القطع التي لم يسم فيها نور، ولا قصد بوصفها منه نوع قال أبو الوليد: من المستحسن في هذا الباب قول أبي عمر أحمد بن عبد ربه: [البسيط]
وروضة عقدت أيدي الربيع بها نورا بنور وتزويجا بتزويج
بملقح من سواريها وملقحة وناتج من غواديها ومنتوج
توشحت بملاة غير ملحمة من نورها ورداء غير منسوج
فألبست حلل الموشي زهرتها وجللتها بأنماط الديابيج
سواريها: سحائبها ليلا، من السرى؛ وهو سير الليل. وغواديها: الآتية في الغداة. ومن غريب الوصف في عجيب الرصف قول أبي عمر أحمد بن فرج الجياني: [الكامل]
أما الربيع فقد أراك حدائقا لبست بها الأيام وشيا رائقا
فكأنما تجتر أذيال الصبا فيها البروق أزهارا وشقائقا
متقسمات بينها وسم الهوى تحكي المشوق تارة والشائقا
من قانيء خجل وأصفر مظهر للوجد كالمعشوق فاجا العاشقا
وكأنما نثرت على أجفانها غر السحائب لؤلؤًا متناسقا
فإذا الصبا لعبت به في روضة ذكر الفراق بها بكى وتعانقا
شبه اضطرب النوار بالرياح وقرب بعضها من بعض، وسقوط الندى منها بذلك الاضطراب بالتعانق عند الفراق والبكى من أجله. ولأبي عمر أيضا فيه قطعة غربية التشبيه وهي:
يا غيم أكبر حاجتي سقي الحمى إن كنت تسعف
رشف صداه فطالما روى الصدى فيه الترشف
واخلع عليه من الربي ع ووشيه برادا مصنف
حتى ترى أنواره وكأنها أعشار مصحف
وتخال مرفض الندى في روضه شكلا وأحرف
وكتب عمر بن هشام إلى صديق له يستدعيه في رأس الربيع من جنة له فأحسن إحسانا يقرب على من تأمله ويبعد على من رامه: "كتبت والأرض تستطير باستطارة شوقنا إليك، وتهم أن تستقل بنا نحوك، إذ صرنا بروضة استعارت لون السماء بخضرتها، وزهر نجومها بأنوارها، وبدور تمها بأقمارها. فقد افترشنا ثوب السماء، وحوينا زهرة الدنيا، وبيننا متطلعة إليك بأعناق الغزلان، ولسمع حسك مصيخة الآذان، فإن عجلت قهقهت طربا، وتبودرت نخبا، وإن أبطأت أظلم في أعيننا النور، وكادت الأرض بنا تمور، والسلام".قال أبو الوليد: في آخر هذه الرسالة من وصف الكؤوس، وسرور النفوس بمن خوطبت فيها، وكوتب بها ما لم أعد به، ولا قصدت قصد ذكره، لكني لو فصلته منها لأخللت بها، فمن الأشياء أشياء يزداد حسنها بما وصلت به، وقرنت معه، وربما أن في كتابي مثل هذا. فمن رآه فليعلم أني إنما أسعى في استكمال الحديث واستيعاب الخبر لئلا أخل بما ابتدئ به بالنقص منه، ولست أفعل هذا إلا فيما يكون تبعا لما أقصد إلى جمعه، وأشغل بتأليفه. ولذي الوزارتين القاضي أدام الله عزه ووصل حرزه_قطعه نثر، بل نفثة سحر، جاوب بها أبا عامر بن أبي عامر_رحمه الله_ وقت كونه بإشبيلية وقد كتب إليه يسأله إباحة الخروج له إلى بعض ضياعه للتنزه في فصل الربيع. والقطعة بعد صدرها: "وقفت على كتابك_أكرم به_وفهمت ما تضمنه، وهي أوقات التنزه، وأحيان التفرج، فقد أشرقت الأرض، وزهي الروض، وأقبل فصل الربيع بكل حسن بديع، وأفصحت الطير بعد عجمتها، وأبدت النواوير غرائب زهرتها، وكست الورق شجرها، وغطت الزروع مدرها، فلست ترى إلا خضرة تسطع، وثمارا تينع، تجلو الصدى من الكبد الحرى، وتزيح الأسى عن النفوس المرضى، وقد قال ﵇: "روحوا الأنفس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد". وهذا كله بما من الله به الغيث المغيث، فله الشكر واصبا، والحمد دائما على آلائه التي تترى، ونعمه التي لا تحصى، وهذا فيض بديهته، وعفو سجيته، ولو روى لكان على أرفع على أن لا أرفع، وأبدع على أن لا أبدع، حرس الله حوباءه، وصان ذكاؤه".ومن البديع في وصف الربيع ما جاء به أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي في قصيد يمدح به الوزير بن بلشر، فقال بعد صدر منه: [الطويل]
على روضة قامت لنا بدرانك وقام لنا فيها الذباب بمسمع
إذا ما شربنا كأسنا صب فضلها على فضل كأس المسمع المتخلع
كأن السحاب الجون أعرس بالثرى فلاح شوار الأرض في كل موضع
رياض يضاحكن الغزالة بعد ما بكت فوقها عين السماء بأربع
[ ١ ]
كأن سرور الأرض حزن سحابها إذا ما بكت لاحت لنا في تصنع
حبائب لا يسمحن إلا بلحظة وشمة أنف للمحب الممتع
بدائع ما أبدى الوزير بنانه إلى صكه إلا أتانا بأبدع
شبه خط ممدوحه بالربيع في حسن منظره، وجمال مخبره، ودخوله إلى المدح في هذا الموضع مفضل له مستحسن منه. والغزالة، الشمس. يقال: طلعت الغزالة ولا يقال: غابت الغزالة. وقال الأصمعي: الغزالة: وقت طلوع الشمس، وليست الشمس. والجون من الأضداد يكون الأبيض والأسود. وهو هاهنا الأسود. والتصنع: التحسن والتزين. ومن حسن ماله في هذا المعنى قوله في قصيدة يمدح بها العارض أحمد بن سعد بعد وصف سحابة ورعد وبرق وهو: [الرمل]
كست الأرض بساطا رائقا بطنها سداة والأرض نسج
أخرجت أسرارها إذ أخرجت رب سر أحرج الصدر خرج
كمحب ضاق وجدا صدره فبدا ما كان في الصدر اختلج
صاح إن يبهجك وجه حسن فليكن وجه الربيع المبتهج
أعرس الروض ومن قيناته أم من خالف في الاسم السمج
تتغنى أولا في رجز فإذا امتدت تغني في الهزج
ثم دخل إلى المدح كدخوله المتقدم فقال:
وكأن الروض من خط أبي بكر العارض وشي ودبج
قيناته: مغنياته، واحدتهن قينة. و"من خالف في الاسم السمج" أراد أم الحسن. لأن الحسن ضد السمج. ولأبي عمر أيضا قطعة حسنة يصف فيها الربيع من قصيد مطول بديع التشبيهات، بديع الصفات، يمدح به أبا علي البغدادي_رحمه الله_والقطعة بعد صدر من القصيد: [الكامل]
في إثرها وقعت ملاحم تجتلي الت تأريخ بين سحائب ومحول
فكأنها جيش بدهم خيول غاز إلى جيش بشهب خيول
قامت رواعدها بدق طبول في حربها وبروقها بنصول
ولت جنود المحل ثم تحصنت في قلب كل متيم معذول
بكت السحاب على الرياض فحسنت منها غروسا من دموع ثكول
فكأنها والطل يشرق فوقها وشي يحاك بلؤلؤ مفصول
غلبت على شمس النهار فألبست منها ظهيرتها ثياب أصيل
فنزلت في فرش الرياض ولم يكن ليحوزها مثلي بغير نزول
سلب العمامة بيننا متعمم لطمت سوالفه يدا مغلول
فوضعت في فمه فمي فعل الذي يهوى بريق حبيبه المعسول
غنى الطراة من الذباب لنا بها طربا فهجن شمائلا بشمول
روض تعاهده السحاب كأنه متعاهد من علم إسماعيل
قوله: "فكأنها جيش بدهم خيول"..البيت، شبه السحاب في اسودادها بالخيل الدهم، والأرض في ابيضاضها قبل النبات بالخيول الشهب. وهذا من أبدع ما استعير لهذا الموضع، ومما حسنه ذكر الغزو بينهما، وقوله: "سلب العمامة بيننا متعمم" البيت، أراد ظرف الخمر الذي تسميه العامة الكوز. شبه مقبضه في عنقه بيدي مغلول. وعمامته: فدامه، وهو من مخترعاته الطريفة، ومبتدعاته الشريفة. ومما حسن له_رحمه الله_في هذا المعنى قطعة من قصيدة شأى فيها من تقدم يمدح بها ابن القرشية وهو عبد العزيز بن المنذر بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بعد أبيات غربية في صفات عجيبة وهي: [الطويل]
تأمل بإثر الغيم من زهرة الثرى حياة عيون متن قبل التنعم
كأن الربيع الطلق أقبل مهديا بطلعة معشوق إلى عين مغرم
تعجبت من غوص الحيا في حشى الثرى فأمشى الذي فيه ولم يتكلم
كأن الذي يسقي الثرى صرف قهوة تنم عليه بالضمير المكتم
أرى حسنا في صفحة قد تغيرت كبشر بدا في الوجه بعد التهجم
ألا يا سماء الأرض أعطيت بهجة تطالعنا منها بوجه مقسم
وإن قالت الأرض المنعم أرضها لي الفضل في فخري عليك فسلمي
فخضرة ما فيها يفوقك خضرة ونوارها فيها ثواقب أنجم
وإن جئتها بالشمس والبدر والحيا مفاخرة جاءت بأسنى وأكرم
بعبد العزيز ابن الخلائف والذي جميع المعالي تنتمي حيث ينتمي
[ ٢ ]
ودخوله في هذا الموضع إلى المدح، ومفاخرته بين السماء والأرض من المعاني التي سبق فيها واستولى على الأمد بها. وقوله: "كأن الذي يسقي الثرى صرف قهوة ". البيت، شبه فيه إفشاء الأرض نوارها وخضرتها بالمطر بإفشاء الملاء أسراره المكتومة بالقهوة. وقوله: "ينم"، مستقبل من النميمة، يقال: ينم بكسر النون وضمها، والكسر أفصح. وقوله: "بوجه مقسم" أي محسن من القسام: وهو الحسن. وقوله: "فسلمي"، أراد: فأذعني لها وأقري بفضلها. ولعبد الملك بن نفيل قطعة محكمة في هذا المعنى كتب بها إلى المنصور بن أبي عامر_رحمه الله _بأرملاط: [الكامل]
انظر إلى حسن الزمان كأنما يلقاك عن بشر لوجهك مبشر
بكت السماء على الربا فتبسمت منها ثغور عن عقائل جوهر
أهدى الربيع إليه سكب سمائه فكسا الثرى من كل لون أزهر
ضحكت متون الأرض عند بكائه عن أبيض يقق يروق وأصفر
وكذاك لم تكشف سريرة روضة يوما بأفصح من غمام ممطر
غيث أرانا كل نور ضاحكا متطلقا منها بنور أنور
متبختر في مشيه فكأنه ثان لها عطفا وكاسر محجر
وكأنما زهر الرياض كواكب حسرت لنا عن كل أزهر مقمر
فصل السرور بقهوة مشمولة=تغنيك عن قبس ومسك أذفر شبه بشر الزمان ببشر وجه ممدوحه في أول بيت، وشبه ضياء الخمر بالقبس، وريحها بالمسك إذ أقامها مقامها في آخر بيت. وللكاتب أبي الأصبغ عيسى بن عبد الملك بن قزمان من جملة قصيد مطول قطعة في هذا المعنى، وهي إثر وصف البرق: [الكامل]
كم ذا ضميره من روضة والغيث ملآن بنور زاهر
يخفي ويضمره الحيا فكأنه بحر تستر فيه نور جواهر
حتى إذا ما عانق الروض الثرى طلعت أوائل نبته المتظاهر
متخالفات في الربا فنظائر حسنا وفي الألوان غير نظائر
ترنو إليك جفونها عن أعين أحلى وأملح من عيون جآذر
لا شيء أحسن منظرا إن قسته أو مخبرا من حسن روض ناضر
إن جئته أعطاك أجمل منظر أو غبت زادك في النسيم الحاضر
وقال أبو أيوب سليمان بن بطال المتلمس في هذا المعنى فأحسن: [المتقارب]
تبدت لنا الأرض مزهوة علينا ببهجة أثوابها
كأن أزاهرها أكؤس حدتها أنامل شرابها
كأن الغصون لها أذرع تناولها بعض أصحابها
وقد أعجب النور فيها الذباب فيهزج من فرط إعجابها
كأن تعانقها في الجنوب تعانق خود وأترابها
كأن ترقرق أجفانها بكاها لفرقة أحبابها
مزهوة، مفعولة، من الزهو، ومعناها متعجبة من حالها، متكبرة لجمالها. وترقرق الأجفان: امتلاؤها بالدمع. واستعار للنور أجفانا. وقال محمد بن مسعود البجاني فأحسن في الوصف كل الإحسان: [المنسرح]
أما ترى الأرض ألبست حللا من نسج أيدي السحائب الصوب
كأن أشجارها وقد كسيت بدائعًا من حليها المعجب
من أحمر كالعقيق منظره وأصفر كالفريد لم يثقب
وأبيض فوقه سقيط ندى كماء ورد في عنبر أشهب
وثمر في الغصون تحسبه جامد خمر في الجو لم يسكب
أو أنجم الشرق بان مطلعها فسرن من مشرق إلى مغرب
خرائد يلتقين في عرس تسكن حينا وتارة تلعب
والماء يجري خلال ساحتها كأنه جسم فضة ذوب
وللصبا نفخة تذكرنا طيب نسيم الصبا فما أطيب
والطير في أيكها مغردة كأنها في منابر تخطب
أعجب بها من نواطق خرس توجز حينا وتارة تسهب
تفهمني عجمة بألسنها معنى الكلام المبين المعرب
وللوزير أبي عامر بن شهيد_رحمه الله_في الربيع قطعة عجيبة من قصيدة طويلة مشتملة على أوصاف سواها مستغربة، ومعان [غيرها] مستعذبة، [والقطعة]: [مجزوء الكامل المرفل]
سهر الحيا برياضها فأسالها والنور نائم
حتى اغتدت زهراتها كالغيد باللج العوائم
من ثيبات لم تبل كشف الخدود ولا المعاصم
وصغار أبكار شكت خجلا فعاذت بالكمائم
حييت بطوفان الحيا فتضاحكت والجو واجم
أصناف زهر طوقت دررا تذوب بكف ناظم
[ ٣ ]
من باسم باك إلي ك ند، وباك وهو باسم
وقال الوزير أبو عامر بن مسلمة يصفه بوصف أبدع فيه وأغرب، وأنبأ عن حذقه وأعرب، أنشدنيه موصولا بوصف الحاجب_أدام الله عزه ووصل حرزه_وهو: [السريع]
أهلا وسهلا بوفود الربيع وثغره البسام عند الطلوع
كأنما أنواره حلة من وشي صنعاء السري الرفيع
أحبب به من زائر زاهر دعا إلى اللهو فكنت السميع
بث على الأرض درانيكه فكل ما تبصر منها بديع
كأنما الحاجب ذو المن وال إحسان إسماعيل مولى الجميع
أهدى إليه طيب أخلاقه فنحن منها دهرنا في ربيع
لا زال يبقى سالما ما دعت قمرية في فنن ذي فروع
قال أبو بكر عبادة بن ماء السماء يصفه بأوصاف بديعة، وتشبيهات رفيعة، وبدأ بذكر السحابة: [الرمل]
ولعوب عشقت روض الثرى فهي تأتيه على طول البعد
فيرى الروض إذا ما وصلت أرج العرف من الطيب الجسد
عطرا ملتبسا ملتحفا في سرابيل من الحسن جدد
كمحب زار محبوب له فتحلى للقاه واستعد
وإذا ما ودعت أبصرتها في نحول العاشق الصب الكمد
تلحظ النور بلحظ فاتر مثل جفن حائر فيه رمد
وجفون النور تهمي بالبكا كجفون الصب من فقد الجلد
فهما في حيرة عند النوى كمحبين أحسا بالبعد
ولأبي بكر أيضا قطعة بديهية وهي: [البسيط]
أما ترى باكر النور الذي نجما كأنه آيب من غيبة قدما
والقطر ساق له والبرق يعجله سقياه فعلة داعي الشرب بالندما
كأنه سلك درٍّ حل، أو كلف بكى فلما دنا محبوبه ابتسما
كأن مبدئه في الأفق منتثرا أعاده في أنيق الروض منتظما
فلا ترد على الساقي حكومته فإن دين الهوى راض بما حكما
أشار إلى حسن الساقي في آخر بيت. وأحسن منها مجتلى، وأطيب مجتنى في هذا المعنى ما أنشدنيه لنفسه الفقيه أبو الحسن بن علي ممتزجا، يمدح الوزير أبا بكر عبد الله بن ذي الوزارتين القاضي_أعزهما الله_وهو: [السريع]
قد قلت للروض، ونواره نوعان تبري وتفضي
وعرفه مختلف، طيبه صنفان خمري ومسكي
ووجه عبد الله قد لاح لي وهو من البهجة دري
شم غرسك الأرضي إن الذي أبصرته غرس سماوي
حسنك نوري بلا مرية وحسن عبد الله نوري
أضحى صغيرا وهو في قدره نيلا كبير الشأن علوي
قوله: "شم" أمر من شام يشيم إذا سل وأغمد، من الأضداد، وهو ها هنا الإغماد، ومعنى القطعة أنيق، ومغزاها دقيق ومن الصفات المطبوعة، في الكلمات المصنوعة، قطعة لأبي الحسن أيضا أنشدنيها وهي: [المتقارب]
وقفت على الروض في يوم طش وللدجن ظل كظل من نمش
وقد صقل الطل نواره وأذهب ما فوقه من نمش
فما غصن يشتكي عطلة ولا شجر يتشكى عطش
ترى النبت صنفين من بهجة فمن مستقل ومن منفرش
ومن لابس ثوب طاووسة ومن مترد بوشي الحنش
وفص من النور لم ينتقش وثان لطبع المنى قد نقش
جمال يحير لب الفتى ويكسبه من شرور دهش
ومن النهاية في الحسن والإحسان قول أبي عبد الله محمد بن سليمان المعروف بابن الحناط: [في قصيد أوله]: [الكامل]
راحت تذكر بالنسيم الراحا وطفاء تكسر للجنوح جناحا
يعني السحاب، ثم خرج من وصفها بعد أبيات إلى وصف الروض، فقال:
جادت على التلعات فاكتست الربا حللا أقام لها الربيع وشاحا
فانظر إلى الروض الأريض وقد غدا لبكا الغوادي ضاحكا مرتاحا
والنور يبسط نحو ديمتها يدا أهدى لها ساقي الندى أقداحا
وتخاله حيى الحيا من فوحه بذكيه فإذا سقاه فاحا
وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن علي قال: كان في داري بقرطبة حائر صنع فيه مرج بديع وظلل بالياسمين، فنزهت إليه أبا حفص التدمري في زمن الربيع، فقال: ينبغي أن تسمي هذا المرج السندسة، وصنع على البديهة أبياتا تشاكل هذا الباب [وتطابق غرض الكتاب وهي]: [المتقارب]
نهار نعيمك ما أنفسه وربع سرورك ما آنسه
[ ٤ ]
تأمل وقيت ملم الخطو ب فعل الربيع وما أسسه
بحائر قصرك من صوغه دنانير قد قارنت أفلسه
وأسطار نور قد استوسقت وسطر سطر على الغمر قد طلسه
ونبت له مدرع أخضر بصفرة أصباغه ورسه
فأبدع ما صاغ لكنه أجل بدائعه السندسة
مدارعها خضرة غضة أعاد النعيم لها ملبسة
كأن الظلال علينا بها أواخر ليل على مغلسه
كأن النواوير في أفقها نجوم تطلعن في حندسه
ومهما تأملت تحسينها فعيني بقرتها معرسه
محل لعمرك قد طيب ال إله ثراه وقد قدسه
المغلسة، جمع مغلس، وهو الداخل في الغلس. ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القويطة في هذا المعنى الذي غرضت إليه في كتابي، وقصدته بتأليفي نوادر مبتدعة، ومعان مخترعة، وقطع من السحر مقتطعة، ستقع في أبوابها، وتوضع مع أشكالها فمن بديع ما أنشدنيه قوله:
ضحك الثرى وبدا لك استبشاره واخضر شاربه وطر عذاره
وربت حدائقه وآزر نبته وتفطرت أنواره وثماره
واهتز ذابل نبت كل قرارة لما أتى متطلعًا آذاره
وتعممت صلع الربا بنباتها وترنمت من عجمة أطياره
وكأنما الروض الأنيق وقد بدت متلونات غضة أنواره
بيضا وصفرا فاقعات صائغ لم ينأ درهمه ولا ديناره
سبك الخميلة عسجدا ووذيلة لما غدت شمس الظهيرة ناره
فتوسد الديباج وافترشن له ال وشي الذي من غير صنعا داره
وتضوعت ريح الرياض كأنما فت العبير بأرضها عطاره
فاشرب إذا اعتدل الزمان ووزنه وإذا استوى بالليل منه نهاره
