"منح الله مولاي صدق النظر، وعرفه جلية الخبر، وأطال مدته، ووصل سلامته وعزته، إذا تدافعت الخصوم_أيد الله المنصور مولاي_في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليك مفزعها وأنت المقنع في فصل القضية بينها لاستيلائك على المفاخر بأسرها، وعلمك بسرها وجهرها، وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنهما، والفخر بمشابههما كل مذهب. وما منهما إلا ذو فضيلة، غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا، وأعرف من الغمام الذي يسقينا، فإن كانا قد تشبها في شعريهما المرتفعين إلى مولاي_أبقاه الله وأيده_بعض ما في الأرض من جواهر الأرض، ومصابيح السماء وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان، وهو الحيوان الناطق من أدوات خلقه، وأنفس ما ركب فيه من مواد حياته، مع إني أعطر منهما عطرا، وأحمد خبرا، وأكرم إمتاعا شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا، وكلاهما لا يمتعك إلا ريثما يبدو للعيون، ويسلم من الذبول، ثم تستكره الأنوف شمه، وتستدفع الأكف ضمه، فأين هذه الحال من الاستمتاع [بي] رطبا، وادخاري في خزائن الملوك جافا، وتفضيلي على ألسنة الحكماء، وتصريفي في منافع الأعضاء، وإن فخرا باستقلالها على ساق هي أقوى من ساقي فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهوى لطيف، والمسك خفيف: [الوافر]
وليس المجد يدرك بالصراع
كما قال حكيم الشعراء، وقد أودعت_أيد الله المنصور_قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه من وصف مشابههما وحضرت بنفسي لئلا أغيب من حضرتهما. فقديما فضلوا الحاضر وإن كان مفضولا ولهذا قالوا: "ألذ الطعام ما حضر لوقته" و"أشعر الناس من أنت في شعره". ولمولاي_أيد الله_أن يعدل باختيار الصحيح، ويفصل بحكمه العدل إن شاء الله". والشعر: [الكامل]
شهدت لنوار البنفسج ألسن من لونه الأحوى ومن إيناعه
بمشابه الشعر الأثيث أعاره قمر الجبين الصلت نور شعاعه
ولربما جمد النجيع من الطلى بصوارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونه لا في روائحه وطيب طباعه
ملك جهلنا قبله سبل العلا حتى وضحن بنهجه وشراعه
أما نداه فهو صنو للحيا في صوبه لم أعن في إقلاعه
في سيفه قصر لطول نجاده وكمال ساعده وفسحة باعه
قال أبو الوليد: ووقع بين الوزير أبي الأصبغ بن عبد العزيز وصاحب الشرطة أبي بكر بن القويطة قطعتان؛ يفضل أبو الأصبغ الخيري، وأبو بكر البنفسج، وقطعة أبي الأصبغ موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_حرس الله حوباءه، وأطال بقاءه_ وهي: [الكامل]
ما للبنفسج يدعي التفضيلا متحاملا ويعد ذاك جميلا
هيهات قد برح الخفاء فعد إلى حكم التناصف واترك التخييلا
الفضل للخيري إلا أنهم جهلوا ولما يحسنوا التأويلا
قهر البنفسج منظرا ويفوقه في الشم بالمسك الذكي دليلا
ورأى التستر بالنسيم لصبحه ظرفا فعطل صبحه تعطيلا
وإذا أتى الليل البهيم بنشره أبدى به للزائرين قبولا
[ ٢٢ ]
كمهذب الأخلاق يهجر بالضحى خلا ويدني بالمساء خليلا
أو شارب ترك الصبوح تحفظا فإذا أتى ليل أساغ شمولا
هو فاتك الأفعال يدرع السرى وتراه يطلب بالنهار خمولا
والخير في الخيري حتى في اسمه هو فاضل فاستأهل التفضيلا
