اعلم أن تجنيس التصريف، هو إن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف، مثل قوله تعالى: " ليكونن أهدى من إحدى الأمم "، ومثل قوله تعالى: " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا "، وقوله تعالى: " ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون "، وقوله تعالى: " وهم ينهون عنه وينأون عنه ". وقال النبي ﷺ: " الخيل معقود بنواصيها الخير ".
وقال الأعشى:
رأيتُ أنَّ الشيبَ جا نبه البشاشةُ والبشارة
وقال آخر:
للهِ ما صنعتْ بنا تلكَ المحاجر في المعاجرِ
أمضى وأرهفُ في القلو بِ من الخناجرِ في الحناجرِ
[ ٢٢ ]
ولقد تعبتُ ببينها تعبُ المهاجرِ في الهواجرِ
وكتب بعض الأدباء جوابًا إلى آخر عن كتاب: وصل كتابك فتناولته باليمين، ووضعته مكان العقد الثمين.
ومنه:
من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ومهفهف الكشحين أحوى أحور
ومنه لكثير عزة:
وإني لأستهوي السحائبَ نحوها من المنزلِ الأدنى؛ فتسري وتسرعُ
ومنه للشريف الرضي ﵀:
لا يذكر الرملُ إلا حنَّ مغترب له بذي الرملِ أوطارٌ وأوطانُ
إذا تلفتُّ في أطلالها ابتدرتْ للقلبِ وللعينِ أمواهٌ ونيرانُ
ومنه له:
سلامٌ على الأطلالِ لا عن جنابةٍ ولكنَّ يأسًا حين لم يبقَ مطمعُ
نظرتُ الكثيبَ الأيمنَ الفردَ نظرة فردت إليَّ الطرفَ يدمى ويدمعُ
ومنه:
وكم مظهرٍ بغضًا لنا ودَّ أنهُ إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
[ ٢٣ ]
مطاعيمُ في اللأوا مظاعينُ في الوغى شمائلنا تبدو وأيماننا تندى
ومنه أيضًا:
كلُّ شيءٍ أقوى عليهِ ولكنْ ليسَ لي بالفراقِ منكِ يدانِ
عذلاني على هواهُ، فلما أبصرا حسنَ وجههِ عذراني
ومنه أيضًا:
لا تقابلْ زيارتي بازورارٍ ومجاجًا عسلتهُ بأجاجِ
لو أزرت الحراب نحريَ ظلمًا لارتشفنَ الثناءَ من أوداجي
ومنه لابن بابك:
أقبلتُ في شرفِ اللباس فأبلسوا نظر البغاثِ إلى انقضاضِ الجارحِ
فأخذتَ عفوَ تقيتي وتحيتي وملكتَ ودَّ جوانحي وجوارحي
وأنا ابنُ بابك لا ابنُ بابك؛ فارتجع ما ابتزَّ، أو عوضْ فلستُ ببارحِ
وفيه له أيضًا:
تكشفتْ عن مغانيه مغانمه وصرحتْ عن معاليهِ معانيهِ
فما تقاصر باعٌ أنتَ باسطهُ ولا يهدمُ مجدٌ أنتَ بانيهِ
[ ٢٤ ]
ومنه للشريف الرضي ﵀:
لولا تذكرُ أيامي بذي سلمٍ وعند رامةَ أوطاري وأوطاني
لما قدحتُ بنار الشوقِ في كبدي ولا بللتُ بماء الدمعِ أجفاني
ومنه لابن بابك أيضًا:
يجودُ، ويستقاد؛ فراحتاهُ مطارحُ للأماني والأمانِ
يهزّ السيفَ هزَّ الغصن طورًا ويلوي الرمح ليَّ الخيزرانِ
ويسطو تارةً وينيلُ أخرى وتلكَ سجيةُ الملك الهجانِ
وكتب كافي الكفاة إلى صديق له: أنت أدام الله تعالى عزك، وإن طويت عنا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأخبارك تأتينا كما وشى بالمسك رياه، ودل على الصبح محياه.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: كل شيء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر.
وقال بعض الفصحاء في كتابه: راش سهامه بالعقوق. ولوى ماله عن الحقوق.
وقال بعضهم:
كفاه مخلفةٌ ومتلفةٌ وعطاؤهُ متخرقٌ جزلُ
[ ٢٥ ]
وغيره لبعضهم:
عفاءً على هذا الزمانِ. فإنهُ زمانُ عقوقٍ لا زمانُ حقوقِ
فكلُّ رفيقٍ فيهِ غيرُ موافقٍ وكلُّ صديقٍ فيه غيرُ صدوقِ
ومنه:
يا علم العالمِ في الجودِ مثلكَ جودًا غيرُ موجودِ
بيضتَ من وجه الندى بالندى ما اسودَّ من أيامهِ السودِ
بينَ مطيع لك، أصفدته وبين عاصٍ لك مصفودِ
ومنه:
إذا ما جئتَ أحمدَ مستميحًا فلا يغررك منظرهُ الأنيقُ
له عرفَ وليس لديه عرفٌ كبارقةٍ تروق ولا تريقُ
فما يخشى العدوُّ لهُ وعيدًا كما بالوعدِ لا يثقُ الصديقُ