وهو الحارث الأصغر [١] بن الحارث الأوسط بن الحارث الأكبر. وما أقلّ ما يجيء مثل هذا.
وفي آل أبي طالب حسن بن حسن بن حسن [٢] . وكان في بني مخزوم: الوليد بن الوليد بن الوليد [٣]، فلما قال رسول الله ﷺ: «قد
_________________
(١) كذا يذكره الجاحظ هنا أنه الأعرج، وإنما الأعرج هو الحارث الأوسط، وهو الحارث ابن أبي شمر. وأبوه هو الملقب بمحرق والمكنى بأبي شمر. واسمه الحارث الأكبر بن عمرو بن عامر كما في الاشتقاق ٤٣٥، والعمدة ٢: ١٧٨. أما الحارث الأصغر فهو الحارث بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر. وهذا الحارث الأعرج الأوسط هو الذي يكثر ذكره في الكتب وحوادث التاريخ، يقول ابن قتيبة في المعارف ٢٨٠: «وكان خير ملوكهم وأيمنهم طائرا وأبعدهم مغارا، وأشدّهم مكيدة» . وبنته حليمة التي قيل فيها «ما يوم حليمة بسر» . وهو الذي أرسل إليه الرسول شجاع بن وهب الأسدي بكتاب يدعوه إلى الإسلام. السيرة ٩٧١ فلما قرأ الكتاب قال: أنا سائر إليه! فلمّا بلغ قوله رسول الله ﷺ قال: «باد ملكه» ابن الأثير ٢: ٢١٣.
(٢) ومن ولده: حسن بن حسن بن حسن بن حسن، كما في الجمهرة ٤٢.
(٣) هو الوليد بن المغيرة. وأبوه صحابي جليل وهو أخو خالد بن الوليد. وقد ولد هذا الثالث وسمي بالوليد أيضا، فلما سمع ﷺ رثاء أم سلمة زوج النبي له وكانت ابنة عمه،-
[ ١٧١ ]
جعلتم الوليد حنانا» [١] تسمّوا بغير الوليد.
فإن قال قائل: فلم جاز حسن بن حسن بن حسن، ولم يجز الوليد ابن الوليد بن الوليد؟ قلنا: كأنّهم أرادوا تعظيم شأن الوليد الأوّل وإحياء ذكره والتيمّن باسمه. وكان الوليد بن المغيرة أحد المستهزئين، فكره النبيّ ﷺ مع قرب العهد بالجاهلية تعظيم شأن أولئك العظاء، والتنويه بأقدار أولئك الكبراء.
وكان الحسن الأوّل الذي سمّي الثاني [باسمه] [٢]، والثاني الذي سمّي الثالث باسمه، ابن رسول الله ﷺ وسليله، وأشبه النّاس خلقا وخلقا به، وسيّد شباب أهل الجنّة، وأرفع الناس في الإسلام درجة. فحكمهما يختلف. ولو فعل مثل ذلك اليوم بعض بني مخزوم، لم يكن [٣] حكمه اليوم كحكمه يومئذ؛ كأمور كثيرة قد كانوا ينهون عنها يومئذ، كالذي كان من عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين.
من ذلك ترك الحرص على طلب الولد، والشّغف بكثرة الرّزق، والرغبة في المكاثرة للتّهيب [٤] والتخويف، [و] للمناهضة، وبالقدرة
_________________
(١) - إذ تقول: مثل الوليد بن الولي د أبي الوليد كفى العشيرة قال: «ما اتخذتم الوليد إلا حنانا» وسماه النبي ﷺ عبد الله. انظر نسب قريش ٣٢٩، ٣٣٠ والجمهرة ١٤٨، والإصابة ٥٠١٥- ٩١٥٢.
(٢) حنانا، أي موضع حنان تتعطفون عليه فتحبونه، وقيل هو اسم من أسماء الفراعنة فكره أن يسمى به. كذا في اللسان ونهاية ابن الأثير.
(٣) تكملة يفتقر إليها الكلام.
(٤) في الأصل: «ولم يكن» تحريف.
(٥) في الأصل: «للتهبب» .
[ ١٧٢ ]
والاقتسار [١] للعدوّ.
ومن ذلك حضور صلاة الجماعة. ولم يجعل رسول الله في ذلك الدهر لابن أمّ مكتوم، [٢] وهو أعمى عديم القائد، عذرا في التخلّف، إذ كان يسمع النّداء. ولو قصّر في ذلك العميان في بعض الحالات لم يكن حرجا، ولا عند تلك الجماعة مبهرجا، وإنّما جاز ذلك اليوم لاستفاضة الإسلام وعلوّه على أعدائه وظهور شأنه وتمكّن أركانه، فصاروا كما قال الله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)
[٣] . ألا ترى أنّه ليس على ظهرها بلد يناله الأخفاف والحوافر إلّا وهو مأخوذ عنوة أو صلحا على إعطاء الجزية، ولم يبق إلّا من اعتصم برءوس الجبال ولجج البحار، وبالوغول في الأوغال [٤]، أو ملك خضع للصّلح وإعطاء بعض الخرج [٥]، فوسم نفسه بالذلّة، وشهرها بإعطاء الجزية. وقد ذكر الحارث الأعرج النّابغة الذّبيانيّ فقال:
هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التّمام
_________________
(١) الاقتسار: الغلبة والقهر. وفي الأصل: «والاقترار» .
(٢) هو عبد الله أو عمرو بن أم مكتوم، كما في السيرة ٤٣٢. وهو الذي نزلت فيه سورة (عبس) . وهو عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري. وأم مكتوم هي أم أبيه واسمها عاتكه. وكان ابن أم مكتوم خال خديجة ﵂. تفسير أبي حيان ٨: ٤٢٧- ٤٢٨، والفخر الرازي ٨: ٣٣١، والإصابة ٤٧٣٧، ٥٧٥٩ حيث يختلف في تعيين اسمه. وفي الأصل هنا «عبد الله بن مكتوم» تحريف.
(٣) من الآية ٣٣ من سورة التوبة، و٩ من الصف.
(٤) الوغول: الدخول والإمعان. والأوغال: جمع وغل، وهو الشجر الملتف، وأنشد أبو حنيفة: فلما رأى أن ليس دون سوادها ضراء ولا وغل من الحرجات.
(٥) الخرج، بالفتح: الخراج، وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم.
(٦) الأبيات من مقطوعة في ديوانه ١٢٥ يهنىء بها النعمان بن الحارث الأصغر، وكان قد-
[ ١٧٣ ]
للحارث الأصغر والحارث ال أوسط والأكبر خير الأنام [١]
. ومن العرجان: