بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أما بعد، فإن جلوسك الى الأصمعي، وعجبك بسهل بن هارون، واسترجاحك «١» إسماعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك «٢» بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التّوأم «٣»، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه واصطناعه «٤»، وإطنابك في وصف الترويج والتثمير؛ وحسن التعهد والتوفير، دليل خبيء سوء، وشاهد على عيب ودبر «٥» بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجّب من مذهبهم وتسرف في ذمهم. وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد عزم على الجمع «٦»، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء.
[ ٢٠٣ ]
في تحفظّك قول سهل بن هارون في «الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ بالثقة، وإن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة «١»، وإن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان «٢»، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءا دون صروف الزمان، فانّا لا ننسب الى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنّة. «٣»»،
شاهد على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله.
وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنّة البله والأغنياء، وأن أرباب الدثور «٤» هم الذين ذهبوا بالأجور «٥»، برهان على صحّة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك.
وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال: «تنعمّتم بالطعام الطيّب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعزّ الثروة وبصواب النظر في العاقبة، وبكثرة المال والأمن من سوء الحال، ومن ذلّ الرغبة إلى الرجال «٦» والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذّتكم، وهذه لذتنا. وهذا رأينا في التسّلم من الذم، وذاك رأيكم في التعرّض للحمد.
وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحسّ. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم
[ ٢٠٤ ]
الحمد. والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا «١»، والشارب يصير بولا، والبناء يعود نقضا «٢»، والغناء ريح هابّة ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنّة تسير «٣» . فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن في بناء وأنتم في هدم، ونحن في إبرام وأنتم في نقض «٤»، ونحن في التماس العزّ الدائم مع فوت بع اللذة وأنتم في التعرّض للذل الدائم مع فوت كل المروءة» .
وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به روايتك. والدليل على انتقاض طباعك «٥» وإدبار أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، وعشقك لما كنت لم تزل تمقت، فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم. والشاعر أبصر بكم حيث يقول:
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل بعدا وسحقا له من هالك مودي «٦»
تراثه جنّة للوارثين إذا أودى، وجثمانه للتّرب والدّود
وقال آخر:
تبلى محاسن وجهه في قبره والمال بين عدوّه مقسوم
والحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا في مالك «٧»، وأجيرا لوارثك. وأما أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود في
[ ٢٠٥ ]
غير لذة «١» . وهل يزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه في عياله، وظهر فقره وشمت به عدوّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله «٢»، وعلى خشونة الملبس، وجشوبة المأكل «٣» وهذا كله مجتمع في مسك «٤» البخيل، ومصبوب على هامة «٥» الشحيح، ومعجّل للئيم، وملازم للمنوع. إلا أن المنفق قد ربح المحمدة، وتمنّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة، ووفى كل خصلة من هذه حقها، ووفر عليها نصيبها، والممسك معذب بحصر نفسه، وبالكدّ لغيره، مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة، والتعرّض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرّة السوداء في نفسه «٦»، وتسليطها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه.
ولقد سرى إليك عرق، ولقد أدخل أعراقك خور «٧»، ولقد عمل فيها قادح، ولقد غالها غول. وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف «٨»، ولا شيم أعرقت فيها قريش. ولقد عرض لك إقراف، ولقد أفسدتك هجنة «٩» . ولقد قال معاوية: «من لم يكن من بني عبد المطلّب جوادا فهو جميل، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق «١٠»، ومن لم
[ ٢٠٦ ]
يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد «١»» . وقال سلم بن قتيبة: «إذا رأيت الثقفي يعزّ من غير طعام «٢»، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه ثم بهرجه ثم بهرجه «٣»»، وقال ابن أبي بردة: «لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال» .
إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفيّ لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم. وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر. فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم يزجرنا «٤» إلا عما لم يرضه لنفسه وقد قالوا بأجمعهم:
«إن الله أجود الأجودين «٥» وأمجد الأمجدين» . كما قالوا: «ارحم الراحمين وأحسن الخالقين» . وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: «لا تجاودوا الله فإن الله جل ذكره أجود وأمجد» وذكر نفسه، ﷻ وتقدست اسماؤه فقال: «ذو الفضل العظيم» و«ذي الطّول لا إله إلا هو» وقال: «ذو الجلال والإكرام» .
