صاحب الزّبّاء وقصير [٢]، وكان يقال له جذيمة الأبرص، فلمّا ملك قالوا على وجه الكناية: «جذيمة الأبرش»، فلما عظم شأنه قالوا: «جذيمة الوضّاح» .
ولم يقولوا: جذيمة الأوضح، لأنّهم يضعون هذا الاسم في موضع الكناية عن الأبرص، وذلك كثير. وليس في الأرض أبرص يقال له الوضّاح غير جذيمة، ومن يقال له الأوضح كثير. والكناية إذا طال استعمالهم لها صارت
_________________
(١) جعدبة، بالضم، وأصل الجعدبة نفاخات الماء، وبيت العنكبوت. وترجمة يزيد بن عياض هذا في تهذيب التهذيب. وكنيته أبو الحكم، وهو مدني نزل البصرة، روى عن الأعرج، والزهري، ونافع، وجماعة، وعنه: ابنه الحكم، وهشام بن سعد، وابن وهب وغيرهم. كان ضعيف الحديث يرمى بالكذب، ومات في خلافة المهدي.
(٢) بديح مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر هذا هو جعفر الطيار وانظر رسائل الجاحظ ٢: ١٩٩، والحيوان ٣: ٢٣٣، وجمهرة ابن حزم ٦٨- ٦٩، وفي الأغاني ١٤: ٩ «بديح مولى عبد الله بن جعفر، وكان يقال له بديح المليح. وله صنعة يسيرة. وإنما كان يغني أغاني غيره مثل سائب، خاثر، ونشيط وطويس، وهذه الطبقة» .
(٣) قصير هذا هو قصير بن سعد اللخمي. وهو الذي غرّر بالزباء وأمكن منها عمرو ابن عدي ليثأر منها لمقتل خاله جذيمة. وانظر القصة مفصلة في مجمع الأمثال: (خطب يسير في خطب كبير) .
[ ١١٦ ]
كالإفصاح [١] .
فمن ذلك أنّهم كنوا عن الفرج فقالوا: كشف علينا متاعه. فصار المتاع والفرج سواء. والفرج والقبل والدّبر كلّه أيضا كنايات: وكذلك الخلا والحشّ والغائط كلّها كنايات. وكذلك البراز [٢] والزّبل والنّجو كنايات، والاسم الخرو، وجمعه خروان [٣] .
وقالوا في الكناية: فلان يدعو إلى نفسه، فلما طال ذلك وكثر قام في القبح مقام الأوّل.
وقالوا في الكناية عن قولهم: زنت فلانة: قحبت. والقحاب:
السّعال. وقال الشاعر في شاة له:
وإذا ما قحبت واحدة جاوب المبعد منها فخضف [٤]
فكأنّهم كانوا في التقدير يضعون سعلت مكان زنت، فلما طال ذلك صار قولهم: قحبت، أقبح من قولهم: زنت.
_________________
(١) في الأصل: «كالأوضاح» .
(٢) البراز، بالفتح: الغائظ. وأصل البراز الفضاء الواسع. ويقال في الغائط أيضا البراز بالكسر، كما في اللسان. وفي الأصل «التراب» تحريف غير مراد. وفي الحيوان ١: ٣٣٣: «وكل شي سواه- أي سوى الخرء- من رجيع وبراز وزبل وغائظ، فكله كناية» . وانظر لهذه المصطلحات الحيوان ١: ٣٣٠- ٣٣٤.
(٣) الخرء والخرآن، بالهمز، وقد استعمل التسهيل هنا كما في كفء وكفو، وبطء وبطو، وهزء وهزو، وانظر شرح الرضي للشافية ٢: ٣١٢- ٣١٣.
(٤) في الأصل: «واحدة وزنت» وكلمة «وزنت» مقحمة تفسد الوزن. وفي الأصل أيضا: «جاوب المبعر»، والوجه ما أثبت من الحيوان ١: ٣٣٤.
[ ١١٧ ]
وربّما قيل للأبرص: أبرش، وأقشر، وأنمش، وأرقط، وأبقع، ومبقّع وبقيع، ومولّع، ومرقّع. وبكلّ ذلك جاء الشعر. قال السّيّد الحميريّ، وكان إذا قضى وطره من الكلام لم يكن يحفل بما وراء ذلك.
والسيّد حميريّ، وهو السيّد بن محمد [١]، ويكني أبا هاشم، ومولده بعمان، ومنشؤه بالبصرة. ومات في خلافة الرشيد. قال في هجائه لأبي بكر، وعمر [٢]، وعبد الله بن عمر، ولغيرهم من الصحابة:
فبعدا وسحقا لتلك الوجوه للجبت والعدل والأبرش [٣]
[عتيق] وصاحبه الظّالمين وعجلهما ذلك الأرقش [٤]
فيا نفس حتّى متى تبلطين على الخائن الأوّل المرتشى [٥]
ثم قال:
فهذا ولا قول نعمانهم ولا قول سفيان والأعمش
أمّا العلماء فلم يقل أحد منهم إن أبا بكر كان أبرش، وكذلك عمر،
_________________
(١) إنما «السيد» لقب له، واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى، وهو حفيد يزيد بن مفرغ. وقد استنزف شعره في بني هاشم، وله فيهم أكثر من ألفين وثلاثمائة قصيدة، وإنما مات ذكره وهجرة الناس لسبه الصحابة وبعض أمهات المؤمنين وإفحاشه في قذفهم، فتحاماه الرواة. ولد سنة ١٠٥ ومات أول أيام الرشيد سنة ١٧٣. الأغاني ٧: ٢- ٢٧، وفوات الوفيات ١: ٣٢- ٣٦.
(٢) هذه الكلمة والتي قبلها مطموستان في الأصل، ولكن الشعر التالي يدل عليهما.
(٣) الجبت: الصنم، والكاهن، والساحر. والعدل، بالكسر: نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير. يعني أنّ عمر كان عدلا لأبي بكر. وفي الأصل: «للحبت» بالحاء المهملة، ولم ترد هذه الأبيات في ديوان السيد الحميرى، وروى بيتان فقط ليس من بينهما هذه الأبيات.
(٤) الكلمة الأولي مطموسة في الأصل. و«عتيق» هو اسم أبي بكر الصديق، وهو الذي عناه بالأبرش.
(٥) أبلط: لصق بالأرض. وفي الأصل: «تليطين» ولا يتسقيم بها الوزن.
[ ١١٨ ]
ولا قال أحد منهم إنّ عبد الله بن عمر كان أرقش، وهو الذي سمّاه العجل، وكان شديد الأدمة، أتاه ذلك من قبل أخواله آل مظعون [١] .
ومن العجب خبر ضبر الأعمش [٢] مع أبي حنيفة وسفيان، وهذان من المرجئة والأعمش من الغالية.
وقال ابن عنقاء الفزاريّ [٣] في المرقّع بن ذي الرّأسين [٤]، وهو أبو شوّال بن المرقّع:
فقلت لشوّال توقّ ذبابه ولا تحم أنفا أن يخيم مرقّع [٥]
وقال أبو عاصم في أيمن بن خريم [٦] فيما أظنّ:
فأرغم الله أنفا أنت حامله وزاد جلدك في تبقيعه بقعا
جلد تسربل ثوب الذّلّ ظاهره واستبطن اللّؤم حتّى ضاق فانصدعا
_________________
(١) أمه زينب بنت مظعون الحمجية. الإصابة ٤٨٢٥، وجمهرة ابن حزم ١٥٢، والمعارف ٧٩.
(٢) الضبر: الجمع، ومنه الإضبارة للحزمة من الصحف. وضبر الفرس: جمع قوائمه ليثب.
(٣) هو قيس بن بجرة، يعرف بأمه عنقاء، ومو شاعر فحل من فحول غطفان، وهو أحد بني لأي بن عصيم بن شمخ بن فزارة. قال المرزباني: عاش في الجاهلية دهرا، وأدرك الإسلام كبيرا وأسلم، وله مع عامر بن الطفيل خبر. وانظر المؤتلف ١٥٨، ومعجم المرزباني ٣٢٣، والإصابة ٧٢٨٥، والسمط ٤٥٣.
(٤) ذو الرأسين هذا اسمه خشين بن لأي بن عصيم بن شمخ بن فزارة. جمهرة ابن حزم ٢٥٩.
(٥) حمى أنفه: أخذته الحميّة، وهي الأنفة والغيرة. وفي حديث معقل بن يسار: «فحمى من ذلك أنفا» . وخام يخيم: جبن وتراجع.
(٦) سبقت ترجمته في ص ٩١.
[ ١١٩ ]
قالوا: