وقال أبو الوليد: ويسمى البهار النرجس، وأكثر أشعار المشرقيين اسمه فيها النرجس، وأما الأندلسيون فاستعملوا الاسمين، وذكروا اللغتين. فمن أبدع تشبيه وقع إلي فيه قول أحمد بن هشام بن عبد العزيز بن سعيد الخير ابن الإمام الحكم، وقد بعث به إلى الإمام عبد الرحمن الناصر لدين الله وهو: [الخفيف]
يا مليكا من الملوك مصفى والذي جل أن يحدد وصفا
عبدك الشاكر المؤمل أهدى نرجسا كالعبير نشرا وعرفا
كلما فاح نشره قلت: غلف في دجا الليل عاطر زار إلفا
وغذا ما لحظته قلت: ألحا ظ خليع قد مال سكرا فأغفى
منه مثل الإبريز في صفرة اللو ن ومنه مثل الجمان المصفى
فكأني بما أقلب منه صيرفي أضحى يحاول صرفا
وقول إسماعيل بن بدر وهو حلال من السحر: [البسيط]
أهدي إليك من النوار أحسنه قد ضل في وصفه من قبلي الناس
كأنها نقر من فضة وضعت فيها من الذهب الإبريز أكواس
على الزمرد قامت عند منبتها في كل نوارة مفتوحة كاس
وقال الحاجب [أبو الحسن جعفر بن عثمان] المصحفي يصفه بألفاظ رطبة، [ومعان عذبة]، وأشار في أول بيت إلى ممدوح لو يسمه، وهي: [الطويل]
بنفسي وأهلي طالع خلت أنه بأخلاق معشوق العلا يتخلق
حكى الفضة البيضاء والتبر منظرا ولكنه بالنفس ألطى وأعلق
فصيح إذا استنطقته عن زمانه وما خلت أن النور من قبل ينطق
يبثك أنفاس الحبيب وإنها لأذكى من المسك الذكي وأعبق
أتانا على عهد الشتاء مبشرا بعهد يروق الناظرين ويونق
وقال أبو عمر أحمد بن فرج_وقيل: أخوه عبد الله_يصفه: [السريع]
ونرجس تطرف أجفانه كمقلة قد دب فيها الوسن
كأنه من صفرة عاشق يلبس للبين ثياب الحزن
قال أبو الوليد: جرى في "ثياب الحزن" على مذهب أهل الأندلس، إذ ثياب حزنهم بيض. وهو تشبيه بديع، [وتمثيل رفيع، ومعنى مطبوع] . ومن التشبيهات العقم التي تدل على يقظة الفهم، قول ابن القريشية عبد العزيز ابن المنذر بن عبد الرحمن الناصر لدين الله_رضي الله عنهم_وهو: [الطويل]
كأن الثرى ستر تمد خلاله بأكواس راح راحهن الكواعب
يسترن من فرط الحياء معاصما بأكمامهن الخضر عمن يراقب
جعل قضبه الخضر معاصم مستورة بأكمام خضر، وجعل أكفها مبيضة وكؤوسها مصفرة. وأنشدني الفقيه أبو الحسن بن علي الأشجعي [النحوي] يصف بهارا أخرجه إليه أحد "بني بخت" وسأله وصفه، فقال [على البديهة]: [البسيط]
ما للبهار نظير في النواوير غذ صار أول مخصوص بتكبير
أما ترى الصب والمعشوق قد جمعا في لونه بين تبييض وتصفير
كأنما رق للعشاق منظره فعجل النور من بين النواوير
أحبب به فلقد أنبأ بطلعته عن السرور وإتمام التباشير
[ ٢٧ ]
