراق:
إذا أسدية ولدت غلاما فبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبير «٢» بأخبث ما يجدن من الطعام
قوال ابن القميئة: «٣»
شرّكم حاضر وخيركم د رّخروس من الأرانب بكر «٤»
فالخروس هي صاحبة الخرسة.
والأعذار طعام الختان، يقال: «صبي معذور وصبي معذر جميعا» .
وقال بعض أصحاب النبي ﷺ، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: «كنا إعذار عام واحد» . وقال النابغة:
فنكحن أبكارا وهنّ بإمّة أعجلنهننّ مظنّة الإعذار «٥»
فزعموا أنهم سمّوا طعام الإعذار بالاعذار للملابسة والمجاورة.
[ ٢٧٥ ]
كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتدلت تلك المعاني لم يتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: «ساق إليها صداقها» . وإنما كان هذا يقال حين كان الصّداق إبلا وغنما. وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه» . قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: «قد بنى فلان البارحة على أهله» وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبّته وخيمته، وذلك هو بناؤه.
ولذلك قال الأول:
لو نزل الغيث لأبنين امرءا كانت له قبّة سحق بجاد «١»
وكان الأصمعي يعدّ من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه.
ومن طعامهم الوكيرة، وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه تبرّك بإطعام أصحابه ودعائهم. ولذلك قال قائلهم:
خير طعام شهد العشيرة العرس والإعذار والوكيرة
ويسمّون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم:
«النقيعة» . قال الشاعر:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدّام «٢»
و«العقيقة» دعوة على لحم الكبش الذي يعقّ عن الصبي «٣» .
والعقيقة اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقّوا عنه
[ ٢٧٦ ]
أي احلقوا عقيقته. ويقولون. عقّ عنه، وعقّ عليه. فسميّ الكبش لقرب الجوار وسبب الملتبس: «عقيقة» . ثم سمّوا ذلك الطعام باسم الكبش.
وكان الأصمعي يقول: لا يقولنّ أحدكم: «أكلت ملّة» . بل يقول:
«اكلت خبزة» وإنما الملّة موضع الخبزة «١» . وكذلك يقول في الراوية والمزادة. يقول: الراوية هو الجمل، وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك «٢» .
فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم النقري، والممدوح الجفلي. وذلك أن صاحب المأدبة ووليّ الدعوة إذا جاء رسوله، والقوم في أحويتهم «٣» وأنديتهم، فقال: أجيبوا إلى طعام فلان، فجعلهم جفلة «٤» واحدة، وهي الجفالة، فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان، وقم أنت يا فلان، فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر. قال الهذلي:
وليلة يصطلي بالفرث «٥» جازرها يخصّ بالنقرى المثرين داعيها
يقول: لا يدعو فيها إلا أصحاب الثروة وأهل المكافأة، وهذا قبيح وقال في ذلك بعض ظرفائنا:
آثر بالجدي وبالمائدة من كان يرجو عنده العائدة
لو كان مكوكان في كفه من خردل ما سقطت واحدة «٦»
وقال طرفة بن العبد:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
[ ٢٧٧ ]
ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته «١» عاصم بن خليفة الضبيّ، شدّ عليه فطعنه وهو يقول:
«هذا وفي الحفلة لا يدعوني»
ويروي: «في الجفلة لا يدعوني» . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه.
والطعام المذموم عندهم ضربان، أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت «٢» واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء. من ذلك الفث «٣» والدعاع «٤» والهبيد «٥» والقرامة والقرّة والعسوم ومنقع البرم «٦» والقصيد والقدّ «٧» والحيّات. فأما الفظ فانه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا الباب، وكذلك المجدوح. فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفاوز؛ وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الابل وتلقوا ألبابها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء؛ فاذا برد الدم ضربوه بأيديهم، وجدحوه «٨» بالعيدان جدحا حتى ينقطع، فيعتزل ماؤه من ثقله، كما يخلص الزبد بالمخض والجبن بالأنفحة «٩»، فيتصافنون «١٠» ذلك الماء ويتبلّغون به، حتى يخرجوا من المفازة. وقال الشاعر:
[ ٢٧٨ ]
لم تأكل الفثّ والدّعاع ولم تجن هبيدا يجنيه مهتبده
قال أميّة ابن أبي الصلت: «١»
ولا يتنازعون عنان شرك ولا أقوات أهلهم العسوم
ولا قرد يقزز من طعام ولا نصب ولا مولى عديم
وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، في القرّة، وهو يعيّر بني أسد وناسا من هوازن «٢» وهما ابنا القملية «٣»:
ألم تر جرما أنجدت وأبوكم مع القمل في حفر الأقيصر شارع «٤»
إذا قرّة جاءت يقول أصب بها سوى القمل، إني من هوازن ضارع «٥»
و«القرامة»: نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها.