شبه الروض بالصائغ، وابيض نوره وأصفره بدراهمه ودنانيره، والخميلة: مسترق الرملة. والوذيلة: الصفيحة من الفضة، وجمعها على فعائل. وأبدع من هذا وأطبع، ما أنشدنيه أيضا لنفسه: [السريع]
لما رأى العام زمان الربي ع الطلق قد نشر عرف الكبى
أجرى إلى غايته مجهدا فكلما رام لحاقا كبا
والنور قد بث دنانيره مفضضا إن شئت أو مذهبا
استعمل الحيلة لما ونى ولم يجد عن قصده مذهبا
فقال: أسلفني يوما بشه ر، فأجابته رياض الربا:
هذا الربا، والله في وحيه ال منزل قد حرم فعل الربا
ومما يوازي هذه القطعة دقة ويشاكلها رقة، قوله: [مخلع البسيط]
قد أخذ الأفق في البكاء واغرورقت مقلة السماء
فالأرض إن أظهرت جفاء أرسل عينيه بالبكاء
كأنه عاشق مشوق يشكو هواه إلى الهواء
مرجيا أن يلين منها ما أظهرته من الجفاء
حتى إذا راضها سفيرا صدت بوجه من الحياء
وانتقبت بالنبات عنه والتحفت منه في رداء
[ ٥ ]
وللوزير الكاتب أبي حفص بن برد في هذا المعنى قطعة نثر، مقطعة من السحر، في رسالة كتب بها عند صدره من دانية إلى الوزير الكاتب أبي إسحاق بن حمام وقد خرجا متنزهين في ما يقرب من مدينة قرطبة في زمن الربيع، يصف حسن شمائلها، ويورد شرف فضائلها، وهي_أعني القطعة_بعد صدر: "كيف شاهدت أنهارها، وقد درت عليها أخلاف الأنوار [فأتأقتها؟، وأنوارها] وقد سرت إليها خيالات الأنداء فأرقتها؟. وكيف تأملت الربيع وقد صاغ لمفارقها تيجانا؟ وفتق لمعاصمهاأردانا؟ فكأنما راسلت الأرض زهر النجوم، مع كدر الغيوم أن تبديها عند جلائها، في هيئة سمائها. وكيف عاينت انشقاق تلك الأباطح؟ كأنه فضة تحته نار، فليس لها أبدا قرار، يلبس للريح لأمه، ويسل على الشمس صمصامه".قوله: أخلاف الأنواء من حسن الاستعارة. وأتأقتها: ملأتها. وبعد هذا وقبله من المعاني الطريفة، والنوادر الظريفة، ما يحل من الأسماع محل السماع، ويجري على الأفواه مجرى الأمواه، ولكنها ليست مما قصدت إلى جمعه، ولا عنيت بذكره. قال أبو الوليد: فجاوبه الوزير الكاتب أبو إسحاق بن حمام عن تلك المعاني بشكلها براعة وبزاعة، وعلى تلك الفصول. بمثلها صياغة وصناعة، وفي آخر جوابه أوصاف في أصناف النواوير، وتشبيهات لأنواع الأزاهير تعجب متأمليها، وتعجز متتبعيها، وهي إثر ذكر الأنواء: "قد نسجت لها من زهر الربيع حللا، وسقتها من مجاجتها عذبا غللا، وأطلعت فيها آثار الغيوم أشباه النجوم، فازدانت بأبهج لبوس، وبرزت للناظرين في حلي العروس، كأنما اختلست لفظك فلبسته، أو أمكنها كلامك فتوشحته، فمن قانيء صبغ الهواء غلائله، وغذت السماء خمائله، لا يشتكي من نداها بشرق، ولا يبيت من ظمأ على فرق. حتى بدا في لون شفق. فكأنما شرب رحيقا، أولبس عقيقا. أوكأنما خاف عذلا فاحمر خجلا. يحمل من طله فرائد. كأنها أدمع خرائد. أو فاقع يجنيك تبرا، ويريك من لونه سحرا، يلقاك من حسنه في أجمل منظر، ويختال من جلابيبه في معصفر. كأنما خافت هجرا، واستشعرت ذعرا. ترو إليك بمقل حسان، لا تنطبق منها الأجفان. فكأنما تشكو سهرا، أضعف منها نظرا. إلى تحاسين قد لبست ثوب بهائها، وضحكت عند بكاء سمائها. تروقك من حسنها فنون، وترنو نحوك منها عيون. فمن بصير وأكمه، وكحيل وأمره".
