اعلم أن المعنى إذا زاد عن التمام سمي مبالغة، وقد اختلفت ألفاظه في كتبهم، فسماه قوم: الإفراط والغلو والإيغال والمبالغة، وبعضه أرفع من بعض، كما قال زهير:
كأنَّ فتاتَ العهن في كل منزلٍ نزلنَ به حبُّ الفنا لم يحطمِ
كأنه تم الكلام عند قوله: حب الفنا. ثم قال: لم يحطم لأنه أشد لحمرته.
وكذلك قول امرئ القيس:
[ ١٠٤ ]
كأنَّ عيونَ الوحشِ حول خبائنا وأرحلنا الجزعُ الذي لمِ يثقبِ
تم التشبيه عند قوله الجزع، ثم بالغ في قوله: الذي لم يثقب.
وفي الكتاب العزيز من هذا الباب قوله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " وقوله تعالى: " لتزول منه الجبال.
وقال بعضهم:
أضاءتْ لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليلِ حتى نظم الجزعَ ثاقبه
ومن ذلك ألفاظ العرب في قولهم: هو امرؤ يهد الجبال ويصرع الطير، ويفزع الجن، ويعطش الماء.
وقال المتنبي:
لقيتُ المرورى والشناخيبُ دونه وجبتُ هجيرًا يترك الماء صاديا
وقيل إن امرأة من العجم كانت لا تظهر للشمس وتقول: أخاف أن تكسفني.
وقال أعرابي في فرسه: يحضر ما وجد عدوإً وإن الوابل ليصيب عجزه، ولا يبله مفرقه، حتى أصيب حاجتي.
[ ١٠٥ ]
وذم أعرابي رجلًا فقال: يكاد يعدي لؤمه من تسمى باسمه.
وقال سكينة: ما لبست ابنتي الدر إلا لتفضحه.
وقال بعض العرب: لو وقع فلان في ضحضاحي لغرق.
ومن الهزل في هذا الباب ما رواه الصولي عن حمين قال: دخلت على بعض البرامكة وبين يديه خوان عليه صحاف كل صحفة من نصف خشخانة، فلو تنفست لطار الخوان من نفسي. ولو أن عفورًا نقر من طعامه ما رضي حتى يؤتى بالعصفور مشويًا بين رغيفين من عنده، وإن صعودك إلى السماء على سلم من زبد في تموز حتى تأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك لبابة في النوم.
ومنه:
يعثرُ الناسُ في الطري قِ بهِ من دمامتهِ
ومنه:
أراهُ بيدقَ الشط رنجِ في القيمة والقامةِ
ومنه:
[ ١٠٦ ]
يغصُّ بحيزومِ الجرادةِ صدرها وينضجُ ما فيها بعود خلال
ولابن منير:
لو جاز في عيب الذ ي يأكله لما درى
أو بلغ الصائم ألفًا مثله ما أفطرا
فقل لنا أعرضًا نح ده أم جوهرا
ومنه:
إن قرأ العاديات في رجب لمْ يقر آياتها إلى رجبِ
بل هو لا يستطيعُ في سنةٍ يختم " تبتْ يدا أبي لهبِ "
ومنه للمؤمل:
من رأى مثل حبتي تشبهُ البدرَ إذ بدا
تدخل اليومَ ثم تد خلُ أردافها غدا
ومثله:
إنَّ قومًا أصبحت تنفقُ فيهمُ لعلى غايةٍ من التخسير
ومثله:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى بأرضها أرى الأرض تطوى لي، ويدنو بعيدها
من الخفرات البيضِ ودَّ جليسها إذا ما قضتْ أحدوثةً أن تعيدها
[ ١٠٧ ]
وكيف يودُّ القلبُ من لا يوده بلى قد تريدُ النفسُ من لا يريدها
علي بن العباس الرومي:
وحديثها السحرُ الحلالُ لو أنه لم يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرزِ
إن طال لم يمللْ وإن هي أوجزتْ ودَّ المحدث أنها لمْ توجزِ
شركُ العقولِ وفتنةٌ ما مثلها للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
ومنه:
خلتِ المنازلُ من أحبتنا ورمتْ بهمْ عنا يدُ الدهرِ
