العنوان الذي أبقاه الدهر على صدر الورقة الأولى من المخطوطة بخط يخالف خط صلب الكتاب هو:
«كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان» . كما أن الثابت في نهاية المخطوطة بخط الناسخ الأصيل للكتاب:
«تم كتاب البرصان والعميان والعرجان والحولان» .
ولكنا نجد في كتاب البيان والتبين [١] الذي ألفه الجاحظ بعد كتابنا هذا، ما صورته:
«احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصيّ، منذ ذكرنا العصا وتصرفها في المنافع. والذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان» .
وكذلك نجد في مقدمة كتابنا هذا القول [٢]:
«وقد خفت أن تكون مسألتك إياي كتابا في تسمية العرجان والبرصان والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، وزهدتك فيه» .
_________________
(١) البيان ٣: ٧٤.
(٢) صفحة ٤ من المخطوطة.
[ ٩ ]
ويقول بعد ذلك بقليل [١]:
«وسألتنى أن أبدأ بذكر البرصان، وأثنّي بذكر العرجان» .
فإذا خرجنا من أجواء الكتاب نلتمس تسمية له، لا نكاد نجدها إلا في مواضع يسيرة، تتمثل فيما ذكره ياقوت في معجم الأدباء [٢]: «كتاب العرجان والبرصان» فقط، بتقديم العرجان على البرصان، وهي التسمية التى اقتبسها السندوبي في كتابه: «أدب الجاحظ» [٣] ونقلها عنه بروكلمان في كتابه:
«تاريخ الأدب العربي» [٤] .
ومنها بغية الوعاة للسيوطي، تذكر له «كتاب العرجان والبرصان والقرعان» .
والذي يبدو أن الجاحظ لم يستقر على وضع ثابت في تسمية الكتاب، فقد بدأ كتابه بالكلام على البرصان من ص ١٣- ٧٠ من المخطوطة، ثم ثنّى بالكلام على العرجان من ص ٣٠- ١٣٠ من المخطوطة. كما يبدو أنه أفرد كتابا للعميان والحولان، إذ نجده يقول في كتابنا هذا:
«وقد ذكرنا شأن عمرو بن هداب والذي حضرنا من مناقبه في «كتاب العميان»، فذلك لم نذكره هنا» .
والملحوظ أيضا أن الجاحظ في كتابنا هذا لم يعقد بابا أو فصلا
_________________
(١) صفحة ٨ من المخطوطة.
(٢) معجم الأدباء ١٦: ١٠٧.
(٣) أدب الجاحظ للسندوبي ص ١٣٥.
(٤) تاريخ الأدب العربى ٣: ١٢٣.
[ ١٠ ]
للعميان ولا الحولان ولا الصّمّان، وإن كان قد أورد أخبارا يسيرة ونتفا ضئيلة في ثنايا الكتاب لا تمثّل الجدّية ولا القصد المباشر [١] .
لهذا كله آثرت بداعي التّصوّن أن أستبقي عنوان الكتاب كما ورد على ظاهره، وكما سطر في آخره، وإن كانت شهرة الكتاب قديما تحتفظ بكتاب «البرصان» أو «كتاب العرجان» .
ولعل أقدم المؤلفات التي أشارت إلى كتابنا هذا هو كتاب (طبقات الشعراء لابن المعتز) الذي ألف كتابه قبل سنة ٢٨٠ أى بعد وفاة الجاحظ بربع قرن تقريبا، إذ نجد فيه هذا النص، في ترجمة أبى الخطاب البهدلي [٢]:
«وأشعار أبي الخطاب كثيرة جيدة، وهو أحد العرجان، ذكره الجاحظ في كتابه» .
ويأتي بعده أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (٣٥٠- ٤٢٩) اقتبس منه في ص ١٠٤ من كتابه «ثمار القلوب» عند الكلام على «سعد المطر» . وهو نص مسهب [٣] .
كما روى عنه في ص ٢٤١ عند الكلام على «راحة صباغ»، وأنشد
_________________
(١) انظر للعميان ص ١٣، ١٥، ٥٥، ٧٩، من المخطوطة. وللعوران ص ٣٨ وللحولان ١١٥ وللصمان ص ٤٦.
(٢) طبقات الشعراء لابن المعتز ١٣٥. ولم أجد لهذا النص من أثر في الكتاب. ولعله قد سقط من الكتاب. وأبو الخطاب هذا هو عمرو بن عامر، كان راجزا فصيحا راوية، أخذ عنه الأصمعى وجعله حجة وروى شعره. ابن النديم، ٧، ٢٣٣ وإنباه الرواة ٤: ١١٣ وجعل ثعلب اسمه عمرو بن عيسى. أنظر مجالس ثعلب ١٩٤.
(٣) أنظر ص ٥٥ من المخطوطة.
[ ١١ ]
الأبيات اليائية الأربعة التي أولها:
وصفت بجهدى وجه حفص وخلقه فما قلت فيه واحدا من ثمانية [١]
ويأتى من بعدهما المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ الذي نظر في كتاب البرصان وأشار إليه في موضعين من أماليه في الجزء الأول:
الموضع الأول في ص ١٦٨ يقول في الكلام على بشر بن المعتمر:
«وذكر الجاحظ أنه كان أبرص» [٢] .
والموضع الثانى في ص ٣٠٣ عند الكلام على ذي الإصبع العدواني:
«وذكر الجاحظ أنه كان أثرم»، وروي عنه:
لا يبعدن عهد الشباب ولا لذّاته ونباته النّضر [٣]
فإذا ارتقينا إلى القرن الثامن الهجري وجدنا الحافظ مغلطاي بن قليج (٦٨٦- ٧٦٢) في حواشي نسخته من معجم الشعراء للمرزباني، يروي عن كتاب البرصان نقولا ثلاثة، كما نبه على ذلك المستشرق الألماني «فرتيس كرنكو» أو «سالم الكرنكوي» كما كان يؤثر هذه التسمية:
أولها في حواشي ص ٢٧٩: «قال الجاحظ في كتاب البرصان [٤]»: «أبو طالب أول هاشمي في الأرض ولده هاشميان [٥]» .
والثاني في حواشي ص ٣٦٠: «قال الجاحظ في كتاب البرصان تأليفه: ومن البرص الأشراف، والرؤساء المتوّجين مالك ذو الرّقيبة. وهو
_________________
(١) ص ١١١ من المخطوطة.
(٢) انظر ما يقابله في ص ٥٧ من المخطوطة.
(٣) انظر لهذا النص ص ١٨٥- ١٨٦ من المخطوطة.
(٤) في الأصل: «البرسان» .
(٥) انظر ص ١٤ من المخطوطة.
[ ١٢ ]
الذي غصب الزهدمين» [١] .
والثالث في حواشي ص ٣٩٥: «معاوية بن حزن بن موءلة، عرف بالمخجّل، على الكناية من البياض والبرص، قال يفخر ببياضه فيما ذكر الجاحظ في كتاب البرصان:
يا مىّ لا تستنكري حويلي ووضحا أوفى على خصيلي [٢]
فإذا كان القرن التاسع وجدنا الحافظ بن حجر العسقلاني (٧٧٣- ٨٥٢) يذكر كتاب البرصان في قوله: «وقع للشيخ مغلطاي في شرح البخاري في أول كتاب التيمم نسبة قصة الأسلع هذا إلى الجاحظ في كتاب البرصان» [٣] وهذا النص المشار إليه يقع في نهاية ترجمة الأسلع العرجي من كتاب الإصابة.
لمن ألف الجاحظ هذا الكتاب؟
يذكر التاريخ أن الجاحظ سمى كثيرا من كتبه لكثير من الولاة والكتّاب والقضاة، وأنه أهدى (كتاب الزرع والنخل) إلى إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب، و(كتاب الحيوان) إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، كما أهدى إليه (كتاب الأخلاق المحمودة والمزمومة) و(كتاب الجد والهزل) أيضا. وأنه أهدى كتاب (البيان والتبيّن) إلى القاضي أحمد بن أبى دواد، كما أهدى إليه (كتاب الفتيا) . وأهدى إلى ولده القاضى محمد بن أحمد بن أبي دواد (كتاب المعاش والمعاد)،
_________________
(١) انظر ص ٤٠- ٤١ من المخطوطة، والاقتباس هنا مبتور.
(٢) انظر ص ١٥ من المخطوطة.
(٣) في الأصل: «البرهان» وانظر هذا النص في ص ٦٠ من المخطوطة.
[ ١٣ ]
ورسالته في (نفي التشبيه)، ورسالته في (النابتة) . وكذلك أهدى (كتاب مناقب الترك) إلى الفتح بن خاقان وزير المتوكل. وأهدى (كتاب فصل ما بين العداوة والحسد) إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل ثم المعتمد. ووجّه (كتاب التربيع والتدوير) إلى أحمد بن عبد الوهاب الكاتب. و(كتاب مدح النبيذ وصفة أصحابه) إلى الحسن بن وهب الكاتب. وأهدى (رسالة المودة والخلطة) إلى الكاتب أبي الفرج محمد بن نجاح بن سلمة.
وهكذا نجد أن معظم كتبه ورسله ورسائله مهداة إلى من عرف التاريخ أسماءهم.
ولكن كتابنا هذا لم نقف على من ألف الجاحظ له هذا الكتاب، ورسم له منهجه، وحمله على تأليفه. وعسى الأيام أن يظهرن فيما بعد اسم من حمل الجاحظ على أن يقوم بصنع هذا الكتاب..