وذكروا النبي ﷺ فقالوا: لم يضع درهما على درهم، ولا لبنة على لبنة، وملك جزيرة العرب، فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال ما بين عذار «٦» العراق، إلى شحر عمان «٧»، إلى أقصى مخاليف «٨» اليمن، ثم توفي وعليه دين، ودرعه مرهونة. ولم يسأل حاجة قطّ فقال: «لا»؛
[ ٢٠٧ ]
وكان إدا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع، كان وعده كالعيان، وإطماعه كالانجاز. ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسماح.
ولقد يهب للرجل الواحد الضاجعة «١» من الشاء، والعرج «٢» من الإبل.
وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير، فيقال وهب هنيدة «٣» .
وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح. ولقد وهب لرجل ألف بعير، فلما رآها تزدحم في الوادي قال: «أشهد أنك نبيّ، وما هذا مما تجود به الأنفس» .
وفخرت هاشم على سائر قريش، فقالوا: «نحن أطعم للطعام، وأضرب للهام» وذكرها بعض العلماء، فقالوا: «أجواد مجّاد ذوو ألسنة حداد» «٤» . وأجمعت الأمم كلها، بخيلها وسخيّها وممزوجها، على ذمّ البخل وحمد الجود، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق. وقالوا:
«أفضل الجود الجود بالمجهود» . وحتى قالوا في جهد المقل «٥»، وفيمن أخرج الجهد، وأعطى الكلّ، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله، فقال الفرزدق «٦»:
على ساعة لو كان في القوم حاتم على جوده ضنّت له نفس حاتم
ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة «٧»، وقد
[ ٢٠٨ ]
جاد بحوبائه عند المصافنة «١» فما رأينا عربيا سفّه حلم حاتم بجوده بجميع ماله، ولا رأينا أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه. بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا، وجعلوا ذلك من حاتم لطيء مأثرة، ثم لعدنان على قحطان «٢»، ثم للعرب على العجم، ثم لسكان جزيرة لعرب، ولأهل تلك التربة، على سائر الجزائر والترب.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله جلّ ذكره به نفسه، وما منح من ذلك نبيّه ﷺ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه «٣» .
ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطّ ولا حقرته، بل أحبّته وأعظمته. بل أحبّت عقبه، وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادا، لمجاوزته حدّ الجود الى السرف، ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه «٤»، ويدّارسون محاسنه، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه «٥» من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه. ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف، كما تضاعف الحسنات في الآخرة. نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد «٦»، وكل معروف مجهول الصاحب. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب. وجدناهم يبغضونه مرة، ويحقّرونه مرة،
[ ٢٠٩ ]
ويبغضون، بفضل بغضه «١»، ولده، ويحتقرون، بفضل احتقارهم له، رهطه، ويضيفون اليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنا لا نجد الجوائح «٢» الى أموال الأسخياء أسرح منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقلّ.
والبخيل عن الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحق عندهم اسم البخل، ويستوجب الذمّ، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايتها. وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهدا في كلّ ما أوجب الشكر، ونوّه بالذكر، وأذخر الأجر.
وقد يعلّق «٣» البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتّخذ من الجواري والخدم، ومن الدّواب والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البزّة الفاخرة والشارة الحسنة، ما يربي «٤» على نفقة السخيّ المثري، ويضعف على جود الجواد الكريم. فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغير حاله وهو ملوم. وربما غلب عليه حبّ القيان «٥»، واستهتر بالخصيان «٦»، وربما أفرط في حبّ الصيد، واستولى عليه حبّ المراكب. وربما كان اتلافه في العرس والخرس «٧»
[ ٢١٠ ]
والوليمة، وإسرافه في الأعذار «١» وفي العقيقة «٢» والوكيرة «٣» . وربما ذهبت أمواله في الوضائع «٤» والودائع. وربما كان شديد البخل، شديد الحبّ للذكر، ويكون بخله أوسخ، ولومه أقبح، فينفق أمواله، ويتلف خزائنه، ولم يخرج كفافا، ولم ينج سليما «٥» .
كأنك لم تر بخيلا مخدوعا، وبخيلا مفتونا، وبخيلا مضياعا، وبخيلا نفّاجا «٦» . أو بخيلا ذهب ماله في البناء، أو بخيلا ذهب ماله في الكيمياء «٧»، أو بخيلا أنفق ماله في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات والدخول في القبالات»
، وكانت فتنته بما يؤمّل من الأمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضّة. قد رأيناه «٩» ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كلّ يوم وعنده في كل يوم عرس «١٠»، ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن في الرغيف الثاني، ولا شقّ عصا الدين أشدّ عليه من شقّ رغيف. لا يعدّ الثلمة «١١» في عرضه ثلمة، ويعدّها في ثريدته من أعظم الثلم.
وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم
[ ٢١١ ]
أكلب «١»، لأنهم أقلّ توكّلا وأ سوأ بالله ظنا. والجواد إما أن يكون متوكّلا، وإما أن يكون أحسن بالله ظنا. وهو على كل حال بالمتوكل أشبه، وإلى ما أشبهه أنزع «٢»، وكيفما دار أمره، ورجعت الحال به، فليس ممّن يتّكل على حزمه، ويلجأ إلى كيسه «٣»، ويرجع إلى جودة إحتياطه، وشدّة احتراسه. واعتلال البخيل بالحدثان «٤»، وسوء الظنّ بتقلّب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظنّ بخالق الحدثان وبالذي يحدث، وأهل الزمان. وهل تجري الأحداث إلّا على تقدير المحدث لها، وهل تختلف الأزمنة «٥» إلّا على تصريف من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها، فقد أيقّنا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو طبيعة فيهم، إنك قد تجد الملك بخيلا، ومملكته أوسع، وخرجه أدرّ «٦»، وعدوة أسكن، وتجد أحزم منه جوادا، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقل، وعدوّه أشدّ حركة.
وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس فكرة وروية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة. فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم «٧» ونقص عقولهم وقلة معرفتهم، لكان ينبغى لفارس أن تكون أبخل من الروم، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة «٨» . وكان ينبغي للرجال، في الجملة، أن يكونوا
[ ٢١٢ ]
أبخل من النساء في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أسدّ الأجواد عقلا. وكان ينبغي للكلب، وهو المضروب به المثل في اللؤم، أن يكون أعرف بالأمور من الديك المضروب به المثل في الجود «١» . وقالوا: «هو أسخى من لافظة «٢»، وألأم من كلب على جيفة، وألأم من كلب على عرق «٣»» . وقالوا: «أجع «٤» كلبك يتبعك»، ونعم كلب في بؤس أهله، وأسمن كلبك يأكلك، واحرص من كلب على عقي «٥» صبيّ، وأجوع من كلبة حومل «٦»، ولهو أبذأ من كلب، وحشّ فلان من خرء الكلب، وأخس كما يقال للكلب، وكالكلب في الأريّ «٧»: لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة تعتلف، وقال الشاعر:
سرت ما سرت من ليلها، ثم عرّست على رجل بالعرج ألأم من كلب «٨»
وقال الله جلّ ذكره: «فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو
[ ٢١٣ ]
تتركه يلهث» . وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة «١»، أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية.
ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السّرف الى الجود، كما نجد البخيل يفرّ من اسم المتهوّر «٢»، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: «وقاح» «٣» لجزع. فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدره، ويظهر فضله.
المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهي على ما منعت حريصة، وللنفوس في المكاثرة «٤» علة معروفة، ولأن من لا فكرة له ولا رويّة، موكّل بتعظيم ذي الثروة، وإن لم يكن منه مناله «٥» . وقد قال الأول:
وزادها كلفا بالحبّ أن منعت أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا «٦»
وفي بعض كتب الفرس: «كلّ عزيز تحت القدرة فهو ذليل»، وقالت معاذة العدوية «٧»: «كل مقدور عليه، فمقلّو «٨» أو محقور» .
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون. وهذا بعض ما بغّض بعض المورثّين الى الوارثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف.
