قال أبو الوليد: يجب أن نبدأ بأول الأنوار، وأبكر الأزهار، وهو من النواوير الربيعية، نور البهار. ولكن ما كان من النواوير باقيا في كل وقت، وثاويا مع كل فصل، هو أول على الحقيقة، وصدر في هذه الطريقة كالآس والياسمين، فأما الآس فقد فضل قديما على ضروب الأنوار وصنوف الأزهار، وصيغت في ذلك حسان الأشعار، إذ شجره يقوم مقام النوار، ثم يزيده نواره جمالا ثانيا، ويضيف إليه كمالا زائدا. وأما الياسمين فإن نورهلا ينقطع أبدا كله، ولا يذهب جميعه. فنبدأ بهما ثم نذكر النواوير على أزمنتها.
الآس
قال أبو الوليد: من حسن ما قيل ما أنشدنيه لنفسه الشيخ أبو عبد الله بن مسعود، وهو: [مجزوء الرجز]
الآس آس لأسى كل فؤاد مكتئب
في كل فصل زاهر وما سواه منقلب
إذا سرى منه الشذا في آخر الليل وهب
أهدى لأرواح به أرواح روح وطرب
كأنه في جنة ال خلد نما ثم اقتضب
لو نافر النور إلى عدل صحيح المعتقب
وصحفت نصبته جاء نبيا فغلب
قوله: "أرواح روح" الأرواح هنا جمع ريح، والروح: الراحة. والأرواح الأول: جمع روح. وقوله: "جاء نبيا" يعني أن هذا اللفظ تصحيف آس مقلوبا. ومما فيه من حسن التشبيه قول أبي عمر الرمادي في قطعة تضمنت وصف غيره وهو: [الطويل]
خلوف من الريحان راقت كأنها وإن حسنت في لحظنا لمم شعث
ومما يقرب من هذا_وإن كانت فيه زيادة_بيت أبي الحسن بن أبي غالب: [الطويل]
فما شئت من آس تفتح نوره كما أخلست هام لها شعر جثل
يقال: أخلس الرأس إذا بدا شيبه. ومن الفائت الفائق، والرائع الرائق في وصفه قطعة خاطبني بها الوزير أبو عامر ابن مسلمة وبعث معهما مطيبا وهي: [الكامل]
[ ٢٤ ]
يا واحد الأدباء والشعراء وابن الكرام السادة النجباء
إني بعثت مطيبا نمقته من روض داري دارك الغناء
من آسه لا زلت تأسو عاطرا وتبيد ما يعدو من الأعداء
يحكي بطيب عرفه وبحسنه خلقا خليقا منك بالإطراء
هو كالسماء إذا بدت مخضرة لاحت عليها أنجم الجوزاء
[فاقبله من صب بحبك وده ألا تزال أخا علا وعلاء]
قال أبو الوليد: فجاوبته عن هذه الألفاظ البديعة، والمعاني الرفيعة بما يمكن أن يدخل في هذا الباب ويوافق بعض غرض هذا الكتاب، وهو: [الكامل]
يا من حبوت بوده حوباء وهي الفداء له من الأسواء
وصل المطيب معربا عن طيب من أهداه مكتئبا من الإهداء
أظميته من بعد ما أرويته بمدامة فيها دواء الداء
ما كان أشهر طيبه لو لم يكن متسترا بالقطعة الغراء
أربى عليه نظمك الحلو الحلى فانحط بعد الرتبة العلياء
إن كان نور الآس في ورقاته نورا بدا في ليلة ظلماء
فجمال خلقك حين ينظم عقده كالبدر ينظم أنجم الجوزاء
ومن المستحسن المستغرب، والمستطاب المستعذب، ما أنشدنيه لنفسه فيه صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية وهو: [السريع]
أما ترى الريحان أوراقه تلتف تجعيدا ولا تنبسط
دقيقة اللمات في رؤوسها كأنه أسود جعد قطط
وقد غدا تنويره جوهرا ففي الموامي والربا يلتقط
حتى إذا ما مل من مكثه في عوده المشرق فيه سقط
منكشفا عن ثمر أسود كأنه من نفض حبر نقط
قوله: "الموامي" جمع موماة وهي الفقر، ويقال: بوباة فيها أيضا. والربا جمع ربوة وهو ما ارتفع من الأرضز ومن المشرق جماله، المونق كماله، المعدوم مثاله، ما أنشدنيه لنفسه أبو جعفر ابن الأبار، وهو: [الوافر]
وآس كاسمه للهم آس تتيه به حلى الزمن القشيب
ترسل كالغدائر مرسلات بها قطط ونم بكل طيب
وكتم نوره فبدت لآل مدحرجة لها عرف الحبيب
كأن الصبح شق به جيوبا فغادر فيه أزرار الجيوب
ونافسه الورى شغفا وحبا فعود سود حبات القلوب
هذا الوصف مستوعب لجميع أحوال الآس لأن نوره أولا مبيض ثم يسود. وله أيضا فيه وصف يوازي هذا [ويضاهيه]، وهو: [البسيط]
لا أيأس الآس هامي السكب مدرار فهو الوفي وكل النور غدار
تكاد تثمر نفس الصب من جذل إذا بدا ثمر منه ونوار
كأنما ألبسته المزن خضر حلى لها من المسك والكافور أزرار
هذا ما وقع إلي في الآس، وحين أكملته أبدأ بما ورد علي في الياسمين.