وكتب الوزير أبو مروان بن الجزيري إلى المنصور أبي عامر بن أبي عامر، وهو بأرملاط، عن بهار العامرية في كانون الأول الكائن في سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة: بسم الله الرحمن الرحيم "أطال الله بقاء المنصور مولاي، وأدام عزه، وهنأه سروره، وسوغه نعمه عنده، إني_أيد الله المنصور مولاي_لما استقلت زهرتها مائلة قضبي، وتنبهت من سنتها نائمة جفوني، ونمت بعطرها ساطعة روائحي، وافترشت ديباج حديقة بكر وسميها، وتتابع وليها، فالتقى ثرياها، وأخذت الأرض زخرفها، وازينت وطاب صعيدها حتى كأن ترابها فتيت المسك، أو سحيق الكافور، [عن لي زهو بحسني وارتياح لحالي، وإعجاب بمكاني]، وشاركت ذلك دواعي هزة الشوق إليك، وشواجي لوعة البعد عنك حين فارقت محلي، وآثرت بالزيارة غيري فحركن مني ساكنا، وبعثن لي على مناجاة الشعر خاطرا. فأجابني منه ما ضمنته غرائب وصفي، وأهديته إلى مولاي مع محاسن شخصي الذي هو غرس همته، وابن نعمته، لعل فعلي أن يوافق منه قبولا، ويقسم لي من حسن تذكره نصيبا بواسع تفضله وسابغ تطوله، وكريم تحاوره". والشعر: [الكامل]
حدق الحسان تقر لي وتغار وتضل في صفة النهى وتحار
طلعت على قضبي عيون كمائمي مثل العيون تحفها الأشفار
وأخص شيء بي إذا شبهتني درر تنطق سلكها دينار
أهدت له قضب الزمرد ساقه وحباه أنفس عطره العطار
أنا نرجس حقا بهرت عقولهم ببديع تركيبي فقيل: بهار
إني لمن زمن الربيع تربني قطع الرياض وتلقح الأمطار
فأكون عطرا للأنوف ومنظرا بهجا تهافت نحوه الأبصار
وتحية بين الندام تحث لي نخب الكؤوس وتنطق الأوتار
وأقل جود العامري محمد ألف حكت حدقي وتلك نضار
عشر تعد من المئين لأنمل عشر يصرفها وهن بحار
قوله: "ألف حكت" إنما أنث الألف لصرفها إلى الدراهم، وأما الألف فمذكر. ولا يحتاج إلى ذكر أكثر من هذا المدح، كما لا يحتاج إلى إطراء النظم والنثر بأكثر من أنهما حلال في السحر. ومن الحسن السري قول أبي عمر القسطلي يصفه في قطعة موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر، وهي: [المتقارب]
دعيت فأصغ لداعي الطرب وطاب لك الدهر فاشرب وطب
وهذا بشير الربيع الجديد يبشرنا أنه قد قرب
بهار يروق بمسك ذكي وصنع بديع وخلق عجب
غصون الزمرد قد أورقت لنا فضة نورت بالذهب
إذا جمعت في الجبال الحرير وقامت أمامك مثل اللعب
فمن حقها أن ترى الشاربين وقد نفقت سوقهم بالنخب
وأن يسألوا الله طوال البقاء لعبد المليك مليك العرب
فلولا مجالسه لم ترق ولولا شمائله لم تطب
وأنشدني الفقيه أبو الحسن بن علي للفقيه أبي عثمان بن البر قريبه: [الطويل]
ألا فاسقني روح النفوس وأنسها ولين بماء المزن في المزج مسها
وشعشع لنا شمس الشمول ببدرها وأجر علينا بالمسرة كأسها
فأنت ترى أقمار نرجس روضنا خلاف السماويات جاوزن شمسها
محاسن لو دانت أخا العي باقلا إذا بذ سحبان البرايا وقسها
وأنشدني [لنفسه فيه] الوزير أبو عامر بن مسلمة قطعة غريبة التشبيهات عجيبة الصفات، وهي: [مخلع البسيط]
قد جاءنا رائد الربيع بمنظر رائق بديع
هو البهار الذي تعلى وجل في حسنه الرفيع
كأنه مقلة تشكى إلى الحيا قلة الهجوع