قوله: "عذبا غللا"، الغلل: الماء الجاري بين الأشجار، عن الأصمعي. أبو عبيدة: الغلل: الماء الظاهر الجاري، وهو الغيا أيضا. والقانيء: الأحمر. والفاقع: الأصفر. ويقال في الأسود: حالك وحانك. وفي الأبيض: يقق. والأكمه: المولود أعمى. والأمره: الذي لا يكتحل. ومن السني البديع، [والسري الرفيع]، في فصل الربيع، ما أنشدنيه لنفسه أبو جعفر بن الأبار موصولا بمدح الحاجب وهو: [الكامل]
لبس الربيع الطلق برد شبابه وافتر عن عتباه بعد عتابه
ملك الفصول حبا الثرى بثرائه متبرجا لوهاده وهضابه
فأراك بالأنوار وشي بروده وأراك بالأشجار خضر قبابه
أمسى يذهبها بشمس أصيله وغدا يفضضها بدمع جنابه
عقل العقول فما تكيف حسنه وثنى العيون جنائبا بجنابه
بالحاجب المأمول أضحك ثغره فرحا وأنطق جهرنا بصوابه
بعماد هذا الدين والملك الذي تتبادر الأملاك لثم ركابه
هز الصعاد فأرعدت من خوفه وعلا الجياد فأصبحت تزهى به
عتباه: رضاه. وعتابه: سخطه. ووهاده: المواضع المنخفضة. ونجاده: المرتفعة. جنائبا: مقودة إليه، موقوفة النظر عليه. وقوله: "هز الصعاد": [جمع] صعدة: وهي القناة النابتة مستقيمة لا تحتاج إلى ثقاف وتقويم. وله أيضا في هذا المعنى قطعة بديعة الغرض موصولة بمدح أبي_وقاه الله بي_وهي: [المنسرح]
استبشر الدهر بعدما استبصر فراق منه الرواء والمخبر
وجرد الجو ثوب دكنته واكتست الأرض ثوبها الأخضر
وأضحكت عن بديع زهرتها لما بكى الغيث قبل واستعبر
مادر در الغمام منتثرا إلا انتحى الروض نظم ما ينثر
ولا انتضى البرق فيه أنصله إلا دم المحل بينها يهدر
لولا عقيق البروق حين سرى لم يكن الروض يثمر الجوهر
حدائق بل كأنها حدق تهجع طورا وتارة تسهر
إذا صبت نحوها الصبا فتقت للأنف مسكا من ردعها أذفر
[ ٦ ]
أرض تباهي السماء مشرقة بكل نجم من زهرها أزهر
وقبل ما فاخرت كواكبها بالغر والصيد من بني حمير
بكل غيث إذا السماء صحت وكل ليث إذا القنا كسر
وكل سهم إذا انتحى غرضا وكل شهم إذا علا منبر
بحار جود تفيض من كرم حسبت ذا المجد بينها الكوثر
قوله: "وكل شهم". الشهم: الذكي القلب. وقال صاحب الشرطة أبو بكر بن القويطة يصف الربيع، ويمدح ذا الوزارتين أبا عمرو أحمد بن إسماعيل بن عباد: [مخلع من البسيط]
أما ترى الروض جوهريا ينظم در السما مليا
والنور من فضة وتبر متى غدا النبت صيرفيا
حتى كأن الربيع ملك يحيي لها نورها البهيا
ترى نواويره كتبر محض وآذار قسطريا
قد مد نطعا على رباها ينتقد المحض والرديا
مثل انتقاد العلا أبا عم رو نجل عباد السريا
الراجح الواضح المحيا والحول القلب الكميا
والمنجب المعجب افتنانا والمنبه المدره الذكيا
قال أبو الوليد: ومما قلته في هذا المعنى قطعة موصولة بمدح الحاجب_أطال الله بقاؤه، وحرس حوباءه_وهي: [الكامل]
أبشر فقد سفر الثرى عن بشره وأتاك ينشر ما طوى من نشره
متحصنا في حسنه في معقل عقل العيون على رعاية زهره
فض الربيع ختامه فبدا لنا ما كان من سرائه في سره
من بعد ما سحب السحاب ذيوله فيه ودر عليه أنفس دره
فأحل جفونك فيه تجل صدا بها لولا انبراء جماله لم تبره
واشكر لآذار بدائع ما ترى من حسن منظره النضير وخبره
شهر كأن الحاجب ابن محمد ألقى عليه مسحة من بشره
ملك تملك رقنا بمكارم جعلت له غفر النجوم كعفره
لا زال خطب زمانه في أسره فلقد رأيت به هواي بأسره
الغفر: نجم، والعفر: التراب، يقال: عفر وعفر، فكأنه لعلو منزلته، وسمو درجته قد استويا في بعدهما منه وتباينهما عنه، و"أسره" في شطر البيت: في ملكه وتحت حكمه، من الأسر المعروف. و"بأسره" في القافية بمعنى كله وجميعه. يقال أخذت الشيء بأسره أي جميعه. ولي أيضا في مثل ذلك:
بكت السماء فأضحكت سن الثرى بمدامع نظمت عليه جوهرا
