من السابق في ميدان التفضيل الفائق عند أهل التحصيل قول ذي الوزارتين القاضي الجليل أمله علي وهو: [البسيط]
يا حسن بهجة ذا النيلوفر الأرج وطيب مخبره في الفوح والأرج
كأنه جام در في تألفه قد أحكموا وسطه فصا من السبج
وله_أعزه الله وأذل عداه_يصفه بوصفين غريبين، ويشبهه بتشبيهين، عجيبين في قطعة واحدة وهي: [مجزوء الرجز]
كأنما النيلوفر ال مستحسن الغض البهج
مقلة خود ملئت ملئت سحرا وغنجا ودعج
أو خاتم من فضة وفصه من السبج
شبه في البيت الثاني بالعين في السواد الذي بين بياضه وهو أولى بهذا التشبيه، وأحق أن يصاغ فيه من كل ما شبه بالعين من البهار وغيره الذي لا سواد فيه يؤيد حقيقة تشبيهه، وينصر صحة تمثيله. ومثل هذا التشبيه المعدوم الشبيه، والتمثيل المنقطع المثيل، لو وقع لمشتغل بصناعة الشعر، عاكف على صناعة النظم، مجهد نفسه فيها، معان لمعانيها لاستغرب غاية الاستغراب، واستعجب نهاية الاستعجاب، فكيف ترى فضله وتعاين نبله، وهو لا يعاني هذا ولا يتفرغ له، وإما هو عفو سجيته، وفيض بديهته_صان الله لنا حذقه كما أوجب علينا حقه_. وقال أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي يصفه فأبدع بدعا في قطعة جمعت الجزالة والرقة معا وهي: [المنسرح]
إذا سقى الله روضة مطرا فخص بالسقي كل نيلوفر
تستر أوراقه زمرده ليلا وعند النهار لا تستر
خافت عليه اللصوص فاشتملت عليه ليلا من خوف أن يظهر
إذا الزنابير من مغالقه ام تتحفظ فبينها تقبر
كأن أجفانه جفون الذي أهواه لا تستطيع أن تسهر
كأنها كؤوس فضة فرشت قيعانها بالزمرد الأخضر
تنعم في حسنه ونكهته فأنت في منظر [وفي] مخبر
[ ٣٩ ]
الزنابير: جمع زنبور، وهي النحل، وإنما عنى بالبيت انغلاق أوراقه ليلا، وقصد النحل دون غيرها لأن النيلوفر يسمى قاتل النحل لطلبها أبدا أكل ما داخل أوراقه فربما فعلت ذلك وقت انغلاقه فامتنعت من الخروج. ولم أر لكل من صنع فيه، وعني بوصفه ذكر أمر الزنابير إلا للفقيه أبي الحسن ابن علي في قطعة عجيبة أنشدنيها وهي: [الخفيف]
ما لنيلوفر الحدائق يقظا ن مع النور هاجعا في ظلامه
أشبه الأنس في تصرف حالي هـ ووقتي سهاده ومنامه
وتوقيه في الدياجي بإغلا ق نواويره وضم كمامه
لقبوه بقاتل النحل لما أبصروا النحل مقصدا لسهامه
لم يجر في القصاص إذ ذلك لص سارق بالنهار شهد ختامه
وللوزير الكاتب أبي الأصبغ بن عبد العزيز في انغلاقه تشبيه دقيق، وتمثيل أنيق وهو: [المتقارب]
ونيلوفر فاق في فضله صنوف النواوير من شكله
وفاتهم بالذي حازه كما قصر الكل عن نيله
يبيح نهارا لزواره محيا يرغب في وصله
ويمنع بالليل من وجهه ليأخذ بالحزم في فعله
كبائع عطر بحانوته ضياء النهار إلى ليله
فإن جاءه الليل أفضى به إلى سده وإلى قفله
وأنشدني لنفسه فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة أبياتا رائقة تضمنت أوصافا رائعة موصولة بمدح الحاجب_لا أعد منا الله جاهه كما أعدمنا أشباهه_: [السريع]
يا حبذا النيلوفر الطالع ومجتلاه الناضر الناصع
كأنه مخزنة من مها في وسطها زمرد ساطع
وحوله ألسنة ستة من فضة أتقنها صانع
كل لسان أبيض ناصع والطرف منه أصفر فاقع
قام على خضراء من سوقه فكل إبريق له راكع
ركوع أملاك الورى للذي نداه دان والحيا شاسع
ذاك ابن عباد سليل العلا الحاجب المرتفع الرافع
دام دوام الدهر في عزة تبقى ويبقى الحاسد الخاضع
وللفقيه أبي الحسن بن علي في تشبيه لونيه وصف متناه ليس له مواز ولا مضاه وهو: [البسيط]
كأنما زهرة النيلوفر اختلست قطعا من الليل قد حف الصباح به
فالنور منقطع عن جزم عنصره والليل ممتنع من حكم غيهبه
فعل أشتهما من أصل طبعهما ماذا تألف من شمل الجمال به
ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية في جميع أحواله وصف أعرب عن كماله وهو: [مشطور الرجز]
وذات جسم كاللجين المنسبك
مبيضة الأثواب من نسج البرك
خضر سراويلاتها حصر التكك
كأنما العنبر فيها قد فرك
والمسك في قيعانها قد امتسك
ناسكة نهارها مع النسك
حتى إذا الليل تدانى واشترك
وآن أن يأتي المحب المنتهك
غلقت الباب وقالت: هيت لك
ومن [السحر المنتحل]، والكلام المنتخل في حالاته كلها، وصفاته بأسرها، ما أنشدنيه [لنفسه] أبو جعفر بن الأبار موصولا بمدح ذي الوزارتين القاضي_أدام الله أيامه وأسبغ علينا إنعامه_وهو: [المنسرح]
وناصع اللون أسود الحدقه جفونه بالعشاء منطبقه
كذي دلال لم يستطع أرقا فنام والنور واصل أرقه
هام به الليل والنهار معا فصد عن ذا وخص ذامقه
لا تمتروا في الذي تضمنه تلك سويداء قلب من علقه
نيلوفر أحكمت بدائعه لا يحتوي خلقه ولا خلقه
طاهر ثوب كأن خالقه من عرض قاضي القضاة قد خلقه
سليل عباد الذي حشمت منه وجوه السحائب الغدقه
المجد أفق غدا له قمرا والحق حق حوى به طبقه
ومما يشاكل هذا براعة، ويشبهه بزاعة، قوله [أيضا فيه] موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أعزه اله وأحسن ذكراه_وهو: [المتقارب]
إذا النور خص بمدح فما لنيلوفر الروض لا يعبد
وأوراقه كعبة من لجين توسطها الحجر الأسود
توسط عباد المرتجى لظى الضرب والحرب إذ توقد
همام إذا هم أضحت له متون الظبى والقنا ترعد
إذا شئت وجدان أفضاله وجدت وشرواه لا يوجد
قوله: "وشرواه" الشروى: المثل. وأنشدني أيضا لنفسه في تشبيه خلقه وخلقه بيتين سريين وهما: [المنسرح]
[ ٤٠ ]
كأن نيلوفر الرياض إذا ما الليل أدجى أو هم أن يدجى
رومية بضة منعمة تضم طفلا لها من الزنج
ومما شبه أيضا فيه أسوده بالزنجي قول أبي القاسم البلمي وهو تشبيه مفضل له، [مستحسن منه، وهو]: [الخفيف]
ونيلوفر غدا يخجل الرا ني إليه نفاسة وغرابة
كمليك الأحبوش في قبة بي ضاء يرنو الدجا فيغلق بابه
جنح ليل لما تجسم شخصا قد من صفحة الضحى جلبابه
الأحبوش: لغة في الحبش. قال أبو الوليد: ولي في لونيه وصف ربما طابق، وتمثيل عساه وافق، وهو: [المجتث]
وروضة رضيت عن صوب الحيا المسمر
فأظهرت نور نيلو فر منير أغر
كمحبر من لجين فيه بقية حبر
قال أبو الوليد: قد أكملت من النواوير ما وقع إلي فيه الوصف الكثير، وبقيت نواوير وقعت إلي فيها أوصاف يسيرة، وقطع قليلة، ولكني أذكرها على علاتها، وأورد منها ما حسنت تشبيهاتها، وجادت صفاتها فمنها نور اللوز.