اعلم أن الغلط هو أن يغلط في اللفظ ويغلط في المعنى، مثل قول زهير:
فينتجْ لكم غلمان أشأمَ كلهم كأحمر عادٍ ثم ترضعْ فتفطمِ
أراد أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، وقد احتج بعض العلماء. فقال: أراد عاد الأخرى، لأنهما عادان، كما قال الله تعالى: " وأنه أهلك عاد الأولى "، فدل على أن ثمود عاد الأخرى، وكقول بعض العرب في الحماسة:
وبيضاءَ من نسج ابن داودَ نثرةٍ تخيرتها يوم اللقاءِ الملابسا
وإنما الدروع من نسج داود بنفسه لا من نسج سليمان.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
سرية لم تأكل المرققا ولم تذقْ من البقولِ الفستقا
والفستق ليس من البقول، إنما هوثمر.
ومنه له: مثل النصارى قتلوا المسيحا. والنصارى لم تقتل المسيح، إنما قتلته بزعمهم اليهود. وقد احتج له ابن جني، فقال: إن النصارى لما قالوا: إن المسيح قتل وصلب نسب إليهم قتله، كما قال الله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين "، أي فئة تقول: إنهم مسلمون، وفئة تقول: إنهم مشركون. وقال تعالى: " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، فنسب إليهم الهداية لأنهم سموهم مهتدين.
[ ١٤١ ]
ومن ذلك قول الراجز: وأبيض أخلص من ماء اليلب.
والسيوف لاتعمل في ماء اليلب، لأن اليلب جلود يتخذ منها دروع منسوجة، فتوهم الشاعر أنها حديد.
ومن ذلك قول جرير:
لما تنزلتُ بالديرين أرقني صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيس
غلط ثلاث مرات لأنه دير واحد، وهو دير عبد الملك، والدجاج لا يصيح وإنما تصيح الديوك، وكذلك الأرق أول الليل والديوك تصيح آخره.
ولامرئ القيس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ وللسوط منه وقع أهوج ملهب
فهذا غلط في صفته لأنه لو كان حمارًا لكان ذلك رديًا في صفته، فكيف يصفه بذلك وهو هجنة فيه؟
باب