خطيب غطفان، وهو الذي لمّا ضرب بسيفه مؤخّرة رحل أبيه خارجة بن سنان، والحارث بن عوف الحاملين [٣] وقال لهما: مالي في هذه الحمالة أيّها العشمتان [٤]؟ قالا: فما عندك؟ قال:
عندي رضا كلّ ساخط، وقرى كلّ نازل، وخطبة من لدن تطلع الشّمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتّواصل، وأنهى فيها عن التّقاطع.
فلمّا خطب بتلك الخطبة التي سمّيت «العذراء [٥]» وضربوا بها المثل، فقال عجلان بن سحبان [٦]:
ولا كأخي ذهل إذا قام قائلا ولا الأسلع الحمّال حين يجيب
_________________
(١) حيّ حريد: متنح معتزل من جماعة القبيلة، لا يخالطهم في ارتحاله وحلوله، إمّا من عزّتهم وإما من ذلّتهم وقلّتهم.
(٢) في الأصل: «شياطينا» .
(٣) يعني حملهما للديات في حرب داحس والغبراء، وحسمهما للنزاع. البيان ١: ١١٦، وشرح القصائد السبع ٢٣٦، والتبريزي ١٠٧، والخزانة ١: ٤٣٧- ٤٣٨، وكامل ابن الأثير ١: ٣٤٣.
(٤) العشمة، بالتحريك: الشيخ الهرم الذي تقارب خطوه وانحنى ظهره. وفي الأصل: «العبشميان»، صوابه في البيان.
(٥) في البيان ١: ٣٤٨: «وهي خطبة قيس بن خارجة، لأنه كان أبا عذرها» .
(٦) ولد سحبان وائل الخطيب. انظر البيان ١: ٤٨.
(٧) الأسلع الحمّال، يعني به قيس بن خارجة بن سنان.
[ ١٠١ ]
فجعل قيسا أيضا حاملا، وضرب به المثل.
وقولهم: الأسلع والأبرص سواء، ولذلك قال جرير في قتل أنس الفوارس عمرو بن عدس [١]، وكان من المشّهرين بالبرص:
هل يذكرون على ثنيّة أقرن أنس الفوارس حين يهوي الأسلع [٢]
وكانوا ثلاثة إخوة [٣]: الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، بني زياد، وهم الكملة من بني عبس. وقيل لأمّهم: أيّ بنيك أكمل؟ قالت: أنس، لا بل عمارة، لا بل الربيع، ثكلتهم إن كنت أدري أيّهم أكمل.
وهي التي قالت في بعض الكملة [٤]: «ما حملته وضعا [٥]، وما
_________________
(١) كأنه نسبه إلى جده، وإنما هو عمرو بن عمرو بن عدس، كما في جمهرة ابن حزم ٢٣٢ ومعجم ما استعجم.
(٢) ديوان جرير ٣٤٩، ومعجم ما استعجم ١: ١٨٠، والنقائض ٩٧٧. والرواية فيها كلها: «هل تعرفون» . والثنية: الطريقة في الجبل. وأقرن بضمّ الراء: موضع بديار بني عبس. والأسلع هو عمرو بن عمرو بن عدس. وفي الديوان والنقائض: «يوم شك الأسلع» وفي المعجم: «يوم يهوى» .
(٣) الحق أنهم أربعة، يضاف إلى هؤلاء: قيس الحفاظ. وانظر المحبر ٣٩٨، ٤٥٨، والاشتقاق ٢٧٧، والمعارف ٣٧، وشرح القصائد السبع ٥٠٥، والأغاني ١٦: ١٩- ٢١، والعقد ٣: ٣٥١ والجمهرة ٢٥٠.
(٤) في الأصل: «الكلمة»، والوجه ما أثبت انظر الأغاني ١٦: ٢٠ والميداني ٢: ٢٧٦ عند قولهم: «أنجب من فاطمة بنت الخرشب. وكان السؤال الموجه إليها: «أي بنيك أفضل؟» فقالت: «الربيع، لا بل قيس، لا بل عمارة، لا بل أنس. ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل» . على أن قولها هنا: «ما حملته وضعا» إلخ منسوب إلى أم تأبط شرا في ولدها. تؤبنه بعد موته. انظر إصلاح المنطق ١٠، وانظر تتمة له في ص ٩٠. وكذا في الحيوان ١: ٢٨٦ والكامل ٧٩ ليبسك، والعقد ٦: ١١٨.
(٥) في الكامل: «تضعا ووضعا أيضا» . وفي العقد: تضعا ولا وضعا» وهما بمعنى-
[ ١٠٢ ]
وضعته يتنا [١]، ولا سقيته غيلا [٢]، ولا أبتّه على مأقة [٣]» .
ولمّا سمعوا بأنّ الأسلع هو الأبرص قالوا في قول مساور بن هند [٤]:
منّا بنو بدر ومنّا هاشم والحارثان ومالك والأسلع [٥]
فزعموا أنّ الأسلع القيسي كان أبرص. وهذا لا يجب، قد يجب
_________________
(١) - واحد. قال المبرد: «يقال إذا حملت المرأة عند مقبل الحيض: حملته وضعا وتضعا» . والتاء مبدلة من الواو. ونحوه في تفسير العقد. وفي إصلاح المنطق: «ما حملته وضعا تعني آخر الطهر» ونحوه في الأغاني: تضعا، فتقول: لم أحمله في دبر الطهر وقبل الحيض» .
(٢) أي لم يخرج منكّسا؛ رجلاه قبل رأسه.
(٣) الغيل: أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
(٤) ويروى: «مئقا» . والمأقة: الغضب والغيظ والبكاء. والكلام أطول من هذا في مجمع الأمثال.
(٥) مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، شاعر فارس إسلامي مخضرم أدرك النبى ولم يجتمع به. ولد في حرب داحس قبل الإسلام بخمسين عاما، وعاش إلى أيام الحجاج حيث توفي سنة ٧٥. الشعراء ٣٤٨- ٣٤٩، والإصابة ٦: ١٧١، والخزانة ٤: ٥٧٣ ومعاهد التنصيص ١: ٢٨٣، وشرح التبريزي للحماسة ٢: ٤، والمبهج لابن جني. وكانت بينه وبين المرار الفقعسي مهاجاة. انظر أيضا الأغاني ٩: ١٥٣.
(٦) بنو بدر بن عمرو بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة بن ذبيان بن بغيض. وبنو عبس بن بغيض إخوة لبني ذبيان بن بغيض. وأما هاشم فهو هاشم بن حرملة بن إياس، ينتمي إلى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وله خبر في يوم حوزة الأول في العقد ٥: ١٦٣ والحارثان: الحارث بن ظالم المري الفاتك المشهور، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، كما في جنى الجنتين ٣٧- ٣٨، وانظر جمهرة ابن حزم ٢٥٣- ٢٥٤، ومالك هو مالك بن حذيفة بن بدر. الجمهرة ٢٥٧.
[ ١٠٣ ]
أن يكون اسمه الأسلع، ويجب أن يكون ذا سلعة، ويجب أن يكون أبرص، ولا بدّ من أن يكون على ذلك دليل: إمّا شعر وإمّا حديث، وإمّا أن يقول ذلك العلماء. فإن جاءوا مع ذلك بشاهد فهو أصحّ للخبر، وإن لم يأتوا بشاهد فليس قولهم حجّة.
وأمّا قول عجلان [١]: «ولا كأخي ذهل [٢]» فإنما عنى دغفل بن حنظلة [٣] الخطيب العلامة. غرق دغفل يوم دولاب، حين عبر الناس في دجيل مع حارثه بن بدر الغداني أيام الأزارقة.
قال ابن الكلبي: من البرصان الأشراف [٤]