و«العلهز»: القردان ترضّ وتعجن بالدم «٦» . و«القرّة»: الدقيق المختلط بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا على رأسه قبضة من دقيق، ليكون صدقة على الضرائك، وطهورا له. فمن أخذ ذلك الدقيق للأكل فهو معيب.
وفي أكل الحيّات يقول ابن مناذر:
فإيّاكم والريف لا تقربنّه فان لديه الحتف والموت قاضيا
وهم طردوكم عن بلاد أبيكم وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
[ ٢٧٩ ]
وقال القطامي «١» في أكلهم القدّ:
تعمّمت في طلّ وريح تلفّني وفي طرمساء غير ذات كواكب «٢»
الى حيزبون توقد النار بعد ما تلفّعت الظلماء من كل جانب «٣» .
فسلمت، والتسليم ليس يسرّها ولكنه حق على كل جانب «٤»
فلما تنازعنا الحديث سألتها: من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب «٥»
من المشتوين القد في كل شتوة وإن كان ريف الناس ليس بناصب «٦»
وقال الراعي: «٧»
بكى معوز من أن يضاف وطارق يشدّ من الجوع الإزار على الحشا
الى ضوء نار يشتوى القدّ أهلها وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار، فيمدحون من آثر صاحبه، ولا يذمّون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة «٨» . و«المصافنة»: مقاسمة هذا الماء بعينه؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الريّ اقتسموه بالسواء، ولم يكن للرئيس ولصاحب المرباع والصفيّ وفضول المقاسم «٩» فضل على أخسّ القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء. قال الفرزدق:
[ ٢٨٠ ]
فلما تصافنّا الإدواة أجهشت إليّ غضون العنبريّ الجراضم «١»
على ساعة لو أنّ في القوم حاتما على جوده ضنّت به نفس حاتم
وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن مامة «٢»، حين آثر بنصيبه رفيقه النمري، فقال:
ما كان من سوقة أسقى على ظمأ خمرا بماء إذا ناجودها بردا «٣»
من ابن مامة كعب ثم عيّ به زوّ المنية إلا حرة وقدا «٤»
أوفى على الماء كعب ثم قيل له رد كعب، إنك ورّاد فما وردا
وفي المصافنة يقول الأسدي «٥»:
كأن أطيطا يابنة القوم لم ينخ قلائص يحكيها الحنّي المنقّح «٦»
ولم يسق قوما فارسيّ على الحصى صباب الأداوي والمطيّات جنّح «٧»
ويزعمون أنّ الحصاة التي إذا غمرها الماء في الاناء كانت نصيب أحدهم تسمى «المقلة» «٨» . وهذا الحرف سمعته من البغداديين، ولم أسمعه من أصحابنا، وقد برئت إليك منه.
وقال ابن جحوش في المصافنة:
ولما تعاورنا الإدواة أجهشت الى الماء نفس العنبريّ الجراضم
[ ٢٨١ ]
وآثرته لما رأيت الذي به على النفس أخشى لا حقات الملاوم «١»
فجاء بجلمود له مثل رأسه ليشرب حظّ القوم بين الصرائم «٢»
وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وأن أحدهم ليجوع حتى يشدّ على بطنه الحجارة، وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار «٣»، وينزع عمامته من رأسه فيشدّ بها بطنه. وإنما عمامته تاجة، والأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان حاسرا «٤»، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيّها وتضاعف أثنائها. ولربما اعتمّ بعمامتين، ولربما كانت على قلنسوة خدرية «٥» . وقال مصعب بن عمير الليثي:
سيروا فقد جنّ الظلام عليكم فبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم
دفعنا اليه وهو كالذيخ خاطيا نشدّ على أكبادنا بالعمائم «٦»
وقال الراعي في ذلك:
يشبّ لركب منهم من ورائهم فكلهم أمسى الى ضوئها سرى
الى ضوء نار يشتوي القدّ أهلها وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
فلما أناخوا واشتكينا اليهم بكوا وكلا الخصمين مما به بكى «٧»
بكى معوز من أن يضاف وطارق يشدّ من الجوع الإزار على الحشا
[ ٢٨٢ ]
ومما يدل على ما هم فيه من الجهد، وعلى امتداحهم بالأثرة، قول الغنوي «١»:
لقد علمت قيس بن عيلان أننا نضار، وأنا حيث ركّب عودها «٢»
إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ببعض، ويبلى شحّ نفس وجودها «٣»
وأنّا مقار حين يبتكر الغضا إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها «٤»
وقال في ذلك العجير السلولّي «٥»:
من المهديات الماء بالماء بعد ما رمى بالمقاري كل قار ومعتم «٦»
وقال آخر في مثل هذا:
لنا إبل يروين يوما عيالنا ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع
تمدّهم بالماء لا من هوانهم ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع
على أنها تغشى أولئك بيتها على اللحم حتى يذهب الشر أجمع
وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ﷺ أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: «من يستعفّ «٧» يعفّه الله، ومن يستعن يعنه الله، رجعت ولم أسأله» .