[ ٢١٤ ]
ولو كانوا لأولادهم يمهدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما كنز الرهبان الكنوز، ولا ستراح العاقر من ذلّ الرغبة، ولسلم العقيم «١» من كدّ الحرص. وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتلّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصر في الطلب، والحكرة «٢» والبخلاء لم يحدّوا شيئا من جهدهم، ولا أعفوا بعد قدرتهم، ولا قصرّوا في شيء من الحرص والحصر، لأنهم في دار قلعة، وبعرض نقلة «٣» . حتّى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول. فالبخيل مجتهد، والعاميّ غير مقصّر. فمن لم يستعن على ما وصفنا، بطبيعة قوية، وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عامّيا، وإما شقيّا، فيقيم اعتلالهم بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلّون من أزمنتهم.
قال رسول الله ﷺ لوافد كذب عنده كذبة، وكان جوادا: «لولا خصلة ومقك «٤» الله عليها، لشرّدت بك من وافد قوم» . وقيل للنبي ﷺ: «هل لك في بيض النساء، وأدم»
الإبل»؟ قال: «ومن هم»؟ قيل: «بنو مدلج» «٦» .
قال: «يمنعني من ذاك قراهم الضيف، وصلتهم الرحم» . وقال لهم أيضا:
«إذا نحروا ثجّوا «٧»، وإذا لبّوا عجّوا «٨»» . وقال للأنصار: «من سيّدكم»؟
قالوا: «جد «٩» بن قيس، على أنه يزنّ «١٠» فينا ببخل» . فقال: «وأي داء أدوى
[ ٢١٥ ]
من البخل» ! فجعله داء، ثم جعله من أدوى الداء. وقال للأنصار: «أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع «١»» . وقال: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر «٢»» . وقال: «لو أن لابن آدم واديين «٣» من مال لابتغى ثالثا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . وقال: السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان» . وقال: «إن الله جواد يحبّ الجود» . وقال:
«أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . وقال: «لا توكيء فيوكأ عليك «٤» . وقال: «لا تحص فيحصى عليك «٥»» . وقالوا: «لا ينفعك من زاد ما تبقّى» . ولم يسمّ الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما، ومن فتنة الناس بهما. وقال لقيس بن عاصم «٦»: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فللوارث» .
وقال النمر بن تولب «٧»:
وحثّت على جمع ومنع، ونفسها لها في صروف الدهر حقّ كذوب «٨»
وكائن رأينا من كريم مرزّأ أخي ثقة طلق اليدين وهوب «٩»
[ ٢١٦ ]
شهدت وفاتوني وكنت حسبتني فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي «١»
أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيدا نآني صاحبي وقريبي «٢»
ترى أنّ ما أبقيت لم أك ربه وأن الذي أمضيت كان نصيبي «٣»
وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب في سقيها ودؤوب «٤»
غدت وغدا رب سواه يسوقها وبدّل احجارا وجال قليب «٥»
وقال أيضا:
قامت تباكى ان سبأت لفتية زقّا وخابية بعود مقطّع «٦»
وقريت في مقرى قلائص أربعا وقريت بعد قرى قلائص أربع «٧»
أتبكيّا من كل شيء هينّ سفه بكاء العين ما لم تدمع «٨»
فإذا أتاني إخوتي فدعيهم يتعلّلوا في العيش أو يلهوا معى «٩»
لا تطرديهم عن فراشي، إنه لا بدّ يوما ان سيخلو مضجعي «١٠»
[ ٢١٧ ]
هلا سألت بعادياء وبيته والخيل والخمر التي لم تمنع «١»
وقال الحارث بن حلّزة «٢»:
بينا الفتى يسعى ويسعى له تاح له من أمره خالج «٣»
يترك ما رقح من عيشه يعيث فيه همج هامج «٤»
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج «٥»
وقال الهذلي:
إن الكرام مناهبو ك المجد كلّهم فناهب «٦»
أخلف وأتلف، كل شي ء ذرعته الريح ذاهب «٧»
وقالت إمرأة:
أنت وهبت الفتية السّلاهب وإبلا يحار فيها الحالب «٨»
وغنما مثل الجراد الهارب متاع أيام وكلّ ذاهب «٩»
[ ٢١٨ ]
وقال تميم بن مقبل:
فأخلف وأتلف، إنما المال عارة وكله مع الدهر الذي هو آكله «١»
