كان لندرة نصوص البرصان وكثرة ما تزخر به من أعلام، مجهولة وإشارات أدبية وتاريخية غامضة، ما يتقاضى محقّقها ومفسرها كثيرا من الجهد، وصبرا جميلا في التهدى إلى مظانها في بطون المراجع، وحرصا على البعد عن مزلّات الفهم، كما كان رسم كلمات النسخة، والنمط الذي سارت عليه في الكتابة وفي الضبط، مقتضيا للتريث وطول النظر.
ولولا طول العهد منى بصحبة الجاحظ، ومعايشة أسلوبه ومراميه، لم يخرج هذا الكتاب بهذه الصورة التي ظهر بها، والتى أرجو أن أنال بها رضا الله جل وعز، ورضا الناس.
[ ١٩ ]
فالحمد لمن له الحمد وحده، ومن له الثناء كله، وهو الهادي لمن اهتدى، وما كنّا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة فى صبيحة الخميس ٢٦ من ربيع الأول ١٤٠٢ ٢١ من يناير ١٩٨٢.
[ ٢٠ ]
[كتاب البرصان]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وسلّم وهب الله لك حبّ الاستماع، وأشعر قلبك حسن التبيّن، وجعل أحسن الأمور فى عينك، وأحلاها في صدرك، وأبقاها أثرا عليك في دينك ودنياك، علما تقيّده [١]، وضالّا ترشده، وبابا من الخير تفتحه؛ وأعاذك من التكلّف، وعصمك من التلوّن، وبغّض إليك اللّجاج، وكرّه إليك الاستبداد [٢]، ونزّهك عن الفضول، وعرّفك سوء عاقبة المراء.
وقد علمت مع ذلك من مدح بقوله:
من أمر ذي بدوات لا تزال له بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد [٣]
وأنّ الآخر [٤] قال:
ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا ممّا تجد
واستبدّت مرّة واحدة إنّما العاجز من لا يستبدّ
_________________
(١) بهذه الكلمة آثار طمس فى الأصل، لم يظهر منها إلا القاف والياء والدال والهاء.
(٢) أضاعت الرطوبة الألف والدال من نهاية هذه الكلمة.
(٣) البيت للراعي في ديوانه ٥٢، وسمط اللآلىء ١: ٢٠٣، وفصل المقال ١٤٧، ونوادر أبى زيد ٧٥، واللسان (بزل، بدا، جثم، لبد) . والبدوات: جمع بداة كغداة. والعرب تقول للرجل الحازم: فلان ذو بدوات، أي ذو آراء تظهر فيختار أجودها. وقد وردت الكلمة هنا برسم «بدأت» والمعروف «بدوات» . والبزلاء: الرأي الجيد الذى يشق عن الصواب. والجثّامة: البليد. واللبد، بضم ففتح: الذي لا يسافر ولا يبرح منزله ولا يطلب معاشا. ويقال أيضا «اللّبد» بفتح فكسر.
(٤) هو عمر بن أبى ربيعة. ديوانه ٧٦، والبيان ١: ٣٥.
[ ٢٧ ]
ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلّا مجهّلا مذموما، ولأ أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفّعا مضعوفا. وإنّما الشّأن في وجدان آلة التصرّف، وفي تمام العزم بعد التبيّن، لا أعرف إلّا هذين البيتين، فليضمم مازاد، وليكتب ما.. لبّ [١] .
وما كلام الشّاعر في قصيدته، إلّا كقول الخطيب فى خطبته. وما ذلك إلّا كاحتجاج المحتجّ، واختبار المختبر، وأوصاف الواصف. وفي كلّ ذلك يكون الخطأ والصواب [٢]، وقد قال الشاعر:
قليل تصاريف الخليقة لا ترى خليلا لعبد الله في الناس قاليا [٣]
وقد وصف الآخر قول خليله المتلوّن والمستطرف فقال:
شرّ الأخلّاء خليل يصرفه واش، وأدنى صاحب يستطرفه
ملوّن تنكره وتعرفه
فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها، وتفقّد حالاتك عقدة ترجع إليها [٤]، حتّى تخرج أفعالك مقسومة محصّلة، وألفاظك موزونة معدّلة، ومعانيها مصفّاة مهذّبة، ومخارج أمورك مقبولة محبّبة. فمتى كنت كذاك كانت رقّتك على الجاهل الغبيّ بقدر غلظتك على المعاند الذّكيّ، وتحبّ
_________________
(١) لم يظهر من هذه الكلمة إلا هذان الحرفان.
(٢) كلمات مطموسة في الأصل.
(٣) الخليقة: الخلق. وقال زهير: ومما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم أى إنه ثابت الطبع غير مزعزع. والقالى: الكاره للشيء.
(٤) يقال اعتقد مالا أو ضيعة: اقتناهما. وكل ما يعتقده الانسان من عقار ونحوه فهو عقدة له.
[ ٢٨ ]
الجماعة بقدر بغضك للفرقة، وترغب في الاستخارة والاستشارة بقدر زهدك في الاستبداد واللّجاجة، وتبدأ من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطّوع بما يسع جهله.
ولا تلتمس الفروع إلّا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطّرف والغرائب، وتؤثر رواية الملح والنّوادر، وكلّ ما خفّ على قلوب الفرّاغ، وراق أسماع الأغمار، إلا بعد إقامة العمود، والبصر بما يثلم من ذلك العمود؛ فإنّ بعض من يكلف [١] برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عبّاس بن الأحنف، ورواية شعر ابن أحمر قبل رواية شعر أبي نواس.
وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدّين [٢] قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السّنّة [٣] .
وناسّ من أهل الكلام نظروا في الجزء [٤] والطّفرة [٥] والمداخلة
_________________
(١) كلمة غير واضحة، ولعلها «يكلف» كما أثبت.
(٢) العين: ما ضرب نقدا من الدنانير والدراهم، أو هو الذهب بعامّة.
(٣) طلاق السنة موضع خلاف بين الفقهاء. والمشهور فيه أن يطلق المرأة في طهر لم يلامسها فيه. هذا من ناحية التوقيت. وقد اختلفوا في العدد أيضا: هل هو واحدة، أو ثلاث بين كل منها شهر. والمرجع فى ذلك موسوعات الفقه.
(٤) رسمت في الأصل: «الجزو» . والمراد به الجزء الذي لا يتجزأ. انظر له الحيوان ٣: ٣٧- ٣٨.
(٥) الطفرة: مسألة كلامية تنسب إلى إبراهيم النظام، كما في الفصل ٥: ٦٤ وهي قوله: إن المار على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها ذلك المار، ولا مرّ عليها، ولا حاذاها، ولا حلّ فيها. وانظر أيضا الفرق بين الفرق ١٢٤، وتأويل مختلف الحديث ١٦، والحيوان ٤: ٢٠٨/٥: ١٢٤.
(٦) المداخلة: مقالة كلامية لقوم زعموا أن الألوان، والطعوم، والروائح، والأصوات،
[ ٢٩ ]
والمجاورة [١] قبل أن ينظروا في التوحيد والعدل [٢] والآجال [٣] والأرزاق.
وسئل بعض العلماء عن بعض أهل البلدان [٤] فقال: «أبحث الناس عن صغير، وأتركهم لكبير» .
وسئل عن بعض الفقهاء [٥] فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما كان.
وقد خفت أن تكون مسألتك إيّاى كتابا في تسمية العرجان والبرصان، والعميان والصّمّان [٦]، والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، وزهّدتك فيه.
_________________
(١) والخواطر، أجسام، وأن تلك الأجسام بزعمهم تتداخل في حيز واحد. وممن ذهب إلى ذلك إبراهيم النظّام. أنظر الفصل ٥: ٦٠- ٦١، والفرق ١٢٢، والحيوان ٤: ٢٠٨.
(٢) المجاورة ويقال لها أيضا التماسّ: باب من الكلام يبحث في اتصال الأجسام بعضها ببعض، كالماء باللبن، والدقيق بالماء، والزيت بالخل. انظر الكلام عليها مفصلا في الفصل ٥: ٦١ والفرق بين الفرق ٢٠٤. وانظر أيضا الحيوان ٤: ٢٠٩.
(٣) أشير في هامش الأصل إلى أنها في نسخة: «قبل أن ينظروا في التوحيد والعدل» . وعلى ذلك فكلمتا «التوحيد والعدل» هما من إحدى نسخ الكتاب» .
(٤) الآجال: جمع أجل، بالتحريك، وهو مدة الحياة.
(٥) هى الكوفة. أنظر البيان ٢: ٢٥٣ ففيه: «وسأل معاوية ابن الكواء عن أهل الكوفة فقال: أبحث الناس عن صغيرة، وأتركهم لكبيرة» .
(٦) هو أبو حنيفة، ففي البيان ٢: ٢٥٣: «وسئل شريك عن أبى حنيفة فقال: أعلم الناس بما لا يكون، وأجهل الناس بما يكون» . وفي الحيوان ١: ٣٤٧/٣: ١٩ «وسئل حفص بن غياث عن فقه أبى حنيفة» وتتمة الخبر في الموضع الأول: «فقال أعلم الناس بما لم يكن وأجهل الناس بما كان»، وفي الموضع الثانى: «قال: كان أجهل الناس بما كان»، وفي الموضع الثانى: «قال: كان أجهل الناس بما يكون وأعرفهم بما لا يكون» . وفي هامش النسخة: «هو أبو حنيفة» .
(٧) الصمان: جمع أصم. وهذه الكلمة لم ترد فى تسمية كتابنا هذا لا في عنوانها ولا فى خاتمتها.
[ ٣٠ ]
وذكرت لي كتاب الهيثم بن عديّ [١] في ذلك، وقد خبّرتك أن لم أرض بمذهبه، ولم أحبّه له حظّا في حياته، ولا لولده بعد مماته.
وأنا أحذّرك اللّجاج والتتايع [٢]، وأرغب إلى الله لك في السّلامة من التلون والتزيّد، ومن الاستطراف والتكلّف؛ فإن اللّجاج لا يكون إلّا من خلل القوّة، وإلّا من نقصان قد دخل على التمكين. واللّجوج في معنى المغلوب، والمتطرّف في معنى الغالب والمكتفي. ولا يكون إلّا والعقدة منحلّة، والنفس منقوضة، ثم لا بدّ من أن يتّصل ضعف المنّة بقلّة المعرفة.
ومتى نقصت المعرفة لم تكن المنّة فاضلة [٣]، وكان الفاعل إما لجوجا مشايعا [٤]، وإمّا ذا بدوات متلوّنا [٥] .
فاعرف فصل ما بين التصرّف والتلوّن.
وليس الاعتراض من صفة اللّجاج، وقد يكون الاعتراض محمودا ومذموما ولا يكون اللّجاج إلّا مذموما.
والتلوّن: أن يكون سرعة رجوعه عن الصّواب كسرعة رجوعه عن
_________________
(١) هو أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الثّعلي الطائي النجدي الكوفيّ النسّابة. وكان محمد جالس المنصور والمهدى والهادي. وكان دعىّ النسب. وفيه يقول أبو نواس: إذا نسبت عديا في بني ثعل فقدم الدال قبل العين في النسب وله تصانيف كثيرة سردها ابن النديم وياقوت. ولد قبل سنة ١٣٠ وتوفي سنة ٢٠٧. الفهرست ١٤٥- ١٤٦، ومعجم الأدباء ١٩: ٣٠٤، ووفيات الأعيان ٢: ٢٠٣- ٢٠٦، ولسان الميزان ٦: ٢٠٩.
(٢) التتايع، بالياء قبل العين: التهافت والوقوع في الشر.