[ ٢٨٣ ]
قال أعرابي: «جعت حتى سمعت في مسامعي دويا. فخرجت أريغ «١» الصيد، فإذا بمغارة، وإذا جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادّهنت وأحتذيت» .
ولما قدم المغيرة «٢» القادسيّة «٣» على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ضيق شديد من الحال، نحروها، وأكلوا لحومها، وأدّهنوا مشحوبها، واحتذوا «٤» جلودها.
وذكر الأصمعي عن عثمان الشحّام، عن أبي رجاء العطاردي «٥»، قال: «لما بلغنا أن النبي ﷺ قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفينا «٦» وألقينا عليها جمالتنا «٧» . فلا أنسى تلك الأكلة» . وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: «نعم الأدام الجوع. ونعم شعار المسلمين التخفيف» .
وذكروا عن عبد الملك بن عمير، «٨» عن رجل من بني عذرة، قال:
خرجت زائرا لأخوال لي بهجر «٩»، فاذا هم في برث. «١٠» أحمر، بأقصى
[ ٢٨٤ ]
حجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو «١» بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصّفة والمعوة «٢» . فتنكبت قوسي، وتقلدت جفيري «٣» . فإذا هي قد أقبلت، فرميتها فخرّت لفيها.
فأدركت فقوّرت سرّتها ومعرفتها «٤»، فقدحت ناري، وجمعت حطبي، ثم دفنتها. ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم، فما استيقظت إلا بحرّ الشمس في ظهري. ثم كشفت عنها، فإذا لها غطيط «٥» من الودك «٦»، كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم قمت إلى الرطب، وقد ضربه برد السحر، فجنيت المعوة والحلقان فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة، ثم سلاءة. وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطود.
وأنا اتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب. وهو من أحاديث الهيثم «٧» .
وقال مديني لأعرابي: «أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون»؟
قال: «نأكل ما دبّ ودرج إلا أم حبين «٨»»، فقال المديني: «لتهن أم حبين العافية» .
[ ٢٨٥ ]
وقال الأصمعي: تعرّق أعرابي عظما، فلما أراد أن يقليه، وله بنور ثلاثة، قال له أحدهم: «أعطنيه» قال: «وما تصنع به»؟ قال:
«أتعرّقه، حتى لا تجد فية مقيلا»، قال: «ما قلت شيئا»، قال الثاني:
«أعطنيه»، قال: «وما تصنع به»؟ قال: «أتعرّقه، حتى لا يدرى ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله»، قال: «ما قلت شيئا»، قال الثالث: «أعطنيه»، قال: «وما تصنع به»؟ قال: «أجعله مخّة إدامه»، قال «أنت له» .
وقال الآخر:
فإنك لم تشبه لقيطا وفعله وإن كنت أطعمت الأرزّ مع التمر
وقال الآخر:
إذا أنغاض منها بعضها لم تجد لها دوّيا لما قد كان منها مدانيا «١»
وإن حالوا أن يشعبوها رأيتها على الشعب لا تزداد إلا تداعيا «٢»
معوّذة الأرحال، لم ترق مرقبا، ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «٣»
ولا اجتزعت من نحو مكة شقة إلينا، ولا جازت بها العيس واديا «٤»
ولكنها في أصلها موصلية مجاورة فيضا من البحر جاريا «٥»
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا، وتعقب فيما بين ذاك المراديا «٦»
فقلت: لمن هذي القدور التي رأى تهيل عليها الريح تربا وسافيا؟ «٧»
فقالوا: وهل يخفى على كل ناظر قدور رقاش أن تأمّل رائيا «٨»
[ ٢٨٦ ]
فقلت: متى باللحم عهد قدوركم؟ فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا
ألاضحى الى الأضحى، وإلا فانها تكون كنسج العنكبوت كما هيا
فلما استبان الجهد لي في وجوههم وشكواهم أدخلتهم في عياليا
فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا أشاروا جميعا لجّة وتداعيا «١»
ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم ما أنا كاتبه لك. وهم وإن كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن حالا في الخصب. فلا تظنّن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل.
وحدثني الأصمعي، قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: «ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة «٢»، وهي له معرضة، شبعا» .
وقال الأفوه الأوديّ «٣»:
تهنا لثعلبة بن قيس جفنة يأوي إليها في الشتاء الجوّع
ومذانب لا تستعار وخيمة سوداء عيب نسيجها لا يرقع «٤»
وكأنما فيها المذانب حلقة وذم الدلاء على دلوج ينزع «٥»
وقال معن بن أوس، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص «٦»، في بعض ما يمدحه:
أخو شتوات لا تزال قدوره يحلّ على أرجائها ثم يرحل «٧»
[ ٢٨٧ ]
إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها لو شك قراها وهي بالجزل تشعل
سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت كهدر الجمال رزّما حين تجفل «١»
ترى البازل الكوماء فيها بأسرها مقبّضة في قعرها ما تحلحل «٢»
كأن الكهول الشمط في حجراتها تغطرش في تيارها حين يجفل «٣»
إذا التطمت أمواجها فكأنها عوائذ دهم في المحلّة قيّل «٤»
إذا أحتدمت أمواجها فكأنما يزعزها من شدة الغلي أفكل «٥»
تظل رواسيها ركودا مقيمة لمن نابه فيها معاش ومأكل «٦»
وضاف «٧» الفرزدق أبا السحماء، سحيم بن عامر، أحد بني عمرو بن مرثد، فأحمده وذكر في إحماده قدره، فقال:
سألنا عن أبي السحماء حتى أتينا خير مطروق لساري
فقلنا: يا أبا السحماء إنّا وجدنا الأزد أبعد من نزار
فقام يجرّ من عجل إلينا أسابيّ العنّاس مع الإزار «٨»
وقام الى سلافة مسلحبّ رثيم الأنف مربوب بقار «٩»
تدور عليهم والقدر تغلي بأبيض من سديف الكوم واري «١٠»
كأن تطلّع الترعيب فيها عذارى يطلعن إلى عذاري «١١»
[ ٢٨٨ ]
وقال الكميت في صفة القدر:
إوّز تغمّس في لّجة تغيب مرارا وتطفو مرارا
كأن الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا «١»
وأما ما ذكروا من صفات القدور، من تعيير بعضهم بعضا، فهو، كما أنشدني محمد ابن يسير: قال: لما قال الأول:
إن لنا قدرا ذراعين عرضها وللطول منها أذرع وشبار «٢»
قال الآخر: وما هذه؟ أخزى الله هذه قدرا. ولكنّي أقول:
بوّأت قدري موضعا فوضعتها برابية من بين ميث وأجرع «٣»
جعلت لها هضب الرخام وطخفة وغولا أثافي دونها لم تنزّع «٤»
بقدر كأن الليل سحمة قعرها ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
يعجّل للأضياف واري سديفها ومن يأتها من سائر الناس يشبع
قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق:
وقدر كحيزوم النعامة أحمشت بأجذال خشب زال عنها هشيمها «٥»
قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ولكني أقول:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل
[ ٢٨٩ ]
وقال عبد الله بن الزبير «١» يمدح أسماء بن خارجة:
ألم تر أن المجد أرسل يبتغي حليف صفاء وأتلى لا يزايله «٢»
تخيّر أسماء بن حصن فبطنت بفعل العلى أيمانه وشمائله
ترى البازل «٣» البختي فوق خوانه مقطعة أعضاؤه ومفاصله
ومما يجوز في هذا الباب، وإن لم يكن فيه صفة قدر، قول الفرزدق في العذافر بن زيد، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة:
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر خيرا من خوان العذافر «٤»
ولو ضافه الدجّال يلتمس القرى وحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة يأجوج ومأجوج جوّعا لأشبعهم شهرا غداء العذافر
وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم «٥»:
لو شاء بشر كان من دون بابه طماطم سود أو صقالبة حمر «٦»
ولكن بشرا أسهل الباب للتي يكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفه حذار الغواشي باب دار ولا ستر «٧»
وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور. قال الرقاشي:
لنا من عطاء الله دهماء جونة تناول بعد الأقربين الأقاصيا «٨»
[ ٢٩٠ ]
جعلنا ألالا والرجام وطخفة لها فاستقلت فوقهن أثافيا «١»
مؤدية عنا حقوق محمد إذا ما أتانا بائس الحال طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربها إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا
فأجابه ابن يسير، فقال:
وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «٢»
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي: ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
وقال ابن يسير في ذلك:
قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار مثل القدور، ولم تفتصّ من غار «٣»
لكنّ قدر أبي حفص، إذا نسبت يوما، ربيبة آجام وأنهار «٤»
فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانيء الحكمي، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا، فقال:
ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت مركّبة الآذان أمّ عيال «٥»
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرها وتنزلها عفوا بغير جعال «٦»
