اعلم أن التفريط هو: أن يقدم الشاعر على شيء، فيأتي بدونه فيكون تفريطًا منه، إذ لم يكمل اللفظ أو يبالغ في المعنى، وهو باب واسع يعتمد النقاد من الشعراء وهو مثل قول حسان بن ثابت:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
فرط في قوله: الجفنات، لأنها دون العشرة، وهو يقدر أن يقول: لدينا الجفان، لأن العدد القليل لا يفتخر به. وكذلك قوله: وأسيافنا. لأنها دون العشرة وهو يقدر أن يقول: سيوفنا وبيض لنا. وفرط في قوله: الغر؛ لأن السواد أمدح من البياض لكثرة الدهن والقرى فيها. وفرط في قوله: يلمعن بالضحى؛ وهو قادر على يقول: بالدجى؛ لأن كل شيء يلمع بالضحى. وفرط في قوله: يقطرن. وهو قادر على أن يقول: يجرين؛ لأن القطر قطرة بعد أخرى. وقال أبو قدامة: إنه أراد بقوله: الغر، المشهورات، وقال: بالضحى؛ لأنه لا يلمع فيه إلا العظيم اللامع الساطع النور، والدجى يلمع فيه يسير النور كاليراع والحباحب وغيره. وأما أسياف وجفنات فإنه يضع القليل موضع الكثير، كما قال سبحانه: " لهم جنات ودرجات ". قوله: يقطرن دما هو المعروف والمألوف، ولو قال: يجرين لخرج عن العادة، وينوب قطر عن جرى، كما مسح سوق الإبل عن أعناقها.
ومن ذلك قول الأعشى:
ويأمرُ لليحمومِ كلَّ عشيةٍ بقتَّ وتعليقٍ وقد كادَ يسنقُ
[ ١٤٦ ]
قال الأصمعي: أقل حمار لطحان ينال هذا.
ومن ذلك قول آخر:
ومن يأمنُ الحجاجَ والطيرُ تتقي عقوبتهُ إلاَّ ضعيفُ العزائمِ
إن الطير تتقي الصبيان وإنما الجيد قول جرير:
ومنْ يأمنُ الحجاجَ، أما عقابه فمرٌّ، وأما عهده فوثيقُ
وكذلك قول النابغة:
رقاقَ النعال طيبٌ حجزاتهمْ يحيونَ بالريحان يومَ السباسبِ
يصونون أجسادًا طويلًا نعيمها بخالصة الأردان خضر المناكب
تحييهم بيض الولائدِ بينهمْ وأكسيةُ الإضريجِ فوق المشاجب
هذا كله فاسد، لأن العامة والصعاليك يحيي بعضهم بعضًا في ذلك اليوم بالريحان. والبيت الثاني فاسد، لأنه لا فضيلة في كونها ملونة، كل جانب منها لون. والبيت الثالث فاسد لأنه لا يكون البيات إلا فوق المشجب، ولا يكون على غيره.
باب