قال أحمد بن هشام بن عبد العزيز بن سعيد الخير بن الإمام الحكم_رضي الله عنهم_يصف النرجس والورد من جملة قصيد مطول: [المنسرح]
انظر إلى الروض في جوانبه أحمره ضاحك وأصفره
إذا هفت فوقه الرياح سرى بهفوفها مسكه وعنبره
نرجسه تستجد صفرته حتى كأن الحبيب يهجره
والورد يختال في منابته تطويه أكمامه وتنشره
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: [الخفيف]
باكر الروض في رياض السرور بين نظم الربيع والمنثور
في رياض من البنفسج يحكي أثر العض في بياض الصدور
وترى السوسن المنعم يحكي ذهبا نابتا على كافور
وكتب عمر بن هشام بن قلبيل إلى صديق له يستدعيه في زمن. الربيع ويصف ما عنده من النواوير بوصف بديع: "نحن_أكرمك اله_على بسط الرياحين، ودرانك الورد والياسمين، ووشي رياض مونقه، حاكتها أيدي الربيع المغدقة. تلاحظنا عن أعين النرجس والسوسان، بأحلى محاجر وأجفان، وتبسم عن نور الأقحوان بمثل الدر والمرجان، فهي متضوعة عن لطائم المسك، متنفسة بأرج الورد، جذلة بهجة، فائحة أرجة، فإن تقارن حسنها بحسن وجهك فهي حالية مشرقة، وإن عطلت من ضياء غرتك فهي باكية مطرقة". ولعبد الزكي بن عثمان الأصم قطعة حسنة في الورد والأقاح وهي: [مجزوء الكامل]
وغضيض من جنى الور د حكى الصبح انفجارا
وأكاليل أقاحي ي يخالسن حذارا
مشرئبات إلى الشم س بأحداق حيارى
إن سقاها الطل في السر ر تضاحكن جهارا
[ ٨ ]
ولأبي مروان عبد الملك بن سعيد المرادي قصيد سري يمدح به الناصر لدين الله_رحمه الله_وفيه أوصاف لنواوير، وتشبيهات في أزاهير، فمنها قوله: [الطويل]
كأن جني الورد أحدق حوله جنى سوسن مستطرف اللون أزهر
خدود العذارى المخجلات تحفها عوارضها مبيضة لم تخفر
وأعين عقيان بأجفان لؤلؤ على كل فرع كالزمرد أخضر
وللحاجب أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفي_رحمه الله_في هذا المعنى أبيات بارعة، فيها تشبيهات رائعة. وهي: [الكامل]
انظر إلى الروض الأريض تخاله كالوشي نمق أحسن التنميق
وكأنما السوسان صب مدنف لعبت يداه بجيبه المشقوق
يوم الوداع ومزقت أثوابه جزعا عليه أيما تمزيق
والنرجس الغض الذكي محاجر تعبت من التسهيد والتأريق
يحكي لنا لون المحب بلونه وإذا تنسم نكهة المعشوق
وكأن دائرة الحديقة عندما جاد الغمام لها برشف الريق
فلك من الياقوت يسع نوره فيه كواكب جوهر وعقيق
شبه أوراق السوسن في افتراقها بجيب مشقوق، وهو معنى دقيق أنيق، وقد تداوله جماعة، وأظنه من اختراعه، وتشبيهه الأخير في الحديقة من التشبيهات العقم على الحقيقة. ولأبي القاسم بن هانيء الأندلسي قطعة بديهية سرية، كلها سنية، يصف فيها الورد والياسمين والنرجس، صنعها في مجلس جعفر بن الأندلسية، وقيل في مجلس جعفر بن فلاح، وهي: [الكامل]
وثلاثة لم تجتمع في مجلس إلا لمثلك والأديب أريب
الورد في شمامة من فضة والياسمين وكل ذاك عجيب
والنرجس الغض الذكي ولونه لون المحب إذا جفاه حبيب
فاحمر ذا، وابيض ذا، واصفر ذا، فبدت دلائل كلهن غريب
فكأن هذا عاشق، وكأن ذا ك معشق، وكأن ذاك رقيب
وقال أبو عبد الملك الطليق، وهو مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله يصف الورد والبهار في قصيد مشهور له لم يصنع بعده ولا قبله على عروضه وقافيته ما يوازيه جمالا، ولا يضاهيه كمالا، والوصف بعد صدر في سواه: [الرمل]
وكأن الورد يعلوه الندى وجنة المعشوق تندى عرقا
يتفقا عن بهار فاقع خلته بالورد يطوي ومقا
كالمحبين الوصولين غدا خجلا هذا وهذا فرقا
يا لها من أنجم في روضة قد ترقت في رباها أفقا
ودنت منها إلى شمس الضحى حدق للنور تصبي الحدقا
تشبيه الورد بوجنة المعشوق كثير، إلا أنه أعرب بزيادة الندى، ومقابلته بالعرق. وقوله: "يتفقأ" أراد ينشق وينجاب، ومنه حديث أبي بكر الصديق_رضي الله عنه_: "نحن عنزة رسول الله ﷺ وبيضته التي تفقأت عنه" أراد انشقت وانجابت. ودل على أن البهار بين الورد. وقال أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي يصف الورد والأقاحي: [الطويل]
وفي الورد غضا والأقاحي محاسن سرقن من الأحباب للمتشوق
خدود عذارى لو تقصى حياؤها وأفواه حور لو سمحن بمنطق
هذان التشبيهان معروفان، لا سيما قلبهما، ولكن لو فهما حسنتهما معا وأبدعت فيهما بدعا. وللمتوكل بن أبي الحسين قطعة بديعة يصف فيها نواوير وهي: [المديد]
في رياض بسطها زهر مظهر من أيكها قبب
نرجس يرنو بلحظته نحو ورد طالما انتقبا
فترى ذا سافرا خجلا وترى ذا عاشقا نصبا
وترى الخيري مكتتما مثل لص كاد أن يثبا
فإذا ما الليل ستره أظهر الفتكة واستلبا
ولأبي بكر بن هذيل قطعة رفيعة الصفات، بديعة التشبيهات في نواوير عدة وهي: [الطويل]
حديقة نفس تملأ النفس بهجة وتثنى عيون الناظرين بها حسرى
كأن جني الجلنار ووردها عشيقان لما استجمعا أظهر خفرا
كأن جنى سوسانها في سنا الضحى كؤوس من البلور قد حشيت تبرا
كأن عيون النرجس الغض بالندى عيون تداري الدمع خيفة أن يدرى
كأن جنى الخيري في غبش الدجا نسيم حبيب زار عاشقه سرا
كأن ينابيع المياه مراجل تفور وقد أزكت لهن الحصى جمرا
[ ٩ ]
شبه المياه في آخر بيت بالمراجل، وهي القدور، واحدها مرجل. وللوزير عامر بن شهيد_رحمه الله_قصيد يمدح به سليمان المستعين بالله_نضر الله وجهه_في فصل النيروز، وفيه قطعة عجيبة في نواوير عدة: [الكامل]
وأتاك بالنيروز شوق حافز وتطلع للزور غب تطلع
وفاك في زمن عجيب مونق وأتاك في زهر كريم ممتع
فانظر إلى حسن الربيع وقد جلت عن ثوب نور للربيع مجزع
فكأن نرجسها وقد حشدت به زهر النجوم تقاربت في مطلع
أو أعين الأحباب حين تراسلت باللحظ تحت تخوف وتوقع
وبها البنفسج قد حكى بخضوعه وقنو لون في سواد مشبع
خد الحبيب وقد عضضت بحنة فشكا إليك بأنة وتوجع
وكأنما خيريها تحت الدجا بين الأزاهر قام كالمتطلع
يرجو زيارة من يحب لوعده كلفا فبات مراقبا لم يهجع
وكتب الوزير أبو عامر بن مسلمة، وبين يديه ورد وسوسان ونيلوفر، على صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية يسأله وصفها، وشرط في رغبته أن يكون أول الشعر: [الكامل]
وثلاثة لما اجتمعن بمجلس نبهن مني همة لم تنعس
فأضاف أبو بكر إليه بديهة أبيات سرية تعجز من رامها روية وبعث بها إليه، وهي: [الكامل]
وثلاثة لما اجتمعن بمجلس نبهن مني همة لم تنعس
ودعون حي على الصبوح فشقني بدعائهن إلى لقاء الأكؤس
ورد كمثل دم الوريد وسوسن غض بسوسي الغلائل مكتس
ويزينه نيلوفر أوراقه ورق جرى من فوق أخضر أملس