ولو جئتها ملآى عبيطا مجزّلا لأخرجت ما فيها بعود خلال «٧»
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كل هزال
[ ٢٩١ ]
وقال النمر بن تولب:
لها ما تشتهي: عسل مصفّى وإن شاءت فحوّاري بسمن
ومن أشرف ما عرفوه من الطعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان «١»، وهو الفالوذق. مدحه بذلك أميّة بن أبي الصلت، فقال:
الى ردح من الشيزى عليها لباب البّر يلبك بالشّهاد «٢»
ولهم الثريد، وهو في أشرافهم عامّ، وغلب عليه هاشم، حين هشم الخبز لقومه، وقد مدح به في شعر مشهور، وهو قوله:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف «٣»
ومن الطعام الممدوح الحيس «٤» . وتزعم مخزوم «٥» أن أول من حاس الحيس سويد ابن هرمّي. وقال الشاعر:
وإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
والخبز عندهم ممدوح. وكان عبد الله بن حبيب العنبري، أحد بني سمرة، يقال له: آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وكان سيدبني العنبر في زمانه. وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير، يعني ثوب ابن شجمة العنبري. وهم يقدّمون اللحم على اللبن، ولذلك قال شاعرهم:
[ ٢٩٢ ]
ولو أنها لم تدفع الرّسل دمها رأى بعضها من بعض أنسابها دما
ويقدّمون اللحم على التمر، ألا تراه يقول:
قرتني عبيد تمرها وقريتها سنام مصرّاة قليل ركوبها «١»
فهل يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثا حين يلقى عسيبها «٢»
وليس يكون فوق عقر الابل وإطعام السنام شيء. والعقر هو النجدة، واللبن هو الرسل. قال الهذلي:
لو أن عندي من قريم رجلا لمنعوني نجدة أو رسلا
وقال الهذلي:
«ألا إنّ خير الناس رسلا ونجدة «٣»» وقال المرّار بن سعيد الفقعسي:
لهم إبل لا من ديّات ولم تكن مهورا ولا من مكسب غير طائل «٤»
ولكن حماها من شماطيط غارة خلال العوالي فارس غير مائل «٥»
مخيّسة في كل رسل ونجدة ومعروفة ألوانها في المعاقل «٦»
وقد وصفوا الثريد، فقال الراعي:
فبات يعدّ النجم من مستحيرة «٧» سريع على أيدي الرجال جمودها
[ ٢٩٣ ]
وقال فيها أيضا:
رأيت قدور الناس سودا على الصلى، وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر «١»
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا لأخرجت ما فيها على طرف الظفر
يبيّنها للمعتفي بفنائهم ثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر «٢»
تبينّ في محراثها أن عوده سليم صحيح، لم يصبه أذى الجمر «٣»
تروح على حيّ الرباب ودارم وسعد، وتعروها قراضبة الفزر «٤»
وللحيّ عمرو نفحة من سجالها وتغلب والبيض اللهاميم من بكر «٥»
إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها أمامهم الحوليّ من ولد الذرّ «٦»
وقال بعض التميميين، وهو يهجو ابن حبّار:
لو أن قدرا بكت من طول ما حبست من الحفوف بكت قدر ابن حبار «٧»
ما مسها دسم مذ فضّ معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار
والشعوبية والآزادمردية «٨» المبغضون لآل النبي ﷺ وأصحابه، ممن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلام، تزيّد في جشوبة عيشهم، وخشونة ملبسهم، وتنقص من نعيمهم ورفاهة عيشهم. وهم من أحسن الأمم حالا مع الغيث، وأسوأهم حالا إذا خفّت السحاب. حتى ربما
[ ٢٩٤ ]
طبّق الغيث الأرض بالكلأ والماء فعند ذلك يقول المصرم «١» والمقتر:
«مرعي ولا أكولة»، وعشب ولا بعير، وكلأ تبجع له كبد المصرم» .
ولذلك قال شاعرهم:
وجنّبت الجيوش أبا زينب وجاد على مسارحك السحاب
وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيّب وعرفوه، لأنّ الناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش. فقال زياد بن فياض، يذكر الدرمك «٢»، وهو الحوّاري:
ولاقت فتى قيس بن عيلان ماجدا إذا الحرب هرّتها الكماة الفوارس «٣»
فقام الى البرك الهجان بسيفه وطارت حذار السيف دهم قناعس «٤»
فصادف حدّ السيف قبّاء جلعدا فكاست وفيها ذو غرارين نائس «٥»
فأطعمها شحما ولحما ودرمكا ولم تثننا عنه الليالي الحنادس «٦»
وقال:
تظلّ في درمك وفاكهة وفي شواء ما شئت أو مرقه
وقال جرير:
تكلّفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقّق والصنّاب؟
[ ٢٩٥ ]
وقال حسان بن ثابت:
ثريد كأنّ السمن في حجراته نجوم الثريا أو عيون الضياون «١»
وقال بن هرمة:
الى أن أتاهم بشيزية «٢» تعنّ كواكبها الشبّك
وقال كامل بن عكرمة:
فقرّب بينهم خبزا ركودا «٣» كساها الشحم ينهمر انهمارا
يدفّ بها غلاماه جميعا تردّهما الى الأرض انهصارا «٤»
فأصبح سورهم فيها وعلمي لو أن العلم صنّفها إسارا «٥»
فهذا في صفة الثريد.