(٣) المنة، بالضم: القوة. فاضلة: زائدة، من الفضل وهو الزيادة.
(٤) فى الأصل: «مسائعا» بدون نقط.
(٥) سبق تفسير البدوات في ص ٢٧.
[ ٣١ ]
الخطاء [١] وللّجاج، وأن يكون ثبات عزمه على إمضاء الخطأ كثبوت عزمه على إمضاء الصّواب النافع.
والذهول عن العواقب مقرون باللجاج، وضعف العقدة مقرون بالبدوات.
قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
وقال عمر بن الخطاب: لن ينتفع بعقله حتّى ينتفع بظنّه.
وقال محمد بن حرب [٢]: صواب الظنّ الباب الأكبر من الفراسة.
وقال بلعاء بن قيس [٣]:
وأبغى صواب الظنّ أعلم أنّه إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [٤]
ألا تراهم يمدحون ضربا من الظّنّ، ويذمّون ضربا آخر.
_________________
(١) الخطاء، بالمد: لغة في الخطأ وللجاحظ ولوع باستعماله. انظر رسائل الجاحظ ١: ٣٥٣/٣: ٥٨، ١٣٣، ٢٦١، ٢٩٩/٤: ١٢٨.
(٢) هو أبو علي محمد بن حرب الهلالي، كان من أعلام متكلمي الخوارج، وكان من البلغاء الأنبياء، وكتب للأمين. انظر الفهرست ٢٥٨ والبيان ٢: ٧٤، ٧٧، ١١٥، ١٧٩، ٢٥٧/٣: ٢١٦.
(٣) كان أبو مساحق بلعاء بن قيس اليعمري، رأس بني كنانة في أكثر حروبهم ومغازيهم. وهو شاعر محسن، وقد قال فى كل فن أشعارا جيادا. المؤتلف ١٠٦. ومات بلعاء قبل يوم الحريرة، وهو اليوم الخامس من أيام الفجار. العقد ٥: ٣٥٨- ٢٥٩. والحريرة، بالحاء المهملة والتصغير: موضع بين الأبواء ومكة.
(٤) الحيوان ٣: ٦١ وفصل المقال ١٤٤. ومع بيتين آخرين في مجموعة المعاني ٢٢. وأنشده في عيون الأخبار ١: ٣٥ بدون نسبة. ونسب في حماسة البحترى ٤٠٣ إلى عفرس ابن جبهة الكلبي. والمقادر: من قولهم قدرت لأمر كذا أقدر له، إذا نظرت فيه ودبّرته وقايسته.
[ ٣٢ ]
وأمّا الصّواب ففي الحال التى بين الحالتين.
وقال الله عز ذكره: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [١] .
وهذا البعض هو ذلك الكثير الذي ذكره؛ لأنّ قليل الكثير ربّما كان كثيرا.
وقيل لثقيف: بما بلغتم المبالغ [٢]؟ قالوا بسوء الظّنّ. وإلى ذلك ذهب الشاعر [٣] حيث يقول:
أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم والحزم سوء الظنّ بالناس
وذلك على قدر ما تصادف عليه الزّمان، وتشاهد من حالات النّاس.
وليس سوء الظّنّ في الجملة بالمذموم، ولا حسن الظّنّ بالمحمود، وإنّما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القويّة والضعيفة، والذي يتجلّى للعيون من الأمور المقرّبة، وعلى ما جرت عليه العادة والتّجربة.
ولقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [٤] .
اعلم أنّه لم يرد تصويب ظنّ إبليس. وليس مذهب الكلام وصف
_________________
(١) الآية ١٢ من سورة الحجرات.
(٢) إثبات ألف «ما» الاستفهامية المسبوقة بجارّ لغة قليلة، وبها قرأ عكرمة وعيسى: «عما يتساءلون» . وقال حسان: على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرّغ في رماد وانظر المغنى والخزانة ٢: ٥٣٧.
(٣) هو العباس بن الأحنف. ديوانه ١٥٨، وغرر الخصائص ٨٧، والمضنون به على غير أهله ٣٩٣.
(٤) الآية ٢٠ من سورة سبأ.
[ ٣٣ ]
إبليس بشىء من الصّواب، وإنّما أراد ذمّ الذين كثرت ذنوبهم حتّى طرّقوا على أنفسهم سوء الظنّ، فصار كلّ من ظنّ بهم سوءا يصير ظنّه موافقا للذي يحاولون، والذي هم فاعلون [١] .
فاطلب العلم على تنزيل المراتب، وعلى ترتيب المقدّمات، وليكن لتدبيرك نطاق، فإنّه أمان من الخطأ، وللذي تعتقد رباط؛ فإنّه لا بدّ للبنيان من قواعد.
وليكن أحب العلم إليك أطوعه لله، فإن لم تفعل فأكسبه للحال الجميلة.
والذي لا بدّ للشّريف من معرفته علم الأخبار، ومعرفة علل النحو.
ولولا أنّ الذي أكتبه لك مجانب لطرق الهيثم، وخارج ممّا يشتهيه الرّيض المتكلّف الملول [٢]، وأنّه كتاب جدّ غير هزل، لما كتبته لك. وبالله التوفيق.
قال الهيثم بن عديّ: العرج الأشراف: أبو طالب بن عبد المطّلب، معاذ بن جبل. عبد الله بن جدعان. الحارث بن أبى شمر. الحوفزان بن شريك. عمرو بن الجموح الأنصاري. الرّبيع بن مسعود الكلبي. عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وذكر القعقاع بن سويد المنقريّ [٣]، وسليمان بن كيسان الكلبيّ. لم يك ذكر غير هؤلاء.
_________________
(١) في الأصل: «للذين يحاولون والذين هم فاعلون» .
(٢) الرّيّض: الغلام أول ما يراض ويعنى بأدبه وتطويعه.
(٣) القعقاع بن سويد المنقري: أحد ولاة سجستان في الدولة الأموية. انظر الأغاني ١٠: ١٠٦، ١٠٩.