فإذا سرت أنفاسها لك أبرأت بلطيف رياها عليل الأنفس
الورد والسوسان والنيلوفر ال أرج المشم محركي وموسوسي
فاقت بحسن روائها وأريجها فيها من النوار أعمر مجلسي
وأنشدني أيضا لنفسه صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية أبياتا يصف فيها الورد والسوسان قصر على جميع تشبيهاتها، وبديع صفاتها الحسن والإحسان، وهي: [البسيط]
قم فاسقنيها على الورد الذي فغما وباكر السوسن الغض الذي نجما
كأنما ارتضعا خلفي سمائها فأرضعت لبنا هذا، وذاك دما
جسمان قد كفر الكافور ذاك وقد عق العقيق احمرارا، ذا وما احتشما
كأن ذا طلية نصت لمعترض، وذاك خد غداة البين قد لطما
أو لا، فذاك أنابيب اللجين، وذا جمر الغضى حركته النار فاضطرما
قوله: "على الورد الذي فغما" أي الذي سدت ريحه الخياشيم. وقوله: "الذي نجم" أي الذي طلع. والطلية: صفحة العنق، وهي واحدة الطلى. ولغة ثانية في الطلية: طلاة. ونصت: رفعت. وأنشدني لنفسه الوزير أبو عامر بن مسلمة قطعة يصف فيها البهار والبنفسج بأوصاف غريبة، ويشبهها بتشبيهات عجيبة: [الكامل]
قدم البهار مع البنفسج فاشربن ن عليهما بين الرياض الغضة
هذا كمعشوق وعاشقه، وذا مثل الحزين دموعه مرفضه
وترى البهار كأنه ياقوتة صفراء تحملها أكف بضه
قد سترت حذر الرقيب معاصما بمطارف خضر وأبدت فضه
وجرى النضار بها فحسن خلقها كمثال معشوق تشكى مرضه
وكأن ذاك بخدها وبنحرها عند العيان لنا بقايا عضه
قوله: "كأن ذاك" أشار إلى البنفسج إذ بعد ذكره لاشتغاله بوصف البهار. وللوزير أبي عامر بن مسلمة أيضا قطعة في جملة من النواوير، وعدة من الأزاهير، أبدع من المتقدمة على أن لا أبدع، وأرفع منها على أن لا أرفع، تضمنت من التشبيهات غريبها، ومن الصفات عجيبها، أنشدنيها موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_وصل الله حرمته، وأدام عزته_ وهي: [مجزوء الرجز]
وروضة مشرقة بكل نور مجتنى
فيها بهار باهر ونرجس يشكو الضنى
وياسمين أرضه ونوره تلون
كالليل مخضرا ول كن بالنجوم زين
فاجتن وردا واردا وسوسنا ملسنا
وحوله نيلوفر فتنة ران إن رنا
تخاله مضاربا من المها تروقنا
والآس آس كاسمه بنوره قد حسنا
تنويره جواهر من غير بحر تقتنى
وحبه من سبج أو سندس قد لونا
وقد بدا فيها البنف سج الندي الغض الجنى
[ ١٠ ]
وأرضه مطارف خضر أتتنا بالمنى
طابت بطيب ماجد فاق سناء وسنا
ذاك ابن عباد عما دي وسراج في الدنا
فهو يثير الحق وال عدل ويحيي السننا
ونوره مسك فتي ت حسنه يفتننا
قاض بنشر عدله طابت لنا أزمننا
لا زال يبقى ما علا قمري أيك فننا
وللوزير أبي عامر بن مسلمة أيضا قطعة بديهية سرية، كلها سنية، قالها وبين يديه ثلاثة أنوار: خيري وبنفسج وبهار، وأنشد: [الكامل]
وثلاثة لما اجتمعن بمجلس أقررن عين تنزهي وتأنسي
نمام طيب في بهار باهر وبنفسج أضحى حبيب الأنفس
فالسبق منها في للبهار لأنه يأتي ونور الروض لم يتحسس
ثم البنفسج فهو يتلوه لنا راقت ملاحته فأصبح مؤنسي
يحكي لنا المسك الفتيت بلونه في أرض عنبرة كلون السندس
والخير في الخيري إلا أنه يخفي النسيم نهاره بالمجلس
ويذيعه بالليل فهو بفعله وبصنعه هذا صديق الحندس
فاقت نواوير الرياض تلونا فغدت لها مثل النجوم الكنس
وقال يونس بن مسعود الرصافي يصف الورد والخيري: [الخفيف]
يتطلعن أنجما بعيون كالخواتم زانها التفصيص
في رياض كأنما الورد فيهن ن عذارى تجنهن خصوص
هب خيريها بليل وقد نا م نهارا كما تهب اللصوص
أظن البيت الأول في البهار إذ هي صفته. وله أيضا:
وكأن سوسنه مداهن فضة تحوي خلوقا بالعبير مطيبا
وتخال نرجسه بها تبرا على قضب الزمرد حين قام مركبا
وكأن أعينه عيون حبائب قد أبصرت يوم الندى مترقبا
والورد تحسبه خدود كواعب كادت من التوريد أن تتلهبا
وكأنما الخيري خد عضه لحظ الحبيب صبابة وتحببا
وصنع الفقيه أبو الحسن بن علي قصيدة ضادية يصف فيها نواوير الربيع بوصف حسن بديع، ويمدح بها ذا الوزارتين القاضي_أدام الله عزه ووصل حرزه_وأنا أذكر منها قطعة تشاكل هذا الباب. وهي بعد صدر من القصيد: [المجتث]
كأنما الروض لما وشت يد المزن أرضه
بكل حمراء صرف وكل بيضاء بضه
كواكب في سماء من الزبرجد محضه
كأن طل الأقاحي مدامع مرفضه
أو لؤلؤ فوق أرض من المها مبيضه
كأنما الورد صدر أبقى به اللثم عضه
أو خد أغيد قد أخ جلته حال ممضه
كأنما النهر نصل جلا الصياقل عرضه
كأنما غدر الما ء في المروج الغضه
إذا التقين مراء أو أكؤس من فضه
كأنما الشمس في الجو وحين يقطع عرضه
وجه ابن عباد الند ب حين تأمل قرضه
حوى بطول يديه طول الثناء وعرضه
المرائي، جمع مرآة مثل مكواة ومكاوي. وهو تشبيه قوي سري جدا. قال أبو الوليد: فلما بلغني ذلك صنعت قصيدا على ذلك النحو وأنا أذكر أيضا منه قطع تليق بهذا الباب وهي من أوله: [المجتث]
انظر إلى النهر واعجب لحسن مرآه وأرضه
قد حل بين رياض من النواوير غضه
فيها بهار بهي بدا فزين أرضه
كأنه جيد تبر يلوح في طوق فضه
ونرجس مثل لون ال مهجور فارق غمضه
وأقحوان أنيق بروده مبيضه
قد طرزتها بتبر عين الندى المرفضه
وباقلاء قد آبدى بنوره الحسن محضه
كأنما هو حال بخد بيضاء بضه
كأنما النهر هو أفق الس سماء عانق أرضه
وقد كسا عدوتيه من الأزاهر مخضه
كما ابن عباد الند ب قد كسا الصون عرضه
سمح على المال فظ دأبا يجدد فضه
له من الجاه حظ على التواضع عضه
[ ١١ ]
فلما أنشدته القاضي_أبقاه الله_سر سرور متشيع في غذي إنعامه، وربي أيامه، وأمرني باستحضار صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية، والأديبين أبي جعفر بن الأبار، وأبي بكر بن نصر وأمرهم عنه_لا زال ماضي الأمر_بالعمل في ذلك المعنى على العروض والقافية، فلم أقدم شيئا على استحضارهم، وإيراد ما أمرني به عليهم. فصنعوا في ذلك من ليلتهم أشعارا رائعة السمات، فائقة الصفات، فمن ذلك شعر أبي بكر بن القوطية وهو من أوله: [المجتث]
بشاطيء الواد نهر كسا الدرانك أرضه
خضرا وصفرا وحمرا وبعضها مبيضة
نمارق وزراب من النواوير غضه
فالورد وجنة خود بيضاء غراء بضه
كما البنفسج خد أبقى به الهشم عضه
والياسمين نجوم حازت من الحسن محضه
روض بديع متى ما تجل به الطرف ترضه
تقيد اللحظ حسنا فليس يستطيع نهضه
حكى سجايا ابن عبا د الكريم وعرضه
قاض على الحق ماض راض به لو أمضه
اسم ابتداء تعالى أن يحسن الدهر خفضه
أراد أنه رفيع القدر، لم تقدر على خفضه نوب الدهر، وهو معنى كالسحر. ومن شعر أبي جعفر بن الأبار، وهو من أوله:
لا ترض للحظ غضه والمح من النور غضه