وقال بشر بن أبي خازم:
ترى ودك السديف على لحاهم كلون الرار لبّده الصقيع «٦»
وقال الآخر:
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه وطيب الدهان رأسه، فهو أنزع «٧»
[ ٢٩٦ ]
إذا النفر السود اليمانون حاولوا له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا «١»
وقال الزبير بن عبد المطلب:
فإنا قد خلقنا إذ خلقنا لنا الحبرات والمسك الفتيت «٢»
ولولا الحمس لم يلبس رجال ثياب أعزّة حتى يموتوا «٣»
ثيابهم شمال أو عباء بها دنس كما دنس الحميت «٤»
فميزّ كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم.
وقال الأعشى:
للشرف العود فأكنافه ما بين حمران فينصوب «٥»
خير لها إن خشيت جحره من ربها زيد بن أيّوب «٦»
متكئا تقرع أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا «٧»
وليس هذا من باب الافراط. وباب الافراط كقول جران العود وصف نفسه وعشيقته، فقال:
فأصبح في حيث التقينا غدية سوار وخلخال ومرط مطرف «٨»
[ ٢٩٧ ]
ومنقطعات من عقود تركنها كجمر الغضا في بعض ما تتخطرف «١»
ومن ذلك قول عديّ بن زيد:
يا لبينى أوقدي النارا إن من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرقبها تقضم الهنديّ والغارا «٢»
وقال الآخر:
أرى في الهوى نارا لظبية أوقدت يشبّ ويذكى بعدهنّ وقودها «٣»
تشبّ بعيدان اليلنجوج موهنا وبالرند أحيانا فذاك وقودها «٤»
قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو، وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم والصنف الآخر كالخزيرة التي تعاب بها مجاشع بن دارم «٥»، وكنحو السخينة «٦» التي تعاب بها قريش.
قال خداش بن زهير «٧»:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرم «٨»
وقال عبد الله بن همّام «٩»:
إذا لضربتهم حتى يعودوا بمكة يلعقون بها السخينا
[ ٢٩٨ ]
وقال جرير:
وضع الخزير، فقيل: أين مجاشع فشحا جحافله هجفّ هبلع «١»
والخزير لم يكن من طعامهم، وله حديث. والسخينة كانت من طعام قريش.
وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان بقرب النخل، بأكل التمر، فقال الفرزدق:
لست بسعديّ على فيه حبرة ولست بعبديّ حقيبته التمر «٢»
وتهجى أسد بأكل الكلاب، وبأكل لحوم الناس. والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح القبيلة بفعل جميل، وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها. فتهجو قريشا بالسخينة، وعبد القيس بالتمر. وذلك عامّ في الحيين جميعا، وهما من صالح الأغذية والأقوات. كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد، ولعلّك إذا أردت التحصيل تجده معذورا. قال الشاعر:
يا فقعسي «٣» لم أكلته لمه؟ لو خافك الله عليه حرّمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
وقال في ذلك مساور بن هند:
إذا أسدّية ولدت غلاما فبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام
ترى أظفار أعقد ملقيات براثنها على وضم الثمام «٤»
[ ٢٩٩ ]
وقال:
بني أسد إن تمحل العام فقعس فهذا إذا دهر الكلاب وعامها
وقال الفرزدق:
إذا أسديّ جاع يوما ببلدة وكان سمينا كلبه فهو آكله
وقال شريح بن أوس، وهو يهجو أبا المهوّش الأسدي:
عيّرتنا تمر العراق وبرّه وزادك أير الكلب حسحسة الجمر
وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. قال الشاعر في هذيل:
وأنتم أكلتم سحفة ابن محدّم زمانا فلا يأمنكم أحد بعد «١»
تداعوا له من بين خمس وأربع وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد «٢»
ورفعتم جردانه لرئيسكم معاوية الفلحاء يا لك ما شكد «٣»
وقال حسان فيهم:
إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له فائت الرجيع وسل عن دار لحيان «٤»
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم فالشاة والكلب والانسان سيّان «٥»
وهجا شاعر بلعنبر «٦»،، وهو يريد ثوب بن شحمة، وفيه حديث:
[ ٣٠٠ ]
عجلتم ما صدّكم علاجي من العنوق ومن النعاج «١»
حتى أكلتم طفلة كالعاج «٢»
ولما عيّر ثوب بن شحمة بأكل الفتى لحم المرأة، إلى أن نزل هو من الجبل، قال:
يا بنت عمي ما أدراك ما حسبي إذا لا تجنّ خبيث الزاد أضلاعي
إني لذو مرّة تخشى بوادره عند الصياح بنصل السيف قرّاع
فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم أمرأة، وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما خبيثا، ولو مات عندهم جوعا. وله قصص.
ولقد أسر حاتم الطائي، وظل عنده زمانا.
