كانت برصاء وأنشد قول أميّة بن الأسكر [٧]:
قد جرّت البرشاء أمّ سراقة رمته بها البغضاء بين الحواجب
_________________
(١) الدهماء: السوداء.
(٢) العراء: مؤنث الأعر، وهو الأجرب، من العر بفتح العين وضمها، والعرّة بضم العين. وفي الأصل: «وغراء» ولا تلتئم مع مقصد الجاحظ.
(٣) الحبناء من الحبن، بالتحريك، هو داء يأخذ في البطن فيعظم منه ويرم، وبه سميت أم المغيرة بن حبناء.
(٤) الخنس محركة: تأخر الأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرنبة.
(٥) صرح الجاحظ باسمه في كتاب البغال (رسائل الجاحظ ٢: ٢٢١) أنه «فهدان» . ويأتي أحيانا برسم «اليقطري» بالياء. انظر فهارس الحيوان والبيان.
(٦) جعشم، بضم الجيم والشين، وأصله القصير الغليظ الشديد، أو الطويل الجسيم (ضد) . وسراقة هذا صحابي جليل، كان قد سعى قبل إسلامه في إدراك النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكانت قريش قد جعلت فيه مائة ناقة لمن رده عليهم، فحاول إدراكه فعثر به فرسه ثلاث مرات، فيئس وعاد إلى قريش. ثم أسلم يوم الفتح. السيرة ٣٣١- ٣٣٢. ومات في خلافة عثمان سنة ٢٤ وقتل من بعده عثمان. الإصابة ٣١٠٩. وهو من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة. جمهرة الأنساب ١٨٧.
(٧) شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام. وهو أمية بن حرثان، بضم الحاء، بن الأسكر، من ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وابنه كلاب بن أمية أدرك الإسلام فأسلم مع أبيه ثم هاجر إلى النبي ﷺ بالمدينة، ثم خرج في بعث إلى العراق في خلافة عمر، وكان هو قد كبر، فبكاه: شعرا، فلما بلغ عمر ذلك أمر برده عليه. الإصابة ٢٥١، والمعمرين ٦٧- ٦٩، والأغاني ١٨: ١٥٦- ١٦٢، والخزانة ٢: ٥٠٥، وأسد الغابة.
(٨) في البيت حزم كما ترى.
[ ١٢٢ ]
وقد نيل شطر اللّيل حتى تغضّنت مشافره كالقنفذ المتحارب [١]
إذا غمزته الكفّ قال ألاله وخشيته، لو أنّه غير شائب [٢]
فهو لعمري شعر أميّة بن الأسكر. وليس في ذكر البرش دليل على البرص. والذي هجا به أميّة بن الأسكر نفسه في هذا الشعر السّخيف السفيه أسمج وأشنع مما هجا به سراقة. وهذا المثل يرغب بمثله عنه.
وسمعت شيخا من مزينة يقول: لولا الذي كان من زهير من الفحش في هجاء بني أسد [٣] لما كان في الأرض أتمّ في مروءة شعره [٤]، ولا
_________________
(١) التغضن: التكسر في الجلد ونحوه. وفي الأصل: «تغصبت» .
(٢) كذا ورد هذا البيت. ولعله: «قالت: أياله وخصيته» .
(٣) إنما هجا بني أسد ممثلين في الحارث بن ورقاء الصيداوي الأسدي الذي أغار على بني عبد الله بن غطفان جيران مزينة رهط زهير، فغنم منهم، واستاق إبل زهير وراعيه يسارا، فقال زهير قصيدته الكافية يتوعّدهم فيها ويطالب برد إبله وراعيها، ويقول مهددا للحارث بن ورقاء (ديوان زهير ١٨٣): لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك ليأتينّك مني منطق قذع باق، كما دنّس القبطيّة الودك فلم يأبه الصيداوي بهذا التهديد، فصنع زهير قصيدته الرائية وهجا فيها بني أسد بأقذع هجاء وأفحشه، وهي التي مطلعها (ديوان زهير ٣٠٠) . تعلم أنّ شرّ الناس حيّ ينادى في شعارهم يسار فلما بلغتهم الأبيات قالوا للحارث: اقتل يسارا. فأبى عليهم وكساه ورده، فقال زهير يمدح الحارث ويذمهم (ديوانه ٣٠٨): أبلغ لديك بني الصيداء كلّهم أنّ يسارا أتانا غير مغلول وفي جمهرة ابن حزم ١٩٥: «ومن بني الصّيداء بن عمرو: الحارث بن ورقاء بن سويط ابن الحارث بن نكرة بن نوفل بن الصيّداء بن عمرو بن قعين، الذي مدحه زهير بن أبي سلمى. وقعين هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان ابن أسد.
(٤) في الأصل: «أتم من مروءة شعره» .
[ ١٢٣ ]
أقصد، ولا أقلّ تزيّدا من زهير، لأنّه وصف الملوك والسّوقة، والفرسان والسّادة بالذي يكون فيهم.
ويقول أهل العلم: ثلاثة رجال سادوا في الجاهلية والإسلام أحدهم سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجيّ [١]، والآخر الجارود بني المعلّى العبدي [٢]، والثالث جرير بن عبد الله البجليّ [٣] .
وقالوا في المولّع [٤]، قال أبو عبيدة: كان ثمامة بن عبد الله بن
_________________
(١) سبقت ترجمته في الورقة ص ١٢٢.
(٢) صحابي جليل، ويقال جارود بن المعلى، أو ابن العلاء، أو ابن عمرو بن المعلى. ويقال اسمه بشر بن حنش. وكنيته أبو المنذر، أو أبو غياث، أو أبو عباب، لقب بالجارود لأنه غزا بكر بن وائل فاستأصلهم. وفيه يقول الشاعر: فدسناهم بالخيل من كل جانب كما جرد الجارود بكر بن وائل أو لأنه كان معه بقية من إبل نزل بها على أخواله فجربت إبلهم. وكان الجارود سيد عبد القيس، وقدم مع قومه سنة عشر فيمن وفدوا على رسول الله. وقتل بأرض فارس سنة ٢١ بعقبة الطين، فسميت عقبة الجارود، وذلك في خلافة عمر. وقيل: كان مصرعه بنهاوند مع النعمان بن مقرن، وقيل: بقي إلى خلافه عثمان. الإصابة ١٠٣٨.
(٣) هو أبو عمرو أو أبو عبد الله: جرير بن عبد الله بن جابر (الملقب بالشليل) بن مالك البجلي. وكان امرأ جميلا قال فيه عمر: «هو يوسف هذه الأمة» . أرسله علي رسولا إلى معاوية. ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة ٥٤. وهو الذي هدم ذا الخلصة وفيه يقول ﷺ: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . الإصابة ١١٣٢. وذكر ابن حزم في الجمهرة ٣٨٧ أنه هو الذي جمع بجيلة بعد أن كانوا متفرقين في أحياء العرب.
(٤) التوليع: التلميع من برص. والتلميع: التلون بألوان شتى.
[ ١٢٤ ]
أنس [١] أسلع بن أسلع بن أسلع [٢] . ولذلك قال خليفة الأقطع، أبو خلف ابن خليفة الشاعر [٣]:
وكنّا قبل مستقضى بلال من الشّيخ المولّع في عناء [٤]
تقيّل شيخه وأبا أبيه كما قدّ الحذاء على الحذاء [٥]
ويقال إن ولد أنس بن مالك لا ينفكّون في كلّ زمان أن يكون فيهم رؤساء إمّا في الفقه، وإمّا في الزّهد، وإمّا في الخطابة. ولم يكن بالبصرة
_________________
(١) هو ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى البصري، روى عن جده أنس، والبراء بن عازب، وأبي هريرة ولم يدركه. وعنه: حميد الطويل، وعبد الله بن عون، وحماد بن سلمة وجماعة. ولي قضاء البصرة سنة ١٠٦ وعزله خالد عنه سنة ١١٠. تهذيب التهذيب.
(٢) الأسلع: الأبرص. وسيأتي قول جرير: هل تذكرون على ثنية أقرن أنس الفوارس يوم يهوى الأسلع
(٣) خلف بن خليفة، مولى قيس بن ثعلبة، من شعراء الحماسة، وكان من معاصري جرير والفرزدق. وكان يقال له «الأقطع» لأنه قطعت يده في سرقة، فاستعاض عنها بأصابع من جلود. وكان شاعرا مطبوعا ظريفا. الشعراء ٧١٤- ٧١٥ وشرح التبريزي للحماسة ٤: ٢٧٩ وانظر البيان ١: ٥٠ وأورد الجاحظ لأبيه خليفة شعرا في البيان ٣: ٣٥٨.
(٤) بلال، هو ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. وكان خالد بن الوليد قد ولّاه قضاء البصرة حينما كان واليا لهشام بن عبد الملك على العراق سنة ١٠٩ فلما ولي يوسف بن عمر سنة ١٢٥ عزله عن القضاء وحبسه، ومات في الحبس. وهو الذي قال فيه المبرد: أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إلىّ فأجد أحدهما أخفّ على قلبي فأقضي له. تهذيب التهذيب. مستقضاه، يعني ولايته للقضاء. والشيخ، يعني به بلالا.
(٥) يقال تقيّله تقيّلا وتقيضه تقيضا: نزع إليه في الشبه. وشيخه، أي والده. وفي أساس البلاغة: «ومن المجاز: ورث عن شيخه الكرم. ومن أشياخه: من آبائه» .
[ ١٢٥ ]
أنظر من ثمامة [١]، ومن موسى بن حمزة [٢] . وولد لأنس عشرون ومائة من صلبه. وقد كان رسول الله ﷺ دعا له بكثرة الولد والسعة في الرّزق [٣] . ويستدلّ على مصداق ذلك بكثرة قطائعه. قالوا: ولم يكن يعتريهم عطاش [٤] مذ صار فيهم قدح رسول الله ﷺ. وزعم أصحاب المسند أنّه ليس في جميع المسند أكثر منها فوائد [٥] من مسنداته.