خد الربيع تبدى فصل بلحظك عضه
شقائق شق قلبي رواؤها واقتضه
كأنما الأرض منها خريدة مفتضه
ونرجس متغاض كأنما الحزن مضه
يرنو بطرف كحيل كمن يحاول غمضه
وسوسن إن تشمه فكالوذائل بضه
أو ألسن الدر صيغت أو الطلى المبيضه
والأقحوان نجوم ليست ترى منقضه
كانت ختاما عليه منه كمائم غضه
فحاول الجو فضا بفضة الطل فضه
لم يضحك الروض إلا دموعه المرفضه
مازال يولى فيولي من كل ود محضه
حتى إذا الورد حيى وعارض المسك عرضه
أبدى غلائل حمرا إزارها منفضه
كأنما المزن جيش يحاول الأفق عرضه
ثم دخل إلى المدح من هنا دخولا مستحسنا فقال مخاطبا لممدوحه: [المجتث]
كأنما البرق فيه على اجتدائك حضه
كأنما الرعد قصفا بكم يهدد ومضه
كأنما الريح تبغي لبعض شأوك نهضه
كأنما البحر عاف إليك قد شد غرضه
ومد بالنهر كفا لكي تعجل قرضه
قوله: "ما زال يولى" أراد يتعاهد بالولي، وهو مطر الربيع. ويولي الثاني: هو المعروف يسدى إليه، وقوله: "عارض المسك عرضه"، العرض: الريح، يقال: فلان طيب العرض، ومنتن العرض أي الريح. والعرض أيضا: وادي اليمامة، وكل واد عرض. والعرض أيضا: ما ذم به الإنسان أو مدح. وقوله: "قد شد غرضه" الغرض: حزام الفرس ومنه الغرضة. ومن شعر أبي بكر بن نصر، وهو من أوله أيضا: [المجتث]
أما ترى الأرض خضرا ء بالأزاهر غضه
كأنها في ملاة من الزبرجد محضه
وفوق ذلك نور يعانق البعض بعضه
من نرجس ذي جفون دموعها مرفضه
مصفر لون كصب به غرام أمضه
لحظ لجين ولكن على صفا التبر عضه
والسوسن الغض نور حمى عن الذم عرضه
كأنه ضاحك عن عوارض مبيضه
مفلجات طوال تلبست بالفضه
وللنوائر عرض والورد أخر عرضه
غض وبض ولكن لم ينصف الدهر غضه
الآس أدوم برءا والورد أسرع مرضه
ومن المدح:
جاور نداه تصادف من طيب العيش خفضه
ما أضمر الكفر إلا من بات يضمر بغضه
وإن عصاه مناو فما يني أن يفضه
ولو تحصن منه برأس رضوى لرضه
ثم إن الوزير الكاتب أبا الأصبغ بن عبد العزيز عرف ذلك فصنع شعرا على هيئتها في المعنى والغرض، ومنه: [المجتث]
يا من تأمل روضا به النواوير غضه
وعاين الحسن منها قد زين البعض بعضه
فالأقحوان بياض كأنه سمط فضه
والنرجس الغض تبر في صفرة منه محضه
والورد ماء ونار سالا على وجه بضه
[ ١٢ ]
ضدان في صحن خد قد ألفا بعد بغضه
والنهر سبك لجين جرى فزين أرضه
ومن المدح:
قاض يكافح عنا ال عدا ويهجر غمضه
أسدى وأولى جميلا فأجمل الله قرضه]
أيامه الغر ماء صفا لمن رام خوضه
فالعمر فيها قصير والدهر فيها كغمضه
وهذا البيت غاية، ووصف نهاية، وإن كان معروفا في وصف الخدود فقلبه إلى وصف الورد مما أحسن فيه، وأغرب به. ولما أكمل أبو الأصبغ إنشاد هذا الشعر أمر القاضي_أعزه الله_والدي عبده الناصح له دأبه الحسن فيه ظاهره وغيبه بالجلوس بين يديه ثم أمل بديهة عليه: [المجتث]
أبلغ شقيقي عني مقالة لتمضه
بأن وصف الأقاحي ي [الذي وصفته لم آرضه
هلا وصفت الأقاحي] بأكؤس من فضه
قيعانها ملبسات صرف النضار ومحضه
أو لا فصفر اليواقي ت في خواتم فضه
أو النجوم تساقط ن في المها المبيضه
أو لا فجام مهاة بالخمر في كف بضه
قد باكرته وأبقت من فضلها فيه بعضه
