وهو علّويه الأعسر [١]، وأبوه الذي كان يقال له ابن القدريّ. وكان راوية للغناء عالما به جيّد الصنعة، وهو أحد مطربي عصره، لم يكن في ذلك العصر أبلغ في الإطراب من مخارق [٢] وعلّويه، وكان يضرب بالعسراء [٣] من غير أن يغيّر الأوتار.
وكان صحيح الضّرب صافي الوتر. وكان إذا عالما تحدّث بعد أن يضع العود من يده لم يستوحش من حسن حديثه إلى غنائه وصوته [٤] . فإن حكى تصوّر في كلّ صورة، وأضحك الثّكلان والغضبان. وكان جيّد الفرشة ظريف الآنية.
وحدّثني عن نفسه حديثين عجيبين، قال لي ونحن في منزل بعض مياسير أهل الكرخ: لو أخبرك مخبر أن علّوية دخل الكرخ اليوم يبتاع طيلسانا مطبقا [٥]، إذ كان لا يملك طيلسانا، أكنت تصدّق؟ قلت: لا
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف، الملقب بعلوية، كان مغنيا حاذقا، مع خفة روح وطيب مجالسة، وملاحة نوادر. وكان إبراهيم الموصلي علّمه وخرّجه وعني به جدّا. وغنّى لمحمد الأمين وعاش إلى أيام المتوكل. ومات بعد إسحاق الموصلي بمديدة يسيرة. الأغاني ١٠: ١١٥- ١٢٥، ونهاية الأرب ٥: ٩- ١٣.
(٢) هو مخارق بن يحيى بن ناوس الجزار، مولى الرشيد، وهو الذي كناه «أبا المهنّا» وكان وهو صبي ينادي على ما يبيع أبوه من اللحم. اشتراه إبراهيم الموصلي وأهداه للفضل بن يحيى، فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه، وكان من أحذق الناس بالغناء، كان الواثق يقول: علوية أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتا بعد مخارق. فهو قد أدرك زمان الواثق ومات سنة ٢٣١. الأغاني ٢١: ١٤٣- ١٥٩، ونهاية الأرب: ٤: ٣٠٤- ٣١٢ وانظر أيضا الأغاني ١٠: ١١٧، والنجوم الزاهرة ٢: ٢٦٠.
(٣) العسراء: اليد اليسري. زاد في الأغاني ١٠: ١١٧: «وكان عوده مقلوب الأوتار. البمّ أسفل الأوتار كلها، ثم المثلث فوقه، ثم المثنى، ثم الزّير. وكان عوده إذا كان في يد غيره مقلوبا على هذه الصفة، وإذا كان معه أخذه باليمنى وضرب باليسرى، فيكون مستويا في يده، ومقلوبا في يد غيره، وانظر نهاية الأرب ٥: ٩- ١٣» .
(٤) يقال استوحش منه: لم يأنس به.
(٥) الطيلسان: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال عن-
[ ١٦٩ ]
والله. قال: فإنّ الأمر كما خبّرتك.
قال لي: وأحدّثك بحديث هو أغرب من هذا وأعجب: ربّ والله ما أصبحت في يوم دجن من أوّله إلى آخره، فيتّفق ألّا يبعث إليّ أحد، ولا يمكنني أن أبعث إلى بعض إخواني، لتوقّعي في كل حال رسول من لا أمتنع من إجابته، فلا يبقى من أولئك أحد إلّا والذي يمنعه من الإرسال إليّ أنّه لا يجوز أن يكون الخليفة وأشباه الخليفة يتّفق أمرهم وقولهم على مثلي، لا يتّفق أن يتركه الجميع إلّا توهّم كلّ واحد على حدته أنّ غيره قد سبق إلي. فاتّفق منهم التّدافع، وبقيت أتثاءب وحدي، وإنّما يتهيّأ ذلك أن يدعني في ذلك اليوم الملك الأعظم فيتّفقون كلّهم على هذا الرأي.
وكان وضحه في حلقومه حيث تغطّيه اللّحية.
وذكر يوحنّا بن ماسويه أنّ موته إنّما كان بسبب دواء كان دفعه إليه لهذه العلّة. فلما دعا به في السّحر غلط الخادم فسقاه دواء كثير الأفيون [١]، فشربه فمات. وكان يكنى أبا الحسن [٢] .
_________________
(١) - التفصيل والخياطة، معرب: تالسان الفارسية. ويقولون: يا ابن الطيلسان، يريدون: يا عجمي! والمطبق: ما أطبقت طبقة منه فوق الأخرى.
(٢) في الأصل: «كسر الأفيون» بإهمال النقط ولعل صوابه ما أثبت وجاء نظيره في الخزانة ١١: ١٦٨: «وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئا كثيرا من الأفيون» في قصة وفاة الرئيس ابن سينا. وجاء في القاموس (فين): «والأفيون: لبن الخشخاش المصري الأسود.. مخدّر وقليله نافع منوّم، وكثيره سمّ» . والذي في الأغاني ١٠: ١١٥، ونهاية الأرب ٥: ٩ أنه خرج عليه جرب، فشكاه إلى يحيى بن ماسويه، فبعث إليه بدواء مسهل وطلاء، فشرب الطلاء واطلى بالدواء، فقتله ذلك.
(٣) في الأصل: «أبا الجن»، صوابه ما أثبت من الأغاني ونهاية الأرب.
[ ١٧٠ ]