[ ٣٤ ]
وذكر العميان، وكان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر.
والعرج الأشراف- أبقاك الله- كثير. والعمى الأشراف أكثر.
ولكن ما معناه في أن أبا فلان كان أعمى، إن [١] لم يكن إنّما اجتلب ذكر العرج والعمي ليحصّل ذاك سببا إلى قصص في أولئك العرجان، وإلى فوائد أخبار في أولئك العميان. وإلى أنّ جماعة فيهم كانوا يبلغون مع العرج مالا يبلغه عامّة الأصحّاء، ومع العمى يدركون ما لا يدرك أكثر البصراء؛ ولما جاء أيضا في ذلك من الأشعار المصحّحة، ومن الأمثال المضروبة، وكيف تهاجوا بذلك وتمادحوا به، وكيف جزع من جزع وصبر من صبر، وما رووا في ذلك من الأخبار النافعة، والأحاديث السائرة، واللفظ المونق والمعنى المتخيّر، وكيف تبيّن ذلك النقص، وظهر ذلك الخلل على بعض ولم يتبيّن على بعض.
ولو ذكرنا- حفظك الله- أنّه ممّن [٢] سقي بطنه [٣] عثمان بن أبي العاص، وعمران بن الحصين، وخبّاب بن الأرت، وقبيصة بن المهلّب، وفلان وفلان، ثم لم نذكر حسن عزائهم، ونوادر كلامهم عند نزول تلك الحوادث، وعند توقّع الفرج من تلك المضايق، وأىّ شيء كرهوا من أصناف العلاج وحرّموه، وأيّ شيء استجازوه واستحلّوه، والذي رووا من الأحاديث في ذلك الداء، والروايات في ذلك الدواء،
_________________
(١) في الأصل: «إذا» .
(٢) في الأصل: «أن» ولا يلتئم مع ضبط باء «خباب» في الأصل بالضم، وكذلك مع قوله «وفلان وفلان» بالرفع.
(٣) سقى بطنه يسقي سقيا، واستسقى استسقاء: اجتمع فيه ماء أصفر. ويقال أيضا: «سقى» بالبناء للمجهول. وفي الأصل: «شق بطنه»، تحريف، وسيعقد الجاحظ فصلا لهؤلاء فيما سيأتي.
[ ٣٥ ]
وكيف كانت تعزية العائد وجواب المعود، وكيف كان دعاؤهم، وبأىّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم، فإنّ ذلك عظة لمن سمعه، وأدب لمن وعاه، وصلاح لمن استعمله. فمن لم يذكر هذه العلل لذكر هذه الفوائد لم يكن ذكره لزمانة قوم أشراف بالمحمود، ولا تنويهه قوما بادوا مستورين بالمرضيّ.
وأوّل الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى، وكذلك حكم من غسّل الموتى.
وسألتني أن أبدأ بذكر البرصان، وأثنّي بذكر العرجان، ثم أذكر ما قالوا في الأيمن [١] والأعسر، وفي الأضبط [٢]، وفي كل أعسر يسر [٣]، واختلاف طبائع الحيوان في ذلك مع اختلاف حالات البشر في الصّغر والكبر. وكيف القول في الأشلّ والأقطع [٤]، وفي الأضجم والأفقم [٥]، وفي صاحب اللّقوة والأشدق [٦]، وفي سعة الأفواة وضيقها، وفي عظم الأنوف وصغرها. وكيف مدحوا الرءوس بالعظم، وذمّوها بالصّغر، وما قالوا في الدّمامة والنّبالة، وفي القصر والطّول، ثم الّذي قالوا في الأجلح
_________________
(١) الأيمن: الذي يعمل بيده اليمنى.
(٢) الأضبط: الذي يعمل بيديه جميعا، وهو الذي يقال له أعسر يسر.
(٣) أعسر يسر: يعمل بيديه جميعا، تكون يساره في القوة مثل يمينه.
(٤) الأقطع: المقطوع إحدى اليدين.
(٥) الأضجم: الذي اعوج أنفه مائلا إلى أحد جانبي الوجه. والأفقم: الذي خرج أسفل لحيه ودخل أعلاه إلى الخلف.
(٦) اللقوة، بالفتح: داء في الوجه يعوّج منه الشدق. والأشدق: العريض الشدق الواسعه المائلة.
[ ٣٦ ]
والأنزع [١]، وفي الأصلع والأقرع، وفي الأزعر والأمعر [٢] . وما قالوا في الثّطّ والسّنوط [٣] وفي الأحدب والأعلم [٤]، وفي الآدر والأفقح [٥] .
وما ذكروا به الأعضاء ووصفوا به الجوارح. وما جاء في ذلك من الأشعار والأخبار، والأمثال والآثار.
وقد فخروا بالعمى، وذلك كثير. واحتجّوا بالعرج، وذلك غير قليل.
وإذا كان الأعرابيّ يعتريه البرص فيجعله زيادة في الجمال، ودليلا على المجد، فما ظنّك بقوله في العرج والعمى وهما لا يستقذران ولا يتقزّر منهما ولا يعديان ولا يظنّ ذلك بهما، ولا ينقصان من تدبير، ولا يمنعان من سودد.
وهذا المعنى نفسه قد ذكره شاعر قريش حين عدّد أسماء من عمّر من أشرافهم فقال في كلمة له:
_________________
(١) الأنزع: الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته. فإذا زاد فهو أجلح.
(٢) الأزعر: القليل شعر الرأس. والأمعر: الذي سقط شعره حتى لم يبق منه شيء.
(٣) الثّطّ، والأثطّ: القليل شعر اللحية والسّنوط، كصبور: الذي لا شعر في وجهه البته.
(٤) الحدب: دخول الصدر وخروج الظهر. والعلم: الشق في الشفة السفلى، ويقابله الفلح، بالحاء المهملة، يكون في الشفة العليا.
(٥) الآدر: العظيم الخصية من فتق أو من غير فتق. والأفقح: يعنى به الواسع حلقة الدبر. أنظر القاموس، وتاج العروس في هذه المادة. ولم تذكر المعاجم هذا اللفظ.
[ ٣٧ ]
ومطعم وعديّ في سيادته فذاك داء قريش آخر الزّمن [١]
وخير دائك داء لا تسبّ له ولا تبيت تمنّى لذّة الوسن
داء كريم عدوى فتحذره فالحمد لله ذي الآلاء والمنن
وقد يفرّ الأعرابيّ في الحرب فلا يفرّ بالجبن عن الأعداء، وبالنّكول عن الأكفاء، بل يخرج لذلك الفرار معنى، ويجعل له مذهبا، ثم لا يرضى حتّى يجعل ذلك المفخر شعرا، ويشهره في الآفاق. قال مالك بن أبي كعب [٢] في الفرار:
معاذ الإله أن تقول حليلتي ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب [٣]
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا عمّ الجبان من الكرب [٤]
يقول: أنا وإن ولّيت هاربا حين لا أجد مقاتلا فقد ولّيت ومعي عقلي.
_________________
(١) كان المطعم بن عديّ شريفا، ذا صيت في قريش، وكان حسن البلاء في أمر الصحيفة التى كتبتها قريش على بني هاشم. وأبوه عدي بن نوفل بن عبد مناف. الاشتقاق ٨٨، والجمهرة ١١٥، والأغانى ١٩: ٧٧.
(٢) هو مالك بن أبي كعب بن القين الخزرجي، أحد بني سلمة. شاعر جاهلي. الأغاني ١: ٢٠، ومعجم المرزباني ٣٥٨. وخبر الشعر في الأغانى ١٥: ٢٩- ٣١.
(٣) الأغانى: «لعمر أبيها لا تقول» . المرزباني: «لعمر أبيك لا تقول» . حماسة الخالديين ١: ١٧: «معاذ إلهي» .
(٤) كذا في الأصل: «عم» بالعين المهملة. والمألوف «غم» بالغين المعجمة، انظر الأغاني، وحماسة الخالديين، وحماسة البحتري ٥٣ حيث روى هذا البيت فقط.
[ ٣٨ ]
وأتمّ الفرسان في الحرب آلة من عرف المفرّ كما يعرف المكّر.
يقول: فلست كمن يستفرغه وهل الجبان، ولا كالذي يعجل فيلجم ذنب فرسه ويركبه مشكولا [١]، ويركله برجله وهو مقيّد، وينزل عن ظهره، ويظنّ أنّ سعيه على رجليه أبلغ من ركض فرسه في النّجا [٢] . قال زيد الخيل:
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
ولست بذي كهرورة غير أنّني إذا طلعت أولى المغيرة أعبس [٣]
وقال الحارث بن هشام:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتّى رموا فرسي بأشقر مزبد [٤]
فصددت عنهم والأحبّة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مفسد [٥]
وعلمت أنّي إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي
يقول: ليس من الصواب أن أقف موقفا أقاتل فيه باطلا. وقال عمرو بن معد يكرب:
_________________
(١) شكل الفرس بالشّكال: شدّ قوائمه بحبل.
(٢) النجا، بالقصر وبالمد: السرعة.
(٣) الكهرورة، بالضم: الانتهار لمن خاطبه وتعبيس الوجه له. وفي الأصل: «أعيس» بالياء المثناة، صوابه بالباء كما في اللسان (كهر) ونوادر أبي زيد ٧٩.
(٤) قال هذا الشعر يعتذر من فراره يوم بدر. السيرة ٥٢٣ جوتنجن، وعيون الأخبار ١: ١٦٩، والأغاني ٤: ١٧، والعقد ١: ١٤٠/٥: ٣٣٦. والأشقر المزبد: يعنى به الدم الذي قد علاه الزّبد. وكان حسان قد عيّره بفروه إذ يقول: إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل فيهم ونجا برأس طمرّة ولجام ديوانه ٣٦٣، والسيرة ٥٢٢، وعيون الأخبار ١: ١٦٩، والعقد ١: ١٤٤.
(٥) الأحبة، يعنى بهم من قتل أو أسر من رهطه وإخوته.
[ ٣٩ ]
ولقد أملا رجليّ بها حذر الموت وإنّي لفرور [١]
ولقد أعطفها كارهة حين للنّفس من الموت هرير [٢]
كلّ ما ذلك منّي خلق وبكلّ أنا في الرّوع جدير
فزعم أنّ الفرار من أخلاقه، كما أن الإقدام من أخلاقه. وهذا خلاف قول ابن مطيع [٣]:
أنا الذي فررت يوم الحرّه والشّيخ لا يفرّ إلا مرّه
لا بأس بالكرّة بعد الفرّه [٤]
وقول ابن مطيع شبيه بقول عتيبة [٥] بن الحارث بن شهاب، حيث يقول:
_________________
(١) رويّ هذه الأبيات مقيّد بالسكون، أو مطلق بالضم. وهى من مختارات الحماسة ١٨١ بشرح المرزوقي و١: ١٧٦- ١٧٧ بشرح التبريزي. وانظر كذلك اللآلىء ٤٨، ٣٤٤، والعقد ١: ١٤٧، والشعر والشعراء ٣٧٤، وحماسة البحتري ٥٢. بها، أى بالفرس. ويروى: «أجمع رجلى بها» والمعنى: أركضها وأستدرّ جريها. يمدح الهرب إذا كان فيه النجاة ولا مخلص منه.
(٢) يقول: كما أهرب في الوقت المناسب، أعطف فرسا مقدما على الأعداء في الوقت المناسب أيضا وأصل الهرير صوت دون النباح.
(٣) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وكان قد فر يوم الحرة من جيش مسلم بن عقبة الذي كان يلقب مسرفا لإسرافه فى القتل فلما كان يوم حصار الحجاج بمكة لعبد الله ابن الزبير جعل يقاتل أهل الشام وينشد هذا الرجز. وانظر العقد ١: ١٤٩/٤: ٣٨٩، والإصابة ٦١٨٧، ومعجم البلدان ٣: ٢٦٢ في رسم (حرة واقم) .
(٤) بينه وبين سابقه في العقد: فاليوم أجزى فرّة بكرّة
(٥) في الأصل: «عيينة»، والصواب ما أثبت من العقد ١: ١٥٠، ومعجم البلدان (ثبرة)، والحيوان ٢: ١٠٤ حيث سقت هناك ترجمة له. وكان عتيبة قد فر عن ابنه «حزرة» يوم ثبرة، وهو ماء في وسط واد في بلاد ضبة.
[ ٤٠ ]
نجّيت نفسي وتركت حزره نعم الفتى غادرته بأمره [١]
لا يترك المرء الكريم بكره [٢]
وقد أقرّ كلّ واحد من هذين على حدته بالعيب. وأمّا الآخر فإنّه حين فرّ ألزم نفسه وجميع الجيش، وهو قوله [٣]:
فإن يك عارا يوم ذاك أتيته فراري، فذاك الجيش قد فرّ أجمع [٤]
وأمّا عامر بن الطّفيل فقال [٥]:
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ولكن أتونا في العديد المجمهر [٦]
وقال لبيد [٧]:
_________________
(١) في معجم البلدان والعقد: «بثبرة» وقال ياقوت: «وهو الموضع الذي فر فيه عتيبة بن الحارث شهاب، وأسلم ابنه حزرة فقتل» .
(٢) في العقد: «هل يترك الحر الكريم» .
(٣) هو نعيم بن شقيق التميمى، كما في حماسة البحتري ٥١.
(٤) رواية صدره في حماسة البحترى: «وإن يك عارا يوم فلج» وفلج هذا: واد لبني العنبر بن عمرو بن تميم.
(٥) لم يرد في ديوان عامر بن الطفيل. وهو في العقد ٥: ٢٣٥ برواية: «نزونا للعديد» وقد قال هذا الشعر يوم «فيف الريح» بعد البعثة. وفيه وثب عامر بن الطفيل عن فرسه ونجا على رجليه، وأخذ مسهر بن يزيد الحارثي رمحه، بل زعموا أن بني الحارث بن كعب أخذوا امرأة عامر بن الطفيل. وانظر خبر هذا فى العقد والنقائض ١: ٤٧٢. وخبر عامر في محاولة الغدر برسول الله في شرحنا للمفضليات ٣٦٠.
(٦) لم يرد هذا البيت فيما اختاره المفضّل من قصيدته. ورواية العقد: «نزونا للعديد» وهي أصح، لأن بني عامر بن صعصعة رهط عامر بن الطفيل كانوا مكثورين بما اجتمع عليهم من القبائل من مذحج وغيرها. ورواية «في العديد» لا بأس إن أوّلت بعديد الأعداء. والبداد، كسحاب: المبارزة فردا لفرد. وفى الحيوان: «النداد» .
(٧) نسب الشعر في الحيوان ٦: ١٩٥ إلى لبيد أيضا. وهو ملحقات ديوانه-
[ ٤١ ]
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ولكن أتونا كلّ جنّ وخابل [١]
أتونا بشهران ومذحج كلّها وما نحن إلّا مثل إحدى القبائل [٢]
وأقرّ قيس بن الخطيم بغير هذا الجنس من الفرار فقال:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود وازورار المناكب [٣]
وقد علم قيس أنّ هذا الفرار لا يسمّى فرارا ولا يعيّر به أحد.
قال: ولمّا انهزم الناس يوم أبي فديك [٤] كان عبّاد بن الحصين [٥] في المنهزمين، وهو يصيح بأعلى صوته: أنا عبّاد بن الحصين! فقال له بعض المنهزمين: فلم تنوّه باسمك على هذه الحال؟
قال عبّاد: لكيلا تركبني غمرة [٦] .
_________________
(١) - ٣٦٤- ٣٦٥ والحق أنه لعامر بن الطفيل في النقائض.
(٢) في الحيوان والديوان: «ولكن أتانا» . والخابل: الجن الذي يخبل الناس وفي الأصل: «وجامل»، صوابه من الحيوان والديوان.
(٣) شهران، بالفتح: هم شهران بن عفرس بن حلف (بالحاء المهملة) جمهرة أنساب العرب ٣٩٠، والاشتقاق ٥٢١. وفي الأصل: «بشهراز» تحريف.
(٤) ديوان قيس ٤١، والعقد ١: ١٤٩، وحماسة البحتري ٥٣، والأشباه والنظائر ٢٥، والخزانة ٣: ١٦٥.
(٥) أبو فديك: أحد الخوارج، وهو عبد الله بن ثور بن سلمة، من بكر بن وائل. المعارف ١٨٥. وكان خروجه على عبد الملك في سنة ٧٢. ووجه إليه عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد فهزمه أبو فديك وفضحه، وأخذ أثقاله وحرمه. ثم وجه إليه عمر بن عبيد الله بن معمر، فلقية بالبحرين، فقتل أبا فديك واستنقذ منه حرم أمية بن عبد الله سنة ٧٤. الطبري ٧: ١٩٤، ٢٠٥، واليعقوبي ٣: ١٨.
(٦) كان عباد يكنى «أبا جهضم»، وكان فارس بني تميم، وولي شرطة البصرة، أيام ابن الزبير. وكان مع مصعب أيام قتل المختار. قال الحسن: «ما كنت أرى أحدا يعدل بألف فارس حتى رأيت عبادا» . المعارف ١٨٢، وجمهرة ابن حزم ٢٠٧، ٢١٣، والمحبر ٢٢٢.
(٧) الغمرة من قولهم: رجل مغمور: ليس بمعروف مشهور.
[ ٤٢ ]
ألا ترى أنّ عبّادا صحيح التّبير في حال انهزامه، وقد ترك القتال عن غير جبن، وترك القتال كي لا يقتل ضياعا، وعبّاد فارس النّاس غير مدافع.
وإيّاه يعني الشاعر حيث يقول:
من مبلغ عني نهيك بن محرز فدونك عبّادا أخا الحبطات
فدونكه يستهزم الجيش باسمه إذا خاضت الفرسان في الغمرات
والشاهد من الشعر على تقديم عبّاد على الفرسان كثير موجود.
ويكون الأعرابيّ شختا مهزولا [١]، ومقرقما ضئيلا [٢]، فيجعل ذلك دليلا على كرم أعراقه، وشرف ولادته.
قال الأصمعيّ: قلت لغلام أعرابيّ: مالي أراك ضعيفا نحيفا، وصغير الجسم قليلا مهزولا؟ قال: قرقمني العزّ [٣] .
وأنشدوا قول الآخر:
قد علمت أنّا أتاويّان من كرم الأعراق ضاويّان [٤]
وأنشدوا:
قرقمه العزّ وأضواه الكرم
_________________
(١) الشّخت: الدقيق من كل شيء. وقيّده بعضهم بأنه الدقيق من الأصل لا من هزال.
(٢) المقرقم: البطىء الشباب، الذي لا يشبّ.
(٣) في البيان ٢: ٩٧ قول أبي الذيال شويس: «أنا والله العربي، لا أرقع الجربّان، ولا ألبس التّبّان، ولا أحسن الرطانة، ولأنا أرسى من حجر. وما قرقمني إلا الكرم» وانظر ما أثبت في حواشيه من تعليق.
(٤) الأتاويّ، بالفتح: الغريب لا يدرى من أين أتى. وأصله في السيل، وقيل أصله في الرجل. والضاوي: النحيف المهزول.
[ ٤٣ ]
وليس العجب في قوله إنّ الأعراق تضوي، وإنّما العجب في قوله:
إنّ العزّ يقرقم؛ لأنّ الأوّل قد قال:
فتى لم تلده بنت عمّ قريبة فبضوى، وقد يضوى رديد القرائب [١]
وقال الأسديّ:
ولست بضاويّ تموج عظامه ولادته في خالد بعد خالد [٢]
تقارب من آبائه أمّهاته إلى نسب أدنى من الشّبر واحد
وفي أخوات أنكحوهنّ إخوة مشاغرة فالحىّ للحيّ والد [٣]
وهذا كثير. والضّوى في البهائم أوجد منه في الناس [٤] . فليس العجب من ذكرهم الضّوى إذا تردّدت الأولاد في القرابات، وإنّما العجب في قولهم: العزّ يقرقم؛ لأنّ الأعرابيّ حين ابتلي بالدّمامة والقلّة [٥]، ثقل عليه أن يقرّ بالذّلّة والضّعف، فاحتجّ لذلك وأحال النّاس على معنى لا يدركونه بالمشاهدة. وهذا من ذكائه ودهائه.
_________________
(١) هذا صواب ما فى اللسان (ردد) ففيه: «رد يد الغرائب» لكنه جاء على الصواب كما هنا في اللسان (ضوا) . وانظر سمط اللآلي ٨٧١ حيث ورد في حواشيه نسبته إلى النابغة.
(٢) الضاويّ: النحيف الجسم. وهو بتشديد الياء على وزن فاعول. ويقال في الوصف أيضا: ضاو، على وزن فاعل.
(٣) سيأتي في ص ٣٦٤ «بنى أخوات» . والشاغرة: الشغار، وهو نكاح كان في الجاهلية، يزوج الرجل صاحبه امرأة ما على أن يزوّجه الآخر أخرى بغير مهر. وخصّ به بعضهم القرائب، فينكح الرجل وليّته الآخر على أن يزوجه الآخر وليّته. وفي الحديث: «لا شغار في الإسلام» وفي الأصل في الموضعين: «مساعرة»، والصواب ما أثبت. وفي البيت كما ترى إقواء.
(٤) في الأصل: «أوجد منها في الناس» .
(٥) يعني الضآلة.
[ ٤٤ ]
فبهذه النفوس- حفظك الله- حفظوا أنسابهم، وتذاكروا مآثرهم، وقيّدوا لأنفسهم بالأشعار مناقبهم، وحاربوا أعداءهم، وطالبوا بطوائلهم، ورأوا للشّرف حقّا لم يره سواهم، وعملوا على أنّ الناس كلّهم دونهم.
وسأنشدك إن شاء الله بعض ما افتخر به الأعمى، واحتجّ به الأعرج، قبل أن تصير إلى قراءة الجميع، لأعجّل عليك معرفة الجملة من مذاهبهم.
وبالله التوفيق.
فمن العرجان: أبو الدّهماء، وهو الذي عيّرته امرأته بالعرج فقال:
ما ضرّ فارسهم في كلّ ملحمة تزحّف العرج بين السّجف والنّضد [١]
إن كان ليس بمرقال إذا نزلوا ففي الفروسة وثّاب على الأسد [٢]
وخطب الطائيّ الأعرج [٣] امرأة فشكت عرجه إلى جاراتها، فأنشأ يقول:
تشكي إلى جاراتها وتعيبني فقالت: معاذ الله أنكح ذا الرّجل
فكم من صحيح لو يوازن بيننا لكنّا سواء أو لمال به حملى
_________________
(١) التزحف: المشي في إعياء. في الأصل: «يزحف» . والسجف: أحد مصراعي الستر، يكونان في مقدم البيت. والنّضد: السرير ينضد عليه المتاع والثياب. وفي شعر النابغة (ديوانه ١٧): خلت سبيل أتيّ كان يحبسه ورفّعته إلى السّجفين فالنضد
(٢) المرقال، من الإرقال، وهو الإسراع.
(٣) هو عديّ بن عمرو بن سويد بن زبّان، المعروف بالأعرج الطائي المعنيّ، من مخضرمي الجاهلية والإسلام. الإصابة ٣٧١٣ ومعجم المرزبانى ٢٥.
(٤) في الأصل هنا، وفيما سيأتي في ص ٣٤٩ من الأصل: «ولمال به حملي»، والوجه ما أثبت.
[ ٤٥ ]
وقال أبو العملّس في أمرأته:
ما ضرّني أنّي أدبّ على العصا وفي السّرج ليث صادق ضيغم الشدّ [١]
وقال أبو طالب بن عبد المطلب، واسمه عبد مناف، وأوّل هاشميّ في الأرض ولده هاشميّان بنوه الأربعة [٢]، وعيّره بعض نسائه بالعرج فقال [٣]:
قالت عرجت فقد عرجت فما الذي أنكرت من جلدي وحسن فعالي
وأنا ابن بجدتها وفي صيّابها وسليل كلّ مسوّد مفضال [٤]
أدع الرّقاحة لا أريد نماءها كيما أفيد رغائب الأموال [٥]
وأكفّ سهمي عن وجوه جمّة حتّى يصيب مقاتل البخّال
الرّقاحة: التجارة والتّثمير [٦] .
وقال أبو طالب قولا هو أجمل وأجمع وأرجح من قول الجميع، وذلك أنه قال وفسّر:
_________________
(١) فى البيت خرم عروضي.
(٢) بنوه الأربعة هم: جعفر، وعلي، وعقيل، وطالب. أمهم هاشمية، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم. جمهرة أنساب العرب ١٤، والمعارف ٨٨٠، والمحبر ٢٦٢. ولهم أخت شقيقة هي أم هانىء بنت أبي طالب.
(٣) الأبيات مما لم يرد في ديوان أبي طالب.
(٤) يقال هو ابن بجدتها، للعالم بالشيء المتقن له المميّز له. والبجدة: العلم. وفي الأصل: «نجدتها» بالنون، صوابها بالباء. والصيّاب والصّيابة أيضا: الخيار والصميم من كل شيء. وفي الأصل «في صيابها» بدون واو.
(٥) الرغائب: جمع رغيبة، وهي العطاء الواسع الكثير.
(٦) الرقاحة: التكسب بالتجارة. وفي تلبية بكر بن وائل في الجاهلية: جئناك للنّصاحة لم نأت للرقاحة انظر اللسان (رقح) ورسالة الغفران للمعري ٤٩٥.
[ ٤٦ ]
أنا يوم السّلم مكف يّ ويوم الحرب فارس [١]
أنا للخمسة أنف حين ما للخمس عاطس [٢]
فزعم كما ترى أنّه إذا كان في السّلم فهو لا يحتاج مع الكفاية والأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته.
وما ضرّ- أكرمك الله- هرثمة بن أعين، ونصر بن شبث وغيرهما من الرّؤساء المحاربين المقربين [٣] الذى كان يمنعهم من المشي؛ إذ كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان.
وذكر سيّار بن رافع الليثيّ عرج أوفى بن موءلة بعد أن اكتهل، وكان له صديقا، فقال:
رأيت أوفى بعيدا، لست من كثب في الدّار يمشي على رجل من الخشب [٤]
جعلت للعرج مجدا لم يكن لهم وللقصار مقالا آخر الحقب
_________________
(١) البيتان أيضا مما لم يرد في ديوان أبي طالب.
(٢) أي الخمسة من الرجال. والأنف هنا بمعنى المقدّم. والعاطس: الأنف.
(٣) المقرب، عنى به المكرم المقرب، وأصله في الخيل المقربة: التى تدني وتقرب وتكرم.
(٤) الكثب: القرب. أي رأيته من بعد، لا من قرب. وفي الأصل: «بعيد الشث» .
[ ٤٧ ]
وكان أوفى مع شرفه وسودده قصيرا نحيفا، وهو الذي يقول:
إن أك قصدا في الرّجال فإنّني إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم [١]
وهذا شبيه بقول آخر:
إذا كنت في القوم الطّوال فضلتهم بعارفة حتّى يقال طويل [٢]
فهؤلاء بعض من فخر بالعرج، وسنذكر ذلك في باب القول في العرجان إن شاء الله.
فأمّا من فخر بالعمى فمنهم بشّار بن برد، وكنيته أبو معاذ، ولقبه المرعّث، مولى لبنى عقيل، وهو الذي يقول:
إذا ولد المولود أعمى وجدته وجدّك، أهدى من بصير وأحولا [٣]
عميت جنينا والذّكاء من العمى فجئت عجيب الظّنّ للعلم معقلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدا لقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا
_________________
(١) روي هذا البيت في الحماسة ٧١١ بشرح المرزوقي بدون نسبة. وورد في عيون الأخبار ٤: ٥٤ منسوبا إلى أوفى موله، صوابه «بن موءلة» كما هنا. والقصد: الوسط.
(٢) البيت لأحد الفزاريّين كما في الحماسة ١١٨٢ بشرح المرزوقي وهو لمبشّر بن هذيل الفزاري كما في معجم المرزباني ٤٧٤، وهو في البيان ٣: ٢٤٤ بدون نسبة. وأنشده في عيون الأخبار ٤: ٥٤ مسبوقا بقوله: «وقال آخر وكان قصيرا» . والعارفة: اليد تسدى. وليس لها فعل، وهي فاعلة بمعنى مفعولة. أو عارفة: ذات عرف طيب، لأنها تذكر فيثنى على صاحبها كما في شرح التبريزي للحماسة.
(٣) أحول، من الحيلة، أي أكثر حيلة. وفي شرح المقامات للشريشي ١: ١١٦: «أجولا» بالجيم، وهو ما أثبته جامع ديوان بشار ٤: ١٣٦ والوجه، هنا.
(٤) يعني أن العمى يكون رافدا للعلم ومعينا عليه. وفي الأصل: «رافد» بالرفع،-
[ ٤٨ ]