قال أبو الوليد: سمعت أبي وأبا الأصبغ يقولان: والله ما أكمل الأبيات بتلك التشبيهات الرائقة، والصفات الرائعة إلا ونحن قد بهتنا من سرعة بديهته، وقدرة فكره على تهذيب قوافيها، وتهذيب معانيها في أسرع من لا في اللفظ، وأعجل من رجع اللحظ، والمعني فيها، والمردر عليه بها هو الوزير أبو الأصبغ في وصفه المتقدم للأقاحي حين قال: [المجتث]
فالأقحوان بياضا كأنه سمط فضه
لأنه وصف بياضه ولم يصف صفرته، فجمعهما القاضي_أعزه الله وأحسن ذكراه_بتشبيهات كلها على غاية الكمال، مستوف نهاية الجمال. ولو وقع تشبيه من تلك التشبيهات لموسم بهذه الصناعة، متخذ لها كالبضاعة، بعد إعمال فكره فيه وإشغال ذهنه به، لكان مستندرا مستغربا، فكيف باجتماعها على حسنها وانطباعها له_أعزه الله_بديهة مع كثرة اشتغاله بالفرائض عن هذه النوافل التي لا يتحلى بها، ولا يتجلبب بجلبابها. قال أبو الوليد: وهذه القطعة كان يجب أن تكون في باب القطع المنفردة لأنها في الأقاحي على حدة. لكني لو فصلتها من الشعر الذي اتصلت به، والمعنى الذي وقعت فيه لكنت مفرقا بين الطرف وحوره، والخد وخفره، ففيها من التشريف لمن خوطب بها، وعني فيها ما يبقى في نسله وينبيء عن فضله. وقال أبو الحسن علي بن أبي غالب في المعنى الأول والقافية والعروض موصولا بمدح أبي_أطال الله لي عمره، وأبقى علي ستره_: [المجتث]
نبه جفونك للرو ض واهجرن كل غمضه
قد نبه الطل منه ال جفن الذي كان غضه
من بين ورد كخد ال حبيب حاولت عضه
وسوسن قد حكى لي سوالف الغيد بضه
ونرجس منع السه د جفنه أن يغضه
كلون صب تشكى قلى الحبيب وبغضه
ومن بهار يدلي جماجما منه غضه
كأنه معرض عن محدث لم يرضه
كأنه نقر التب ر في مداهن فضه
وبعد أبيات دخل إلى المدح، فقال: يعني الروض:
كأنما ضمنت من معتق المسك محضه
فأشبهت من طباع اب ن عامر الندب بعضه
وأنشدني لنفسه أيضا أبو الحسن [بيتين] مرماهما رشيق، ومغزاهما دقيق، في الخيري والنيلوفر، وهما: [السريع]
كأنما الخيري حب غدا الن نيلوفر الغض عليه رقيب
فهو إذا طبق أجفانه بالليل لاقاك بنشر وطيب
وأنشدني أيضا لنفسه وصفا في السوسن والباقلاء حسن التشبيه أبدع وأغرب [فيه وهو]: [الطويل]
ومن سوسن غض النبات كأنه كؤوس لجين لم تشن بنبال
إذا ما بدا فيها الحباب حسبتها سوالف غيد قلدت بلآل
ونور نبات الباقلاء كأنه شنوف لجين ضمخت بغوال
ولأبي بكر بن نصر وصف أكثر نواوير الربيع في قصيد بديع حسن التشبيهات غريب الصفات مدح به أبي_أبقاه الله لي_فقال يخاطبه [بعد أبيات]: [الكامل]
أسلالة من عامر سلني عن ال أنوار تحصل عندك الأنوار
لله نيسان ففيه تم ما قد كان قبل بدا به آذار
أما البقاع فإنها جادت لنا بشموس نور بينها أقمار
كالأقحوان بديهة فاسمع له في الوصف ما فيه اللبيب يحار
[ ١٣ ]
هو ضاحك الأسنان لما أن بكت عين السماء ودمعها مدرار
فتراه يبسم عن ثنايا فضة تبدو إليك لثاتهن نضار
وشقائق النعمان قمص أشبعت في حمرة فلها بذا إيثار
وكأنها وسط البقاع وقد علت قضبان آس في ذراها نار
وإذا تأملت البهار تأملا أيقنت أن المسك منه معار
قضب الزمرد مورقات فضة ولها النضار مخلصا نوار
والنرجس الغض الأنيق يغض أل حاظا مراضا مالها أشفار
مترقرق بحباب طل مثلما بدرت دموع للمحب غراز
واعجب لخيري الرياض فإنما هو بين أنوار الرياض خيار
بالليل للسمار ينشر نشره لينال ردع نسيمه السمار