وإمامة مسجد الجامع بالبصرة مقصورة [٦] على الأنصار، لما فيهم من الصلاح والحال الجميلة. وليس لأحد من أهل البصرة من الموالي مثل ما لهم. فمن مواليهم: الحسن، وابن سيرين [٧] . ولم يتلطّخوا بشيء من
_________________
(١) سبقت ترجمته قريبا في ص ١٢٥؟ وذكره الجاحظ في البيان ١: ٢٥٨ وروى له حديثا. وفي الأصل هنا: «أبي ثمامة»، تحريف.
(٢) هو موسى بن حمزة بن أنس بن مالك، روى عن عمه ثمامة، وعنه: محمد بن إسحاق. وانظر تحقيق اسمه في تهذيب التهذيب ١٠: ٣٧٩ بعد أن ذكره في ١٠: ٣٤١. وما ذكره الجاحظ هنا يعزز التحقيق الذي أورده ابن حجر هناك.
(٣) انظر الحديث في البخاري (في الدعوات)، ومسلم (في الفضائل)، والترمذي (في المناقب) . وانظر كذلك الإصابة ٢٧٥ في ترجمة أنس بن مالك.
(٤) العطاش: شدة العطش، وفي الأصل: «عطاس»، والوجه، ما أثبت.
(٥) في الأصل: «أكثر منها فوائد»، والوجه ما أثبت.
(٦) في الأصل: «مقصورة» .
(٧) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، مولي أنس بن مالك، وكان كاتبا له بفارس. روى عن أنس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم. وعنه: الشعبي، وقتادة، ومالك بن دينار وغيرهم. وكان من أورع أهل البصرة حافظا متقنا يعبر الرؤيا. توفي سنة ١١٠ وله سبع وسبعون سنة. تهذيب التهذيب، وصفة الصفوة ٣: ١٦٤- ١٧١، وأبوه سيرين من سبي عين التمر في سنة ١٢ سباه خالد في أربعين غلاما كانوا يتعلمون الإنجيل. الطبرى ٢: ٣٧٧.
[ ١٢٦ ]
الفتن في طول ما حاربت الأزد بالبصرة لتميم. هذا وهم فرسان الأزد.
وزعموا أن بني نمير برص [١] . واستشهدوا قول كعب بن سعد الغنوي [٢]:
ما إن في الحريش ولا عقيل ولا أولاد جعدة من كريم [٣]
ولا البرص الفقاح بني نمير ولا العجلان زائدة الظّليم [٤]
أولئك معشر كبنات نعش رواكد لا تسير مع النّجوم
_________________
(١) البرص: جمع أبرص وبرصاء. وفي الأصل: «برصا» .
(٢) من شعراء الأصمعيات. وقد ترجمنا له وحققنا نسبه ونسبته في الأصمعية ١٩، ٢٥. وهو شاعر إسلامي يبدو أنه تابعي.
(٣) الأبيات الثلاثة في الحماسة بشرح التبريزي ٤: ١٠٦، وشرح المرزوقي ١٥٣٧- ١٢٣٨ غير منسوبة. والحريش وعقيل وجعدة إخوة، أبوهم كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. جمهرة ابن حزم ٢٨٨، والاشتقاق ٢٩٧. واسم الحريش معاوية كما في الجمهرة. واشتقاقه من حرش الضب كما في الاشتقاق. واشتقاق عقيل من تصغير العقل أو الأعقل. وجعدة، من اسم نبت، أو من الجعدة وهي النعجة. وفي البيت ما يسمّى بالخرم. وفي الأصل: «ما في الحريش» ولا يستقيم به الوزن، وتصحيحه من الحماسة، لكن رواية التبريزي: «وما إن» بالواو في أولها. وفي رواية المرزوقي: «ما إن» بالخرم كما هنا.
(٤) الفقاح: جمع فقحة، وهي حلقة الدبر، أو هي الدّبر بأجمعها. وبنو نمير بن عامر بن صعصعة، هم أبناء عمومة من تقدم ذكره من القبائل. الجمهرة ٢٧٩، والاشتقاق ٢٩٣، ٢٩٤. والعجلان من بني عبد الله كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. الجمهرة ٢٨٨، والاشتقاق ٢٩٩. والظليم: ذكر النعام. وزائدته: خفه، لأنه لا يكون للطير، أي هم زيادة في الناس بمنزلة تلك الزيادة في الظليم. وقيل المراد به رأس النعامة، أى فرخها. والنعام موصوف بالخفة وسرعة النفار.
(٥) بنات نعش مثل في الركود والثبات، لأنها ليست من الكواكب السيارة، لأنّها تدور حول قطبها فلا تزول عن رأي العين. وصفهم بسقوط الهمة والإقامة على الذل.
[ ١٢٧ ]
قال: وهذا هو معنى قول جرير:
ولو وضعت فقاح بني نمير على خبث الحديد إذا لذابا [١]
قالوا:.