أكف كافورة قد أومت بكأس تبر إلى الربيع
أو شعلة النار وسط ماء جسد من ثوبه النصوع
وله فيه قطعة توازي هذه جمالا، وتضاهيها كمالا كتب بها إلى أبي_وقاه الله بي_وبعث معها بهارا مبكرا: [المتقارب]
أيا ماجدا لم يزل جوده يلوح كما لاح ضوء النهار
ويا من أحل بأمواله سماحا أخل بصوب القطار
بعثت إليك بنور البهار حكى فضة حول محض النضار
هو الدر نظم من بينه يواقيت فاقعة الاصفرار
أو الماء صير من فوقه إذا ما تأملته ضوء نار
نهار ولكنه باهر فعوض من ذاك باسم البهار
كما بهرت منك سيما باهر فألبست البدر ثوب السرار
[ ٢٨ ]
بقيت ووقيت صرف الردى فإنك في كل أمر مداري
ومما يستحسن فيه وتستغرب معانيه قول صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية [وهو]: [البسيط]
زمرد أورقت أغصانه دررا فراح كالراحة البيضاء منفطرا
يقل ياقوتة صفراء فاقعة كأنها التبر من فوق اللجين جرى
هو النهار ولكن رد نقطته مكيدة تحته النوار إذ وغرا
ثمت دعاه بهارا كي يهجنه وقد حوى قصبات السبق إذ بهرا
كمقلة دب في أجفانها وسن فرنقت غير أن لم تدر طعم كرى
وأهدى صاحب الشرطة أبو بكر المذكور مطيب بهار إلى الوزير أبي عامر بن مسلمة وكتب معه أبياتا رائقة السمات، فائقة الصفات، وهي: [الخفيف]
قل لريحانة العلا والمكارم والكريم النجار وابن الأكارم
قد بعثنا إليك يا خير ناش بالدنانير فوق محض الدراهم
لم يسس طبع هذه جعفر قط ط ولا ضرب تلك راحة قاسم
ببهار يحكي جمالك حسنا وحكى عرفك الذكي لناسم
يتشكى الظما وفي يدك الري ي فإن لم تروه كنت ظالم
دمت للمهرجان والعيد والني روز إلفا من الحوادث سالم
فجاوبه الوزير أبو عامر بن مسلمة بديهة بأبيات تشاكلها براعة، وتشابهها بزاعة وهي: [البسيط]
في النرجس الغض شبه لا خفاء به للنيرين يرىفي طالع الزهر
فصفرة الشمس قد ردته صفرتها وقد مبيضه من صفحة القمر
كأن ياقوتة صفراء قد طبعت في غصنه حوله ست من الدرر
حسن يدل على إتقان صانعه سبحانه مبدع الأخلاق والصور
وله [أيضا] فيه قطعة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أطال الله عمره، [كما أطاب ذكره]_وهي: [الطويل]
أرى في البهار النرجسي تلألؤا عيون الورى مشغوفة بالتماحه
كأن الرياض الخضر صغن لباسه بشكلين من ماء الغمام وراحه
أو الدهر رداه سرورا بشخصه رداءين من إسفاره وصباحه
فحلته في لونها ذهبية وفضية أثناء عقد وشاحه
جمال به حل الربيع قراره ومنه كسا لاشك نور أقاحه
كما قد تحلى الدهر من بعد عطلة بجود ابن عباد وفضل سماحه
به نيلت الآمال في كل بغية وبوشر برد الأمن تحت جناحه
ومن البديع المختار فيه ما أنشدني [لنفسه] أبو جعفر بن الأبار وهو: [البسيط]
أما ترى الروض راضاه الحيا فبدا للنرجس الغض فيه لحظ مبهوت
مثل العيون رنت، أشفارها درر لكن أناسيها صفر اليواقيت
الأناسي: جمع إنسان وهو ناظر العين وحدقتها.