وأقلُّ ما لاقيتُ بعدهمُ أني فجعتُ بهمْ وبالصبرِ
نذر الزمان على تفرقنا نذرًا فقام بواجب النذر
ومن المبالغة في القناعة حتى صار الشيء ضده كما أن الزيادة في الحد نقص في المحدود، ومنه لابن الدمينة:
وإني لأرضى منكِ يا ميُّ بالذي لو أبصرهُ الواشي لقرتْ بلابله
بلإ، وبألاَّ أستطيعَ، وبالمنى وبالوعد، حتى يسأمَ الوعدَ آمالهُ
وبالنظرة العجلى، وبالعام تنقضي أواخرهُ لا نلتقي وأوائله
ومنه قول ذي الرمة:
أإنْ ترسمتَ من خرقاء منزلةً ماءُ الصبابة من عينيكَ مسجومُ
[ ١٠٨ ]
كأنها بعد أحوالٍ مضينَ لها بالأشيمينِ يمان فيه تسهيمُ
منازلُ الحيِّ إذ لا الدارُ نائيةٌ بالأصفياء وإذ لا العيشُ مذمومُ
تعتادني زفراتٌ حين أذكرها تكادُ تنقدُّ منهنَّ الحيازيمُ
ومنه:
لا تحسبيه وإنْ أسأتِ به يرضي الوشاةَ ويقبلُ العذلا
لو كنتِ أنتِ، وأنت مهجته واشٍ هواكِ إليه، ما قبلا
ومنه:
بدرٌ يغلُّ غرامي، ثمَّ يطلقه ويسترقُّ فؤادي، ثمَّ يعتقه
وقد تسامحَ قلبي في مساعدتي على السلوِّ، ولكنْ منْ يصدقه
ومنه:
بيني وبين عواذلي في الحبّ أطرافُ الرماحْ
أنا خارجيّ في الهوى لا حكمَ إلاَّ للملاح
ومنه:
تمَّ لهُ الحذقُ فلا خارجٌ عن صنعةِ اللحنِ ولا نافر
غنى بشعري، فتعالوإن انظروا من المغني ومنِ الشاعرُ؟
ومنه:
جلبتُ لأصحابي بها درة الصبا بصهباء من ماءِ الكرومِ شمولِ
[ ١٠٩ ]
إذا حصلتْ دون اللهاة من الفتى دعا همه منْ صدرهِ برحيلِ
ومنه:
وما حمدتُ زماني وهو يصعدني فكيف أحمدهُ في حال منحدري
إني رميتُ بما لوْ قد رمين بهِ جوانبُ الفلكِ الدوار لم يدرِ
تزيدني قسوةُ الأيام طيبَ ثنا كأنني المسكُ بينَ الفهر والحجرِ
ومنه لأبي نواس:
علقتُ بحبلٍ من حبالِ محمدٍ أمنتُ به من طارقِ الحدثانِ
تغطيتُ من دهري بظل جناحهِ فصرت أرى دهري، وليس يراني
فلو تسألُ الأيامُ ما اسمي ما درتْ وأينَ مكاني ما عرفن مكاني
ومنه قول توبة:
ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمتْ عليَّ ودوني تربة وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشة، أو زقا إليها صدىً من جانبِ القبرِ صائحُ
ومنه قول قيس بن ذريح المجنون:
ولو أنَّ ليلى العامرية صبحتْ ومن فوقِ رمسينا صفيحٌ منصبُ
لظلَّ صدى جسمي وإن كان رمةً لصوت صدى ليلى يهشُّ ويطربُ
ومنه:
ألف الصدود، فلوْ يمرُّ خياله بالصبِّ في سنةِ الكرى ما سلما
[ ١١٠ ]
ومنه:
إلى فتى مشرق الأحساب لو سبكتْ أخلاقهُ من شعاع الشمس لم تزدِ
لهُ عزائمُ رأيٍ لو رميتَ بها عند الهياج نجومَ الليلِ لم تقدِ
ومنه:
أمطرتهم عزماتٍ لو رميتَ بها يومَ الحقيقة ركنَ الدهرِ لانهدما
ومنه:
قبضتُ يدَ السحاب بفيضِ دمعي فأسكتُّ الحمائمَ بالزفير
ومنه:
يا برقُ، خذ بصري، واصنعْ بذاك يدا عندي، فلاق به حيًا بذي قارِ
تكشفتْ بسناهُ كلُّ خافيةٍ حتى تحدث عن مكنون أسراري
ومنه:
ما في البرية غيرُ من يتغيرُ قلَّ الوفاءُ، فكلُّ خلق يغدرُ
يا ليتني ظفرتْ يدايَ بمخلص في الناس يخلصُ لي على ما أضمرُ
لو يشترى لشريتُ ذاك بمقلتي وبقيتُ بالأخرى إليه أنظرُ
ومنه:
مني تعلمت الحمامُ النو حَ والإبلُ الحنينا