وقال الشاعر يهجو باهلة بمثل ذلك:
إنّ غفاقا أكلته باهله تمشّشوا عظامه وكاهله «٣»
وأصبحت أم غفاق ثاكله «٤»
وهجيت بذلك أسد جميعا، بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة، حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب، وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق الغيظ والغيرة، فقال ابن دارة ينعي ذلك عليهم:
أفي أن رويتم واحتلبتم شكيّكم فخرتم؟ وفيم الفقعسيّ من الفخر؟ «٥»
[ ٣٠١ ]
ورملة كانت روجة لفريقكم وأخت فريق، وهي مخزية الذكر «١»
أبا أرب كيف القرابة بينكم وإخوانكم من لحم أكفالها عجر «٢»
وقال:
عدمت نساء بعد رملة فائد بني فقعس تأتيكم بأمان
وباتت عروسا ثم أصبح لحمها جلا في قدور بينكم وجفان «٣»
وقال البراء بن ربعي، أخو مضرّس بن ربعي، يعيّر صلتا، وهو أخوه، فقال:
يا صلت إنّ محلّ بيتك منتن فارحل فان العود غير صليب
وإذا دعاك الى المعاقل «٤» فائد فاذكر مكان صدارها المسلوب
والآن فادع أبا رجال إنها شنعاء لا حقة بأمّ حبيب
وأبو رجال هذا عمها. وقال في ذلك معروف الدبيري:
إذا ما ضفت ليلا فقعسيا فلا تطعم له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعه وخير الزاد ما منع الحراما
وعيرت كلب والقين بن جسر بأكل الخصى. وذلك بسبب النساء، وذلك أن واحدا منهم لما أطعم خصييه بسبب العبث بامرأة، سار مع من ركبوا ذلك منه فيهم مثل هذه السيرة، فقال بعض من ركب ذلك:
أبلغ لديك بني كلب وإخوتهم كلبا فلا تجترّوا بعدي على أحد
هذي الخصى فكلوها من نفوسكم كما أكلتم خصاكم في بني أسد
[ ٣٠٢ ]
وهذا الباب يكثر ويطول، وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات. فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية «١» . فإنه هناك مستقصى.
والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح، فيجاوبه الكلب، فيتبع صوته. ولذلك قال الشاعر:
ومستنج أهل الثرى يطلب القرى الينا وممساه من الأرض نازح «٢»
وقال الآخر:
عوى حدس والليل مستحلس الندى لمستنبح بين الرميثة والحضر «٣»
ويدلّك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب قول حميد الأرقط:
وعاو عوى والليل مستحلس الندى وقد ضجعت للغور تالية النجم «٤»
فمنهم من يبرز كلبه ليجيب، ومنهم من يمنعه ذلك. قال زياد الأعجم، وهو يهجو بني عجل:
وتكعم كلب الحيّ من خشية القرى وقدرك كالعذراء من دونها ستر «٥»
وقال آخر:
نزلنا بعمّار فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل «٦»
فقلت لأصحابي، أسرّ إليهم: إذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟
[ ٣٠٣ ]
وقال آخر:
أعددت للضيفان كلبا ضاربا عندي وفضل هراوة من أرزن «١»
وقال أعشى بني تغلب:
إذا حلّت معاوية بن عمرو على الأطواء «٢» خنّقت الكلابا
وأنشدني ابن الأعرابي، وزعم أنه من قول المجنون:
ونار قد رفعت لغير خير رجاء أن تأوّبني الرعاء «٣»
تأوّبني طويل الشخص منهم يجرّ ثفاله يرجو العشاء «٤»
فكان عشاءه عندي خزير بتمر جثيثة فيه النواء
وقال في خلاف ذلك حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل «٥»
وقال المرّار الحماني في كلبه:
ألف الناس فما ينبحهم من أسيف يبتغي الخير وحرّ «٦»
وقال عمران بن عصام:
لعبد العزيز على قومه وغيرهم منن غامره
[ ٣٠٤ ]
فبابك ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين من الأم بابنتها الزائره
وكفك حين ترى السائل ين أندى من الليلة الماطره «١»
فمنك العطاء ومنّا الثناء بكل محبرة سائره «٢»
وفي أنس الكلاب بالناس، لطول الرؤية لهم، شعر كثير. وقال الشاعر:
يا أمّ عمرو أنجزي الموعودا وارعي بذاك أمانة وعهودا
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحى حتى تركت عقورهن رقودا
يضربن بالأذناب من فرح بنا متوسّدات أذرعا وخدودا
وقال ذو الرمة «٣»:
رأتني كلاب الحي حتى ألفتني ومدّت نسوج العنبوت على رحلي
وقال الآخر:
بات الحويرث والكلاب تشمّه وسرت بأبيض كالهلال على الطوى «٤»
هذا البيت يدخل في هذا الباب. وقال الآخر:
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم لم ينكر الكلب إني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك ينفحني والعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني وكان يعرف ريح الزقّ والقار «٥»