فكأنها خرقاء تنثر عقدها وكأنه مستغنم أن ينثرا
عكفت يداه على نظام فريده وجمانه فردا لذاك مشمرا
فأعاده أبهى لطرف منظرا وأعده أذكى لأنف مخبرا
فانظر محاسن للربيع تبرجت لولا الربيع لما تجلت للورى
ومن المستحسن المستغرب، والمستطاب المستعذب، في هذا المعنى قطعة لأبي بكر بن نصر، كتب بها إلي في الربيع يسألني الخروج إلى حيث يبدو كماله، ويظهر جماله، [والقطعة]: [الكامل]
انظر نسيم الروض رق فوجهه لك عن أسرته السرية يسفر
خضل بريعان وقد غدا للعين وهو من النضارة منظر
قد طرزت منه البرود وطررت بالوشي فهو مطرز ومطرر
وكأنما تلك الرياض عرائس ملبوسهن معصفر ومزعفر
أو كالقيان لبسن موشي الحلى فلهن من وشي اللباس تبختر
أرض مدبجة الروابي غضة الت تلعات فهي عن العبير تعبر
يتعطل المسك الذكي لعرفها وبه الزمان وحسنه يتعطر
مصفوفة أنماطها ممدودة حبراتها تبدو إليك وتظهر
فكأنما صنعاء أهدت وشيها ورمت مطارفها الطريفة عبقر
حسن يقدر في الربيع ولا ترى ذا الحسن إلا في الربيع يقدر
أنوار أشجار غدت أوراقها ورق ترقرق بالحباب فتقطر
فاسمح لصحبك أن ترود رياضها معهم فإن عيونهم بك تنظر
مهد لهم نحو البطاح نزاهة غراء تزهى بالسماح وتفخر
[ ٧ ]
فلما وصلت هذه القطعة إلي، ووردت علي، أثارت مني كامنا، وحركت ساكنا، في ما ندب إليه وحض عليه، فخاطبت أبي_وقاه الله بي_برسالة فيها بعض أصناف هذه الأوصاف أسأله إباحة الخروج لي فبلغني أملي. والرسالة بعد صدرها: "لما خلق الربيع من أخلاقك الغر، وسرق زهره من شيمك الزهر، حسن لكل عين منظره، وطاب في كل سمع خبره، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه، ومالت على الإشراف على بعض مم تحتويه من النور الذي كسا الأرض حللا، لا يرى الناظر في أثنائها خللا. فكأنها نجوم نثرت على الثرى، وقد ملئت مسكا وعنبرا. إن تنسمتها فأرجة. أو توسمتها فبهجة. تروق العين أجناسها، وتحيي النفوس أنفاسها: [البسيط]
فالأرض في بردة من يانع الزهر تزري إذا قستها بالوشي [والحبر]
قد أحكمتها أكف المزن واكفه وطرزتها بما تهمي من الدرر
تبرجت فسبت منا العيون هوى وفتنة بعد طول الستر والخفر
فأوجدني بمعانيك سبيلا إلى أعمال بصري فيها لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها. فالفصل على أن يكمل أوانه، وينصرم وقته وزمانه، فلا تخلني من بعض التشفي منه لأصدر نفسي متيقظة عنه، فعهدي بمثل ما سألته بعيد، وشوقي إليه شديد، والنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ومن أجمها فهو السديد الرشيد. "واكفة" في الشعر: هاطلة غزيرة. ومن المصنوع المطبوع في وصف الربيع ما أنشدنيه لنفسه أبو القاسم البلمي وهو: [الكامل]
انظر ونزه ناظريك بروضة غناء ما زلت تراح وتمطر
لتريك من صنعاء صنعة وشيها بمطارف من تستر لا تستر
ألوانها شتى وطيب نسميها يقصى العبير به وينسى العنبر
"تراح" من الريح، مثل "تمطر" من المطر. قال أبو الوليد: وخرجت متنزها في زمن الربيع إلى بعض ضياعي، فكتبت منها إلى صاحب الشرطة أبي الوليد بن العثماني قطعة نثر تحتمل أن تدخل في هذا الباب، وهي بعد صدرها. "قد علم سيدي أن بمرآه يكمل جذلي، ويدنو أملي، وقد حللت محلا عني الجو بتحسينه، وانفرد الربيع لتحصينه، فكساه حللا من الأنوار، بها ينجلي صدأ البصائر والأبصار، فمن مكموم يعبق مسكه، ولا يمنعه مسكه، ومن باد يروق مجتلاه، ويفوق مجتناه، في مرآه ورياه، فتفضل بالخفوف نحوي، وتعجيل اللحاق بي لنجدد للأنس مغاني قد درست، ونفك من السرور معاني قد أشكلت، ونشكر للربيع ما أرانا من البديع إن شاء الله". المكموم: هو الذي في كمامته لم يبد. ومسكه: جلده. أعني الكمامة.