فإذا أضاء الصبح أخفى نشره وتمزقت من دونه الأوطار
والسوسن الفيان صفه فإنه غض تكاد تذيبه الأبصار
وكأنما صرف اللجين بروده منه شعار لاصق ودثارا
وإذا دنا للأنف من مستنشق فله به من ردعه آثار
وإذا ذكرت الورد فاعلم أنه للنور أجمع في الرياض منار
متدثر بغلائل حمر الحلى تنجاب دون جيوبه الأزرار
طيب لأنفاس النفوس ومنظر للعين إلا أنه غرار
أما وصفه البهار فهو كوصف أبي عمر القسطلي له، ويمكن أن يأخذه أو يوافقه، وقول أبي عمر فيه: [المتقارب]
غصون الزمرد قد أورقت لنا فضة نورت بالذهب
وسيأتي في بابه مع أشكاله وأمثاله.
وأنشدني أبو بكر بن نصر وصفا مستحسنا في نواويره [عدة] وأزاهير [جملة] موصولا بمدح ذي الوزارتين القاضي_أيد الله يده، وحصد من حصده_وهو من جملة قصيد مطول: [الطويل]
وقد راقني من يانع النور فاقع وقان وأحوى حالك اللون أسوده
غلائل خيري وأقباء سوسن وقمصان نسرين يروق توقده
وكم سبط للنور يسطع نوره تمر به ريح الصبا فتجعده
إذا الأقحوان الغض أبدى تبسما تبدى من الورد النضير تورده
ويزهى الشقيق العصفري بلونه إذا فاقع الحوذان جاد تولده
وما الخرم الكحلي إلا كأنه من الحسن طرف جال في الجفن إثمده
ومن نرجس نضر يروقك دره وياقوته السامي به وزبرجده
وكم للربيع نورا منورا تنتجه أيدي الحيا وتولده
كما ولد الإفضال في حمص والندى سليل ابن عباد الجواد
ليعتمد الوراد بحر يمينه فذلك بحر طامح الموج مزبده
[ ١٤ ]
قوله: "ومن نرجس" يعني البهار، وصفته على ذلك دالة، وياقوته السامي لو أمكنه أن يذكر لونه فيقول: المصفر أو نحوه لكان أتم إذ ألوان اليواقيت كثيرة لكنه اكتفى بشهرة الموصوف. وهذا للشعراء كثير. ومن اللباب في هذا الباب رسالة كتب بها الوزير أبو حفص أحمد بن محمد بن برد إلى الوزير أبي الوزير بن جهور وصف فيها نواوير خمسة، وغرضه تفصيل الورد بينها وتقديمه عليها بصفات كلها حر الألفاظ، وتشبيهات جميعها حور الألحاظ، والرسالة: "أما بعد يا سيدي ومن أفديه بنفسي، فإنه ذكر بعض أهل الأدب المتقدمين فيه، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه؛ أن صنوفا من الرياحين وأجناسا من أنوار البساتين جمعها في بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها، وهاجس هجس في ضمائرها، لم يكن بد من التفاوض فيه والتحاور، والتحاكم من أجله والتناصف، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك من العهد ونفذ من الحلف، ماض على من غاب شخصه، ولم يأت منها وقته. فتخيرت من البلاد أطيبها بقعة، وأخصبها نجعة، وأظلها شجرا، وأغضرها زهرا، وأعطرها نفس ريح، وأرقها دمع ندى، ثم أخذت مجالسها وانبرت على مراتبها وقام قائمها فقال: يا معشر الشجر وعامة الزهر، إن اللطيف الخبير الذي خلق المخلوقات، وذرأ البريات باين بين أشكالها وصفاتها، وباعد بين منحها وأعطياتها، فجعل عبدا وملكا وخلق قبيحا وحسنا. فضل بعض على بعضا حتى اعتدل بعدله الكل، واتسق على لطيف قدرته الجميع، وأن لكل واحد منا جمالا في صورته، ورقة في محاسنه، واعتدالا في قده، وعبقا في نسيمه ومائية في ديباجته قد عطفت علينا الأعين، وثنت إلينا الأنفس وأصبت بنا الأكف، وأزهت بمحضرنا المجالس حتى سفرنا