الشعراء الخطباء: عبد الله [٢]، وعبد الصّمد [٣]، وأخوهما. وكان هشام بن عبد الملك بعث بهم إلى يوسف بن عمر، وكانوا أصحاب الوليد بن يزيد وخاصّته. والوليد يومئذ القائم بعد هشام، فدفعهم يوسف بن عمر إلى محمّد بن نباتة [٤]، فطّين عليهم إلّا بمقدار ما يدخل عليهم منه الطّعام، فأطعمهم ولم يسقهم، فلمّا أجهدهم العطش صاحوا: يا سميّ رسول الله، إنّا مسلمون. ألا ترى أنّ اسم أبينا «عبد الأعلى» وأسماؤنا عبد الله، وعبد الصّمد؟! فلم يمسوا حتّى اسودّوا ثم اسودّوا، ثم برصوا، ثم سلخوا.
وإنّما قالوا ذلك لأنّ هشاما بعث بهم إلى يوسف على أنّهم زنادقة، وأراد بذلك التّشنيع على الوليد.
وهجا بعض أولادهم شاعر فقال:
_________________
(١) هو عبد الأعلى بن أبي عمرة، كما يفهم من ترجمة ولديه.
(٢) هو عبد الله بن عبد الأعلى بن أبي عمرة الشيباني، مولاهم، كان هو وأبوه شاعرين. وكان عبد الله كثير الأمثال في شعره، أنفذ أكثر قوله في الزهد والمواعظ، وهو القائل: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما رآه قال للباطل أبعد وعاش إلى خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، لسان الميزان ٣: ٣٠٥ وذكر الطبري في حوادث سنة ١٢ أنّ جده أبا عمرة كان من الغلمان الذين سباهم خالد بن الوليد في عين التمر، وكانوا يتعلمون الإنجيل، وانظر سمط اللآلي ٩٦٣.
(٣) عبد الصمد بن عبد الأعلى، كان معلم ولد عتبة بن أبي سفيان، كما ذكر الجاحظ في البيان ١: ٢٥٢ كما كان مؤدبا للوليد بن يزيد بن عبد الملك، لسان الميزان ٤: ٢١ وكان متهما بالزندقة وذكروا أنه هو الذي أفسد الوليد بن يزيد. الطبري ٧: ٢٠٩ في حوادث سنة ١٢٥.
(٤) كان محمد بن نباته عاملا على واسط سنة ١٢٦. فلما قدم منصور بن جمهور الحيرة، عزله واستعمل مكانه حريث بن أبي الجهم. الطبري ٧: ٢٧٠.
[ ١٣٠ ]
وجدّك أبيض القرنين داج أسير الذّلّ والعطش الطّويل
وعبد الله بن عبد الأعلى هو الذي يقول:
من هنا لي من صديق فليعد ليعدني إنّني اليوم كمد
من هموم تركتني قلقا قلق المحور بالقبّ المسد [١]
ليت شعري ولليت نبوة أين صار الرّوح مذ بان الجسد [٢]
بينما المرء شهاب ثاقب ضرب الدهر سناه فخمد
ولبيب أيّد ذي حنكة مستوي المرّة مأمون العقد [٣]
غاله الدّهر وغطى حزمه وانتضاه من عديد وولد [٤]
وهو الذي يقول:
يا ويح هذي الأرض ما تصنع لكل حيّ فوقها مصرع
تزرعهم حتّى إذا ما أنوا عادت لهم تحصد ما تزرع
_________________
(١) المحور: العود الذي تدور عليه البكرة، وربما كان من حديد. والقبّ، بالباء الموحدة: الخرق الذي في وسط البكرة. وفي الأصل: «بالقت»، ولا وجه له، والمسد: المحور إذا كان من حديد. فهو صفة للمحور. وقد فصل بين الصفة والموصوف بمتعلق عامل الموصوف.
(٢) في الأصل: «ولليت بنوه»، صوابه ما أثبت. والمراد: ما كل ما يتمني المرء يدركه. والنبوة هنا: المجاوزة وعدم الإصابة. وبان الروح الجسد: فارقه. يقال بان الشيء وبنته أنا، يلزم ويتعدى. والروح يذكر ويؤنث.
(٣) اللبيب: العاقل. والأيد، كسيد: القوى. والحنكة: تمام العقل بطول التجربة. وفي الأصل: «اسدى»، والوجه ما أثبت. وقد نشأ التحريف من التصاق الكلمتين. والمرة: القوة وشدة العقل. وفي الحديث: «لا تحل الصدقة لغنيّ، ولا لذي مرة سويّ» .
(٤) انتضاه من بينهم: أخرجه بحادث الموت، كما ينتضى السيف من غمده.
(٥) أنوا: حان حينهم. يقال أنى الرحيل أي حان وقته.
[ ١٣١ ]
ويزعم كثير من الرواة أنّ القصيدة التى تضاف إلى لقيط الإيادي [١] إنّا هي لعبد الله. ومن البرصان [٢]