كان ابن العقدي ربما استزار أصحابه الى البستان، وكنت لا أظنه ممّن يحتمل قلبه ذلك على حال. فسألت ذات يوم بعض زوّاره فقلت:
«إحك لي أمركم» . قال: «وتستر عليّ»؟ قلت: «نعم ما دمت بالبصرة» . قال: «يشتري لنا أرزّا بقشره ويحمله معه، ليس معه شيء ممّا خلق الله إلا ذلك الأرز. فإذا صرنا إلى أرضه، كلّف أكاره أن يجشّه في مجشّة «٢» له، ثم ذرّاه «٣»، ثم غربله. ثم جشّ الواش «٤» منه. فإذا فرغ من الشراء والحمل، ثم من الجشّ، ثم من التذرية، ثم من الإدارة والغربلة، ثم من جشّ الواش، ثم من تذريته، ثم إدارته وغربلته، كلّف الأكّار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه «٥» . فإذا طحنه كلّفه أن يغلي له الماء، وأن يحتطب له، ثم يكلّفه العجن، لأنه بالماء الحارّ أكثر نزلا.
ثم كلّف الأكّار أن يخبزه. وقبل ذلك ما قد كلّفهم أن ينصبوا له الشصوص «٦» للسمك، ويسكروا الدرياجة «٧» على صغار السمك لا
[ ١٧١ ]
يدخلوا في السواقي، فيدخلوا أيديهم في جحرة الشلابي والرمان «١» . فإن أصبنا من السمك شيئا، جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق، حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير. فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كدّ وجوع انتظار. ثم لا يكون عشاؤنا إلا خبز أرزّ أسود غير منخول بالشلابي.
ولو قدر على غير ذلك فعل» .
قلت له: «فلم لا يتخذ موضع مرازّ «٢» من بعض رقاق أرضه، فيبذر لكم الأرز ثم يكون الخيار في يده، إن أراد أن يعجّل عليكم الطعام أطعمكم الفرد، أو إن أحبّ أن يتأنّى ليطعمكم الجوهريّ» .
قال: والله لئن سمع هذا وسرفه ليتكلّفنّه. الله الله فينا، فإنا قوم مساكين، ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء.