اعلم أن المخالفة هي الخروج عن مذهب الشعراء، وترك الاقتفاء لآثارهم، مثل قول جرير:
طرقتك صائدةُ القلوب، وليس ذا وقتَ الزيارة، فارجعي بسلامِ
وليس المعهود رد المحبوب على عقبه إراد زيارة محبه.
ومثل قول عبد الرحمن بن حسان:
تجعل الندَّ والألوة والمس كَ صلاها على الكانونِ
[ ١٦٥ ]
ومعلوم أن النج على نتن رائحتهم لو تطيبوا ببعض هذا الطيب لطابت رائحتهم، وإنما الحسن قول امرئ القيس:
ألم ترَ أني كلما جئتُ طارقًا وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
وقوله أيضًا:
أغركِ مني أنَّ حبك قاتلي وأنك مها تأمري القلبَ يفعل
وهذا اللفظ جاف لأنه توعد للمحبوب، والمحب لا يتوعد حبيبه.
وكذلك قوله أيضًا بعد قوله: أغرك مني أن حبك قاتلي:
وإن تكُ قد ساءتكِ مني خليقةٌ فسلي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ
لأن المحب لا يخير حبيبه بين فراقه ووصاله.
ومن ذلك قول كثير:
وما زالتْ رقاك تسلُّ ضغني وتخرج من مكامنها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى أجابتْ حيةٌ تحت الحجابِ
والمعهود من عرف العادة أن الملك يتودد إليه، ولا يتودد إلى غيره، وإنما الجيد قوله:
له هممٌ لا منقضى لكبارها وهمته الصغرى أجلُّ من الدهرِ
له راحة لو أن معشار عشرها على البرِّ كان البرُّ أندى من البحرِ
[ ١٦٦ ]
ومن ذلك أيضًا قول سحيم:
أراهنَّ ربي مثلما قد أرينني وأحمى على أكبادهنَّ المكاويا
والمحب لا يدعو على حبيبه، ولا سيما هذا العبد الأسود.
ومنه قول كثير:
ألا ليتنا يا عزُّ من غير ريبةٍ بعيران نرعى في الخلاءِ ونعزبُ
يطردنا الرعيانُ من كلّ تلعةٍ فلا عيشنا يصفو، ولا الموتُ يقربُ
يقال إن عزة لما سعت هذا قالت: لقد تمنيت لنا الشقاء الطويل.
وأحسن منه قول الآخر:
علقتُ بليلى وهي ذاتُ موصدٍ ولمْ يبدُ للأترابِ من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهمْ، ياليتَ أننا إلى اليومِ لم نكبرْ ولم تكبر البهمُ
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
قالت لها قد غمزتهُ فأبى ثم استطارت تشتدّ في أثري
وهذا خلاف العادة، وإنما المعروف أن يتبع المحب لمحبوبته، والبيت ضد ذلك.
ومنه قول الآخر:
وإذا تلسنني ألسنها إنني لستُ بمرهوبٍ قفرِ
وهذا غير ما طبع عليه طباع المحبين من السكون وانقطع الكلام عند رؤيتهم، كما قال:
لي حججٌ في مغيبهِ فإذا رأتهُ عيني تمزقتْ حججي
[ ١٦٧ ]
وقول الآخر:
أقرُّ بالذنب مني لستُ أعرفه كيما أقولُ كما قالتْ فنتفقُ
ولأبي صخر الهذلي:
وما هو إلا أن أراها فجاءةً فأبهتَ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
وأنسى الذي فيه أكونُ أتيتها كما قدْ تنسي لبَّ شاربها الخمرُ
وقال آخر:
وما هو إلاَّ أنْ أراها فجاءةً فأبهتَ حتى ما أكاد أجيبُ
وقال الأمير سديد الملك:
يجني، ويعرفُ ما يجني، فأنكرهُ ويدعي أنه الحسنى فأعترفُ
وكم مقام لما يرضيك قمت على جمر الغضا وهو عندي روضة أنف
ومنه قول جميل:
أريدُ لأنسى ذكرهإن فكأنما تمثلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ
وهذا خلاف مذاهب الشعراء لأنهم يحرصون على دوام ذكرهم، وطول محبتهم، كما قال أبو صخر:
فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ
والمحب منهم يحرص على التفكر في حبيبه والذكر له حتى قال بعضهم:
[ ١٦٨ ]
وأخرجُ من بين البيوتِ، لعلني أحدثُ عنك النفس في الليل خاليا
وقال آخر:
وإني لأغشى النوم من غير نعسةٍ لعلَّ خيالًا منكِ يلقى خياليا
وتبعه المحدث فقال:
سأشكرُ للذكرى صنيعتها عندي وتمثيلها لي من أحبَّ على البعد
وقال آخر:
الله يعلمُ أنني ألتذُّ فيكم باشتياقي
وأكادُ من أنسِ التذك رِ لا أذمُّ يدَ الفراق
وأحسن أبو الشيص وزاد على الإحسان، لما مدح اللوام حرصًا على سماع ذكر المحبوب، فقال:
أجدُ الملامة في هواك لذيذةً حبًا لذكرك، فليلمني اللومُ
وزاد وشرح حتى خرج عن مذهب الشعراء، ورجع إلى مذهب العتب، تى ذكر أنه يحب الأعداء لما أشبهوا محبوبه في نقص حظه منهم، فقال:
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبهم إذ كان حظي منك حظيَ منهمُ
وتبعه أبو نواس فقال:
أحبُّ اللوم فيها ليسَ إلاَّ لتردادِ اسمها فيما يلامُ
وتبعه النامي، فقال:
أهوى مقاربة العذول لأنهُ لهجٌ بذكركِ في خلالِ كلامه
وقال آخر:
ولو تركتْ عقلي معي ما طلبتها ولكنْ طلابيها لما فات من عقلي
وهذا خروج عن المذهب لأنه جعل لطلبها سببًا والجيد قول الآخر:
وما سرني أني خليٌّ من الهوى ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ ومغربِ
[ ١٦٩ ]
والحسن بذل مهجته فيها واستصغار الأخطار، واستقراب البعد من المزار، مثل قول الآخر:
قالوا: توقَّ رجال الحيّ؛ إنَّ لهمْ عينًا عليكَ إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ: إنَّ دمي أقصى مرادهمُ وما غلتْ نظرةٌ منهم بسفك دمي
ومنه قول الآخر:
قالتْ: لقد بعدُ المسرى؛ فقلتُ لها من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
وللشيخ أبي محمد بن سنان:
أشتاقكمْ ويحولُ العجزُ دونكمُ فأشتكي بعدكم عني وأعتذرُ
وأدعي خطرًا بيني وبينكم وآيةُ الشوق أن يستصغرَ الخطرُ
وقول ابن الدمينة:
ولو أنَّ ليلى مطلعُ الشمس دونها وكنتُ وراءَ الشمسِ حيثُ تغيبُ
لمنيتُ نفسي أن تريع بها النوى وقلتُ لقلبي: إنها لقريبُ
ومن ذلك قول ذي الرمة:
لعلَّ انحدار الدمع يعقبُ راحةً من الشوق أو يشفي نجيَّ البلابل
هذا ضد ما يستحسن من قوله:
[ ١٧٠ ]
فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ
وكما قال عبد الصمد بن المعذل:
لا أتاحَ اللهُ لي فرجًا يوم أدعو منكِ بالفرجِ
وقال أبو نواس:
لا فرج اللهُ عني إن مددتُ يدي إليهِ أسأله من حبك الفرجا
وأحسن وألطف منه قول المتنبي:
لوْ قلتَ للدنفِ الكئيب فديتهُ مما بهِ لأغرتهُ بفدائهِ
ومن المخالفة قول ابن قيس الرقيات:
يأتلقُ التاجُ فوق مفرقهِ على جبينٍ كأنهُ الذهبُ
لأن العرب تمدح بجهامة الصورة وترك التنعم، وهذا ضد ذلك. وقد ذكروا عن الممدوح أنه عاب على هذا الشعر، وقال: ألا قلت في كما قلت في مصعب ابن الزبير:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله تجلت عن وجهه الظلماءُ
يتقي اللهَ في الأمور وقدْ أف لحَ من كان همهُ الاتقاءُ
لأن التفاضل بالخلائق لا بالخلق والإنسان مخير في الخلق غير مخير في الخلق.
[ ١٧١ ]
وممنا يشبه هذا وهو من الباب بعينه قول كثير:
على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةً أجاد المسدي سردها فأذالها
فقال له: لم قلت في كما قال الأعشى في صاحبه:
فإذا تجيء كتيبةٌ ملمومةٌ شهباءُ يخشى الذائدونَ نكالها
كنت المقدمَ غير لابسِ جنة بالسيفِ تضربُ معلما أبطالها
قال: إني وصفته بالحزق؛ ووصفتك بالحزم، قال: كلا، ولكنك وصفته بالشجاعة، ووصفتني بالجبن.
وعابوا على النظمي قوله:
أيا منْ جههُ أسدُ وسائر خلقه بشرُ
وقالوا: هذا عجيبة من عجائب البحر.
ومنه أيضًا:
فلما بدا ليَ ما رابني نزعت نزوعَ الأبيّ الكريم
وقال ابن شامة:
بخلنا لبخلكِ قد تعلمينَ وكيف يلومُ البخيلُ البخيلا
ومن ذلك قوله:
بانتْ سعادُ ففي العينين ملمولُ وكان في قصرٍ من عهدها طول
[ ١٧٢ ]
وهذا رديء لأنه استطال وقت وصالها.
والجيد قول الآخر:
يطولُ اليومُ لا ألقاك فيهِ وحولٌ نلتقي فيهِ قصيرُ
ومن المخالفة قوله:
من حبها أتمنى أن يواجهني من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها
لكي يكونَ فراقٌ لا لقاءَ لهُ فيضمرُ القلبُ يأسًا ثمَّ يسلاها
والمعهود تفدية المحب حبيبه بنفسه، وهذا ضد المقصود ومنه قول نصيب:
أهيمُ بدعدٍ ما حييتُ، فإنْ أمتْ فوا أسفي من ذا يهيمُ بها بعدي
لأن المعهود بخل الحبيب بحبيبه عمن سواه.
ومنه قول الآخر:
أشكو إلى اللهِ قلبًا لو كحلتِ بهِ عينيكِ لاكتحلتْ من حره بدم
لأن المعروف أن يتفاءل المحب لحبيبه. والتفاؤل يكون للخير لا للشر.
وأحسن من هذا قوله:
سقى الله أرضًا لو ظفرتُ بتربها كحلت بها من شدةِ الشوق أجفاني
ومن ذلك قول عدي بن الرقاع:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عسا فيه المشيب لزرتُ أمَّ القاسم
وكأنها وسطَ النساءِ أعارها عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنانُ أقصده النعاسُ، فرنقتْ في عينه سنةٌ، وليس بنائمِ
[ ١٧٣ ]