[ ٣٠٥ ]
وقال هلال بن خثعم:
إني لعفّ عن زيارة جارتي وإني لمنشوء إليّ اغتيابها «١»
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زؤورا ولم تأنس إلىّ كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتها ولا عالم من أي حوك ثيابها
وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف، لعادة النحر:
وفرحة من كلاب الحي يتبعها محض يزف به الراعي وترعيب
وقال ابن هرمة:
ومستنح نبّهت كلبي لصوته فقلت له: قم باليفاع فجاوب «٢»
فجاء خفيّ الشخص قد رامه الطوى بضربة مسنون الغرارين قاضب «٣»
فرحبّت واستبشرت حين رأيته وتلك التي ألقى بها كلّ نائب
وفي معنى الكلب من النباح يقول ابن أعيا في الحطيئة:
ألا قبح الله الحطيئة! أنه على كل ضيف ضافه فهو سالح
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ألا كل كلب، لا أبالك، نابح «٤»
بكيت على مذق خبيث قريته ألا كل عبسيّ على الزاد نائح «٥»
وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة، إذا كانوا يقومون بحق النعمة. قال الراجز:
«إن الندى حيث ترى الضغاطا» «٦»
[ ٣٠٦ ]
وقال الآخر:
يزدحم الناس على بابه والمشرع السهل كثير الزحام
وقال الآخر:
وإذا افتقرت رأيت بابك خاليا وترى الغنى يهدي لك الزوّارا
وليس هذا من الأوّل، إنما هذا مثل قوله:
ألم تر بيت الفقر يهجر أهله وبيت الغنى يهدى له ويزار
وهذا مثل قوله:
إذا ما قل مالك كنت فردا وأيّ الناس زوّار المقلّ؟
والعرب تفضّل الرجل الكسوب والغرّ «١» الطلوب، ويذمّون المقيم الفشل والدثور الكسلان. ولذلك قال شاعرهم، وهو يمدح رجلا:
شتى مطالبه، بعيد همّه جوّاب أودية، برود المضجع «٢»
ومدح آخر نفسه، فقال:
فإن تأتياني في الشتاء وتلمسا مكان فراشي فهو بالليل بارد
وقال آخر:
إلى ملك لا ينقض النأي عزمه خروج تروك للفراش الممّهد «٣»
وقال الآخر:
فداك قصير الهمّ يملأ عينه من النوم، إذ ملقى فراشك بارد
[ ٣٠٧ ]
وقال آخر:
أبيض بّسام برود مضجعه اللقمة الفرد مرارا تشبعه
وهم يمدحون أصحاب النيران، ويذمون أصحاب الإخماد. قال الشاعر:
له نار تشبّ بكل ريح إذ الظلماء جللت اليفاعا «١»
وما أن كان أكثرهم سواما ولكن كان أرحبهم ذراعا «٢»
وقال مزّرد بن ضرار:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت بعلياء نشز، للعيون النواظر «٣»
جعلها شقراء ليكون أضوأ لها. وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشدّ لحمرة ناره، وإذا كثر دخالنه قلّ ضوؤه. وقال الآخر:
ونار كسحر العود يرفع ضوءها مع الليل هبّات الرياح الصوارد «٤» .
وكلما كان موضع النار أشدّ ارتفاعا، كان صاحبها أجود وأمجد، لكثرة من يراها من البعد. ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول:
منع الغدر فلم أهمم به وأخو الغدر إذا همّ فعل
خشية الله وأني رجل إنما ذكري كنار بقبل «٥»
وقالت خنساء السلمية: «٦»
[ ٣٠٨ ]
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار «١»
وليس يمنعني من تفسير كل ما يمرّ الا اتكالي على معرفتك. وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام، وذهب مذاهب القوم، أو يكون قد شدا منه شدوا حسنا.
ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة. قال معدان بن جواس الكندي:
إن كان ما بلّغت عني فلا مني صديقي وحزّت من يديّ الأنامل
وكفّنت وحدي منذرا في ردائه وصادف حوطا من أعادي قاتل
وقال الأشتر مالك بن الحارث، «٢» في مثل ذلك أيضا:
بقيت وحدي وانحرفت عن العلى ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس «٣»
خيلا كأمثال السعالي شذّبا تعدو ببيض في الكريهة شوس «٤»
حمي الحديد عليهم فكأنه لمعان برق أو شعاع شموس
وقال ابن سيحان:
حرام كنّتي مني بسوء وأذكر صاحبي أبدا بذام «٥»
لقد أحرمت ودّ بني مطيع حرام الدهن للرجل الحرام «٦»
[ ٣٠٩ ]
وخزهم الذي لم يشتروه ومجلسهم بمعتلج الظلام «٦»
وإن جنف الزمان مددت حبلا متينا من حبال بني هشام «٧»
وريق عودهم أبدا رطيب إذا ما اغبّر عيدان اللئام!! «٨»
تم كتاب «البخلاء» للجاحظ
[ ٣١٠ ]