وقال أبو ذرّ: «لك في مالك شريكان: الوارث والحدثان» . وقال الحطيئة «٢»:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وفي المثل: «إصنع الخير ولو إلى كلب» . وقال في الحثّ على القليل فضلا على الكثير، قال الله جلّ ذكره: «فمن يعمل مثقال «٣» ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره»، وقالت عائشة في حبّة عنب: «إن فيها لمثاقيل ذرّ»، ولذلك قالوا في المثل: «من حقّر حرم «٤»» . وقال سلم بن قتيبة: «يستحي أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأتي أعظم منه»، وقال: «جهد المرء أكثر من عفوه» . وقدّم رسول الله ﷺ جهد المقلّ على عفو المكثر، وإن كان مبلغ جهده قليلا، ومبلغ عفو المكثر كثيرا. وقالوا: «لا يمنعك من معروف صغره» . وقال النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وقال: «لا تردوا السائل ولو بظلف «٥» محرق» وقال: «لا تردّوه ولو بفرسن «٦» شاة»، وقال: «لا تحقروا اللقمة، فإنها تعود كالجبل العظيم، لقول الله جلّ ذكره) «يمحق الله الرّبا
[ ٢١٩ ]
ويربي الصدقات»، وقال: «لا تردّوه ولو بصلة حبل «١»» . وقالت العرب:
«أتاكم أخوكم يستتمّكم «٢»، فأتّموا له»، وقالوا: «مانع الإتمام ألأم» «٣» .
وقالوا: «البخيل إن سأل ألحف «٤»، وإن سئل سوّف «٥»» وقالوا: «إن سئل جحد، وإن أعطى حقد»، وقالوا: «يردّ قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم»، وقالوا: «البخيل إذا سئل ارتزّ «٦»، وإذا سئل الجواد اهتز» .
وقال النبي ﷺ: «ينادي كل يوم مناديان من السماء، يقول أحدهما: اللهم عجّل لمنفق خلفا، ويقول الآخر: اللهم عجّل لممسك تلفا» . وقالوا: «شرّ الثلاثة المليم، يمنع درّه ودرّ غيره «٧»» . وقال الله جل ذكره: «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» . وقالوا في المثل، إذا ألجأه الدهر إلى بخيل: «شرّ ما ألجأك إلى مخة عرقوب «٨»» وقال النبي ﷺ: قل العدل، وأعط الفضل»، وقال ﷺ: «أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات» «٩» . وقال الله ﷿: «ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا»، وقال:
«لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون» وقال: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، «١٠» ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون» . وقالوا في الصبر على النائبة، وفي عاقبة الصبر: «عند الصباح يحمد القوم السّرى «١١»»،
[ ٢٢٠ ]
وقالوا: «الغمرات «١» ثم ينجلينا» وقال الخريمي:
ودون الندى في كل قلب ثنّية لها مصعد حزن ومنحدر سهل «٢»
وودّ الفتى في كل نيل ينيله إذا ما انقضى لو أن نائله جزل «٣»
وقالوا: خير الناس خير الناس للناس، وشر الناس شرّ الناس للناس»، وقالوا: «خير مالك ما نفعك»، وقالوا: «عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرغبة»، وقال الراجز:
كلّنا يأمل مدّا في الأجل والمنايا هي آفات الأمل
وقال عبيد الله بن عكراش: «٤»: «زمن خؤون ووارث شفون وكاسب حزون «٥»، فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشفون»، وقال: يهرم ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص والأمل» . وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: «ما أكل ابن عمر «٦» وحده قط»، وقالوا: «ما أكل الحسن وحده قط» . وسمع مجاشع الربعي قولهم: «الشحيح أعذر من الظالم» فقال:
«أخزى الله أمرين خيرهما الشح» . وقال بكر بن عبد الله المزني: «لو كان هذا المسجد مفعما بالرجال، ثم قيل لي من خيرهم؟ لقلت: خيرهم لهم» . وقال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بشراركم»؟ قالوا: «بلى يا رسول الله» قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» . وقالت امرأة عند جنازة رجل: «أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك «٧»» .
[ ٢٢١ ]