يا أيها القاضي الذي من عدله أضحى الزمان بغرة محجولا
أنت الشهيد له وعلمك حاكم عدل وحسبك شاهدا مقبولا
فاحكم على من قد تعاطى ظلمه واعقد بما تقضي له تسجيلا
الرأي منك مهذب مستحكم والعلم فيك وتحكم التأويلا
من كان إسماعيل والده الرضى فكفاه فخرا أن يكون سليلا
أنتم حلي للزمان محسن قد كان عطل قبلكم تعطيلا
وقصيدأبي بكر بن القوطية في الرد عليه ممتزج بمدح الحاجب_أطال الله عمره وأبقى علينا ستره_وهو: [الكامل]
نبل البنفسج فاحتوى التفضيلا وكذا البنفسج لن يزال نبيلا
لما شأى نور الربيع بطيبه وحوى من الشرف الصريح أثيلا
فضل النوار فحاز دون جميعه قصب السباق ولم يكن مفضولا
متشبها في سبقه بالحاجب ال أعلى عماد الين إسماعيلا
ملك علا غر الملوك المعتلي ن أبا وجدا في العلا وقبيلا
كم طاولوه في الفخار ففاتهم عرضا إلى المجد التليد وطولا
متشبهين بما يمثله لهم لو أحسنوا التشبيه والتمثيلا
كتشبه الخيري بالمزري به ليحوز من تلك الخصال فتيلا
وإذا اعتزى فإلى البنفسج يعتزي وإليه ينسب كي يعز قليلا
ما للكر نبي الخليقة يبتغي فضل الرئيس المعتلي تخييلا
أو ما درى أن البنفسج لم يزل فوق الأكف جلالة محمولا
من أين للخيري اللئيم طلاقة الس سمح الكريم ولن يزال بخيلا
متستر طول النهار بعرفه كي لا يرىلنسيمه مسؤولا
حتى إذا طرق الظلام سخا به إذ لا يرى إلا القليل سؤولا
زهم المشم إذا تقادم قطفه شيئا قليلا أو أحس ذبولا
وإذا قرأت منافع النوار لل حكماء أصبح بينها مجهولا
والنفع غضا إن تشأ أو يابسا هو للبنفسج كله محصولا
لا يستحيل نسيمه في الحالتي ن ولا إذا استنشقته معمولا
وذخيرة الخلفاء والأملاك لا يخلون منه مجنسا مفصولا
فليحظ بالقدح المعلى فاخرا وليرجع الخيري عنه ذليلا
وللوزير أبي عامر بن مسلمة قطعة بديعة مطبوعة أشار فيها إلى تفضيل البهار على النرجس [وهي]: [المجتث]
ونرجس هب يرنو بمقلة ليس تطرف
مثل النجوم تساقط ن في رداء مفوف
يحكي البهار ولكن بهارنا منه أصلف
له فضيلة سبق لغيره ليس تعرف
فعج عليه فدتك الن نفوس واشرب لتظرف
وللفقيه أبي الحسن بن علي قطعة سرية يفضل فيها الأصفر على النمام وهي: [الطويل]
أرى أصفر الخيري يبدي من الضنا تباريح مكلوم الفؤاد سقبمه
ويكذبه سحر بأعين نوره وقضب له تندى بماء نعيمه
وعرف ذكي يقصر المسك دونه ولا يبلغ الكافور طيب شميمه
يساجل آفاق السماء بروضة وأنجمها حسن بصفر نجومه
وذي هفوة قد ظن أن شقيقه وحارسه قد بذه بنسيمه
فقلت: اتئد في الظن واسمع لمنصف بصير بتحبير النظام عليمه
أفي القدر مخدوم لديك وخادم وذو كرم في المجد مثل لئيمه
وسيان طيبا ليله ونهاره وليس خصوص الخير مثل عمومه
وما تفل في يومه مثل عاطر ولا لحق في الفخر مثل صميمه
فقال: بحق قلت وهي مقالتي وللحق نور لائح في أديمه
وللوزير أبي عامر بن مسلمة أبيات محكمة في تفضيله أنشدنيها موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أدام الله علوه وكتب عدوه_وهي: [مجزوء الرمل]
أصفر الخيري عندي أرفع الخيري قدرا
فهو لا يمنع عرفا وهو لا يحميك عطرا
مثل لون الذهب الخا لص لكن فاق نشرا
وغدا يحكي اليواقي ت إذا ما كن صفرا
مثله استوجب مني أبدا شكرا وسكرا
[ ٢٣ ]
مثلما استوجب قاضي ال عدل من ذا الخلق شكرا