ومما يدلّ على افتخارهم بالبرص قول ابن حبناء [٢] واسمه المغيرة:
إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبني لا ملعتيك ولا أخوالي ولا أخوالي العوق [٣]
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة إنّ اللهاميم في أقرابها البلق [٤]
فقول ابن حبناء وقول الحارث بن حلّزة يردّان على محمد بن سلّام ما قال.
_________________
(١) كذا. والمراد فرسا بلقاء. وفي الحيوان ٥: ١٦٦: «وقد سبق للمأمون فرس إما أبلق وإما بلقاء» .
(٢) في الأصل: «حنباء» وإنما هو بتقديم الباء: والحبنآء: العظيمة البطن من داء. وحبناء أمه، وأبوه جبير بن عمرو بن ربيعة بن أسيد بن عبد عوف. والمغيرة شاعر محسن، كان من رجال المهلب بن أبي صفرة. وعاش إلى ما بعد سنة ٩١. الأغاني: ١٥٦، ١٦٤ والمؤتلف ١٠٥ والخزانة ٣: ٦٠١.
(٣) البيتان في الحيوان ٥: ١٦٥، والشعراء ٣٦٧، والمعارف ٢٥١، وعيون الأخبار ٤: ٦٦، وأمالي القالي ٢: ٢٣٣، والأغاني ١١: ١٥٩. ملعتيك، أي من العتيك. وحذف نون «من» في مثل هذا لغة لبعض العرب. انظر المفضليات ١٥٤، وشرح المرزوقي للحماسة ٤٧٦، ١٣٥٥. والعتيك: قبيلة من الأزد، منهم المهلب بن أبي صفرة. الجمهرة ٣٦٩. والعوق، قال أبو الفرج: «العوق من يشكر، وكانوا أخوال المفضل» يعنى المفضل بن المهلب. والبيتان يرد المغيرة فيهما على المفضّل بن المهلب، حين هجاه بسوء أكله. والقصة في الأغاني.
(٤) الأقراب: جمع قرب، بالضم، وهو الخاصرة. واللهاميم: جمع لهموم بالضم، وهو الجواد من الناس والخيل، كما في اللسان (لهم) حيث أنشد هذا البيت بدون نسبة.
[ ٥٤ ]
وكان زياد الأعجم [١] قد ألحّ على بنى الحبناء يهجوهم بالبرص.
فمن ذلك قوله:
عجبت لأبلق الخصيين عبد كأنّ عجانه الشّعرى العبور [٢]
فلما قيل له: قد رفعتهم يا أبا أمامة. قال: والله لأرفعنّهم أيضا.
فقال:
لا يبرح الدّهر منهم خارىء أبدا إلّا حسبت على باب استه القمرا [٣]
والبياض والأوضاح تستعير ذكره العرب وتنقله في الأماكن. قال الرّعل ابن جبلة:
والناس كالخيل إن ذمّوا وإن مدحوا فذو الشّيات كذا في النّاس أوضاح
_________________
(١) هو الشاعر الأموي المعمّر زياد بن سلمى، ويقال ابن جابر، بن عمرو بن عامر، من عبد القيس. وكانت فيه لكنة، فلذلك سمي «الأعجم» . وقال ابن قتيبة: «وهو كثير اللحن في شعره ولهذا قيل له «الأعجم» . وكان زياد مولعا بالهجاء، وكان من أمر مهاجاته للمغيرة ابن حبناء أنهما اجتمعا مع طائفة من الشعراء عند المهلّب، وتباروا في مديحه، فأجازهم جميعا وآثر زيادا عليهم بأن وهبه غلاما فصيحا ينشد شعره لما كان فيه من لكنة. فأقبل المغيرة على الأمير يراجعه في ذلك فهاجاه زياد. وانظر ترجمته في: الشعراء ٤٣٠- ٤٢٣، والمؤتلف ١٣١- ١٣٢، والأغاني ١٤: ٩٨- ١٠٥، ومعجم الأدباء ١١: ١٦٨، والخزانة ٤:
(٢) ١٩٤.
(٣) الشعراء ٣٩٨ بالرواية نفسها. وفي الأغاني ١١: ١٦١ «لأبيض الخصيين» . والعجان: ما بين القبل والدبر. والشعرى العبور: كوكب نير في الجوزاء، يقال إنها عبرت السماء عرضا، ولم يعبرها عرضا، غيرها.
(٤) وكذا في الأغاني ١١: ١٦١. وفي الشعراء «لا يدلح الدهر»، وفي عيون الأخبار ٤: ٦٦: «ما إن يدبح» و.. «إلا رأيت» .
(٥) الشّيات: جمع شية، وهو كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. في الأصل «الشباب» .
[ ٥٥ ]
يقولون: فرس كريم، وفرس جواد وفرس عتيق، وفرس رائع.
وليست هذه الأشياء الكريمة إلّا للإنسان والفرس.
وأصل البلق إنّما هو في الفرس [١] . والعرب تستعير ذلك وتضعه في مواضع كثيرة. وقال الشاعر، وهو يريد بياض الصبح المخالط بسواد في بقيّة اللّيل:
جبسناهم حتى أضاء لنا [الدّجى] من الصّبح مشهور الشّواكل أبلق [٢]
وسمّوا أيضا قصر السّموءل بن عاديا: «الأبلق» . قالوا ذلك حين كان بني بالحجارة البيض والسّود، قال الأعشى:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدّار [٣]
وقال السموءل بن عاديا:
وبالأبلق الفرد بيتي به وبيت المصير سوى الأبلق
_________________
(١) البلق: سواد وبياض، يكون منه ارتفاع التحجيل إلى الفخدين.
(٢) الشواكل: جمع شاكلة، وهي الخاصرة، وكلمة «الدجى» ليست في الأصل، وأحسبها تتمة الشطر الأول.
(٣) ديوان الأعشى ١٢٧ وحماسة البحترى ٢١٥ واللسان (بلق) وفي اللسان: «غير ختار» . والختار والغدار بمعنى.
(٤) في الأصل: «وبيتا لمصبر»، صوابه ما أثبت من رواية الديوان ٢٦ صنعة نفطويه. وفي الأغاني ١٩: ٩٨: «وبيت النضير» . والأبلق: حصن مشرف علي تيماء بين الحجاز والشام، على رابية من تراب، قال ياقوت: «فيه آثار أبنية من لبن لا تدل على ما يحكى عنها من العظمة والحصانة، وهو خراب» . ثم قال: «وكان أول من بناه عادياء أبو السموءل اليهودي. ولذلك قال السموءل: بنى لي عاديا حصنا حصينا وماء كلما شئت استقيت » وبعد البيت في الديوان:
[ ٥٦ ]
وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
إنّى أرقت لعارض متألق ليل التّمام وليته لم يألق [١]
ما إن ينام ولا ينيم كأنّه بلقاء تضرب عن فلوّ أبلق [٢]
وأنشدوا قول الراجز في صفة السّحاب:
كأنّ في ريّقه إذا ابتسم بلقاء تنفي الخيل عن طفل متم [٣]
وقال محرز بن مكعبر الضبّيّ [٤]:
_________________
(١) - ببلقعة أثبتت حفرة ذراعين في أربع خيسق وفي شرح نفطويه للديوان: «قوله ببلقعة، يعني بصحراء خالية، وإنما يعني قبره. وقوله: خيسق، أى على مقدار المدفون يوافقه ذلك» . وفي اللسان: «وقبر خيسق أيضا: قعير» .
(٢) ألق البرق يألق، من باب ضرب: لمع وأضاء. وفي الأصل: «يؤلق» ولا وجه له. وليل التمام، بالكسر: أطول ما يكون من ليالي الشتاء، أو أطول ما يكون من الليل. وقيل غير ذلك.
(٣) بلقاء، يعنى فرسا بلقاء. تضرب عنه الخيل: تنفيها عنه. والفلو، كعدو المهر الصغير.
(٤) الرجز لأعرابي يقال له «مزيد» . تصحيف العسكري ١٧٦. وفيه: «كأن في ريقته»، تحريف. والريّق كسيّد: الناحية والطرف. تنفى الخيل: تطردها. وفي الأصل: «تطفي»، صوابه من التصحيف. وانظر القصة فيه. والمتم: الممتلىء.
(٥) في الأصل: «معكبر»، صوابه بتقديم الكاف، كما في البيان ٤: ٤٢ والحماسة ٥٧٢ بشرح المرزوقي و٢: ١٣٨ بشرح التبريزي والمبهج لابن جني ٣٦ والأغاني ١٥: ٧٤ ومعجم المرزباني ٤٠٥ واللآلي ٧٠٦. وفي اللسان (كعبر) أنّه سمي بذلك لأنه ضرب قوما بالسيف. ويقال كعبره بالسيف، أى قطعه. وفي شرح الأنباري للمفضليات: ولم يلحق يوم الكلاب. وفي العقد، فى يوم الكلاب الثاني: «ولم يشهدها» أي أدرك الوقعة ولم يشهدها. فهو شاعر جاهلي. وأجاز التبريزي تبعا لابن جنبي في المبهج فتح الباء وكسرها منه.
[ ٥٧ ]
أقرّ العين أن طارت عليهم شميط اللّون ليس لها حجول [١]
ولذلك سمّوا الأبرص الأسيدىّ [٢] الراقي المتكهّن: «أبلق» . وإيّاه عنى ذو الرّمّة فقال:
أعبد أسيديّ عليه علامة من السّوء لا تخفى على من توسّما [٣]
وإيّاه يعني العلبان [٤] الشاعر، أحد بني عبد الله بن درام، حيث يقول:
هل الأبلق الراقي الأسيديّ مبريء فؤادي من حبّي جواري بني بدر
ليس يعني رهط حذيفة بن بدر.
_________________
(١) الشميط: التى اختلط فيها السواد بالبياض.
(٢) من بني أسيّد بن عمرو بن تميم. وكان يداوي بالرقية. ويروى أنه داوى جريرا من حمرة به فبرىء، فحكمه فاحتكم بزواج ابنته أم غيلان. فهجا الفرزدق جريرا بذلك. انظر النقائض ٨٤٠- ٨٤١، وفي الاشتقاق ٢٠٦ «وأسيّد: تصغير أسودفي لغة بني تميم. وسائر العرب يقولون: أسيود، فإذا نسبوا إليه قالوا: أسيدىّ، كرهوا كثرة الكسرات، واستثقلوا أن يقولوا أسيّدىّ» .
(٣) البيت لم يردفي ديوان ذي الرمة ولا ملحقات ديوانه طبع كمبردج، ولكنه في ديوانه ١٩٠٨ بتحقيق عبد القدوس. وفي الأصل: «وعندي أسيدي» صوابه من الديوان. وبعد البيت: يداويك من شكواك أم ربك الذي شفى كرب أيام النباج وأنعما
(٤) كذا ورد مضبوطا، ولم أعثر له على ترجمة. ولعله «الفلتان» .
[ ٥٨ ]
وكان جرير بن الخطفى زوّج أبلق بنته أمّ غيلان، على أنّه رقاها فأفاقت [١]، فعند ذلك قال العلبان:
أخزيت نفسك يا جرير وشنتها وجعلت بيتك بسلة للأبلق [٢]
وهجا جرير أيضا الأبلق بأنّه أبلق، وبغير ذلك، فقال:
يا أبلق الكشح إنّ النّاس قد علموا أن المهاجر تخزي كلّ كذّاب [٣]
لو كنت شاورت ذا عقل فأرشدني يوم الفريقين ما دنّست أثوابي
قد كنت عندك قبل الفعل ذا أرب مستحكما بعراقي الدّلو أكرابي
لو كنت صاهرت، إنّ الصّهر ذو نسب في مازن أو عديّ رهط منجاب
ما كنت، ذا الجلدة البلقاء، تعجبني سوف السّوابق ريح الكودن الرابي
_________________
(١) هذا مخالف لما أثبت في الحواشي من نص النقائض فارجع إليه.
(٢) في الأصل: «بينك نسله»، و«الأبلق» بدون لام، والصواب ما أثبت. والبسلة، بضم الباء: أجره الراقي، وابتسل: أخذ أجرته.
(٣) الأبيات مما لم يرد في ديوان جرير. والمهاجر، بفتح الميم: الهجر، والهجر بالضم: القبيح من الكلام والإفحاش فيه.
(٤) ذا الجلدة البلقاء، أي يا ذا الجلد الأبلق. السوف: الشم. والكوادن: جمع كودن، وهو البرذون الهجين، وقيل هو البغل. والرابي: الذي أخذه الربو، وهو البهر والنهيج وتتابع النفس.
[ ٥٩ ]
واعترض على جرير البلتع العنبريّ [١]، لأنّ عمرو بن تميم ولدهم جميعا فقال:
أتعيب أبلق يا جرير وصهره وأبوه خير من أبيك وأمنع
أتعيب من رضيت قريش صهره وأبوك عبد بالخورنق أوكع [٢] .