بين الأحبة، ووصلنا أسباب القلوب، وتحملنا لطائف الرسائل، وحيينا اللهو، واحتضنا السرور، وأخذنا جعالة البشرى، وأكرمنا بنزل الرفادة، وأسنيت لنا صلة الزيادة، وصيغ فينا القريض، وركبت على محاسننا الأعاريض، فطمح بنا العجب، وازدهانا الكبر، وحملنا تفضيل من فضلنا، وإيثار من آثرنا على نسينا الفكرة في أمرنا، والتمهيد لعواقبنا، والتطييب لأخبارنا، وادعينا الفضل بأسره، والكمال بأجمعه، ولم نعلم أن فينا من له المزية علينا، ومن هو أولى بالرياسة منا، ومن يجب له علينا التحرج ومد اليد بالمبايعة، وإعطاء مجهود المحبة، وبذل ذات النفس، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا، ولم نرتكض في بحر عمانا، ولم نمل مع نزع هوانا، دنا له، ودعونا إليه، واعترفنا بفضله، وقلنا برياسته، واعتقدنا إمرته، وأصفينا محبته، فمن لقينا منا حياه بالملك ووفاه حق الإمامة، ومن لم يدرك زمن سلطانه، ولم يأت على عدان دولته، اعتقد ما عقد عليه، ولبى إلى ما دعي إليه، فهو الأكرم حسبا، والأشرف زمنا، والأتم خصالا، والذي إذا فقدت عينه لم يفقد أثره، وغاب شخصه ولم يغب عرفه، والطيب إليه كله محتاج، وهو عن كيفه مستغن، وهو أحمر والحمرة لون الدم، والدم صديق الروح، وصيغة الحياة، وهو كالياقوت المنضد في أطباق الزبرجد عليها فرائد العسجد.
وأما الأشعار فبمحاسنه حسنت، وباعتدال جماله وزنت، وإننا ما نعتقد إلهامنا إلى هذه المخمدة، واستنظافنا من دنس تلك المذمة إلا من أجل النعم المقسومة لنا والأيادي المتصلة بنا.
مكان ممن حضر هذا المجلس، وشهد هذا المشهد من مشاهير الأزهار، ورؤساء الأنوار النرجس الأصفر، والبنفسج والبهار والخيري النمام.
فقال النرجس الأصفر: والذي مهد لي حجر الثرى، وأرضعني ثدي الحيا، لقد جئت بها أوضح من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسر من التعبد له، والشغف به، والأسف على تعاقب الموت، والرجعة دون لقائه ما أنحل جسمي، ومكن سقمي، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى فقد خف ثقل البلوى. ثم قام البنفسج فقال: "على الخبير سقطت" أنا والله المتعبد له، الداعي إليه، المشغوف به كلفا، المغضوض بيد النأي عنه أسفا، وكفى ما بوجهي من ندب وبجسمي من عدم نهوض، ولكن في التأسي بك أنس، وفي الاستواء معك وجدان سلو.
ثم قام البهار فقال: [الخفيف]
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا عدد النجم والحصى والتراب
لا تنظرن إلى غضارة منبتي، ونضارة ورقي، وانظر إلي وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه: [الوافر]
[ ١٥ ]
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
ثم قام الخيري النمام فقال: والذي أعطاه الفضل دوني، ومد له بالبيعة يميني، ما اجترأت قط إجلالا له، واستحياء منه. على أن أتنفس نهارا، أو أساعد في لذة صديقا أو جار. فلذلك جعلت الليل سترا، واتخذت جوانحه كنا.
فلما رأت استواء آرائها على التفضيل له، واعتدال مذاهبها في الدعاء إليه قالت: إن لنا أصحابا، وأشكالا وأترابا، لا نلتقي بها في زمن، ولا نجاورها في وطن، فهلم فلنكتب بذلك كتابا، ولنعقد به حلفا، ولنضع من شهادتنا ما يحتمل في الأقاصي والأداني عليه.