أطبع ما جاء فيه، وأبزع ما شبه به قول أبي مروان المرادي وهو: [الطويل]
ينم مع الإظلام طيب نسيمه ويخفى لدى الإصباح كالمتستر
كعاطرة ليلا لوعد محبها وكاتمة صبحا نسيم التعطر
هذا المعنى ابتذله الشعراء [بعده]، وهو اختراع حسن له. ولأبي عمر يوسف بن هارون الرمادي فيه تشبيه حسن [من قصيد بديهي] وهو: [البسيط]
انظر غرائب للخيري ظاهرة عند الظلام وعند الصبح تستتر
كأنه سارق طيبا في الظ ظلماء فهو بنم الريح مشتهر
وقال أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي يصفه في قطعة سرية موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر_رحمه الله_وهي: [المتقارب]
غدا غير مسعدنا ثم راحا يساعدنا طربا وارتياحا
وخير فاختار شرب الغبوق ولج فليس يرى الاصطباحا
[ ٣٠ ]
فإن آنس الصبح نام وشح وإن آنس الليل نم وفاحا
كما خير الله عبد المليك فاختار في راحتيه السماحا
وفي صهوات الخيول الرجال ومن أدوات الرجال السلاحا
فعم القريب ندى والبعيد وروى السيوف دما والرماحا
ولأبي القاسم بن شبراق فيه وصف بديع وتشبيه مطبوع في قطعة موصولة بمدح المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_وهي: [الكامل]
وبنفسجي اللون يكتم طيبه عند الشروق وفي الظلام ينم به
فكأنه ذو مذهب ألفى الدجا سترا وأمسك مصبحا عن مذهبه
أو مستسر عن غريم فاقه غريت لجاجا نفسه بتطلبه
والصبح من غرمائه ولأجل ذا لك يستسر تلوذا عن مطلبه
قد كان يأخذه الصباح بغفلة لو لم ينم عليه مطلع كوكبه
ككتائب الرعب التي تتقدم ال منصور وهو بإثرها في موكبه
فتفر قبل حلوله عند العدا علما بأن النصر أمر خص به
ومن الباهر جماله، والظاهر كماله، قطعة لصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية موصولة بمدح أبي_أبقى الله علي ستره ورزقني بره_وهي: [الكامل]
ومضرج الأثواب مسكي النفس فكأنما اشتقت حلاه من الغلس
شرك البنفسج في الأديم فلونه من لونه فكأنه منه اختلس
يسري إذا طرق الظلام نسيمه ويظل يمكن بالنهار كذي دلس
متنكرا حتى المساء وإنما سلطانه بالليل فهو من الحرس
جنس يخالف كل جنس في التعر ري والتلبس والتوحش والأنس
فتراه طول نهاره متجردا من عرفه ومع الدياجي ملتبس
أنس المعالي بابن عامر الذي عمرت بدولته منازلها الدرس
أحيى الرياسة بالسياسة فهو مف صح لكنها بعد الخرس
وعلا فلم يرث العلا والمجد عن جد له نكس ولا جد تعس
نور توقد فاستبان بلمحه=ما كان أشكل قبل ذلك والتبس ولبعض الأندلسيين فيه مغزى دقيق ومعنى رقيق، وقيل: إنه لعبادة بن ماء السماء وهو: [الخفيف]
وكأن الخيري في كتمه الطي ب فقيه مغرى بطول رياء
يظهر الزهد بالنهار ويمسي فاتكا ليله مع الظرفاء
وقال الوزير أبو عامر بن مسلمة يصفه بأبدع وأغرب وهو: [مجزوء الرجز]
وروضة محفوفة بكل حسن مقترح
خيريها بخلقه عن كل نور منتزح
يكتم أسرار الهوى فإن أتى الليل يبح
مغتبق ليس يرى في دينه أن يصطبح
ومن التشبيه العلي قول الفقيه أبي الحسن بن علي وهو: [السريع]
ما أكرم الخيري في فعله يسهر إذ نور الربا ناعس
كأنما خاف عليه العدا فهو له في ليله حارس
قال أبو علي إدريس بن اليمان يصفه بوصف متقدم الإحسان وهو: [الرجز]
مراشف الخيري حو لعس كأنه قد قبلته الشمس
أو نفست للمسك فيه نفس الطيب في الليل عليه حبس
وماله تحت النهار حس كأنما الضوء عليه حبس
قوله: "قبلته الشمس" يعني أن لونه كلون من أثرت فيه الشمس، وإلى هذا أشار، وإياه أراد. وله أيضا فيه تشبيه عجيب أنشدنيه وهو: [الكامل]
أهلا بسار طيبه لا سارب أضحى هواه مضربا بضرائب
يا ناجم الخيري جادك كل ذي ثغر لجيب الدجن فوقك جائب
أعطيت أنفاس الحبيب معطرا وخلقت من خيلان ثوب الكاتب
ومما كثر شغف أهل الميز به، واستحسان ذوي الفهم له قول أبي جعفر بن الأبار، وهو: [السريع]
لا تعذلوا الخيري في كتمه الط طيب استتارا فهو عين الصواب
الصبح شبه الشيب في لونه فعافه والليل شبه الشباب
وأنشدني [لنفسه فيه] أبو بكر بن نصر أبياتا مطبوعة تضمنت أوصافا بديعة وهي: [الطويل]
أحب من الإخوان ندبا مبادرا نقي الحلى مما يدنس طاهرا
يلم بليل للمدام منادما وينفض عني حين يصبح سائرا
وريحاننا الخيري محضا فإنني تخيرته بين النواوير ناضرا
لما أنه يضحي مع العرف عاطلا نهارا ويمسي مدة الليل عاطرا
كأن له لب الأريب فما يرى مشاهدة اللذات إلا مساهرا
[ ٣١ ]
قال أبو الوليد: وبعث إلي صاحب الشرطة أبو الوليد بن العثماني مطيب خيري مبكر، وكتب معه قطعة نثر مقتطعة من السحر، وهي بعد صدرها: "بعثت بخيري جاز حد التبكير بأنسه، فحاز قصب السبق في أبناء جنسه، منظره أربى على المسك بنضرته، ومخبره قصر عن شيمك على بسطته. فاقبله بحق المجد عليك، ووسائل الحمد إليك، بهجا منظره، أرجا مخبره، إذا دنا الظلام ونام الأنام إلا من استدعى عرفه، واستجدى عرفه" فجاوبته، والجواب بعد صدره: "فلما تعاهدت خيريك عهاد شيمك، ودامت عليه ديم كرمك، بكر متنعما منها، متنفسا عنها، ولا ند له إلا الند، ولا مسك له إلا المسك، وقد قبضته مشغوفا به مستلذا بقربه، متعجبا من حسن اختياره لاستتاره باستهتاره تحت جناح الظلام ليسلم من الجناح والملام. وقد صنعت فيه أبياتا بديهية متأخرة، فأغض على ما فيها محسنا إلى مهديها. وهي: [السريع]
نهار خيريك في ليله كذلك الليل نهار الأديب
ينم فيه وينام الضحى تصاونا عن كل أمر معيب
كأنما الليل حبيب له فهو إذا حل اكتسى كل طيب
كأنما الصبح رقيب له فيرعوي عند طلوع الرقيب
الند: المثل. والند: الطيب. والمسك: الجلد. قال أبو الوليد: أكثر ما وصف من الخيري هذا النمام، وقلما ما وصف الأصفر وأنا ذاكر ما وقع [إلي] فيه: