الكتاب كما يبدو مفصّل الأبواب، واضح التقسيم والتبويب، ولكننا لا نجد فيه قولا شافيا في جانب العميان والحولان، طبق ما هو مثبت في عنوانه المدوّن على وجهه، على حين نجد إضافات مسهبة للكتاب في ذكر عاهات لم ينص عليها في العنوان، كالحدب، والوقص، والأدران، والمفاليج، والأشجّين، ومن أصابته اللّقوة واعوجاج الوجه، وذوي الأعضاء المرغوب عنها لشبهها بالحيوان، ومن سقي بطنه، ومن قتلته الصواعق والرياح، وصغار الرءوس وكبارها، والكلام في الأعناق، والصّلع والقرع وذوي الجمم، والأعين والأعسر والأضبط.
هذا إلى ما تناثر في تضاعيف الكتاب من موازنات شتى ومضارعات
[ ١٤ ]
بين الإنسان والحيوان في كثير من الأمر، ومن يسير من القول في العميان، والعوران، والحولان، والصمان، والثّرم، أشرت إليه في حواشي الورقة السادسة من هذا التقديم.
ولم يرد الجاحظ بكتابه هذا أن يذكر العيوب والعاهات نعيا على أربابها، بل قصد بذلك أن يجلو صورة ناصعة مشرقة لذوى العاهات الذين لم تكن عاهاتهم لتحول بينهم وبين تسنّم الذرى. وقد مهّد لذلك بسرد شواهد وآثار من أدب العرب القدامى والمعاصرين له، في الاعتزاز ببعض العاهات والدفاع عنها والصعود أحيانا إلى الفخر بها والتمدّح، وصدق الانتماء.
وأشار في ذكاء إلى ذوي العاهات لهم ذمّة وميثاق عند من يطّلعون على عوراتهم وعيوبهم من الأطباء الذين يظهرون على شتى العيوب الباطنة السرّيّة، وكذلك المغسّلون الذين يطّلعون على هنات الموتى، إذ يقول:
«وأول الشروط التى وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى. وكذلك حكم من غسّل الموتى» [١] .
وهذه نظرة كريمة منه، وعزاء لمن تلقّى هذا الحظّ في دنياه بالرضا والصبر، أو بالسّخط والجزع.
وهو يقول في معرض النقد لكتاب الهيثم بن عدي، الذي كان تأليفه المغرض داعية لأن يطلب من الجاحظ تأليف هذا الكتاب:
«وقد خفت أن تكون مسألتك إياى كتابا في تسمية العرجان والبرصان، والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه،
_________________
(١) الصفحة ٨ من المخطوطة.
[ ١٥ ]
وزهّدتك فيه. وذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، وقد خبّرتك أني لم أرض مذهبه، ولم أحبه له حظا في حياته، ولا لولده بعد مماته» [١] .
ثم يسوق الجاحظ نموذجا من كتاب الهيثم بن عدي في العرجان، الذي ليس فيه إلا سرد أسماء من ذكرهم من العرج الأشراف، ويعقّب عليه بقوله: «ولم يك ذكر غير هؤلاء» . ثم يقول:
«وذكر العميان، وكان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر. والعرج الأشراف أبقاك الله كثير، والعمى الأشراف أكثر» .
فمذهب الجاحظ في هذا الكتاب ليس مذهب السرد أو التشهير، أو ذكر المثالب كما عناه الهيثم بن عدي صاحب كتاب المثالب، وإنما كان مذهبه في هذا الكتاب الفذ أن يجعله ذريعة إلى بيان نظرة العرب في أدبهم وأشعارهم إلى هؤلاء القوم الذين كتبت عليهم العاهة، وتعاملهم الإنسانيّ الرفيع معهم بالقول والفعل، الذي قد يصل إلى الإسراف في مدحهم إياهم بما بدا عليهم من تلك المظاهر أو استتر.
وحينما يتناول البرص والبرصان يسهب القول ويفيض فيه ويذكر أنواعه وأسماءه، ثم يتطرق إلى بيان مختلف أسبابه وعلله ومحاولات العرب وغيرهم في علاجه بضروب من الأصباغ، وألوان من الكى بالنار.
وهو كذلك لا يذكر الأمراض والعلل الأخرى كالاستسقاء واللّقوة والشجج، إلا ليذكر الذي رووا من الأحاديث والأخبار في ذلك الداء، ومن الروايات في ذلك الدواء، وكيف كانت تعزية العائد، وجواب المعود، وكيف كان دعاؤهم، وبأيّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم؛ فإن ذلك
_________________
(١) الصفحة ٤ من المخطوطة.
[ ١٦ ]
عظة لمن وعاه وصلاح لمن استعمله [١] .