اعلم أن العكس هو أن تأتي الجملتان إحداهما عكس الأخرى، كما قال الله تعالى: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لهإن وما يمسك فلا مرسل له من بعده " وقال سبحانه: " يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي ".
وقال أبو دؤاد الإيادي، وقد قيل له: لم تكلف ابنتك سياسة فرسك؟ فقال أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بإهانتي.
وسئل ابن خالويه عن ابن دريد أيما أغزر: شعره أو علمه؛ فقال: هو أشعر العلماء، وأعلم الشعراء.
[ ٤٦ ]
وسئل البحتري عن أبي تمام والشافعي فقال: أبو تمام عالم غلب عليه الشعر والشافعي شاعر غلب عليه العلم وقال القاضي أبو يوسف للأمير سديد الدولة ﵀: أنت أمير الشعراء، وشاعر الأمراء.
وأنشدوا في الحماسة:
منعمةُ الأطرافِ زانت عقودها بأحسنَ مما زينتها عقودها
ومنه:
رمى الحدثانِ نسوة آلِ حربٍ بمقدارٍ سمدن له سمودا
فردّ شعورهن السودَ بيضًا وردّ وجوههن البيضَ سودا
ولبعض المجان:
ها قد بدا من ثيابِ الشعرِ في كفنِ وقد تعفت مغاني وجهه الحسنِ
وكان يعرض عني حين أبصره فصرتُ أعرضُ عنه حين يبصرني
ومنه:
تلك الثنايا من عقدها نظمتْ أم نظم العقدُ من ثناياها
[ ٤٧ ]
ومنه:
فإن أكُ في شراركمُ قليلًا فاني في خياركمُ كثيرُ
واغتاب بعضهم آخر، فلما بلغه قال: إنا لا نكافئ من عصى الله سبحانه فينا إلا بأن نطيع الله سبحانه فيه.
وقال الحسن بن وهب وقد عبس رجل من الندماء والقدح في يده: ما أنصفتها الخمر، تعبس في وجهها، وهي تضحك في وجهك.
وللرشيد:
لساني كتومٌ لأسراركم ودمعي بسري نمومٌ مذيعُ
فلولا دموعي كتمتُ الهوى ولولا الهوى لم تكن لي دموعُ
لآخر:
بكتْ وبكيتُ لوشكِ الفراقِ فقفْ ترَ من مدمعينا العجبْ
فذا فضةٌ في عقيقٍ جرت وهذا عقيقٌ جرى في ذهبْ
ولابن الرومي:
أدرك ثقاتك إنهم وقعوا في نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ
أنا بحالٍ لو بصرتَ بها سبحت من عجب ومن عجبِ
ريحانهم ذهبٌ على دررٍ وشرابهم دررٌ على ذهبِ
ومنه للصوري:
يا من يحاكي الراحَ في أوصافها لونإن وطعمإن وجنتين، وريقا
[ ٤٨ ]
قمْ فاسقينها حينَ لاح شعاعها في الكأسِ فانقلب الرحيقُ حريقا
ومنه:
سكران مختلفان حت ى ليس بينهما طريقُ
هذا حريقٌ في القلو ب كما تراه وذا رحيقُ
ومنه لآخر:
أهل جورٍ كما زعمتم، وأنتمُ أهلُ عدل إنا بكمُ قد رضينا
آمنونا في عدلكم، إذ ملكتم قد أقمتم في جورنا آمنينا
وللبحتري:
إذا احتربت يومإن ففاضت دماؤها تذكرتِ القربى ففاضت دموعها
شواجرُ أرماحٍ تقطعُ بينها شواجرُ أرحامٍ ملومٍ قطوعها
ومنه:
إذا احتجبتْ لم يكفكَ البدرُ وجهها ويكفيكَ فقدَ البدر إن فقد البدرُ
وحسبك من خمرٍ يفوتك ريقها وأقسم ما من ريقها حسبك الخمرُ
ومنه:
جرت الدموعُ دما، وكأسيَ في يدي شوقًا إلى من لجَّ في هجراني
فتخالف الفعلان: شاربُ قهوةٍ يبكي دمإن وتشاكل اللونان
فكأنّ ما في الجفن من كأسٍ جرى وكأن ما في الكأسِ من أجفاني
[ ٤٩ ]
ومنه:
ويستروحُ الناسُ أردانها وأثوابها بكمُ أعبقُ
إذا جدت أنطقتَ من لا يبي نُ وإن قلت أخرستَ من ينطقُ
ومنه:
إنَّ اللياليَ للأنامِ مناهلٌ تطوى وتبسط دونها الأعمارُ
فقصارهنَّ مع الهموم طويلةٌ وطوالهنَّ مع السرور قصارُ
ومنه لابن المعتز:
إنما الدنيا سرورٌ واغتباقٌ واصطباحُ
والمزاحُ الجدُّ إن فكرتَ، والجدُّ مزاحُ
ومنه للوزير أبي القاسم المغربي:
عبدك يا عبدونُ في نعمةٍ صافيةٍ، أطرافها ضافية
نديمتي جاريةٌ ساقية ونزهتي ساقيةٌ جارية
ولابن المعتز:
شربتها صفراءَ كرخيةً كأنها في الكأس نارٌ تقدْ
فتحسبُ الماءَ زجاجًا جرى وتحسبُ الأقداحَ ماءً جمدْ
ومنه:
رقَّ الزجاجُ ورقت الخمرُ وتشابها فتشاكلَ الأمرُ
فكأنها خمر ولا قدحٌ وكأنه قدحٌ ولا خمرُ
[ ٥٠ ]
ومثله أبي تمام:
وإذا طلبت لديهمُ ما لم أنل أدركتُ من جدواك ما لم أطلبِ
ومنه:
ولقد دعوتُ ندى الكرام، فلم أجبْ فلأشكرنَّ ندى أجابَ وما دعي
ومنه قول ابن حيوس:
شوقي إليك كشوقِ المدنفِ الحرض إلى الطبيب الذي يشفي من المرضِ
فإن يكنْ لكَ عني يا أخي عوضٌ فلا وحقك ما لي عنك من عوضِ
ومنه:
بدت من خللِ الحجبِ كمثل اللؤلؤ الرطبِ
فأدمى خدها لحظي وأدمى لحظها قلبي
ومنه:
بكى إليّ غداة البين حين رأى دمعي يفيض وحالي حال مبهوتِ
فأدمعي ذوب ياقوتٍ على ذهبٍ ودمعه ذوب درٍّ فوق ياقوتِ