أحد بني قتيبة.
قال أبو الحسن [٢]: قال معاوية يوما: والله لهممت أن أملأ سفينة من باهلة فأبعث بها إلى اليمّ، فإذا توسّطوا غرّقتهم [٣] ! قال: فقال له أبو هوذة بن شمّاس: إذا ما رضينا بعددهم من بني أميّة [٤] ! قال: اسكت أيّها الغراب الأبقع. فقال هوذة: إنّ الغراب ربّما مشى إلى الرّخمة حتّى ينقر عينها [٥] ! فلمّا كان بعد ذاك قال له ابنه يزيد: هلّا قتلته؟ ثم إن معاوية أرسله في بعض البعوث فقتل، فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأعفى [٦] ! قال أصمّ باهلة [٧] في شمّاس بن هوذة بن شمّاس:
_________________
(١) يعني عبد الله بن الزبير. وهو أوّل مولود في المدينة بعد الهجرة. بويع له بالخلافة سنة ٦٤ بعد موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن والخراسان والعراق وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه المدينة، وسار إليه الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ونشبت بينهما حروب انتهت بقتله سنة ٧٣.
(٢) الخبر التالي في الحيوان ٣: ٤٢٧.
(٣) في الحيوان: «أن أحمل جمعا من باهلة، في سفينة ثم أغرقهم» .
(٤) في الحيوان: «إذن لا ترضى باهلة بعدّتهم من بني أمية» .
(٥) في الحيوان: «حتى ينقر دماغها ويقلع عينيها» .
(٦) في الحيوان: «أخفي وأصوب» .
(٧) الأصم لقب له، واسمه عبد الله بن الحجاج بن عبد الله بن كلثوم، من بني ذبيان ابن-
[ ١١١ ]
أشمّاس لو كانت صحاحا جلودكم عذرت ولكنّ الشآميّ أرقط
فبهذا البيت حمل بعض النّاس كلّ من قيل في الشّعر [١] إنّه أرقط أنّه أبرص. وليس ذلك بالواجب. يقولون: حميد الأرقط، وهو حميد بن مالك [٢]، الراجز ولم يزعم أحد أنّه كان أبرص. وخلّاد بن يزيد الأرقط [٣]، ولم يكن بأبرص. وأمّ جميل الرّقطاء [٤] صاحبة المغيرة بن شعبة، ولم يزعم أحد أنّها كانت برصاء، وعبيد الله بن زياد كان أرقط،
_________________
(١) - جئاوة بن معن بن مالك بن أعصر، كما في المؤتلف ٤٤. وورد نسبه في النقائض ١٠٢٧ محرفا. وانظر جمهرة ابن حزم ٢٤٥. وهو شاعر خبيث إسلامي له قصائد يهجو فيها الفرزدق، كما أنّ للفرزدق هجاء فيه، وفيه يقول: إخال الباهليّ يظنّ أني سأقعد لا يجاوزه سبابي
(٢) في الأصل: «قتل في السفر»، تحريف.
(٣) هو حميد بن مالك بن ربعيّ بن مخاشن بن قيس التميمي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. وفيه يقول أبو عبيدة: «بخلاء العرب أربعة الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدؤلي، وخالد بن صفوان» . وكان معاصرا للحجاج بن يوسف. الخزانة ٢: ٤٥٤ ومعجم الأدباء ١١: ١٤- ١٥، وسمط اللآلي ٦٤٩.
(٤) في الأصل: «الأبرص»، وهو تحريف يفوت معه القصد. وهو خلّاد بن يزيد الباهلي، أحد الرواة للأخبار والقبائل والأشعار. قال ابن النديم ١٥٦: «ولا مصنف له نعرفه» . وانظر ابن سلام ٨، ٣٠٠، والأغاني ٩: ٣٩/١٧: ٢٩ ونزهة الألباء ٦٢.
(٥) هي أم جميل بنت الأفقم، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وكان لها زوج هلك قبل أن يرمى بها المغيرة بن شعبة، يقال له الحجاج بن عبيد، من ثقيف. الطبري ٤:
(٦) ٧٢ في حوادث سنة ١٧. وفي الأغاني ١٤: ١٤١ أنها أم جميل بنت عمر. وفيه ١٤: ١٣٩: «كان المغيرة بن شعبة يختلف إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء» . وفي الطبري ٤: ٧٠: «يقال لها الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بني هلال» وفي جمهرة ابن حزم ٢٧٤: «أم جميل بنت الأفقم التي اتّهم بها المغيرة بن شعبة، وكان زوجها الحجّاج ابن عتيك-
[ ١١٢ ]
وقد جاء ذكره في الشّعر [١] .
والرّقط في البراذين والدّجاج والحمام والسّمك. ويوصف به قميص الخمّار [٢] . قال الشّاعر:
كأنّ دجاجهم في الدار رقطا وفود الرّوم ترفل في الحرير [٣]
وقال حسّان بن ثابت، إن كان قاله [٤]:
الثقفي» . وفي الإصابة ١٦١٦: «الحجاج بن عبد الله، ويقال ابن عبد، ويقال بن عتيك» .
وفيها عن عمر بن شبة: أنّ المرأة التي رمي بها المغيرة هي أمّ جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية.
_________________
(١) انظر الأغاني ١٧: ٦٤- ٦٨ وديوان شعر يزيد بن المفرغ. وجاء في تاج العروس (رقط): وقال ابن دريد والزمخشري: كان عبيد الله بن زياد أرقط شديد الرّقطة فاحشها» .
(٢) الخمّار: بائع الخمر. وفي الأصل: «الحمار» مع ضبط الحاء المهملة بالكسر. والوجه ما أثبت، وسيأتي قبل الأبيات الميمية التالية «سربال الحمار» أيضا، صوابها «سربال الخمّار» .
(٣) انظر الحيوان ٣: ٢٦٠، ٣٥٦، وديوان المعاني ١: ٣٣٠/٢: ١٣٦ ونثار الأزهار ٩٧ ونهاية الأرب ١٠: ٢٢٧، وحماسة ابن الشجري ٢٧٨، والعقد ٦: ٣٤٧. فمع شهرة الأبيات التي منها هذا البيت لا نلقى لها صاحبا. ويروى: «كان جائجا» و«بنات الروم» .
(٤) البيتان التاليان مع أربعة بعدهما في ديوان حسان ٢٣٩ يهجو بها بني العوام، ويعني منهم عبد الرحمن بن العوام، أخا الزبير بن العوام، وكان عبد الرحمن ممن يؤذي النبي قبل أن يدخل في الإسلام يوم الفتح. وأبوهما العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. ولم يكن حسان موفقا في هذا، فإنّ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، بل هي الواسطة من آل خويلد، ولحسان هجاء آخر في بني العوام بن خويلد يقول فيها كما في شرح ديوانه: ما سبنّي العوّام إلّا لأنّه أخو سمك في البحر جار التّماسح
[ ١١٣ ]
بني أسد ما بال آل خويلد يحنّون شوقا كلّ يوم إلى القبط [١]
إذا ذكرت قهقاء حنّوا لذكرها وللرّمث المقرون والسمك الرّقط [٢]
وهذا الشعر كفر، لأنّ خديجة الواسطة من آل خويلد [٣] . والزّبير ابن العوام، كما قال رسول الله ﷺ: «الزّبير ابن عمّتي، وحواريّي من أمّتي [٤]» . وحسان لم يكن كافرا.
_________________
(١) رواية البيت في المثالب لابن الكلبي ٧٨ مخطوطة دار الكتب: لقد أصبح العوّام فينا ورهطه يحنّون شوقا كلّ يوم إلى النّبط وفيه أيضا: «ومن أدعياء بني أسد بن عبد العزى: العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، بلغنا والله أعلم أنه نبطي من أهل قهقهاء. ويزعمون أن أمه مازنية، مازن هوزان» . والنّبط، بالتحريك: جيل كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين.
(٢) البيت في ديوان حسان وتاج العروس وتكملة الصاغاني (قهق) . وذكر صاحب القاموس والتاج والتكملة أنّ قهقهاء بلد، ولم يعيّنوها، ولم يرسم لها ياقوت في معجمة. ومن نصّ ابن الكلبي، وهو نص عتيق، يفهم أنّها من بلاد النبط، ولا علاقة لها بمصر والنيل. ويتضح أيضا مقدار الإسراف الذي وقع فيه البرقوقي شارح ديوان حسان من نسبتها إلى مصر وسمكها وأهلها من القبط. والعرب لا يتهاجون بالنسبة إلى مصر والقبط، وإنما يتهاجون بالنسبة إلى النبط وسمكهم المالح منه والطريّ. والرّمث، بالتحريك: خشب يقرن بعضه إلى بعض كالطّوف، ثم يركب عليه في البحر. قال أبو صخر: تمنّيت من حبّي عليّة أننا على رمث في الشّرم ليس لنا وفر والرّقط، بالضم، جمع أرقط ورقطاء. وقد ضبطت في التكملة ٥: ١٤٦ بالفتح خطأ.
(٣) هي كواسطة القلادة: أنفس دررها وجواهرها التي توضع في الوسط.
(٤) في صحيح البخاري من حديث جابر: «إنّ لكل نبي حواري، وإنّ حواريّ الزبير ابن العوام» . انظر الحديث ٥٠٨ وتخريجه في الألف المختارة.
[ ١١٤ ]
وفي الحيّات الرّقط وغير الرّقط. فأمّا الوزغ والعظاء فإنّ الرّقط فيها عامّ [١] .
وأمّا سربال الخمّار [٢] فكما قال معاوية بن أوس [٣]:
وزقّ سبأت لدى تاجر تمّلأ كالرّجل الأسحم [٤]
ضربت بفيه على نحره وقائمه كيد الأجذم
ترى القار في جلده واضحا وسرباله رقط الأرقم [٥]
فليس يجب لقولهم فلان الأرقط أن يكون أبرص، إلا أن يكون عليه شاهد من شعر أو مثل أو حديث، أو يقول ذلك بعض الثّقات من العلماء فيكون مقبولا.
وربّما سمّوا الأبقع ثم يصغّرون ذلك فيقولون بقيع. من ذلك حديث
_________________
(١) في تاج العروس (رقط ١٤٤): «ومما يستدرك عليه. الرّقط: النّقط، وجمعه أرقاط، قال رؤبة: كالحية المجتاب بالأرقاط
(٢) السربال: القميص. وفي حديث عثمان: «لا أخلع سربالا سربلنيه الله تعالى»، وفي الأصل: «سربال الحمار» صوابه ما أثبت. وانظر ما سبق في الحواشي.
(٣) هو معاوية بن أوس بن خلف بن بجاد بن كليب بن يربوع بن حنظلة التميمي، وهو أخو سنان أبي حارثة المري لأمه. معجم المرزباني ٣٩٢- ٣٩٣ وأنشد المرزباني أبياتا خمسة ليس منها هذه الأبيات.
(٤) هذا البيت وتاليه في رسائل الجاحظ ١: ١٨٨. والرواية فيها «لدى متجر أسيود» . والزق وعاء الخمر هنا. وسبا الخمر: اشتراها، أو حملها من بلد إلى آخر.
(٥) القار: الزفت، وكانوا يقيّرون الزقاق. وفي اللسان: «والزّق: ما زفّت أو قيّر» . والأرقم من الحيات: ما فيه سواد وبياض.
[ ١١٥ ]
يزيد بن عياض بن جعدبة اللّيثي [١] قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، فأرسل إليه بديحا ليستأذنه [٢]، فقال أبان: فليبعث إليّ بجاريته فلانة. فرجع إليه فأخبره فقال: أمّا الجارية فلا ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع فقل له أما الجارية فلا. فقال أبان: فليبعث إلىّ بغلامه الزّامر. قال عبد الله: نعم، وهو يشبهه.
فأذن له فوفد إلى عبد الملك..